(أَمَّا السِّنُّ) فإنَّه (عَظْمٌ) وكلُّ عظمٍ لا يحلُّ الذَّبح به، فالنَّتيجة مَطْويَّةٌ لدَلالة الاستثناء عليها كما قاله البيضاويُّ، أو كان ﷺ قد قرَّر عندهم أنَّ الذَّكاة لا تحلُّ بالعظمِ، فلذا اقتصرَ على قولهِ: عظم، قاله ابنُ الصَّلاح. وللكُشميهنيِّ: «فعظم» بزيادة الفاء.
(وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ) وهم كفَّار وقد نهيتُم (^١) عن التَّشبه بهم، أو لأنَّ الذَّبح به تعذيبٌ للحيوان ولا يقع به غالبًا إلَّا الخنق الَّذي ليس على صورة الذَّبح.
وفي الحديث: منع الذَّبح بالسِّنِّ والظُّفر متَّصلًا كان أو منفصلًا، طاهرًا كان أو متنجسًا.
وفرَّق الحنفية بين السِّنِّ والظُّفر المتَّصلين فخصُّوا المنعَ بهما، وأجازوهُ بالمنفصلين.
وفي «المعرفة» للبيهقيِّ من روايةِ حرملة عن الشَّافعيِّ ﵀ أنَّه حملَ الظُّفر في هذا الحديثِ على النَّوع الَّذي يدخل في البخورِ والطِّيب.
(١٦) (بابُ مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) بضم النون والصاد، حجارةٌ كانت لهم، منصوبةٌ حولَ الكعبةِ يذبحون عليها للأصنام يُعظِّمونها بذلك، ويتقرَّبون به إليها. وقيل: هي ما يعبدُ من دونِ الله، وحينئذٍ فقوله: (وَالأَصْنَامِ) عطف تفسيريٌّ، وهي (^٢) جمع صنمٍ، وهو ما اتُّخذ إلهًا من دون الله.
٥٤٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) العمِّيُّ أبو الهيثم قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ -يَعْنِي: ابْنَ المُخْتَارِ-) بالخاء المعجمة، البصريُّ الدَّباغ قال: (أَخْبَرَنَا (^٣) مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) مولى آل الزُّبير،
_________________
(١) في (م): «نهيتكم».
(٢) في (د): «وهو».
(٣) في (م): «أخبرني».
[ ١٦ / ٦٩٢ ]
ويقال: مولى أمِّ خالد زوج الزُّبير، الإمام في المغازي (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ أَنَّهُ سَمِعَ) أباه (عَبْدَ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب ﵄ (يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ) بضم النون وفتح الفاء، وعَمرو: بفتح العين، وزيدٌ هذا والدُ سعيد بن زيد العدويِّ، أحدِ العشرة المبشَّرة بالجنَّة (بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍ) بفتح الموحدة وسكون اللام وفتح الدال آخره حاء مهملتين، منصرفٌ، ولأبي ذرٍّ (^١) غير منصرفٍ، اسمُ موضعٍ بالحجاز قريب من مكَّة (وَذَاكَ (^٢) قَبْلَ أَنْ يُنْزَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الوَحْيُ) وكان زيدٌ في الجاهليَّة يتعبَّد على دينِ إبراهيم ﷺ (فَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ سُفْرَةً فِيهَا لَحْمٌ) بفتح قاف فقَدَّم، والضَّمير في إليه لزيد، ورسول الله رفع فاعل، وسفرة مفعول، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فقُدِّم» بضم القاف مبنيًّا للمفعول، «إلى رسولِ الله ﷺ سفرة»، وجمع بينهما بأنَّ القومَ الَّذين كانوا هناك قدموا السُّفرة للنَّبيِّ ﷺ فقدمها النَّبيُّ ﷺ لزيد (فَأَبَى) فامتنعَ زيد (أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ (^٣» مخاطبًا للقوم الَّذين قدموا السُّفرة للنَّبيِّ ﷺ: (إِنِّي لَا آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلَا آكُلُ إِلَّا مِمَّا) ولابنِ عساكرَ: «إلا ما» (ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) عندَ ذبحه. قال السُّهيليُّ (^٤): إنَّما قال زيد ذلك برأي منه لا بشرعٍ بلغَه، فإنَّ الَّذي في شرعِ إبراهيم تحريمُ الميتةِ لا ما ذُبح لغيرِ الله. وتعقِّب بأنَّ الَّذي في شرعِ إبراهيم ﵊ تحريم ما ذُبح لغيرِ الله تعالى، وقد كان عدوَّ الأصنام، وفي حديث زيد بنِ حارثة عندَ أبي يعلى والبزَّار وغيرهما قال: «خرجنَا مع رسولِ الله ﷺ يومًا من مكَّة وهو مُرْدفي، فذبحنا شاةً على بعضِ الأنصابِ فأنضجناهَا (^٥)، فلقينا زيد بن عَمرو …» فذكر الحديث مطوَّلًا، وفيه: «فقال زيد: إنِّي لا آكلُ ممَّا لم يذكرِ اسم الله عليه». وقوله: ذبحنَا شاة على بعض الأنصابِ، يعني: الحجارةَ الَّتي ليست بأصنامٍ ولا معبودة، وإنَّما هي من آلاتِ الحجارة الَّتي يذبح عليها. فإن قلتَ: هل أكل النَّبيُّ ﷺ من ذلك؟ أُجيب بأنَّ (^٦) جعلَه في سفرة رسولِ الله ﷺ
_________________
(١) «ولأبي ذر»: ليست في (د).
(٢) في (د): «وذلك».
(٣) في (د): «فقال».
(٤) في (م): «البيهقي».
(٥) في (م): «فأنضجنا».
(٦) في (م): «بأنه».
[ ١٦ / ٦٩٣ ]