الوقفة الأولى: وفيها نقل كلام جميل للدكتور طه حبيشي ردّ فيه على تهويشات أحمد صبحي منصور -ومن قَالَ بقوله- حول حَدِيث أُمّ حَرَام هذا، قَالَ فيه: «أمّا قصة أُمّ حَرَام فقد وردت في صحيح البخاريّ نفسه ثلاث عشرة مرة، تأتي مختصرة، ومطولة أخرى، والذي يذكره الكاتب ولا يعرف معناه أنّ هناك بيت آخر هو بيت أم سليم، كان النبي - ﷺ - يدخل فيه ويأكل ويشرب وينام أحيانا إلى وقت الظهيرة، ويسيل عرقه على قطعة من جلد فتجمعه أم سليم من فوق الجلد وتجعله في طيبها، والنبي - ﷺ - يعلم ذلك ولا ينكره.
إلى هنا والكاتب قد يعلم بعض ما ذكرناه ولا يتورع أن يتخذ منه تكأة للتشويش على شخصية النَّبِيّ - ﷺ -، وهو يوهم البسطاء أنه من المحبين له المدافعين عنه، وهو لا يعلم أن التفصيل في نفي النقص عن الكاملين نقص، خصوصًا إذا دخل في شئ من التفصيل الممل، أو لعل صاحبنا يعلم هذه الجزئية، ويستغلها في تشويه صورة النَّبِيّ - ﷺ -، والتقليل من هيبته في نفوس أتباعه، وهذا مطمع قد طمع فيه من هم أكثر من صاحبنا بصرًا بالمناهج، ومن هم أكثر منه حيطة بأساليب البحث والدرس، ومن هم أشد منه قوة وأعز نفرا، فما استطاعوا أن يظهروا به وما استطاعوا أن ينالوا من جدار العز للنبي - ﷺ - نقبًا.
والشئ الذي لم يعرفه هؤلاء، أن الروايات مجمعة تقريبًا على أن النَّبِيّ كان
[ ٧٦ ]
يكثر من التردد، والأكل والشرب، عند أُمّ سُلَيْم، وأُمّ حَرَام.
والباحث الحصيف يسأل هل هناك شئ من العلاقة بين هاتين المرأتين الجليلتين؟
والروايات تجيب أن أُمّ سُلَيْم، وأُمّ حَرَام أختان، يقال لأحدهما الرميصاء، وللأخرى الغميصاء، لابعينها، فمنهم من يقول: إن الرميصاء بالراء هي أُمّ حَرَام، والغميصاء بالغين هي أُمّ سُلَيْم، ومنهم من يعكس.
والرميصاء والغميصاء: لفظان يدلان على حالتين في العين متشابهتين، وهما حالتان خلقيتان ليس بالعين معهما من بأس.
وأُمّ سُلَيْم هي أم أنس بن مالك ﵁، وأُمّ حَرَام خالته، وأنس بن مالك كان في صباه يخدم النَّبِيّ عشر سنين وكان النَّبِيّ يعامله معاملة تناسب أخلاق النبوة يقول أنس: خدمت النَّبِيّ عشر سنين، فما قَالَ لي لشيء فعلته لم فعلته، ولا لشيء تركته لما تركته.
هؤلاء ثلاثة ليسوا من المجاهيل في الصحابة والصحابيات، وما الذي جعل علاقة النَّبِيّ بهم على هذا المستوى من الاهتمام، وكثرة السؤال عنهم.
إن هذا لا يكون إلا في حالة واحدة، وهي أن تكون هناك درجة من القرابة تجعل المرأتين من محارم النَّبِيّ - ﷺ -، سواء أكان ذلك من جهة النسب كما قَالَ بعض المؤرخين، أو كان من جهة الرَّضَاعَة كما قَالَ البعض الآخر.
وإلا فهل يمكن عقلًا للنبي - ﷺ -، أن يخالف الناس إلى ما ينهاهم عنه؟
وهل يمكن عقلًا أو اتفاقا أن تقوم علاقة غير مشروعة وحاشاه بينه وبين أختين في وقت واحد؟
[ ٧٧ ]
وهل يجيز المنطق أو العادة أن يسمح النَّبِيّ - ﷺ - لغير قريبه من الصبيان إن يخدمه في بيته عشر سنوات كاملات؟.
وهل يعقل أن يترك أهل الكفر والنفاق-زمن النبوة-مثل هذا الموقف دون استغلاله في الطعن في النَّبِيّ - ﷺ - وفي نبوته؟
أمور كلها تعد من قبيل الشواهد التي لا تخطيء والدلالات التي تورث اليقين بأن النَّبِيّ - ﷺ - كان قريبا قرابة محرمة لأُمّ سُلَيْم وأختها أُمّ حَرَام.
وخصوصًا وأنّ بعض الروايات تقول كان النَّبِيّ - ﷺ - يدخل بيت أُمّ سُلَيْم فينام على فراشها وليست فيه، وراية تقول"نام النَّبِيّ - ﷺ - فاستيقظ وكانت تغسل رأسها، فاستيقظ وهو يضحك فقالت: يا رسول الله - ﷺ - أتضحك من رأسي قَالَ: لا".
قد يقول قائل قريبات النَّبِيّ - ﷺ - معروفات، وليس منهن أُمّ سُلَيْم ولا أُمّ حَرَام.
والجواب: أننا نتحدث عن مجتمع لم يكن يمسك سجلات للقرابات وخاصة إذا كانت القرابة في النساء، فهناك قريبات كثيرات أغفلهن التاريخ في هذا المجتمع وأهملهن الرواة.
وَقَالَ: «إنّ المرء ليسمع الحَدِيث المستقيم فيدركه على وجهه إن كان سليم النفس، حسن الطوية، وهو ينحرف به إذا كان إنسانا مريض النفس معوجا، وهل ينضح البئر إلاّ بما فيه، وهل يمكن أن نتطلب من الماء جذوة نار؟ أو نغترف من النار ماء؟ وقديما قالوا: إنّ كل إناء بما فيه ينضح، أشهد أنّ الله قد قَالَ في نبيه - ﷺ - ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾» (١) .
_________________
(١) "السنة في مواجهة أعدائها" (ص٢٠٢٠٢-٢٠٦) .
[ ٧٨ ]