بأكثر من مجيء عموم أو إطلاق في القرآن ومجيء تخصيصه أو تقييده في السنة.
ولو ثبتت الخلوة صراحة في الحَدِيث لم تضر لأنّ أُمّ حَرَام خالة للنبي - ﷺ - من الرَّضَاعَ أو أنَّ ذلك من خصائصه كما سيأتي قريبًا.
أمَّا الإشكال الثاني وهو فلي أُمّ حَرَام لرأس النَّبِيّ - ﷺ -، فقد تعددت آراء العلماء في ذلك على أقوال:
القولُ الأَّولُ:
أنّ من خصائص النَّبِيّ - ﷺ - إباحة النَّظَرِ لِلأَجْنَبِيَّاتِ وَالْخَلْوَةِ بِهِنَّ وَإِرْدَافِهِنّ، ويدخل في ذلك تفلية الرأس وغيره.
وقد أشار إلى هذا اِبْن عَبْد الْبَرِّ فَقَالَ: «على أنه - ﷺ - معصوم ليس كغيره ولا يقاس به سواه» (١) .
وَقَالَ أبو العباس القرطبيُّ: «يمكن أن يقالَ إنه - ﷺ - كان لا يستتر منه النساء لأنه كان معصوما بخلاف غيره» (٢) .
قَالَ ابن حَجَر: «وَحَكَى اِبْن الْعَرَبِيّ مَا قَالَ اِبْن وَهَب ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ غَيْره بَلْ كَانَ النَّبِيّ ﷺ مَعْصُومًا يَمْلِك أَرَبَهُ عَنْ زَوْجَته فَكَيْف عَنْ غَيْرهَا مِمَّا هُوَ الْمُنَزَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ الْمُبَرَّأ عَنْ كُلّ فِعْلٍ قَبِيحٍ وَقَوْلٍ رَفَثٍ، فَيَكُون ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصه» .
وَقَالَ ابن حَجَر أيضًا: «وَأَحْسَن الأَجْوِبَة دَعْوَى الْخُصُوصِيَّة وَلا يَرُدّهَا كَوْنُهَا لا تَثْبُت إِلا بِدَلِيل; لأَنَّ الدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ وَاضِح، وَاَللَّه أَعْلَم» (٣) .
_________________
(١) الاستذكار (٥/١٢٥)
(٢) المفهم (٣/٧٥٣) .
(٣) فتح الباري (١١/٧٩)
[ ٥٧ ]
وَقَالَ: «وَالَّذِي وَضَحَ لَنَا بِالأَدِلَّةِ الْقَوِيَّة أَنَّ مِنْ خَصَائِص النَّبِيّ ﷺ جَوَاز الْخَلْوَة بِالأَجْنَبِيَّةِ وَالنَّظَر إِلَيْهَا، وَهُوَ الْجَوَاب الصَّحِيح عَنْ قِصَّة أُمّ حَرَام بِنْت مِلْحَان فِي دُخُوله عَلَيْهَا وَنَوْمه عِنْدهَا وَتَفْلِيَتهَا رَأْسه وَلَمْ يَكُنْ بَيْنهمَا مَحْرَمِيّة وَلا زَوْجِيَّة» (١) .
قَالَ العينيُّ: «والجوابُ الصحيحُ أنّ من خصائص النَّبِيّ - ﷺ - جواز الخلوة بالأجنبية والنظر إليها كما ذكرنا في قصة أُمّ حَرَام بِنْت مِلْحَان في دخوله عليها ونومه عندها وتفليها رأسه ولم يكن بينهما محرمية ولا زوجية» (٢) .
وَقَالَ السيوطي: «باب اختصاصه - ﷺ - بإباحة النظر إلى الأجنبيات والخلوة بهن، أخرج البخاريُّ عَنْ خَالِد بْنِ ذَكْوَانَ قَالَ: قَالَتْ الرُّبَيِّع بِنْتُ مُعَوِّذٍ بن عَفْراء جَاءَ النَّبِيّ - ﷺ - فدخل عَلَيَّ حين بُنِيَ عَلَيَّ فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي، قَالَ الكرمانيّ- في هذا الحَدِيث -: هو محمول على أنّ ذلك كان قبل نزول آية الحجاب أو جاز النظر للحاجة أو للأمن من الفتنة، وَقَالَ ابن حَجَر: والذي وضح » (٣)، وذكر كلام ابن حَجَر المتقدم.
وتقدم في المقدمة الأولى من المطلب الثاني أنَّ النبي - ﷺ - خُصَّ بخصائص لم يشركه فيها أحد فلا يبعد أنَّ هذه منها.
* المناقشة:
قَالَ ابن حَجَر: «وَرَدَّ عِيَاضٌ الأَوَّل بِأَنَّ الْخَصَائِص لا تَثْبُت بِالِاحْتِمَالِ، وَثُبُوتُ الْعِصْمَةِ مُسَلَّمٌ لَكِنَّ الْأَصْل عَدَم الْخُصُوصِيَّة، وَجَوَاز الاقْتِدَاء بِهِ فِي أَفْعَاله
_________________
(١) فتح الباري (٩/٢٠٣) .
(٢) عمدة القاري (٢٠/١٣٦) .
(٣) الخصائص الكبرى (٢/٢٤٧) .
[ ٥٨ ]
حَتَّى يَقُوم عَلَى الْخُصُوصِيَّة دَلِيل» .
قَالَ المباركفوريّ: «قُلْت: لَوْ ثَبَتَ بِالأَدِلَّةِ الْقَوِيَّةِ أَنَّ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ ﷺ جَوَازُ الْخَلْوَةِ بِالأَجْنَبِيَّةِ وَالنَّظَرِ إِلَيْهَا لَحَصَلَ الْجَوَابُ بِلا تَكَلُّفٍ، وَلَكَانَ شَافِيًا وَكَافِيًا. وَلَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْحَافِظُ تِلْكَ الأَدِلَّةَ هَاهُنَا» (١) .
