استشكل حَدِيث أُمّ حَرَام هذا مِنْ وجهين:
الأوَّل: أنّ ظاهر الحَدِيث يوهم خلوة الرسول - ﷺ - بأُمّ حَرَام، ومعلوم أنّ خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية لا تجوز باتفاق العلماء كما سيأتي.
والثاني: أنّ في الحَدِيث-" ثُمَّ جَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ فَنَامَ" فهل يجوز للمرأة مس جسد الرجل الأجنبي؟ (١) .
وهذا الإشكال فرح به صنفان من أهل الأهواء:
فالصنف الأوَّل: اتخاذ هذا الحَدِيث حجة للطعن في أصح كتابين بعد كتاب الله "صحيح البخاري، وصحيح مسلم"، لفهمه السقيم أنّ في ذلك طعنًا في جناب المصطفى - ﷺ -.
والصنف الثاني: وهم أهل الشهوات الذين قَالَ الله فيهم ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (النساء:٢٧)، فأخذوا ما يوافق شهواتهم وأعرضوا عن ما يخالفها من صريح الكتاب والسنة.
_________________
(١) وأنبه أن لفظة" النوم في الحجر" لم أجدها في أي رواية من روايات الحديث، وإنما وقفتُ عليها من قول ابن وهب، قَالَ ابن عبد البر: «وَقَالَ يونس بن عبد الأعلى قَالَ لنا ابن وهب: أمّ حَرَام إحدى خالات النبي - ﷺ - من الرضاعة فلهذا كان يقيل عندها وينام في حجرها وتفلي رأسه» التمهيد (١/٢٢٦) .وانظر: فتح الباري (١١/٧٩) .
[ ١٩ ]
وهذان الصنفان ليس نظرهم في الدليل نظر المستبصر حتى يكونَ هواه تحت حكمه، بل نظر مَنْ حَكَمَ بالهوى ثم أتى بالدليلِ كالشاهدٍ له، وهذا شأنُ كلّ مبطل ممن يترك المحكم للمتشابه.
وعند التحقيق وتطبيق المنهج العلمي السليم في دراسة المسألة جمعًا ودراسةً يتبين أنه لا حجة للصنفين في الحَدِيث-كما سيأتي-.
وقد اشتمل الجواب عن هذين الإشكالين على مطالب:
* المطلب الأول: مقدمات عامة نافعة في مثل هذه الإشكالات التي ربما تَعرضُ في بعضِ الأحاديث.
* المطلب الثاني: مقدمات خاصة في الإجابة عن حَدِيث أُمّ حَرَام.
* المطلب الثالث: أجوبة أهل العلم والإيمان عن هذين الإشكالين.
* المطلب الرابع: وقفات حول هذه الشبهة في الحَدِيث.
[ ٢٠ ]