وسياق المؤلِّف له هنا يُوهم أنَّ المرادَ الحديثُ الأوَّل وليس كذلك لأنَّ لفظهما مختلفٌ، كما ترى فهما حديثان عند ابنِ عون: أحدُهما عنده: عن أنس بنِ سيرين، وهو المذكور هنا، والثَّاني عنده: عن محمَّد بنِ سيرين عن أنسٍ، وسقط لابنِ عساكرَ قوله: «حَدَّثنا محمَّد بن المثنى …» إلى آخره.
(٢) (بابُ إِمَاطَةِ الأَذَى) أي: إزالته (عَنِ الصَّبِيِّ فِي العَقِيقَةِ).
٥٤٧١ - ٥٤٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابنُ درهم الإمام، أبو إسماعيلٍ الأزديُّ الأزرقُ، أحدُ الأئمَّة الأعلام (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابنُ سيرين (عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ) الضَّبِّيِّ -بالضاد المعجمة والموحدة المشددة- الصَّحابيِّ ﵁ ليس له في البخاريِّ غير هذا الحديث، أنَّه (قَالَ: مَعَ الغُلَامِ عَقِيقَةٌ) أي: عقيقةٌ مصاحبة له بعد ولادتهِ فَيُعَقُّ عنه.
(وَقَالَ حَجَّاجٌ) هو ابنُ منهال، فيما وصله الطَّحاويُّ وابن عبد البرِّ والبيهقيُّ من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضِي، عن حجَّاج بن منهال (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ سلمة قال: (أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتِيانِيُّ (وَقَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدوسيُّ الحافظُ المفسِّر (وَهِشَامٌ) هو ابنُ حسَّان
[ ١٦ / ٦٣١ ]
الأزديُّ (وَحَبِيبٌ) هو ابنُ الشَّهيد أربعتهم (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) محمَّد (عَنْ سَلْمَانَ) بن عامرٍ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ¬) وهذا وقفه (^١) حمَّاد بن زيد ورفعه الآخران (^٢) كما ترى، وحمَّاد بن سلمة وإن كان ليس على شرطِ المؤلِّف لكنَّه يصلح للاستشهادِ وقد وثَّقه غيرُ واحدٍ.
(وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ) منهم سفيان بنُ عيينة كما نبَّه عليه في «الفتح»: (عَنْ عَاصِمٍ) هو ابنُ سليمان الأحول (وَهِشَامٍ) هو ابنُ حسَّان (عَنْ حَفْصَةَ (^٣) بِنْتِ سِيرِينَ) أخت محمَّد بن سيرين (عَنِ الرَّبَابِ) بفتح الراء وبموحدتين مخفَّفتين بينهما ألف، بنت صُلَيع (^٤) -بالصاد والعين المهملتين- ابن عامرٍ الضَّبيِّ (عَنْ) عمِّها (سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ) وسقط «ابن عامر الضَّبي» لغير أبي ذرٍّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ¬) وهذا وصلَهُ النَّسائيُّ وأحمد من رواية ابن عُيينة عن عاصمٍ، وأبو داود والتِّرمذيُّ من رواية عبد الرَّزَّاق عن هشام، وابن ماجه من رواية عبدِ الله بن نُمير، عن هشام. وجماعة عن هشامٍ عن حفصةَ بإسقاط: الرَّباب، كذا أخرجه الدَّارميُّ والحارث بن أبي (^٥) أسامة وغيرهما.
(وَرَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) التُّستَريُّ (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) محمَّد (عَنْ سَلْمَانَ) بن عامرٍ الضَّبيِّ (قَوْلَهُ) موقوفًا غير مرفوعٍ، ووصله الطَّحاويُّ في «المشكل» فقال: حدَّثنا محمَّد بنُ خزيمة: حدَّثنا حجاج بن منهالٍ: حدَّثنا يزيد (^٦) بن إبراهيم.
_________________
(١) في (ب): «رفعه».
(٢) في (ب): «الأخوان».
(٣) في (د): «وحفصة».
(٤) في (م): «صلع».
(٥) في (د): «عن أبي».
(٦) في (د) زيادة: «بن زريع».
