إن دراسة رجال الحديث من حيث عدالتهم وضبطهم، مع ملاحظة اتصال السند أو انقطاعه يوقف الطالب على الحكم على إسناد الحديث، وهذا ما صدَّرت به الكلام على درجة الحديث، ولم أنص على اتصال السند في كل حديث، لكني نبهت على ما وقع من انقطاع في السند فما سكتُّ عنه فهو متصل.
ولما كان الحكم على السند شطر الحكم على الحديث؛ إذ يبقى الحكم على متنه، كما يلزم الاطمئنان على سلامة الحديث بشطريه من الشذوذ والعلة القادحة، فقد أَتْبَعْتُ الخطوة
السابقة بما يلي:
ـ ذكر أقوال الأئمة في تصحيح الأحاديث وتضعيفها؛ لأن من العسير أن يستقل الباحث في الحكم على حديث ما مع قلة بضاعته في هذا الشأن، ويغفل عن حكم الأئمة الذين تفرغوا لهذا الشأن، وقصروا هممهم عليه، فصار لديهم ملكة قوية لمعرفة الأسانيد والمتون تمكنهم من تمييز صحيحها من سقيمها، لذا فإني ذكرت أقوال الأئمة كالترمذي، والحاكم، والنووي، والمنذري، والذهبي، وابن الملقن، والهيثمي، وابن حجر، والسيوطي وغيرهم - رحمهم الله تعالى - كما نقلت أحكام بعض المعاصرين: كأحمد شاكر والألباني، والأرناؤوط وغيرهم.
ـ حرصت على مراجعة كتب العلل؛ للوقوف على أقوال العلماء كالبخاري ﵀ فيما نقله عنه الترمذي في (العلل الكبير)، وأبي حاتم وأبي زرعة - رحمهما الله - فيما نقله عنهما ابن أبي حاتم ﵀ وكلام الدارقطني في العلل إضافة إلى ما تناثر في بعض كتب الرجال من تعليل لبعض الأحاديث من أقوال أحمد وابن معين، والمزي، وابن حجر وغيرهم رحمهم الله تعالى.
ـ إذا اختلف العلماء في الحكم على حديث فإني أعرض أقوالهم؛ تحريًا للدقة، وحرصًا على وضوح الأمر للقارئ خاصة في الأحاديث المشتهرة بين الناس، وبعد عرض الأقوال أرجح ما
[ ١٧ ]
يظهر لي رجحانه وليس في هذا - بإذن الله - تعديًا على أولئك الجهابذة فإنني إنما أرجح قول إمام أو جماعة منهم إذا ظهر لي أن ما استندوا إليه أقوى، وعرض أقوال الفريقين دعوة لمن يطّلع على هذا البحث من أهل الاختصاص إلى توجيهي إلى الصواب إذا كان خلاف ما رجحته.
ـ إذا كان الحديث حسنًا أو ضعيفًا ضعفًا يسيرًا بحثت له عن متابعات أو شواهد ترتقي بالأول إلي الصحيح لغيره، وبالثاني إلى الحسن لغيره، وقد اعتمدت في الحكم على الشواهد على أقوال العلماء - إن وجدتْ - أو على ما يذكره محققو الكتب إذا ظهرت عنايتهم بذلك، وقد أراجع ترجمة بعض الرواة في بعض كتب الرجال، وأسجل درجة الراوي الذي يؤثر في قبول الحديث.
ـ إذا كان الحديث ضعيفًا ضعفًا شديدًا لا يحتمل التقوية، ووقفت على حديث أو أحاديث تغني عنه فقد حرصت على ذكرها رغبة في إفادة القارئ، وللاستغناء بها عن ذلك الحديث الضعيف.
ـ لما كانت نسخ سنن الترمذي بينها تفاوت في نقل حكمه على بعض الأحاديث فقد حرصت على مراجعة قوله في النسخة المجردة، ونسخة (العارضة)، ونسخة (تحفة الأحوذي)، مع الرجوع إلى (تحفة الأشراف) فإذا اتفقتْ على قول اكتفيت بعزوه إلى المجردة إلا إذا وجدت أحد العلماء كالمنذري أو البغوي أو ابن حجر قد نقل ما يخالف ما اتفقوا عليه نبهت إلى ذلك، وكذا إذا اختلفت النسخ المذكورة سابقًا نبهت عليه ورجحت إن أمكن ذلك، أو حملته على اختلاف النسخ والله أعلم.