والبيهقي في (الأسماء والصفات). وقد يضيف كتبًا أخرى كما صنع الذهبي في (العلو). واهتم أبو شامة في (ضوء الساري) بترتيب ما يذكره فيبدأ بالأحاديث في صحيح البخاري، ثم مسلم، ثم الكتب الأخرى، ويسوق الإسناد من المصدر، ويبين مَنْ له اللفظ.
(٣) لم يكتف بعضهم بإسناد النصوص بل عنوا ببيان درجة الحديث، وخاصة العلماء الذين برعوا في علم الحديث مثل: عبد الله بن أحمد في (السنة)، وأبو شامة في (ضوء الساري) وهو يذكر أقوال العلماء في الحكم على الحديث، وابن منده في (التوحيد)، وفي (الرد على الجهمية) وابن خزيمة في (التوحيد)، والدارقطني في (الرؤية)، و(النزول)، والذهبي في
(الأربعين في صفات رب العالمين)، والبيهقي في (الاعتقاد)، و(الأسماء والصفات).
ولم يكتف عبد الله بن أحمد في كتابه بذكر درجة الحديث، بل اعتنى بالكلام على الأسانيد، وبيان حال بعض رواتها (١). كما اعتنى بذلك البيهقي في (الأسماء والصفات) (٢).
وقد ينقد المصنف الأحاديث التي يحتج بها الخصم؛ لبيان وهنها كما صنع الدارمي في (الرد على بشر المريسي العنيد)، وكان بعضهم قليل العناية بالحكم على الأحاديث كابن قدامة في (إثبات صفة العلو)، والآجري في (الشريعة) بل اكتفى كثير منهم بسرد الأحاديث دون بيان درجاتها.
(٤) اتبع بعض المصنفين طريقة المستخرجات: وذلك برواية ما كان مخرجًا في الكتب الستة من طريق آخر للمصنف، وهذا يعطي تلك الكتب قيمة حديثيه حيث تكون بمثابة المستخرجات على الأمهات في موضوع الأسماء والصفات، وقد عني بذلك أيما عناية أبو الشيخ في (العظمة)، واللالكائي في (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) (٣)، ويلحق بهما كتاب (الأسماء والصفات) للبيهقي. ويعد كتاب (المختار في أصول السنة) لابن البنا بمثابة المستخرج على كتاب (الشريعة) للآجري.
(٢) إسناد بعض المتون دون بعض: ونهج هذا المنهج أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني في كتابه (عقيدة السلف وأصحاب الحديث) فقد أسند الآثار وسرد الأحاديث المرفوعة دون إسناد (٤).
(٣) مال بعض المصنفين إلى سرد المتون سردًا دون إسنادها وذلك طلبًا للاختصار: كما صنع الإمام أحمد في (الرد على الزنادقة)، والسجزي في (الرد على من أنكر الحرف والصوت)، والبربهاري في (شرح السنة)، وعبد الغني المقدسي في (عقيدة عبد الغني المقدسي)، وفي (الاقتصاد في الاعتقاد) وغيرهم.
واختلف الذين عنوا بإسناد الأحاديث في اختيارهم ما يروونه في هذا الباب فحرص بعضهم على تمحيص الأحاديث، والاكتفاء بالمقبول منها؛ لتعلق الكتاب بمسألة اعتقاديه هامة لايستدل لها بالأحاديث الواهية: ويظهر ذلك في كتاب (السنة) لابن أبي عاصم، و(النزول)، للدارقطني، و(الصفات) له أيضًا حيث يغلب على الأحاديث التي أورداها الصحة أو الحسن (٥). وعني بذلك
_________________
(١) وقد جمع المحقق وجوه عناية المصنف بالإسناد في (المقدمة ١/ ٦٣، ٦٤) وانظر: بعض الأمثلة في الكتاب (١/ ١١٣، ١٥٢، ٢٩٢، ٢٩٩، ٢/ ٥٠٢، ٥٠٣، ٥٠٥، ٥٤٣، ٥٧٠).
(٢) انظر: (١/ ٥٢، ٩١، ١٥٦، ٣٢٢).
(٣) قال المحقق في مقدمته على الكتاب (١/ ١١٧): لايكاد يوجد فيه ما يخالف هذه القاعدة.
(٤) ما عدا حديث النزول فقد أسنده من عدة طرق انظر: (٣٥ - ٤٦).
(٥) يظهر ذلك من تخريج الألباني لكتاب (السنة في (ظلال الجنة)، ومن تعليقات محقق كتابَيْ (النزول)، و(الصفات) وفيها أحاديث ضعيفة لكنها قليلة.
[ ٣١ ]
ابن خزيمة فنص في مواضع من كتابه على أنه لايحتج إلا بالمنقول بالأسانيد الصحيحة الثابتة، وأنه لايحتج بالأخبار الواهية والمراسيل، ولايروي إلا عن الثقات العدول بالسند المتصل (١)، وقد وفى بما اشترط على نفسه إلا أنه خالف ذلك في بعض المواضع فروى عن بعض الضعفاء والمتروكين والمجاهيل دون بيان حالهم (٢)، وكذا عبد الله بن أحمد في (السنة) فمع عنايته بالنقد والتمحيص قد أورد أشياء واهية لم تثبت من ناحية سندها (٣).