ومما يضعف هذا الوجه امتناع النَّبِيّ - ﷺ - عن مصافحة النساء في البيعة والاكتفاء بالكلام- كما تقدم -، فهذا الامتناع في هذا الوقت الذي يقتضيه -وهو وقتُ المبايعة- دليلٌ على عدم الخصوصية، وإلاَّ فبماذا يُفسر هذا الامتناع في هذا المقام الذي يقتضي عدم الامتناع؟!.
وكذلك حَدِيث عَلِيّ بْن الْحُسَيْنِ ﵄ أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلانِ مِنْ الأَنْصَارِ فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ» فَقَالا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنْ الْإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا» (٢) .
فلو كان مستقرًا عند الصحابة هذا المعنى لما احتاج النَّبِيّ - ﷺ - أن يقول للصحابيين ما قَالَ (٣) .
_________________
(١) تحفة الأحوذي (٥/٢٢٩) .
(٢) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب الاعتكاف، باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد (٢/٧١٥رقم١٩٣٠)، ومسلم في صحيحه، كتاب السلام (٤/١٧١٢رقم٢١٧٥) .
(٣) وللشافعيّ -﵀- توجيهٌ لطيف لهذا الحديث فعن إبراهيم بن محمد الشافعي قال: كنّا في مجلسِ ابنِ عيينة - والشافعيّ حاضر - فحدّث ابنُ عيينة عن الزهري عن علي بن الحسين أن النبي ﷺ مرّ بهِ رجلٌ في بعض الليل وهو مع امرأته صفيه فقال: تعال فهذه امرأتي صفيه، فقال: سبحان الله يا رسول الله!، قال: إنّ الشيطانَ يجري من الإنسان مجرى الدم فَقَالَ ابنُ عيينة للشافعي: ما فقه هذا الحديث يا أبا عبد الله؟ قال: إن كان القوم اتهموا النبي الله ﷺ كانوا بتهمتهم إياه كفارًا، لكن النبي - ﷺ - أدّب من بعده، فقال: إذا كنتم هكذا، فافعلوا هكذا حتى لا يظن بكم أحدٌ ظن السوء، لا أن النبي ﷺ يتهم، وهو أمين الله في أرضه. فقال ابن عيينة: جزاك الله خيرًا يا أبا عبد الله، ما يجيئنا منك إلا كل ما نحبه. "مناقب الإمام الشافعي" لابن أبي حاتم (ص ١٤٣)، "تاريخ مدينة دمشق" (٥١/٣٠٥) .
[ ٥٩ ]
القولُ الثاني:
أنّ هذا خاصٌ بأُمّ حَرَام وأختها أُمّ سُلَيْم.
قَالَ ابن الملقن: «ومن أحاط علمًا بنسب النَّبِيّ - ﷺ - ونسب أُمّ حَرَام علم أن لا محرمية بينهما، وقد بين ذلك الحافظ شرفُ الدين الدِّمْيَاطِيّ في جزء مفرد (١)، وَقَالَ: وهذا خاص بأُمّ حَرَام وأختها أُمّ سُلَيْم، وقد ذكرتُ ذلكَ عنه في كتابي المسمى "العُدّة في معرفة رجالِ العمدة"» (٢) .
ويرد على هذا القول الاعتراضات السابقة نفسها، ويزاد: لماذا خُصت أُمّ سُلَيْم وأختها بهذه الخصوصية.
فإن قيل: لقوله - ﷺ - " إني أَرْحَمهَا قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي " (٣)، قَالَ الدِّمْيَاطِيّ:
_________________
(١) لم أقف على هذا الجزء المفرد.
(٢) "خصائص النَّبِيّ - ﷺ - " لابن الملقن (ص١٣٧)، ولم أقف على كتاب ابن الملقن " العُدّة في معرفة رجالِ العمدة" هذا، وفي كتاب "الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط-الحديث النبوي الشريف وعلومه ورجاله-" ما نصهُ: «العُدّة على العمدة-مجهول لعله: العُدّة في معرفة رجالِ العمدة لابن الملقن: دار الكتب اليمنية/صنعاء (م. م.خ٢٥/١/ (١٩٧٩م) ١٤) (٥) -٢ج (٤٧٦ص) -١١٧٦هـ» انتهى.
(٣) يأتي تخريجه ص من هذا المطلب. قَالَ العينيُّ في عمدة القاري (١٤/١٣٨): «قوله"قتل أخوها معي" أخوها هو حرام بن ملحان قتل يوم بئر معونة، والمراد بقوله معي أي مع عسكري أو معي نصرة للدين لأن رسول الله ﷺ لم يكن في غزوة بئر معونة» .
[ ٦٠ ]
«وفي الصحيح أنه - ﷺ - كان لا يدخل على أحد من النساء إلاَّ على أزواجه إلاَّ على أُمّ سُلَيْم فقيل له في ذلك قَالَ: أرحمها قُتِلَ أخوها حرام معي، فبين تخصيصها بذلك فلو كان ثمة علة أخرى لذكرها، لأنَّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وهذه العلة مشتركة بينها وبين أختها أُمّ حَرَام» (١) .
قيل: إنّ الذين قتلوا مع حرام بن ملحان في تلك الغزوة سبعون صحابيا من قراء الصحابة، غير من قتل في غزوت أخرى، فلم ينقل أنه - ﷺ - كان يزور أهليهم كما كان يزو أُمّ سُلَيْم وأختها.
القولُ الثالث:
أنّ النَّبِيّ - ﷺ - مَحْرَم لأُمّ حَرَام فبينهما إمَّا قرابة نسب أورضاع -.
أقوال العلماء في ذلك:
-قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ: «لا يشك مسلم أنّ أُمّ حَرَام كانت من رسول الله - ﷺ - لمحرم، فلذلك كان منها ما ذكر في هذا الحَدِيث، والله أعلم.