[ ١٦ / ٦٣٢ ]
(وَقَالَ أَصْبَغُ) بن الفرجِ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي (عَنْ أَيُّوبَ) بن أبي (^١) تميمةَ (السَّخْتِيانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) أنَّه قال: (حَدَّثَنَا سَلْمَانُ بْنُ عَامِرٍ الضَّبِّيُّ) ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَعَ الغُلَامِ عَقِيقَةٌ) مصاحبةٌ له (فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ) بهمزة قطعٍ، فصبُّوا عنه (دَمًا) شاتين بصفة الأُضْحية عن الغلامِ، وشاة عن الجاريةِ. رواه التِّرمذيُّ وأبو داود والنَّسائيُّ؛ لأنَّ الغرضَ استبقاءُ النَّفس فأشبهتِ الدِّية لأنَّ كلًّا منهما فداء للنَّفس، وتعيَّن بذكر الشَّاة الغنم للعقيقةِ، وبه جزمَ أبو الشَّيخ الأصبهانيُّ.
وقال البَنْدَنِيجيُّ من الشَّافعية: لا نصَّ للشَّافعيِّ في ذلك، وعندِي لا يجزئ غيرها، والجمهورُ على إجزاءِ الإبل والبقر أيضًا لحديث عند الطَّبرانيِّ عن أنسٍ مرفوعًا: «يعقُّ عنه من الإبلِ والبقرِ والغنمِ» (وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى) أزيلوهُ عنه بحلقِ رأسهِ، كما جزمَ به الأصمعيُّ.
وأخرجه أبو داود بسندٍ صحيحٍ عن الحسن، لكن وقعَ عند الطَّبرانيِّ من حديثِ ابن عبَّاس: «ويماطُ عنه الأذَى ويحلقُ رأسَه» فعطفه عليه، فالأولى حملُ الأذى على ما هو أعمُّ من حلق الرَّأس. ويؤيِّد ذلك أنَّ في بعضِ الطُّرق ممَّا رواهُ أبو الشَّيخ من حديث عَمرو بن شُعيب: «وتُماط عنه أقذارهُ كالدَّم والختانِ».
وقال الطِّيبيُّ: قوله: «فأهريقوا» حكمٌ مرتَّب عليه الوصفُ المناسب المشعرُ بالعلِّيَّة، أي: مقرونٌ (^٢) مع الغلامِ ما هو سببٌ لإهراقِ الدَّم، فالعقيقةُ هي ما يصحبُ المولود من الشَّعر، والمرادُ بإهراق الدَّمِّ: العقيقةُ من الشَّاة، فيكون ذبح الشَّاة وإزالة الشَّعر مرتَّبين على ما يصحبُ المولود، والتَّعريف في الأذى للعهدِ، والمعهود الشَّعر.
وإليه أشارَ محيي السُّنَّة بقوله: العقيقة: اسمٌ للشَّعر الَّذي يحلقُ من رأس الصَّبيِّ عند ولادتهِ، فسمِّيت الشَّاة عقيقةً على المجاز؛ إذ كانت تُذبح عند حلاقِ الشَّعر. وتعليقُ أصبغ هذا وصلَه الطَّحاويُّ عن يونس بنِ عبد الأعلى، عن ابن وهبٍ، به. وهذه الطُّرق يقوِّي بعضها بعضًا.
والحديثُ مرفوعٌ لا تضرُّه رواية الوقف، والله الموفِّق.
_________________
(١) «أبي»: ليست في (د).
(٢) في (د): «يقرن».
[ ١٦ / ٦٣٣ ]
وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي الأَسْوَدِ) هو عبد الله بنُ محمد بنِ أبي الأسود، واسم أبي الأسود (^١): حميد قال: (حَدَّثَنَا قُرَيْشُ بْنُ أَنَسٍ) بضم القاف وفتح الراء، بعدها تحتية ساكنة فشين معجمة، البصريُّ، ليس له في البخاريُّ غير هذا (عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ) بفتح الحاء المهملة وكسر الموحدة، والشَّهيد: بالشين المعجمة وكسر الهاء، أنَّه (قَالَ: أَمَرَنِي ابْنُ سِيرِينَ) محمَّد (أَنْ أَسْأَلَ الحَسَنَ) البصريَّ (مِمَّنْ سَمِعَ حَدِيثَ العَقِيقَةِ) أي: المرويَّ في السُّنن عنه مرفوعًا بلفظ: «الغلامُ مرتهنٌ بعقيقتهِ تذبحُ عنه يوم السَّابع، ويُحْلق رأسه ويسمَّى» ومعنى مرتهنٌ، قيل: لا ينمو نموَّ مثله حتَّى يُعَقَّ عنه.
