قال الشَّافعيُّ في «المبسوط» (^١): والقياس يدلُّ عليه لأنَّ الكلبَ إذا عقر الصَّيد وقتلَه فقد حصلت الذَّكاة، فأكله منه بعد حصولِ ذكاته لا يمنعُ من أكله، كما إذا ذكَّى المسلم صيدًا ثمَّ أكلَ منه الكلب، وهذا ما نصَّ عليه في القديمِ، وأومأ إليه في الجديدِ بالقياس.
وأُجيب عن الآية بأنَّ الحديث دلَّ على أنَّه إذا أكلَ فقد أمسكَ لنفسه، وعن حديث أبي داود المذكور بأنَّه تكلِّم فيه، كما سبق مع غيره في الباب المذكور.
(وَإِنْ خَالَطَهَا كِلَابٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا تَأْكُلْ) أي: لأنَّه إنَّما سمَّى على كلابه ولم يسمِّ على غيرها، كما صرَّح به فيما سبق.
(٨) (بابُ) حكم (الصَّيْدِ إِذَا غَابَ عَنْهُ) أي: عن الصَّائد (يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً).
٥٤٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة، وثابت -بالمثلَّثة- الأحول البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمٌ) هو ابنُ سليمان (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بنِ شراحيل (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) الطَّائيِّ الجواد ابن الجواد (¬﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ) أي: المعلَّم الَّذي إذا أُشْلِيَ استشلى، وإذا زُجِرَ انزجر، وإذا أخذَ لم يأكلْ مرارًا (وَسَمَّيْتَ) الله تعالى حالة إرسالك كلبك (فَأَمْسَكَ) الصَّيد (وَقَتَلَـ) هـ (فَكُلْـ) هـ (^٢) فإنَّ أخْذَه ذكاةٌ له (وَإِنْ أَكَلَ) الكلب منه (فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ وَإِذَا خَالَطَ) كلبُك (كِلَابًا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهَا) بأن أرسلها من ليس من أهلِ الذَّكاة (فَأَمْسَكْنَ وَقَتَلْنَ) الكلاب الصَّيد، ولأبي ذرٍّ: «فقتلنَ»
_________________
(١) هو كتاب جمعه الإمام البيهقي من كلام الشافعي وسماه «المبسوط على ترتيب المختصر» وهو غير موجود فيما أعلم. ويقال إنه يطلق هذا الاسم على «الأم» كما فعل ابن النديم في الفهرست.
(٢) حرف الـ «هـ»: ليس في (د).
[ ١٦ / ٦٥٨ ]
«بالفاء» بدل: «الواو»، (فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّهَا قَتَلَ) فلو تحقَّق أنَّه أرسله من هو أهلٌ للذَّكاة حلَّ، أو وجده حيًّا فذكَّاه حلَّ أيضًا لأنَّ الاعتمادَ في الإباحة على التَّذكية لا على الإمساكِ من الكلب (وَإِنْ رَمَيْتَ الصَّيْدَ) بسهمكَ وغابَ عنك (فَوَجَدْتَهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لَيْسَ بِهِ إِلَّا أَثَرُ سَهْمِكَ فَكُلْ) فإن وجد به أثر سهم رامٍ آخر أو مقتولًا بغير ذلك فلا يحلُّ أكله مع التَّردُّد. وعند التِّرمذيِّ والنَّسائيِّ من حديث سعيد بنِ جبير، عن عديِّ بن حاتم: «إذا وجدتَ سهمكَ فيه ولم تجدْ به أثر سبعٍ وعلمتَ أنَّ سهمَكَ قتله فكلْ منه». قال الرَّافعيُّ: يؤخذُ منه أنَّه لو جرحَهُ ثمَّ غابَ ثمَّ جاء (^١) فوجده ميتًا أنَّه (^٢) لا يحلُّ، وهو ظاهر نصِّ الشَّافعيِّ في «المختصر». قال النَّوويُّ في «الروضة»: الحلُّ أصحُّ دليلًا، وصحَّحه أيضًا الغزاليُّ في «الإحياء» وثبتتْ فيه الأحاديث الصَّحيحة ولم يثبتْ في التَّحريم شيءٌ. وعلَّق الشَّافعيُّ الحلَّ على صحَّة الحديث، والله أعلم. انتهى.
وحكى البيهقيُّ في «المعرفة» عن الشَّافعيِّ أنَّه قال في قول ابن عبَّاس: كلْ ما أصميْتَ، ودعْ ما أنميْتَ. يعني: ما أصميْتَ: ما قتلَه الكلبُ وأنت تراهُ، وما أنميْتَ: ما غابَ عنك مقتلهُ.
قال: وهذا عندي لا يجوز غيره إلَّا أن يكون جاء عن النَّبيِّ ﷺ فيه شيءٌ، فيسقطُ كلُّ شيءٍ خالف أمره ﷺ ولا يقوم معه رأيٌ ولا قياس. قال البيهقيُّ: وقد ثبتَ الخبرُ بمعنى حديث الباب فينبغِي أن يكون هو قول الشَّافعيِّ.
(وَإِنْ وَقَعَ) الصَّيد (فِي المَاءِ فَلَا تَأْكُلْ) لاحتمالِ هلاكه بغرقهِ في الماء، فلو تحقَّق أنَّ السَّهم أصابه فمات فلم يقعْ في الماء إلَّا بعد أن قتلَه السَّهم حلَّ أكلُه.
وفي مسلم: «فإنَّك لا تدرِي الماءُ قتلَه أو سهمُك» فدلَّ على أنَّه إذا علم أنَّ سهمَه هو الَّذي قتلهُ يحلُّ.
_________________
(١) «ثم جاء»: ليست في (م).
(٢) «أنه»: ليست في (ب).
[ ١٦ / ٦٥٩ ]