وقد أخبرنا غيرُ واحدٍ مِنْ شيوخنا عن أبي مُحَمَّد الباجيّ عبد الله بن مُحَمَّد بن علي أنَّ مُحَمَّد بن فُطَيس أخبره عن يَحْيَى بْن إِبْرَاهِيم بْن مُزَيِّن قَالَ: إِنَّمَا اِسْتَجَازَ رَسُول اللَّه ﷺ أَنْ تَفْلِي أُمّ حَرَام رَأْسه لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْهُ ذَات مَحْرَم مِنْ قِبَل خَالَاته ; لِأَنَّ أُمّ عَبْد الْمُطَّلِب بن هاشم كَانَتْ مِنْ بَنِي النَّجَّار، وَقَالَ: وَقَالَ يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى قَالَ: قَالَ لَنَا اِبْن وَهْب (٢):أُمّ حَرَام إِحْدَى خَالات النَّبِيّ - ﷺ - مِنْ
_________________
(١) "عمدة القاري" (١١/٩٨-٩٩) .
(٢) هو: عبد الله بن وَهَب بن مسلم القرشي، الفِهْريّ، أبو مُحَمَّد المصري، مولى يزيد بن زمانة الفهري، متفقٌ على توثيقه وفقهه وفضله، قَالَ ابن حبان: «جمع ابنُ وَهَب وصَنّفَ، وهو حَفِظَ على أهل الحجاز ومصر حديثَهم، وعُني بجميع ما رَوَوا من المسانيد والمقاطيع وكان من العُبّاد»، روى له الجماعة، مات سنة سبع وتسعين ومائة. انظر: "الثقات" ٨/٣٤٦)، "تهذيب الكمال" (١٦/٢٧٧-٢٨٧) .
[ ٦١ ]
الرَّضَاعَة فَلِذَلِكَ كَانَ يُقِيل عِنْدهَا وَيَنَام فِي حِجْرِهَا وَتَفْلِي رَأْسه» (١) .
وقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ أيضًا: «أيّ ذلك كانَ فأُمّ حَرَام مَحْرَم من رسول الله - ﷺ -، والدليل على ذلك - ثم ساق حَدِيث جابر، وعمر بن الخطاب، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاصي، وعقبة بن عامر في النهي عن الخلوة- وهذه آثار ثابتة بالنهي عن ذلك، ومحال أن يأتي رسول الله - ﷺ - ما ينهى عنه» .
قَالَ النَّوَوِيّ: «اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مَحْرَمًا لَهُ ﷺ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّة ذَلِكَ فَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَغَيْره: كَانَتْ إِحْدَى خَالَاته مِنْ الرَّضَاعَة، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَتْ خَالَة لِأَبِيهِ أَوْ لِجَدِّهِ ; لِأَنَّ عَبْد الْمُطَّلِب كَانَتْ أُمّه مِنْ بَنِي النَّجَّار» (٢) .
وَقَالَ أيضًا: «وكانت أُمّ سُلَيْم هذه هي وأختها خالتين لرسولِ الله - ﷺ - مِنْ جِهةِ الرَّضَاعَ» (٣) .
قَالَ ابنُ حَجَر: «وَجَزَمَ أَبُو الْقَاسِم بْن الْجَوْهَرِيّ والدَاوُدِيُّ وَالْمُهَلَّب فِيمَا حَكَاهُ اِبْن بَطَّال عَنْهُ بِمَا قَالَ اِبْن وَهْب قَالَ: وَقَالَ غَيْره إِنَّمَا كَانَتْ خَالَة لأَبِيهِ أَوْ جَدّه عَبْد الْمُطَّلِبِ، وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ سَمِعْت بَعْض الْحُفَّاظ يَقُول: كَانَتْ أُمّ سُلَيْمٍ أُخْت آمِنَة بِنْت وَهْب أُمّ رَسُول اللَّه ﷺ مِنْ الرَّضَاعَة» (٤) .
_________________
(١) "التمهيد" (١/٢٢٦)، "الاستذكار" (٥/١٢٥) .
(٢) "شرح النَّوَوِيّ على صحيح مسلم" (١٣/٥٧)
(٣) "تهذيب الأسماء" (٢/٦٢٦) .
(٤) "فتح الباري" (١١/٧٨) .
[ ٦٢ ]
* المناقشة:
قَالَ ابن الملقن-متعقبا النَّوَوِيّ-: «وما ذكره من الاتفاق على أنها كانت محرمًا له فيه نظر، ومن أحاط علمًا بنسب النَّبِيّ - ﷺ - ونسب أُمّ حَرَام علم أن لا محرمية بينهما، وقد بين ذلك الحافظ شرفُ الدين الدِّمْيَاطِيّ في جزء مفرد» (١) .
قلت: القول بالمحرمية بالنسب فيه نظر، لأنّ خفاء قرابة النسب يبعد بخلاف الرَّضَاعَ فإنّ الرَّضَاعَة من الأجنبية كانت منتشرة في ذلك الوقت، وربما خفي أمرها على أقرب الناس لذا ذهبَ جمعٌ من العلماء إلى أنَّ شهادة المرأة الواحدة مقبولة في الرضاع إذا كانت مرضية وإليه ذهب ابنُ عباس وطاوس والزهريّ والأوزاعيّ وغيرُهُم (٢) .
قال المرداويُّ: «مَا لا يطلعُ عليه الرجالُ كعيوبِ النساءِ تحتَ الثياب، والرضاع، والاستهلال، والبكارة والثيوبة، والحيض، ونحوه فيقبل فيه شهادة امرأةٍ واحدةٍ، وهذا المذهبُ مطلقًا بلا ريب» (٣) .
ومما وَرَدَ في خفاء الرضاع من الحَدِيث:
- عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَعِنْدِي رَجُلٌ قَاعِدٌ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ، قَالَتْ: فَقَالَ: «انْظُرْنَ إِخْوَتَكُنَّ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ
_________________
(١) "خصائص النبي - ﷺ - " لابن الملقن (ص١٣٧) .
