المعنى في اللغة:
الحكم: المنع، وأولُّه: المنع من الظلم، يقال: حكمت الدابة إذا منعتها، والحكمة: تمنع من الجهل، تقول: حكّمت فلانًا تحكيمًا: منعته عما يريد، والمحكّم: المجرب المنسوب إلى الحكمة (١).
والحكيم: هو الذي يحسن دقائق الصناعات ويتقنها، والحكيم: العالم صاحب الحكمة، والحكم: القضاء بالعدل (٢)، والحكيم أيضًا: من يمتنع عن فعل القبائح، ويمنع نفسه منها وهو مأخوذ من حَكَمة اللجام وهي: الحديدة التي تمنع الفرس وترده إلى مقصد الراكب، والحاكم: الفاصل بين الناس بعلمه والملزم لهم ما لا يمكنهم مخالفته ولا يدعهم أن يخرجوا عنه (٣)، وهو يمنع الخصمين من التظالم (٤).
المعنى في الشرع:
الله سبحانه هوالحكم الذي سُلم له الحكم ورُدَّ إليه فيه الأمر، وهو الحكيم الذي يُحكم الأشياء ويتقنها ويحسن التدبير لها، وقيل: الحكيم ذو الحكمة؛ فهو سبحانه لايقول ولايفعل إلا الصواب (٥).
وهو حكيم عليم؛ لأن الفاعل للأشياء المتقنة المحكمة لايجوز أن يكون جاهلًا بها.
والحكمة حكمتان: علمية وعملية: فالعلمية: هي الاطلاع على بواطن الأشياء، ومعرفة ارتباط الأسباب بمسبباتها، والعملية: بوضع الشيء في موضعه، وهو سبحانه حكيم فأفعاله محكمة متقنة لاتفاوت فيها ولا اضطراب، وهي متسقة منتظمة يتعلق بعضها ببعض (٦). وهو الحكم بين الخلق؛ لأنه الحكم في الآخرة ولا حكم غيره، والحكام في الدنيا إنما يستفيدون الحكم من قبله تعالى (٧).
والله سبحانه هو الحكم في الدنيا والآخرة فيحكم في الدنيا بينهم بوحيه الذي أنزله على أنبيائه، وفي الآخرة يحكم بينهم بعلمه فيما اختلفوا فيه وينصف المظلوم من الظالم.
والله سبحانه له الحكمة العليا في خلقه وأمره الذي أحسن كل شيء خلقه، فلا يخلق شيئا عبثًا ولايشرع شيئًا سدى الذي له الحكم في الأولى والآخرة، وله الأحكام كلها لايشاركه فيها مشارك
وهو الذي يحكم بين عباده في شرعه وقدره وجزائه (٨).
وهو ﷾ واسع العلم والاطلاع على مبادئ الأمور وعواقبها، وهو واسع الحمد تام القدرة غزير الرحمة يضع الأشياء في مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها في خلقه وأمره.
والله حكيم لا يتوجه إليه - سبحانه - سؤال، ولايقدح في حكمته مقال، وحكمته سبحانه نوعان:
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة (حكم) (٢/ ٩١).
(٢) اللسان (حكم) (٢/ ٩٥١ - ٩٥٥)، تفسير أسماء الله للزجاج (٥٢).
(٣) انظر: اشتقاق أسماء الله للزجاجي (٦٠، ٦١).
(٤) انظر: تفسير أسماء الله للزجاج (٤٣، ٤٤).
(٥) انظر: شأن الدعاء (٦١، ٧٤)، النهاية (حكم) (١/ ٤١٨، ٤١٩)، الحجة في بيان المحجة (١/ ١٥٧، ١٥٨).
(٦) انظر: اشتقاق أسماء الله للزجاجي (٦٠، ٦١)، جامع الأصول (٤/ ١٧٨)، مدارج السالكين (٢/ ٤٧٨، ٤٧٩).
(٧) انظر: تفسير أسماء الله للزجاج (٤٣، ٤٤).
(٨) تيسير الكريم الرحمن (٥/ ٤٨٦).
[ ٧٦ ]
أحدهما: الحكمة في خلقه: فقد خلق المخلوقات كلها بأحسن نظام، ورتبها أكمل ترتيب، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، بل أعطى كل جزء من أجزاء المخلوقات، وكل عضو من أعضاء الحيوانات خلقته وهيئته فلا يرى أحد في خلقه خللا ولانقصًا، وحسب العقلاء الحكماء أن يعرفوا كثيرًا من حِكَمه.
والثاني: الحكمة في شرعه وأمره: فقد شرع الشرائع، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل؛ ليعرفه عباده ويعبدوه، ولاحكمة أجل من هذا؛ فإن معرفته تعالى وعبادته وحده لا شريك له، وإخلاص العمل له، وحمده وشكره، والثناء عليه أفضل العطايا منه لعباده على الإطلاق.
وأوامره ونواهيه محتوية على غاية الحكمة والصلاح والإصلاح للدين والدنيا فلا يأمر إلا بما فيه مصلحة خالصة أو راجحة، ولا ينهى إلا عما فيه مضرة خالصة أو راجحة، ومن حكمته تعالى أن ماجاء به محمد ﷺ من الدين والقرآن أكبر البراهين على صدقه وصدق ما جاء به؛ لكونه محكمًا كاملًا لايحصل الصلاح إلا به.
وبالجملة: فالله حكيم في أحكامه القدرية، والشرعية، والجزائية. (١)
وقد أطال ابن القيم في بيان معنى الحكيم ومن ذلك قوله (٢):
وهو الحكيم وذاك من أوصافه نوعان أيضًا ماهما عدمان
حكم وأحكام فكل منهما نوعان أيضًا ثابتا البرهان
والحكم شرعي وكوني ولا يتلازمان وماهما سيان
ورودها في القرآن:
جاء اسم الحكم في قوله تعالى:
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: ١١٤].
وجاء الحكيم معرفًا في ثمانية وثلاثين موضعًا قُرن في تسعة وعشرين منها بالعزيز، وفي ستة مواضع بالعليم، وفي ثلاثة منها بالخبير ومن ذلك قوله تعالى:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)﴾ [سبأ: ١].
_________________
(١) انظر: الحق الواضح المبين (المجموعة الكاملة ٣/ ٢٣٧ - ٢٣٩).
(٢) النونية (٢/ ٢١٨، ٢١٩).
[ ٧٧ ]
وجاء بلفظ: حكيم في ثمانية وثلاثين موضعًا قرن في عشرين منها بعليم، وفي ثلاثة عشر موضعًا بعزيز، واقترن مرة بكل من عليٌ وحميد، وتواب، وخبير ومن أمثلته قوله تعالى:
﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)﴾ [النمل: ٦].
وحاء بالنصب حكيمًا في ستة عشر موضعًا قرن في عشرة منها بعليم، وفي خمسة بعزيز، وفي موضع بواسع وهو قوله تعالى:
﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾ [النساء: ١٣٠].
وجاء بلفظ خير الحاكمين في ثلاثة مواضع منها: قوله تعالى:
﴿فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧)﴾ [الأعراف: ٨٧].
وحاء بلفظ: أحكم الحاكمين في موضعين منهما: قوله تعالى على لسان نوح:
﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥)﴾ [هود: ٤٥].
[ ٧٨ ]