وقال الخطابيُّ: وأجودُ ما قيل فيه ما ذهبَ إليه أحمدُ ابن حنبل: أنَّه إذا لم يُعق عنه (^٢) لم يشفعْ في والديهِ يوم القيامة. وتعقِّب بأنَّ لفظ الحديث لا يساعدُ المعنى الَّذي أتى به، بل بينهما من المباينةِ ما لا يخفى على عمومِ النَّاس فضلًا عن خصوصهم، والمعنى إنَّما يؤخذُ عن اللَّفظ، وعند اشتراك اللَّفظ عن القرينةِ الَّتي يستدلُّ بها عليه، والحديثُ إذا استُبهم معناه فأقرب السَّبب إلى إيضاحهِ استيفاءُ طرقه، فإنَّها قلَّما تخلو عن زيادةٍ أو نقصانٍ أو إشارةٍ بالألفاظ المختلفِ فيها، فيستكشفُ بها ما أُبهم منه.
وفي بعضِ طرقِ هذا الحديث: «كلُّ غلامٍ رهينةٌ بعقيقته» أي: مرهونٌ، والمعنى: أنَّه كالشَّيء المرهون لا يتمُّ الانتفاع والاستمتاعُ به دون فكِّه، والنِّعمة إنَّما تتمُّ على المنعَمِ عليه بقيامهِ بالشُّكر، ووظيفة الشُّكر في هذه النِّعمة ما سنَّه نبيه ﷺ، وهو أن يعقَّ عن (^٣) المولود شكرًا لله تعالى وطلبًا لسلامة المولود، ويحتمل أنَّه أراد بذلك أنَّ سلامة المولود ونشأتُه على
_________________
(١) «واسم أبي الأسود»: ليست في (د).
(٢) قوله: «فمات طفلًا» زيادة من «الفتح» مصدر المصنف.
(٣) في (د): «على».
[ ١٦ / ٦٣٤ ]
النَّعت المحبوب رهينةٌ بالعقيقة (^١)، هذا هو المعنى، اللَّهمَّ إلَّا أن يكون التَّفسير الَّذي سبقَ ذكرهُ متلقَّى من قبلِ الصَّحابيِّ، ويكون الصَّحابيُّ قد اطَّلع على ذلك من مفهومِ الخطاب أو قضيَّة الحال، ويكون التَّقدير شفاعة الغلام لأبويهِ مرتهنةٌ بعقيقتهِ.
وتعقَّبه الطِّيبيُّ فقال: لا ريبَ أنَّ الإمام أحمد ما ذهب إلى هذا القول إلَّا بعد ما تلقَّى عن قول الصَّحابة والتَّابعين، وهو إمامٌ جليلٌ يجب أن يتلقَّى كلامه بالقبولِ ويحسن الظَّنَّ به، فقوله: لا يتمُّ الانتفاع والاستمتاعُ به دون فكِّه، يقتضِي عمومه في الأمور الأخرويَّة والدُّنيوية، ونظر الألباء مقصورٌ على الأوَّل، وأولى الانتفاع بالأولادِ في الآخرة الشَّفاعة في الوالدين. انتهى.
وقيل: المعنى أنَّ العقيقةَ لازمةٌ لا بدَّ منها، فشبَّه المولود في لزومِها له وعدم انفكاكه منها بالرَّهن في يدِ المرتهن، وهذا يقوِّي القولَ بالوجوب.
وقوله: تذبح عنه (^٢) يوم السَّابع، تمسَّك به من قال: إنَّها مؤقتةٌ بالسَّابع، فإن ذبحَ قبله لم تقع الموقعَ، وأنَّها تفوتُ بعده، وبه قال مالك، وقال أيضًا: إن مات قبل السَّابع سقطَتْ. ونقل التِّرمذيُّ أنَّها يوم السَّابع، فإن لم يتهيَّأ فالرَّابع عشر، فإن لم يتهيَّأ فأحد وعشرون، وورد فيه حديثٌ ضعيف.
وذكر الرَّافعيُّ أنَّه يدخل وقتها بالولادة، ثمَّ قال: والاختيار أنَّها لا تؤخَّر عن البلوغ، فإن (^٣) أخِّرت إلى البلوغ سقطَتْ عمَّن كان يريد أن يعقَّ عنه، لكن إن أراد هو أن يعقَّ عن نفسه فعل (^٤)، واختارهُ القفَّال، ونقل (^٥) عن نصِّ الشَّافعيِّ في البويطيِّ: أنَّه لا يعقُّ عن كبير.
قال ابن سيرين (^٦): (فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ) أي: الحسن: سمعتُه (مِنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ) الصَّحابيِّ الكوفيِّ الفزاريِّ.
_________________
(١) في (د): «على العقيقة».
(٢) «عنه»: ليست في (م) و(د).
(٣) في (م) و(د): «فإذا».
(٤) في (د): «يفعل».
(٥) «ونقل»: ليست في (د).
(٦) في (ب) و(س): «الشهيد».
[ ١٦ / ٦٣٥ ]