(٢) المغني (٨/١٥٢) . وانظر: مصنف عبد الرزاق (٧/٤٨١)، سنن سعيد بن منصور (١/٢٨٢)، مختصر اختلاف العلماء للطحاوي (٣/٣٤٨)، المبسوط للسرخسي (٣٠/٣٠٢)، الطرق الحكمية لابن القيم (ص١١٥) .
(٣) الإنصاف (١٢/٨٥) .
[ ٦٣ ]
الْمَجَاعَةِ» (١) .
قلتُ: فانظرْ كيفَ خفي أمر رضاعة من هي من أقرب الناس إليه - ﷺ - وهي زوجته.
-وعن عَبْدُ اللَّهِ بنُ أبي مُلَيْكَة عنْ عُقْبَةَ بنِ الحارِث ِ أنَّهُ تَزَوَّجَ ابنَةً لأبي إِهابِ بنِ عَزِيزِ فَأتَتْهُ امْرَأةٌ فَقالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرضَعْتُ عُقْبَةَ والَّتِي تَزَوَّجَ فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: ما أعْلَمُ أنَّكِ أرْضَعْتِنِي وَلا أخْبَرْتِنِي فَرَكِبَ إِلى رسول الله - ﷺ - بالمَدِينَة فَسَأَلَهُ فَقَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «كَيْفَ وقَدْ قِيلَ!» فَفارَقَها عُقْبَةُ ونَكَحَتْ زَوْجًا غَيَرَهُ (٢) .
-وَعَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُرِيدَ عَلَى ابْنَةِ حَمْزَةَ فَقَالَ: «إِنَّهَا لا تَحِلُّ لِي إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ وَيَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الرَّحِمِ» (٣) .
-وعَنْ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أَنَّكَ نَاكِحٌ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَعَلَى أُمِّ سَلَمَةَ لَوْ لَمْ أَنْكِحْ أُمَّ
_________________
(١) أخرجه: البخاري في صحيحه: كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض والموت القديم وقال النبي - ﷺ -: «أرضعتني وأبا سلمة ثويبة» والتثبيت فيه (٢/٩٣٦رقم٢٥٠٤) . كتاب النكاح، باب من قال: لا رضاع بعد حولين لقوله تعالى ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ وما يحرم من قليل الرضاع وكثيرة (٥/١٩٦١رقم٤٨١٤) . ومسلم في صحيحه، كتاب الرضاع (٢/ ١٠٧٨رقم١٤٥٥)، وهذا لفظ مسلم.
(٢) أخرجه: البخاريُّ في صحيحه، كتاب العلم، باب الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله (١/٤٥رقم٨٨) وغيرهُ.
(٣) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض والموت القديم وقال النبي - ﷺ -: «أرضعتني وأبا سلمة ثويبة» والتثبيت فيه (٢/٩٣٥رقم٢٥٠٢)، ومسلم في صحيح، كتاب الرضاع (٢/١٠٧١رقم١٤٤٧)، وهذا لفظ مسلم.
[ ٦٤ ]
سَلَمَةَ مَا حَلَّتْ لِي إِنَّ أَبَاهَا أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ» (١) .
وممن بَالَغَ في ردّ المحرمية الدِّمْيَاطِيّ، وقد ألّفَ في ذلك جزءًا كما تقدم في كلام ابنِ الملقن.
قَالَ ابنُ حَجَر: «وَبَالَغَ الدِّمْيَاطِيّ فِي الرَّدّ عَلَى مَنْ اِدَّعَى الْمَحْرَمِيَّةَ فَقَالَ: ذَهِلَ كُلّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ أُمّ حَرَام إِحْدَى خَالات النَّبِيّ ﷺ مِنْ الرَّضَاعَة أَوْ مِنْ النَّسَب وَكُلّ مَنْ أَثْبَتَ لَهَا خُؤُولَةً تَقْتَضِي مَحْرَمِيَّةً ; لأنَّ أُمَّهَاته مِنْ النَّسَب وَاَللاتِي أَرْضَعْنَهُ مَعْلُومَات لَيْسَ فِيهِنَّ أَحَد مِنْ الأَنْصَار الْبَتَّة سِوَى أُمّ عَبْد الْمُطَّلِب وَهِيَ سَلْمَى بِنْت عَمْرو بْن زَيْد بْن لَبِيدِ بْن خِرَاش بْن عَامِر بْن غَنْم بْن عَدِيِّ بْن النَّجَّار، وَأُمّ حَرَام هِيَ بِنْت مِلْحَان بْن خَالِد بْن زَيْد بْن حَرَام بْن جُنْدُب بْن عَامِر الْمَذْكُور فَلا تَجْتَمِع أُمّ حَرَام وَسَلْمَى إِلا فِي عَامِر بْن غَنْمٍ جَدّهمَا الأَعْلَى، وَهَذِهِ خُؤُولَةٌ لا تَثْبُت بِهَا مَحْرَمِيَّةٌ لأَنَّهَا خُؤُولُةٌ مَجَازِيَّة، وَهِيَ كَقَوْلِهِ ﷺ لِسَعْدِ بْن أَبِي وَقَّاص " هَذَا خَالِي" لِكَوْنِهِ مِنْ بَنِي زُهْرَة وَهُمْ أَقَارِب أُمّه آمِنَة، وَلَيْسَ سَعْد أَخًا لآمِنَةَ لا مِنْ النَّسَب وَلا مِنْ الرَّضَاعَة» .
