مبيِّن (^١) للفسقِ في هذه (^٢) الآية، فإنَّ هذا ليس من باب المجملِ والمبيَّن لأنَّ له شروطًا ليست موجودة هنا، وسقط قوله: «﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ …» إلى آخره لأبي ذرٍّ.
٥٤٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة التَّبوذكيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ) والد سفيان الثَّوريِّ (عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ) بفتح العين والموحدة المخففة بعدها تحتية، ورِفَاعة؛ بكسر الراء وتخفيف الفاء وبعد الألف عين مهملة: الأنصاريِّ (عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة وبعد التحتية جيم. وقال أبو الأحوص، عن سعيدٍ، عن عباية، عن أبيه، عن جدِّه. وتابع أبا الأحوص على زيادتهِ في الإسناد عن أبيه حسانُ بن إبراهيم الكِرْمانيُّ، عن سعيد (^٣) بنِ مسروق. أخرجه البيهقيُّ من طريقه (^٤). وكذا رواه ليث بنُ أبي سليم عن عباية، عن أبيه (^٥)، عن جدِّه أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِذِي الحُلَيْفَةِ) من الأسماء المركَّبة تركيبَ إضافة، فيعرب الأوَّل بوجوه الإعراب، والثَّاني مجرورٌ على الإضافة كأبي هريرة. وزاد سفيان الثَّوريُّ، عن أبيه: «من تهامة» وهو مكانٌ بالقرب من ذات عرق بين
_________________
(١) في (د): «مبينًا».
(٢) «هذه»: ليست في (س).
(٣) في الأصول: «مسعود»، والتصحيح من مصادر التخريج.
(٤) في (ب): «طريق».
(٥) «عن أبيه»: ليست في (ص).
[ ١٦ / ٦٨٧ ]
الطَّائف ومكَّة، كما جزم به أبو بكرٍ الحازميُّ وياقوت، ووقع للقابسيِّ أنَّها الميقات المشهورُ، وكذا ذكره النَّوويُّ (فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ، فَأَصَبْنَا إِبِلًا وَغَنَمًا) من المغانم (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ¬) كائنًا (فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ) آخرهم ليصونهُم ويحفظهُم؛ إذ لو تقدَّمهم لخيفَ أن يقتطعَ الضَّعيف منهم وكان بالمؤمنين رحيمًا (فَعَجِلُوا) من الجوعِ الَّذي كان بهمْ وذبحوا ما غنموهُ قبل القسمةِ (فَنَصَبُوا القُدُورَ) ووضعوا ما ذَبحوه فيها، وفي رواية الثَّوريِّ: «فأغلوا القدورَ» أي: أوقدوا النَّار تحتها حتَّى غلتْ (فَدُفِعَ) بضم الدال مبنيًّا للمفعول، أي: وصل (إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ¬) ولأبي ذرٍّ هنا: «إليهم» ومقتضاهُ (^١) سقوطُ إليهم الأولى (^٢) (فَأَمَرَ) ﷺ (بِالقُدُورِ) أن تكفأ (فَأُكْفِئَتْ) بضم الهمزة وسكون الكاف.
قال ابنُ فرحون: أي: فأمرَ رجلًا بكفءِ القدورِ لأنَّ أَمَرَ يتعدَّى إلى مفعول به، وإلى الثاني بالباء، ويكون الثَّاني مصدرًا أو (^٣) مقدرًا بمصدر، تقول: أمرتُك الخير، وأمرتك بالخير، وتقول: أمرتُك بزيد، ولا تقول: أمرتُك زيدًا لأنَّ التَّقدير: أمرتُك بإكرام (^٤) زيدٍ أو بضربِ زيدٍ، فيُحذف المصدر ويُقام المضاف إليه مقامه، وكذلك جاء هنا فلا يجوزُ فأمرَ القدور إلَّا بتقدير مضاف، أي: بكفءِ القدور، فالباء الدَّاخلة على المصدرِ بعد حذفه دخلتْ على القائم مقامه، قال: وهذا الَّذي ظهر لي من التَّقدير ما وقفتُ عليه، لكن وجدتُ القواعد تسوق إليه. انتهى.
وقوله: فأكفئتْ، أي: فقلبتْ وأفرغ ما فيها، أي: من المرق -كما قاله النَّوويُّ- عقوبةً لهم. قال: وأمَّا اللَّحم فلم يتلفوهُ بل يحمل على أنَّه جُمع وردَّ إلى المغنم، ولا يظنُّ أنَّه أمرَ بإتلافه مع نهيهِ ﷺ عن إضاعةِ المال، وهذا من مالِ الغانمين. وأيضًا فالجنايةُ بطبخهِ لم تقع من جميع مستحقِّي الغنيمة، فإنَّ منهم من لم يطبخْ ومنهم المستحقون للخمس. فإن قيل: إنَّه لم ينقل أنَّهم حملوا اللَّحم إلى المغنمِ، قلنا: ولم ينقلْ أنَّهم أحرقوهُ أو أتلفوهُ، فيجب تأويله على وَفقِ القواعد. انتهى.
