فإن قلتَ: كيف يصحُّ أن تكون إلَّا (^١) صفة وهي حرف، وإن كانت بمعنى غير، والحرفُ لا يوصف ولا يوصف به، والواقع بعد «إلَّا» قوله: «الله» و(^٢) هو اسمُ علم، والعلم يوصف ولا يوصف به (^٣). أُجيب بأنَّ شرط الصِّفة أن تكون اسمًا لأنَّها من خواصِّ الأسماء وأن يكون في ذلك الاسم عموم ومعنى فعل، وكلُّ واحدة (^٤) من هاتين الكلمتين على انفرادِهما عارٍ من هذا الشَّرط، فإذا اجتمعا أدَّى زيد مثلًا (^٥) (^٦) معنى الاسميَّة وأدَّت إلَّا معنى المغايرة، فقاما مقام الصِّفة بمجموعهما بخلاف انفرادهما، ألا ترى أنَّك تقول: دخلت إلى رجلٍ في الدَّار، فيكون الحرف مع الاسم في موضع الصِّفة لرجل، وكلُّ واحد (^٧) منهما على انفراده لا يجوز أن يكون صفة.
(أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ) بالرفع فاعل «ينقص»، ولابنِ عساكرَ بالنَّصب على استعمالِ نقص متعديًّا، وظاهر قوله: «من أجره» أنَّ النَّقص ليس في العمل بل في الأجر، ويحتمل أنَّ النَّقص في الأجر بالتَّبعية لنقص العمل على معنى أنَّه لم يوفَّق لتمامه، بل وقع مختلًّا بمقدارِ القيراطين من العمل.
٥٤٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام الأعظم (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) سقط لابنِ عساكرَ لفظ «عبد الله» أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
_________________
(١) في (ب) و(س): «لا».
(٢) في (د) و(ص): «قوله إلا الله»، وفي (م): «قول الله».
(٣) في (ل): «والعَلَم لا يُوصَف، ولا يُوصَف به»
(٤) في (د) و(ل): «وكلُّ واحد».
(٥) «زيد مثلًا»: ليست في (ص) و(د)، وقال في الهامش: قوله: أدى زيد، أي: مثلًا وأراه أدى العلم الواقع بعد إلا معنى الاسمية.
(٦) في (م) و(د): «ذلك».
(٧) في (ص): واحدة، وقال في الهامش: الذي في خطه هنا أيضًا: واحد، وأيضًا قوله: على انفرادها في خطه على انفراده.
[ ١٦ / ٦٥٣ ]
مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ ضَارٍ) بحذف الياء مع التخفيف كقاضٍ، أي: أو كلب ضار لصيد، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «ضاريًا» بإثبات الياء والنصب، أي: إلَّا كلبًا ضاريًا (نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ) زاد مسلمٌ في حديث الباب من طريق سالم، عن أبيه عبد الله بنِ عمر: «وكان أبو هريرة يقول: أو كلب حرثٍ، وكان صاحب حرث».
وفي حديث أبي هريرة في «باب إذا وقع الذُّباب في شرابِ أحدكم»: «إلَّا كلب حرثٍ أو ماشيةٍ» [خ¦٣٣٢٤] واستُشكل الجمع بين حصري الحديثين؛ إذ مقتضاهما التَّضاد من حيث إنَّ في حديث الباب الحصر في الماشية والصَّيد، ويلزم منه إخراج كلب الزَّرع، وفي حديث أبي هريرة الحصر في الحرثِ والماشية ويلزم منه إخراجُ كلب الصَّيد.
وأجاب في «الكواكب» بأنَّ مدارَ أمر الحصرِ على المقامات واعتقاد السَّامعين لا على ما في الواقع، فالمقام الأوَّل اقتضى استثناء كلبِ الصَّيد، والثَّاني اقتضى استثناء كلب الحرثِ، فصارا مستثنيين ولا منافاة في ذلك. ولمسلم من طريق الزُّهريِّ عن أبي سلمة: «إلَّا كلب صيدٍ، أو زرعٍ، أو ماشيةٍ». ولمسلمٍ أيضًا والنَّسائيِّ من وجهٍ آخر عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة بلفظ: «من اقتنَى كلبًا ليس كلبَ صيدٍ، ولا ماشيةٍ، ولا أرض، فإنَّه ينقص من أجرهِ كلَّ يومٍ قيراطان».
قال في «الفتح»: زيادة الزَّرع أنكرها ابنُ عمر، ففي مسلم من طريقِ عَمرو بن دينار، عنه: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر بقتلِ الكلاب إلَّا كلب صيدٍ، أو كلب غنمٍ، فقيل لابن عمر: إنَّ أبا هريرة يقول: أو كلب زرعٍ. فقال ابن عمر: إنَّ لأبي هريرة زرعًا»، ويقال: إنَّ ابن عمر أراد بذلك الإشارة إلى تثبيتِ رواية أبي هريرة، وأنَّ سبب حفظه لهذه الزِّيادة دونه أنَّه كان صاحب زرعٍ دونه، ومن كان مشتغلًا بشيءٍ احتاجَ إلى تعرُّف (^١) أحواله.
_________________
(١) في (م) و(د): «أن يعرف».
[ ١٦ / ٦٥٤ ]