قَالَ العينيُّ: «وَقَالَ ابن التين: كان - ﷺ - يزور أُمّ سُلَيْم لأنها خالته من الرَّضَاعَة وَقَالَ أبو عمر: إحدى خالاته من النسب لأن أم عبد المطلب سَلْمَى بِنْت عَمْرو بْن زَيْد بْن لَبِيدِ بْن خِرَاش بْن عَامِر بْن غَنْم بْن عَدِيِّ بْن النَّجَّار وأخت أُمّ سُلَيْم أُمّ حَرَام بِنْت مِلْحَان بْن خَالِد بْن زَيْد بْن حَرَام بْن جُنْدُب بْن عَامِر بْن غَنْمٍ، وأنكر الحافظ الدِّمْيَاطِيّ هذا القول، وذكر أن هذه خؤلة بعيدة لا تثبت حرمة ولا تمنع
_________________
(١) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير (٥/١٩٦٨رقم٤٨٣١) -وفي عدة مواضع أخرى-، ومسلم في صحيحه، كتاب الرضاع (٢/١٠٧٢رقم١٤٤٩) .
[ ٦٥ ]
نكاحا قَالَ: وفي الصحيح أنه - ﷺ - كان لا يدخل على أحد من النساء إلاَّ على أزواجه إلاَّ على أُمّ سُلَيْم فقيل له في ذلك قَالَ:" أرحمها قُتِلَ أخوها حرام معي"، فبين تخصيصها بذلك فلو كان ثمة علة أخرى لذكرها لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وهذه العلة مشتركة بينها وبين أختها أُمّ حَرَام» (١) .
قلتُ: سيأتي من الدلائل ما يبين أنّ بين النَّبِيّ - ﷺ - وأُمّ حَرَام خؤولة من الرَّضَاعَ.
* الراجح في الإجابة عن مس أُمّ حَرَام للنبي - ﷺ -:
إنّ مَنْ استقرأ النصوص الواردة في تعامل النبي - ﷺ - مع أُمّ سُلَيْم وأختها أُمّ حَرَام رأى أنّ لأُمّ سُلَيْم وأختها أُمّ حَرَام دون بقية النساء -غير أزوجه- خصوصية لا يمكن أن تقع إلا للمحرم مع محرمه، فمن ذلك:
١- عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُ بَيْتَ أُمِّ سُلَيْمٍ فَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِهَا، وَلَيْسَتْ فِيهِ، قَالَ: فَجَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَنَامَ عَلَى فِرَاشِهَا فَأُتِيَتْ فَقِيلَ لَهَا هَذَا النَّبِيُّ ﷺ نَامَ فِي بَيْتِكِ عَلَى فِرَاشِكِ قَالَ: فَجَاءَتْ وَقَدْ عَرِقَ وَاسْتَنْقَعَ عَرَقُهُ عَلَى قِطْعَةِ أَدِيمٍ عَلَى الْفِرَاشِ فَفَتَحَتْ عَتِيدَتَهَا فَجَعَلَتْ تُنَشِّفُ ذَلِكَ الْعَرَقَ فَتَعْصِرُهُ فِي قَوَارِيرِهَا فَفَزِعَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: مَا تَصْنَعِينَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرْجُو بَرَكَتَهُ لِصِبْيَانِنَا، قَالَ: أَصَبْتِ (٢) .
_________________
(١) عمدة القاري (١١/٩٨-٩٩) .
(٢) أخرجه: البخاري في صحيحه كتاب الاستئذان، باب من زار قوما فقال عندهم (٥/٢٣١٦رقم٥٩٢٥)، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل (٤/١٨١٥رقم٢٣٣١) وهذا لفظ مسلم.
[ ٦٦ ]
قَالَ الْمُهَلَّب: «فِي هَذَا الْحَدِيث مَشْرُوعِيَّة الْقَائِلَة لِلْكَبِيرِ فِي بُيُوت مَعَارِفه لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ ثُبُوت الْمَوَدَّة وَتَأَكُّد الْمَحَبَّة» (١) .
قلتُ: وتأمل قولَ أَنَسِ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُ بَيْتَ أُمِّ سُلَيْمٍ فَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِهَا، وَلَيْسَتْ فِيهِ.
"فهل يعقل أن يترك أهل الكفر والنفاق-زمن النبوة-مثل هذا الموقف دون استغلاله في الطعن في النَّبِيّ - ﷺ - وفي نبوته؟ " (٢)، وهم الذين طعنوا في أم المؤمنين عائشة - ﵁ - ابمجرد شبهة باطلة!!، وما فتأووا يحيكون الدسائس والمؤامرات والشائعات!!.
وكذلك لِمَ لمْ يتكلموا في أُمّ سُلَيْم وأختها أُمّ حَرَام كما تكلموا في عائشة - ﵁ - ا!!.
٢- حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ بَيْتًا بِالْمَدِينَةِ غَيْرَ بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِ فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ: «إِنِّي أَرْحَمُهَا قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي» (٣) .
قَالَ ابن حَجَر: «قَوْله: (لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ بِالْمَدِينَةِ بَيْتًا غَيْر بَيْتٍ أَمْ سَلِيم) قَالَ اَلْحُمَيْدِيّ: لَعَلَّهُ أَرَادَ عَلَى اَلدَّوَامِ وَإِلَّا فَقَدَ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أُمّ حَرَام. وَقَالَ اِبْن اَلتِّينِ: يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ اَلدُّخُولُ عَلَى أُمِّ سَلِيم وَإِلَّا فَقَدَ دَخَلَ عَلَى أُخْتِهَا أُمِّ حَرَام وَلَعَلَّهَا أَيْ أَمُّ سَلِيم كَانْت شَقِيقَة اَلْمَقْتُولِ أَوْ وَجَدَتْ عَلَيْهِ أَكْثَر مِنْ أُمّ حَرَام.
_________________
(١) فتح الباري (١١/٧٢) .
(٢) هذا مقتبس من كلام جميل لدكتور. طه الحبيشي من كتابه" السنة في مواجهة أعدائها"، وسأنقل كلامه كاملًا في نهاية المبحث.