وغلب على الكتب الجمع للأحاديث الواردة في الباب دون عناية باستبعاد الضعيف حتى قيل: إن الآثار الضعيفة لايكاد يسلم منها كتاب (٤). وتباينوا في موقفهم مما يوردونه من أحاديث ضعيفة أو شديدة الضعف: فمنهم من بين ضعفها ونبه عليها، وربما قصد إلى ذكرها لتحذير الناس من الاغترار بها كما صنع الذهبي في (العلو للعلي الغفار)، وفي (الأربعين في صفات رب العالمين)، والبيهقي في (الأسماء والصفات) (٥). وذكر بعضهم أحاديث قليلة جدًا من هذا النوع وسكت عنها كالأصبهاني في (الحجة في بيان المحجة)، والهروي في (الأربعين في دلائل التوحيد).
وغلب على كثير من الكتب ترك البيان كما في: (رؤية الله ﵎) لابن النحاس، و(إثبات صفة العلو) لابن قدامة، و(رؤية الله) للدارقطني، و(شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) لللالكائي، و(العرش وما روي فيه) لابن أبي شيبة، و(إبطال التأويلات) لأبي يعلى وكثرت فيه الأحاديث الضعيفة، و(الرد على من يقول القرآن مخلوق) وفيه أحاديث
شديدة الضعف. بل كان منهم من لايتعرض للأحاديث الصحيحة في بعض الأبواب، بل يكتفي
بسرد الأحاديث الضعيفة والموضوعة كما صنع أبو الشيخ في (العظمة) حتى اعتمد
عليه بعض العلماء باعتباره مصدرًا من مصادر الحديث الموضوع كابن الجوزي، والسيوطي
والملا علي القاري وغيرهم (٦).
وممن أورد أحاديث موضوعة لكنها قليلة ابن أبي شيبة في (العرش)، وأبو يعلى في (إبطال التأويلات)، وابن قدامة في (إثبات صفة العلو)، والآجري في (التصديق بالنظر إلى الله تعالى) (٧).
وقد انتقد بعض العلماء إيراد هؤلاء المصنفين أحاديث واهية في باب الأسماء والصفات: فقال ابن تيمية وهو يتحدث عن كتاب أبي يعلى: " وهو وإن كان أسند الأحاديث التي ذكرها، وذكر من رواها ففيها عدة أحاديث موضوعة: كحديث الرؤية عيانًا ليلة المعراج، ونحوه، وفيها أشياء عن بعض السلف رواها بعض الناس مرفوعة كحديث قعوده ﷺ، وهي
_________________
(١) انظر: (١/ ١٣٧، ١٥١، ٢٤٦، ٣٩٩).
(٢) من مقدمة المحقق (١/ ٦٦) وانظر: أمثلة لذلك (١/ ٥٠، ٦٧، ٦٩، ٧١، ١٩٣، ٢/ ٥٤٥، ٥٦٢، ٨٨٦، ٨٨٨، ١٠٦٣).
(٣) انظر: مقدمة المحقق (١/ ٦٣، ٨٢) والأمثلة (١/ ٢٦٩، ٢٧٠، ٢٨٢، ٢٨٤، ٣٠٥).
(٤) من مقدمة المحقق على شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٥٨ - ٦٢).
(٥) انظر: العلو (٥١)، الأسماء والصفات (٢/ ٢٢٩، ٢٣٠) وفيه باب ذكر الحديث المنكر الموضوع على حماد بن سلمة في إجراء الفرس.
(٦) انظر: مقدمة المحقق (١/ ١٣١).
(٧) كتاب (العرش) فيه حديثان موضوعان (٦٧، ٨٨)، وانظر: إبطال التأويلات (١/ ٤٢، ٦٣، ٧٣، ٧٨)، إثبات صفة
(٨) العلو بتحقيق الغامدي (٩٠، ٩١، ١٠٢، ١٠٣، ١١٠، ١٣٧، ١٤١)، والتصديق بالنظر إلى الله (٦٨، ٦٩، ٧٠).
[ ٣٢ ]
كلها موضوعة والمقصود أن مالم يكن ثابتًا عن الرسول ﷺ لانحتاج أن ندخله في هذا الباب سواء احتيج إلى تأويل أو لم يحتج " (١).
وقد دافع بعض العلماء عن صنيع أولئك المصنفين، وذكروا أعذارًا مختلفة هي التي جعلتهم يلجأون إلى إيراد بعض الأحاديث الواهية ويمكن تلخيصها فيما يلي:
(١) أن يكون المصنف قد ساق تلك الأحاديث الواهية بأسانيدها؛ لتزييفها والكشف عن حالها لئلا يأتي وضاع فيغير أسانيدها، ومن أسند فقد أحالك. وممن حرص على بيان ذلك الذهبي في (العلو) فقد روى حديثًا منكرا ثم قال: " ولم أرو هذا ونحوه إلا للتزييف والكشف " وروى حديثًا موضوعًا ثم قال: " وإنما رويته لهتك حاله " (٢).
