قال (^١): وقُرَيشٌ صدوقٌ مشهورٌ، وثَّقه ابن معين والنَّسائيُّ، لكنه (^٢) تغيَّر قبل موته. قال النَّسائيُّ: بستِّ سنين، وكذا قال البخاريُّ في «الضعفاء». زاد ابن حبَّان فقال: حتَّى كان لا يدري ما يحدِّث به، فظهرَ في روايته أشياء مَناكير لا تشبهُ حديثه القديم، فلمَّا ظهر ذلك من غير أن يتميَّز مستقيمُ حديثهِ من غيره لم يجزِ الاحتجاج به فيما انفردَ به، وأمَّا ما وافقَ فيه الثِّقات فهو المعتبرُ، وليس له في البخاريِّ سوى هذا.
وأخرجه التِّرمذيُّ، عن البخاريِّ، عن ابن المدينيِّ، وقد توقَّف البرديجيُّ (^٣) في صحَّة هذا الحديث، كما نقله في «الفتح» لما ذكر من اختلاطِ قريش، وزعم أنَّه تفرَّد به، وأنَّه وهمٌ. قال ابن حَجر: وقد وجدنا له متابعًا أخرجه أبو الشَّيخ والبزَّار عن أبي هريرة، وأيضًا فسماع ابن المدينيِّ (^٤) وأقرانهِ من قريش كان قبل اختلاطهِ، والله أعلم.
(٣) (بابُ الفَرَعِ) بفتح الفاء (^٥) والراء وبالعين المهملة. قال في «القاموس»: هو أوَّل ولدٍ تنتجه النَّاقة أو الغنم، كانوا يذبحونه لآلهتهم، أو كانوا إذا تمَّت إبل واحدٍ مئة قدَّم بِكْرَهُ (^٦) فنحرَه لصنمهِ، وكان المسلمون يفعلونه في صدرِ الإسلام ثمَّ نسخ. انتهى. ويأتي إن شاء الله تعالى في حديث الباب تفسيره.
٥٤٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبدِ الله بن عثمان المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ) بن
_________________
(١) «قال»: ليست في (س).
(٢) في (د): «لكن».
(٣) كذا في (س) و(د)، وفي «الفتح»: «البرزنجي يحرر».
(٤) في (ص) و(د) زيادة: «منه».
(٥) في (ص): «بالفاء».
(٦) في (ص): «بكرا».
[ ١٦ / ٦٣٦ ]
المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشد قال: (أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم (^١) (عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ) سعيد (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ¬) أنَّه (قَالَ: لَا فَرَعَ، وَلَا عَتِيرَةَ) بفتح العين المهملة وكسر الفوقية وبعد التحتية الساكنة راء فهاء تأنيث، فعيلة بمعنى مفعولة، والتَّعبير بلفظ النَّفي والمراد النَّهي، كما في رواية النَّسائيِّ والإسماعيليِّ: «نهى رسول الله ﷺ». ولأحمد: «لا فرعَ ولا عتيرةَ في الإسلام» (وَالفَرَعُ أَوَّلُ النِّتَاجِ، كَانُوا) في الجاهليَّة (يَذْبَحُونَهُ لَطِوَاغِيتِهِمْ) لأصنامهم الَّتي كانوا يعبدونها من دون الله (وَالعَتِيرَةُ) النَّسيكة الَّتي تعتر، أي: تذبح، وكانوا يذبحونها (فِي) العشر الأوَّل من (رَجَبٍ) ويسمُّونها: الرَّجبيَّة.
وقد صرَّح عبد المجيد ابن أبي رواد، عن مَعمر -فيما أخرجه أبو قرَّة موسى بن طارق في «السنن» له- بأنَّ تفسير الفَرَع والعتيرة من قول الزُّهريِّ، وزاد أبو داود -بعد قولهِ: يذبحونه لطواغيتهم- عن بعضهم: ثمَّ يأكلونهُ، ويُلقى جلده على الشَّجر.
وفيه: إشارةٌ إلى علَّة النَّهي، واستُنبط منه الجواز إذا كان الذَّبح لله جمعًا بينه وبين حديث أبي داود والنَّسائيِّ والحاكم من رواية داود بن قيس، عن عَمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه عبد الله بن عمرو -كذا في رواية الحاكم- قال: سئل رسولُ الله ﷺ عن الفَرَع؟ قال: «الفَرَع حقٌّ، وإن (^٢) تتركه حتَّى يكون بنت مخاضٍ أو ابن لبون، فتحملَ عليه في سبيل الله، أو تعطيَه أرملةً خيرٌ من أن تذبحَه يلصقُ لحمُه بوبرهِ».
وقوله: حق، أي: ليس بباطلٍ، وهو كلامٌ خرج على جواب السَّائل، فلا مخالفةَ بينه وبين حديث: «لا فَرَع ولا عتيرة» فإن معناه: لا فَرَع واجبٌ، ولا عتيرة واجبةٌ. وقال النَّوويُّ: نصَّ الشَّافعيُّ في «حرملة»: على أنَّ الفرع والعتيرة مستحبَّان.