(٣) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب فضل من جهز غازيا أو خلفه بخير (٣/١٠٤٦رقم٢٦٨٩)، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة ﵃ (٤/١٩٠٨رقم٢٤٥٥) .
[ ٦٧ ]
قُلْت: لَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا اَلتَّأْوِيلِ فَإِنَّ بَيْت أُمّ حَرَام وَأُمّ سَلِيم وَاحِد وَلَا مَانِع أَنْ تَكُونَ اَلْأُخْتَانِ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ كَبِيرٍ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِيهِ مَعْزِل فَنُسِبَ تَارَةً إِلَى هَذِهِ وَتَارَةً إِلَى هَذِهِ» (١) .
قلتُ: ما أجاب به اَلْحُمَيْدِيّ واِبْن اَلتِّينِ يتضمن تفسيرًا لقوله (فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ) فإنَّه سؤالٌ عن سبب دخوله عليها، ولا يجوز أنْ يكون سؤالًا عن سبب دخوله عليها لكونها أجنبيةً منه، فإنَّ ذلك لا يناسبه ما أجاب به - ﷺ - من قوله (إِنِّي أَرْحَمُهَا قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي) فتعين أن يكون السؤال عن غير هذا.
ومن أحسن ما قيل في ذلك ما استظهره اَلْحُمَيْدِيّ واِبْن اَلتِّينِ من أنَّ السؤال عن كثرة الدخول عليها.
قَالَ النَّوَوِيّ: «قَوْله: (كَانَ رَسُول اللَّه ﷺ لَا يَدْخُلُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ النِّسَاء إِلَّا عَلَى أَزْوَاجه إِلَّا أُمّ سُلَيْمٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي أَرْحَمُهَا قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي) قَدْ قَدَّمْنَا فِي كِتَاب الْجِهَاد عِنْد ذِكْر أُمّ حَرَام أُخْت أُمّ سُلَيْمٍ أَنَّهُمَا كَانَتَا خَالَتَيْنِ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ مَحْرَمَيْنِ إِمَّا مِنْ الرَّضَاع، وَإِمَّا مِنْ النَّسَب، فَتَحِلُّ لَهُ الْخَلْوَة بِهِمَا، وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِمَا خَاصَّةً، لَا يَدْخُلُ عَلَى غَيْرهمَا مِنْ النِّسَاء إِلَّا أَزْوَاجه. قَالَ الْعُلَمَاء: فَفِيهِ جَوَاز دُخُول الْمَحْرَم عَلَى مَحْرَمه، وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى مَنْع دُخُول الرَّجُل إِلَى الْأَجْنَبِيَّة. وَإِنْ كَانَ صَالِحًا، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة فِي تَحْرِيم الْخَلْوَة بِالْأَجْنَبِيَّةِ. قَالَ الْعُلَمَاء: أَرَادَ اِمْتِنَاع الْأُمَّة مِنْ الدُّخُول عَلَى الْأَجْنَبِيَّات» (٢) .
قَالَ العينيُّ: «قَالَ الكرمانيّ: كيف صار قتل الأخ سببًا للدخول على
_________________
(١) فتح الباري (٦/٥١) .
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٦/١٠) .
[ ٦٨ ]
الأجنبية؟ قلتُ: لم تكن أجنبية كانت خالة لرسول الله - ﷺ - من الرَّضَاعَ، وقيل: من النسب فالمحرمية كانت سببًا لجواز الدخول» (١) .
٣- وعَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْنَا وَمَا هُوَ إِلا أَنَا وَأُمِّي وَأُمُّ حَرَامٍ خَالَتِي فَقَالَ: قُومُوا فَلِأُصَلِّيَ بِكُمْ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ فَصَلَّى بِنَا فَقَالَ رَجُلٌ لِثَابِتٍ: أَيْنَ جَعَلَ أَنَسًا مِنْهُ؟ قَالَ: جَعَلَهُ عَلَى يَمِينِهِ، ثُمَّ دَعَا لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ بِكُلِّ خَيْرٍ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَقَالَتْ أُمِّي: يَا رَسُولَ اللَّهِ خُوَيْدِمُكَ ادْعُ اللَّهَ لَهُ، قَالَ: فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيْرٍ، وَكَانَ فِي آخِرِ مَا دَعَا لِي بِهِ أَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ (٢) .
٤- وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ فَأَتَوْهُ بِسَمْنٍ وَتَمْرٍ فَقَالَ: رُدُّوا هَذَا فِي وِعَائِهِ وَهَذَا فِي سِقَائِهِ فَإِنِّي صَائِمٌ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا فَقَامَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ وَأُمُّ حَرَامٍ خَلْفَنَا قَالَ ثَابِتٌ وَلا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ عَلَى بِسَاطٍ (٣) .
٥- وعَنْ حُمَيْد عَنْ أَنَسٍ ﵁ دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ قَالَ: أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ فَإِنِّي صَائِمٌ ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ الْبَيْتِ فَصَلَّى غَيْرَ الْمَكْتُوبَةِ فَدَعَا لِأُمِّ سُلَيْمٍ وَأَهْلِ بَيْتِهَا فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي خُوَيْصَّةً قَالَ مَا هِيَ؟ قَالَتْ: خَادِمُكَ أَنَسٌ فَمَا تَرَكَ خَيْرَ آخِرَةٍ وَلَا دُنْيَا إِلَّا دَعَا لِي بِهِ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مَالًا وَوَلَدًا وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ فَإِنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ الْأَنْصَارِ مَالًا، وَحَدَّثَتْنِي ابْنَتِي أُمَيْنَةُ أَنَّهُ دُفِنَ
_________________
(١) عمدة القاري (١٤/١٣٨) .
(٢) أخرجه: مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة (١/٤٥٧رقم٦٦٠) .
(٣) أخرجه: أبو داود في سننه، كتاب الصوم، باب الرجلين يؤم أحدهما صاحبه كيف يقومان (١/١٦٥رقم٦٠٨)، وإسنادهُ صحيحٌ.