_________________
(١) في (م): «يقتضيه».
(٢) قوله: «ولأبي ذر … إلى الأولى» ليست في (د).
(٣) في (م): «و».
(٤) في (م): «بإلزام».
[ ١٦ / ٦٨٨ ]
لكن في حديث عاصم بن كُليب، عن أبيه -وله صحبة- عن رجلٍ من الأنصار قال: أصاب النَّاس حاجةٌ شديدةٌ وجهدٌ، فأصابوا غنمًا فانتهبوهَا، فإنَّ قدورَنَا لتغلِي بها إذْ جاءَ رسولُ الله ﷺ على فرسِهِ، فأكفأَ قدورَنَا بقوسِهِ ثمَّ جعلَ يُرمِّل اللَّحم بالتُّراب، ثمَّ قال: «إنَّ النُّهبة ليستْ بأحلَّ من الميتةِ» رواه أبو داود بإسنادٍ جيِّدٍ على شرطِ مسلمٍ، وترك تسميةِ الصَّحابيِّ لا يضرُّ.
ولا يقال: لا يلزمُ من تتريبِ اللَّحم إتلافُه لإمكان تداركِهِ بالغسلِ لأنَّ سياقَ الحديثِ يشعرُ بإرادةِ المبالغةِ في الزَّجر عن ذلك، وهو كونهم انتهبوا ولم يأخذوا باعتدالٍ، فلو كان بصددِ أن ينتفعَ به بعد ذلك لم يكنْ فيه كبير زجر لأنَّ الَّذي يخصُّ الواحدَ منهم نزرٌ يسيرٌ، فكان (^١) إفسادُها عليهم مع تعلُّق قلوبهم بها وحاجتِهِم إليها وشهوتِهِم لها أبلغُ في الزَّجر، قاله في «الفتح» وغيره.
(ثُمَّ قَسَمَ) ﷺ (فَعَدَلَ) أي: قابل (عَشَرَةً) ولأبي ذرٍّ: «عشرًا» (مِنَ الغَنَمِ بِبَعِيرٍ) لنفاسةِ الإبل إذ ذاك، أو قلَّتها وكثرةِ الغنم، أو كانت هزيلةً بحيث كان (^٢) قيمةُ البعير عشر شياهٍ، وحينئذٍ فلا يخالف ذلك القاعدة في الأضاحي في (^٣) أنَّ البعيرَ يجزئ عن سبع شياهٍ لأنَّ ذلك هو الغالبُ في قيمة الشَّاة والبعير المعتدلين، فالأصلُ أنَّ البعيرَ لسبعة ما لم يعرضْ عارضٌ من نفاسةٍ ونحوها فيتغيَّر (^٤) الحكمُ بحسبِ (^٥) ذلك، وبهذا تجتمعُ الأخبارُ الواردةُ في ذلك.
(فَنَدَّ) بفتح الفاء والنون وتشديد الدال، فنفرَ وذهبَ على وجههِ شاردًا (مِنْهَا) من الإبلِ
_________________
(١) في (م): «وكان».
(٢) في (د): «كانت».
(٣) في (س): «من».
(٤) في (م): «فيتعين».
(٥) في (م): «بسبب».
[ ١٦ / ٦٨٩ ]
المقسومةِ (^١) (بَعِيرٌ) والفاء عاطفة على السَّابق (وَكَانَ فِي القَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ) قال ذلك تمهيدًا لعذرهم في كون البعير الَّذي ندَّ أتعبَهم ولم يقدروا على تحصيلهِ (فَطَلَبُوهُ) بفاء العطف والسَّبب (فَأَعْيَاهُمْ) فأتعبَهم، والفاء للعطف على محذوفٍ، أي: طلبوهُ ففاتهم ولم يقدروا على تحصيلهِ (فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَجُلٌ) لم يقفِ الحافظُ ابن حَجر على اسمهِ، أي: قصدَ نحوه ورماهُ (بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللهُ (^٢» بالسَّهم، أي: جعل إصابة السَّهم له سببًا في وقوفه، فهو ﷿ خالقُ الأسباب والمسبَّبات (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ لِهَذِهِ البَهَائِمِ) جمع بهيمة. قال في «القاموس»: كلُّ ذات أربع قوائم. وفي رواية الثَّوريِّ وشعبة: «إنَّ لهذه الإبل» (أَوَابِدَ) بفتح الهمزة والواو وكسر الموحدة بعدها دال مهملة، أي: توحشًا ونفرةً من الإنس (كَأَوَابِدِ الوَحْشِ) وأوابد لا ينصرف لأنَّه على صيغة منتهى الجموع، والكاف يجوز أن تكون اسمًا صفة لأوابد، ويكون ما بعد الكاف مضافًا إليه، أو الكاف حرف جرٍّ وتاليه مجرورٌ به، أي: إن (^٣) لهذهِ البهائم أوابد كائنة كأوابد الوحش، وإنَّما انصرف أوابد الثَّاني لأنَّه أُضيف (فَمَا نَدَّ) نفر واستصعب (عَلَيْكُمْ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «منها» (فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا) أي: وكلوه، كما عند الطَّبرانيِّ، وقوله: هكذا: الهاء للتَّنبيه، وكذا: كلمتان؛ الكاف بمعنى مثل (^٤) في موضع المفعول، وذا مضاف إليه، أو الكاف نعت لمصدرٍ محذوفٍ، أي: فاصنعوا به صنعًا كذا، أي: مثل ذلك.