(٢) أن يكون المصنف قد تأول هذا الصنيع بأنه ردة فعل لما سلكه أهل الكلام المذموم الذين يحتجون بالحدود والأقيسة الكثيرة العقيمة التي لاتفيد معرفة بل تفيد جهلًا وضلالًا (٣).
(٣) أن يقصد المصنف من الكتاب جمع كل ما ورد في المسألة التي يطرقها غثًا كان أو سمينًا، وليس مقصده الاستدلال بتلك النصوص على مراده، ولما كانت عصورهم عصور الرواية والإسناد كان المصنف إذا ساق الحديث بإسناده يرى أنه خرج من العهدة وبرئت ذمته (٤). ويشهد لذلك كلام ابن حجر حول جمع الطبراني للأحاديث الأفراد مع ما فيها من النكارة الشديدة
والموضوعات، ثم ذكر أن هذا ليس مختصًا به بل أكثر المحدثين من سنه مائتين إذا ساقوا الحديث بإسناده اعتقدوا أنهم برئوا من عهدته والله أعلم (٥).
(٤) أن المصنف قد يورد حديثًا صحيحًا في المسالة ثم يذكر طرقًا أخرى للحديث نفسه ولايلتزم فيها الصحة أو الحسن (٦)، فيكون إيراده لغير المقبول متابعة أو استشهادًا، ويكون الاعتماد على ما جاء في الكتاب العزيز وما ثبت من السنة كما فعل الدارقطني في (الرؤية)، وابن منده في (الرد على الجهمية) وقد نص على ذلك في كتابه (التوحيد) (٧) حيث قال: " أسانيد في بعض رواتها مقال، وإنما ذكرناه اعتبارًا واستشهادًا "، وكان ابن خزيمة في كتاب (التوحيد) لايورد الأحاديث الضعيفة في بداية الأبواب بل يسوقها على سبيل تقوية طرق الخبر الذي رواه من طريق صحيح أو حسن. فيسوق المصنف الحديث الضعيف الذي لايلزم منه إثبات صفة لله ﷿ بل يورده استئناسًا به وتقوية لغيره (٨). ويشهد لذلك قول ابن تيمية: " وأهل الحديث لايستدلون بحديث ضعيف في نقض أصل عظيم من أصول الشريعة، بل إما في تأييده وإما في فرع من الفروع " (٩).
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٢٣٧ - ٢٣٩) والحديث في: إبطال التأويلات (١/ ٧٢).
(٢) انظر: (السنة لعبد الله بن أحمد مقدمة المحقق ١/ ٨٢)، و(العلو /٣٠، ٥١).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٤/ ٢٣ - ٢٥) وقد خطأهم وجهَّل صنيعهم هذا.
(٤) انظر: العظمة (مقدمة المحقق ١/ ١٣٢).
(٥) انظر: لسان الميزان (٣/ ٧٥).
(٦) انظر: السنة لعبد الله بن أحمد (مقدمة المحقق ١/ ٦٣).
(٧) التوحيد (٣/ ١٢٣)
(٨) التوحيد لابن خزيمة مقدمة المحقق (١/ ٦٧)، والرد على الجهمية مقدمة المحقق (٩)، القاضي أبو يعلى وكتابه (٤٨).
(٩) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٥).
[ ٣٣ ]
(٥) قد يسوق المصنف حديثًا ضعيفًا يعلم ضعفه؛ لوجود ما يشهد له من الآيات مع بيان ذلك كما صنع الذهبي في (العلو) حيث أورد حديثا ثم قال: " وهذا الحديث إنما سقناه لما فيه مما تواتر من علو الله تعالى فوق عرشه مما يوافق آيات الكتاب " (١).
(٦) أن يكون عذر المصنف أنه يبين حال الحديث الضعيف: كما صنع الذهبي في (العلو) فقد نص على أن الأحاديث الواردة في صفة العلو نؤمن بما صح منها، وبما اتفق السلف على إمراره وإقراره فأما ما في إسناده مقال، واختلف العلماء في قبوله وتأويله فإننا لانتعرض له بتقرير بل نرويه في الجملة ونبين حاله (٢).
(٧) اعتُذر لابن خزيمة في إيراده أحاديث من طرق ضعيفة جدًا مع التزامه تجنب ذلك بأنه ربما لم يطلع على حال رواتها، أو أن له رأيا مخالفًا لمن قال بجرحهم، أو ترجحت لديه فيما بعد عدالتهم، فاحتج بهم في الكتاب، أو لمذهبه رحمه الله تعالى في أن جهالة حال الراوي لاتضر فروايته عن بعض المجاهيل بناءً على هذا الأصل (٣).
(٨) أن في إيراد الأحاديث الضعيفة - ضعفًا يسيرًا - فائدة هي ارتقاء الحديث عن درجته إذا وجد ما يؤيده ويشهد له (٤).