[ ٦٩ ]
لِصُلْبِي مَقْدَمَ حَجَّاجٍ الْبَصْرَةَ بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ (١) .
٦- وفي روايةٍ عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَزُورُ أُمَّ سُلَيْمٍ فَتُدْرِكُهُ الصَّلَاةُ أَحْيَانًا فَيُصَلِّي عَلَى بِسَاطٍ لَنَا وَهُوَ حَصِيرٌ نَنْضَحُهُ بِالْمَاءِ (٢) .
٧- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ فَقُمْتُ وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا (٣) .
٨- وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا مَرَّ بِجَنَبَاتِ (٤) أُمِّ سُلَيْمٍ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَلَّمَ عَلَيْهَا (٥) .
٩- وعن أنس قَالَ: «كان رسول الله - ﷺ - إذا ذهب إلى قُباء يَدْخُلُ عَلَى أُمّ حَرَام بِنْت مِلْحَان» (٦) .
١٠- وأُمّ سُلَيْم هي التي جهزت صفية بنت حيي للنبي - ﷺ - ففي حَدِيث عبد العزيز
_________________
(١) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب من زار قوما فلم يفطر عندهم (٢/٦٩٩ رقم١٨٨١) .
(٢) أخرجه: أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب الصلاة على الحصير (١/١٧٧رقم٦٥٨)، وإسنادهُ صحيحٌ.
(٣) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب الجماعة والإمامة، باب المرأة وحدها تكون صفا (١/٢٥٥رقم ٦٩٤)، كتاب صفة الصلاة، باب صلاة النساء خلف الرجال (١/٢٩٦رقم٨٣٣) .
(٤) الجَنَبَات - بفتح الجيم والنون ثم موحدة - جمع جَنَبة وهي الناحية قاله ابنُ حَجَر في فتح الباري (٩/٢٢٧)، وقال العينيُّ: «ويقال: يحتمل أن يكون مأخوذا من الجناب وهو الفناء، فكأنه يقول: إذا مر بفنائها» . عمدة القاري (٢٠/١٥١) . وانظر: مشارق الأنوار (ص١٥٥) .
(٥) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب الهدية للعروس (٥/١٩٨١رقم٤٨٦٨) معلقًا، والنسائيُّ في سننه الكبرى، كتاب المناقب، الغميصاء بنت ملحان أم سليم ومن قال الرميصاء ﵂ (٥/١٠٣رقم٨٣٨٦) .
(٦) هذا جزء من حديث أُمّ حَرَام المراد الكلام عليه، وتقدم تخريجه.
[ ٧٠ ]
بن صهيب، عن أنس " حتى إذا كان بالطريق جهزتها له أُمّ سُلَيْم فأهدتها له من الليل فأصبح النَّبِيّ - ﷺ - عروسا" (١)، وفي روايةٍ " ثم دفعها إلى أُمّ سُلَيْم تصنعها له وتهيئها قَالَ: وأحسبه قَالَ: وتعتد في بيتها وهي صفية بنت حيي" (٢) .
١١- وعَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ وَنِسْوَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ مَعَهُ إِذَا غَزَا فَيَسْقِينَ الْمَاءَ وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى (٣) .
١٢- عَنْ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لأُمِّ سُلَيْمٍ: قَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْء؟ ٍ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ ثُمَّ أَخَذَتْ خِمَارًا لَهَا فَلَفَّتْ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ ثَوْبِي وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهِ فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ، وَمَعَهُ النَّاسُ فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: أَلِطَعَامٍ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَنْ مَعَهُ: قُومُوا، قَالَ: فَانْطَلَقَ، وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ، فَقَالَتْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ حَتَّى دَخَلا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَلُمِّي مَا عِنْدَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَفُتَّ، وَعَصَرَتْ عَلَيْهِ أُمُّ سُلَيْمٍ
_________________
(١) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب ما يذكر في الفخذ (١/١٤٥رقم٣٦٤) -وفي عدة مواضع أخرى-، ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح (٢/١٠٤٣رقم١٣٦٥) .
(٢) أخرجها: مسلم في صحيحه، كتاب النكاح (٢/١٠٤٥) .
(٣) أخرجه: مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير (٣/١٤٤٣رقم ١٨١٠) .
[ ٧١ ]
عُكَّةً لَهَا فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ رَسُولُ
اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ حَتَّى أَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ رَجُلا أَوْ ثَمَانُونَ (١) .
وفي رواية: «ثُمَّ أَخَذَ مَا بَقِيَ فَجَمَعَهُ ثُمَّ دَعَا فِيهِ بِالْبَرَكَةِ قَالَ: فَعَادَ كَمَا كَانَ فَقَالَ: دُونَكُمْ هَذَا» .
وفي رواية: «ثُمَّ أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَكَلَ أَهْلُ الْبَيْتِ وَأَفْضَلُوا مَا أَبْلَغُوا جِيرَانَهُمْ» .
١٣- وعَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ اتَّخَذَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ خِنْجَرًا فَكَانَ مَعَهَا فَرَآهَا أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أُمُّ سُلَيْمٍ مَعَهَا خِنْجَرٌ! فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا هَذَا الْخِنْجَرُ؟ قَالَتْ: اتَّخَذْتُهُ إِنْ دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بَقَرْتُ بِهِ بَطْنَهُ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضْحَكُ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْتُلْ مَنْ بَعْدَنَا مِنْ الطُّلَقَاءِ انْهَزَمُوا بِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَفَى وَأَحْسَنَ (٢) .
