قَالَ الشيخُ مُحَمَّدُ بنُ عَبْد الوهاب﵀-: «هذه أربعُ قواعد، من قواعد الدين، التي تدور الأحكام عليها، وهي: من أعظم ما أنعم الله به على مُحَمَّد - ﷺ - وأمته، حيث جعل دينهم دينا كاملا وافيا، أكمل وأكثر علما من جميع الأديان، ومع ذلك جمعه لهم في لفظ قليل، وهذا مما ينبغي التفطن له، قبل معرفة القواعد الأربع، وهو: أن تعلم قول النَّبِيّ - ﷺ - لما ذكر ما خصه الله به على الرسل، يريد منا أن نعرف منة الله علينا، ونشكرها، قَالَ لما ذكر الخصائص: (وأعطيت جوامع الكلم) (١) قَالَ إمامُ الحجاز: مُحَمَّدُ بن شهاب الزهري، معناه: أن يجمع الله له المسائل الكثيرة، في الألفاظ القليلة (٢) .
_________________
(١) أخرجه: البخاريُّ في صحيحه، كتاب التعبير، بابٌ المفاتيح في اليد (٦/٢٥٧٣رقم٦٦١١)، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، (١/٣٧١رقم٥٢٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه البيهقيُّ في شعب الإيمان (١/١٦١) ولفظُهُ قَالَ ابنُ شِهاب: وَبَلَغَني أنَّ جوامعَ الكلم أنَّ الله تعالى جَمَعَ له الأمورَ الكثيرةَ التي كانتْ تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين. وإسنادُهُ صحيحٌ. وانظر للفائدة: فتح الباري (١٢/٤٠١)، عمدة القاري (٢٤/١٥١) .
[ ٢١ ]
القاعدة الأولى:
تحريم القول على الله بلا علم لقوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ إلى قوله: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (الأعراف:٣٣) .
القاعدة الثانية:
أن كل شيء سكت عنه الشارع، فهو عفو، لا يحل لأحد أن يحرمه، أو يوجبه، أو يستحبه، أو يكرهه، لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا (المائدة:١٠١) . وَقَالَ النَّبِيّ - ﷺ -: «وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها» (١) .
القاعدة الثالثة:
أن ترك الدليل الواضح، والاستدلال بلفظ متشابه، هو طريق أهل الزيغ،
_________________
(١) أخرجه: الدارقطني في سننه، كتاب الرضاع (٤/١٨٤)، والحاكم في المستدرك، كتاب الأطعمة (٤/١٢٩)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الضحايا، باب ما لم يذكر تحريمه ولا كان في معنى ما ذكر تحريمه مما يؤكل أو يشرب (١٠/١٢) من طريق مكحول عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنَّ اللهَ حدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وفَرَضَ لكم فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وترك أشياء من غير نسيان من ربكم ولكن رحمة منه لكم فاقبلوها ولا تبحثوا فيها» . قال ابنُ رَجَب: «هذا الحديثُ مِنْ رواية مكحول عن أبي ثعلبة الخشني، وله علتان إحداهما: أنَّ مكحولا لم يصح له السماع عن أبي ثعلبة كذلك قال أبومسهر الدمشقي، وأبو نعيم الحافظ وغيرهما، والثانية: أنه اختلف في رفعه ووقفه على أبي ثعلبة، ورواه بعضهم عن مكحول عن قوله» جامع العلوم والحكم (٢/٢٧٦) . وقد توسع في الكلامِ عَلَى الحديثِ وشواهدهِ فلتراجع.
[ ٢٢ ]
كالرافضة، والخوارج، قَالَ الله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ (آل عمران:٧) . والواجبُ عَلَى المسلم: اتباع المحكم، فإنْ عَرَفَ معنى المتشابه، وجده لا يخالف المحكم بل يوافقه، وإلا فالواجب عليه اتباع الراسخين في العلم في قولهم: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا (آل عمران:٧) .
القاعدةُ الرابعة:
أنَّ النَّبِيّ - ﷺ - ذَكَرَ: «أنّ الحلالَ بَيّنٌ وَالحرامَ بَيّنٌ، وبينهما مشتبهات» (١)، فمن لم يفطنْ لهذه القاعدة، وأراد أنْ يتكلمَ عَلَى كلّ مسألةٍ بكلامٍ فاصلٍ، فَقد ضلّ وأضل.
فهذه أربعُ قواعد: ثلاثٌ ذَكَرَهَا اللهُ في كتابهِ، والرابعةُ ذكرها رسولُ الله - ﷺ -.
واعلمْ رَحِمَكَ الله: أنَّ أربعَ هذه الكلمات، مَعَ اختصارها، يدورُ عليها الدين، سواءً كان المتكلم يتكلمُ في علم التفسير، أو في علمِ الأصول، أو في علم أعمالِ القلوب، الذي يسمى علم السلوك، أو في علمِ الحَدِيث، أو في علمِ الحلال والحرام، والأحكام، الذي يسمى: علم الفقه; أو في علمِ الوعد والوعيد; أو في غير ذلك من أنواعِ علوم الدين» (٢) .