(قَالَ) عباية: (وَقَالَ جَدِّي) رافع بن خديج، وزاد عبد الرَّزَّاق عن الثَّوريِّ في روايته: «يا رسول الله» وهذا صورتُه صورةُ الإرسال لأنَّ عباية لم يدركْ زمان القول (إِنَّا لَنَرْجُو -أَوْ) قال: (نَخَافُ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي (أَنْ نَلْقَى العَدُوَّ غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى) بضم الميم وبالدال المهملة مقصورًا مخففًا، جمع: مُدْية -بسكون الدال-: سكين نذبح (^٥) بها ما نغنمُه منهم، أو نذبحُ بها ما نأكله لنتقوَّى به على العدوِّ إذا لقيناه.
وسمِّيت المديةُ فيما قيل لأنَّها تقطع مدَى حياةِ الحيوان (^٦).
_________________
(١) في (م) و(د): «المغنومة».
(٢) في (م) و(د) زيادة: «به».
(٣) «إن»: ليست في (د).
(٤) في (م): «مثله».
(٥) في (م) و(د): «يذبح».
(٦) في (د): «حياة الإنسان».
[ ١٦ / ٦٩٠ ]
(أَفَنَذْبَحُ بِالقَصَبِ؟) الفاء عاطفةٌ على ما قبل همزة الاستفهام، ومنهم من قدَّر المعطوف عليه بعد الهمزة، كما مرَّ في قولهِ أوَّل هذا المجموع: «أَوَمخرجيَّ هم؟»، والتَّقدير هنا: أي: أتأذن فنذبحُ بالقصب.
وقال الكِرْمانيُّ: فإن قلت: ما الغرضُ من ذكر لقاء العدوِّ عند السُّؤال عن الذَّبح (^١) بالقصب. قلتُ: غرضه أنَّا لو استعملنا السُّيوف في المذابح لكلَّت، وعند اللِّقاء نعجزُ عن المقاتلة بها (فَقَالَ) ﷺ مجيبًا بجواب جامع: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ) بسكون النون وبعد الهاء المفتوحة راء مهملة، أي: أسَالَه وصبَّه بكثرة، وهو مشبَّه بجري الماء في النَّهر، وما شرطيَّة رفع بالابتداء (وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) بضم الذال فعل ومفعول لم يسمَّ فاعله، وعليه متعلق بـ «ذُكر»، وجواب الشرط قوله: (فَكُلْ) أو «ما» موصولة رفعٌ بالابتداء، وخبرها: فكلوا، والتَّقدير: ما أنهرَ الدَّم فحلالٌ فكلوا، واللَّام في الدَّم بدل من المضافِ إليه، أي: دمَ صيدٍ (^٢)، والضَّمير في «فكلوا» على الوجهين لا يصحُّ عوده على «ما»، فلابدَّ من رابطٍ يعود على «ما» من الجملةِ أو ملابستها (^٣)، فيُقَدَّرُ محذوفٌ ملابِسٌ (^٤)، أي: فكلوا مذبوحَه، أو يقدَّر مضاف إلى ما، أي: مذبوحَ ما أنهرَ الدَّم وذكر اسم الله عليه.
وبه يتمسَّك من اشترط التَّسمية لأنَّه علَّق الإذن بمجموع الأمرين: الإنهار والتَّسمية، والمعلَّق على شيئين لا يكتفى فيه إلَّا باجتماعهما، وينتفِي بانتفاءِ أحدهما، ومبحثُ ذلك قد مرَّ مرارًا.
(لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ) نصبٌ على الخبريَّة لليس، وقيل: على الاستثناء، واسمُها على الخلافِ هل هو ضميرٌ مستترٌ عائدٌ على البعضِ المفهوم من الكلِّ السَّابق، أو لفظ بعض محذوف، تقول: جاءَ القومُ ليس زيدًا، بمعنى: إلَّا زيدًا، وتقديره: ليس بعضهم زيدًا، ولا يكون بعضُهم زيدًا (^٥)، ومؤدَّاه مؤدى إلَّا (وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وسأحدِّثكم عنه (^٦)»
_________________
(١) في (ص): «الذبائح».
(٢) في (م): «الصيد».
(٣) في (ب) و(س): «ملابسها».
(٤) في (د): «يلابس».
(٥) «ولا يكون بعضهم زيدًا»: ليست في (م).
(٦) في (د): «وسأحدثكم عن ذلك».
[ ١٦ / ٦٩١ ]