ومما يضاف إلى ذلك أنّ أنس بن مالك -وهو ابن أُمّ سُلَيْم- خدم النَّبِيّ - ﷺ - إلى وفاته ففي الحَدِيث:
- عَنْ إِسْحَاق بن أبي طلحة قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ قَالَ: جَاءَتْ بِي أُمِّي أُمُّ أَنَسٍ إِلَى
_________________
(١) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (٣/١٣١١رقم٣٣٨٥) -وفي عدة مواضع أخرى-، ومسلم في صحيحه، كتاب الأشربة (٣/١٦١٢رقم٢٠٤٠) وهذا لفظ مسلم، وكذلك الروايات بعده في صحيح مسلم.
(٢) أخرجه: مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير (٣/١٤٤٢رقم١٨٠٩) .
[ ٧٢ ]
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَزَّرَتْنِي بِنِصْفِ خِمَارِهَا وَرَدَّتْنِي بِنِصْفِهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا أُنَيْسٌ ابْنِي أَتَيْتُكَ بِهِ يَخْدُمُكَ فَادْعُ اللَّهَ لَهُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، قَالَ أَنَسٌ: فَوَاللَّهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ الْيَوْمَ (١) .
- وعن ثَابِت البناني قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ ﵁ قَالَ: «خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ وَلا لِمَ صَنَعْتَ وَلا أَلا صَنَعْتَ» (٢) .
وتقدم قول الدِّمْيَاطِيّ: «والعادةُ تقتضي المخالطة بين الْمَخْدُوم وَأَهْل خَادِم، سيّما إذا كنَّ مسنَّات» .
فإذا تأمل الباحث المُنصف هذه الأحاديث رأى أنّ تعامل النَّبِيّ - ﷺ - مع أُمّ سُلَيْم وأختها أُمّ حَرَام تعامل المحارم بعضهم مع بعض، فإذا انضم إلى ذلك:
* عدم وجود نص واحد-قولي أو فعلي- يدل على خصوصية النَّبِيّ - ﷺ - بالخلوة أو النظر أو المس كما تقدم.
* امتناع النَّبِيّ - ﷺ - عن مصافحة النساء في البيعة والاكتفاء بالكلام كما تقدم، قَالَ الشنقيطيُّ: «ووكونه - ﷺ - لا يصافح النساء وقت البيعة دليلٌ واضحٌ عَلى أنَّ الرجلَ لا يصافح المرأة، ولا يمس شيء من بدنه شيئًا من بدنها، لأنَّ أخفَ أنواع اللمس المصافحة فإذا امتنع منها - ﷺ - في الوقت الذي يقتضيها وهو وقت المبايعة دلّ ذلكَ على أنها لا تجوز، وليس لأحد مخالفته - ﷺ - لأنه هو المشرع لأمته بأقواله وأفعاله
_________________
(١) أخرجه: مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل (٤/١٩٢٩رقم ٢٤٨١) .
(٢) أخرجه: البخاري في صحيحه كتاب الأدب، باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل (٥/٢٢٤٥رقم٥٦٩١)، مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل (٤/١٨٠٤رقم٢٣٠٩) .
[ ٧٣ ]
وتقريره» .
* وكذلك قوله للصحابيين: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ» .
علم أنّ هناك خصوصية ما لأُمّ سُلَيْم وأختها أُمّ حَرَام، وأقدم من بين هذه الخصوصية من السلف -حسب علمي- هو عبد الله بن وَهَب حيث يقول: «أُمّ حَرَام إِحْدَى خَالَات النَّبِيّ ﷺ مِنْ الرَّضَاعَة فَلِذَلِكَ كَانَ يُقِيل عِنْدهَا وَيَنَام فِي حِجْرِهَا وَتَفْلِي رَأْسه» .
وقد أحسن الشاطبيُّ حيث قَالَ: «فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به فهو أحرى بالصواب وأقوم في العلم والعمل» .
وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ -كما تقدم-: «ولا يشك مسلم أن أُمّ حَرَام كانت من رسول الله لمحرم فلذلك كان منها ما ذكر في هذا الحَدِيث، والدليل على ذلك - ثم ساق حَدِيث جابر، وعمر بن الخطاب، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاصي، وعقبة بن عامر في النهي عن الخلوة- وهذه آثار ثابتة بالنهي عن ذلك ومحال أن يأتي رسول الله - ﷺ - ما ينهى عنه» .
فالقول بالمحرمية له مستند من أقوال سلفنا الصالح؛ بخلاف القول بأنّ من خصائص النَّبِيّ - ﷺ - جواز الخلوة بالأجنبية والنظر إليها ونحو ذلك فلم أقف على نص عن السلف-من أهل القرون المفضلة- يفيد ذلك، والله أعلم.
فإن قَالَ قائل إنّ دعوى محرمية الرَّضَاعَ هذه تحتاج إلى نصٍ صريح، ولا يوجد؟.
قلت: الأمور المتقدمة:
[ ٧٤ ]
- -تعامل النَّبِيّ - ﷺ - مع أُمّ سُلَيْم وأختها أُمّ حَرَام تعامل المحارم بعضهم مع بعض.
- عدم وجود نص واحد-قولي أو فعلي- يدل على خصوصية النَّبِيّ - ﷺ - بالخلوة أو النظر أو المس كما تقدم.
- -امتناع النَّبِيّ - ﷺ - عن مصافحة النساء في البيعة والاكتفاء بالكلام كما تقدم.
- -وكذلك قوله للصحابيين: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ» .
- -مع تنصيص السلف على ذلك.
- -ثم إنّ الرَّضَاعَ من النساء الأجنبيات من الأمور المنتشرة في ذلك الوقت، وربما خفي أمره على أقرب الناس وتقدم ذكر عدد من الأحاديث الصحيحة الدالة على ذلك.
فهذه الأمور مجتمعة تُعدّ من قبيل تظافر الدلائل التي لا تخطىء، والدلالات التي تورث اليقين بأنَّ هناك محرمية بين النبي - ﷺ - وأمّ حرام، وبأقل من هذه القرائن يستدل على مثل هذه القضايا، فكيف بهذه القرائن مجتمعة والله أعلم.
[ ٧٥ ]