وهى النسخة التى انفرد بها أهل المغرب (٢).
يقول الإمام ابن الصلاح: " لم أجد للقلانسى ذكرًا عند غيرهم " (٣).
أما رجال إسناد النسخة الأولى التى تلقاها عنهم بالسماع أو الإجازة فهم:
١ - الحافظ أبو على الحسين بن محمد الجيانى الغسانى، شيخ الأندلس فى وقته، وصاحب رحلتهم، وأضبط الناس لكتاب، وأتقنهم لرواية، مع الحظ الوافر من الأدب والنسب والمعرفة بأسماء الرجال، وسعة السماع. انتقل أبوه من جيان إلى قرطبة فاستوطنها ولم يرحل الحافظ من الأندلس.
سمع أبا عمر بن عبد البر، وأبا عمر بن الحذاء، وأبا العباس الدلائى، وأبا القاسم الطرابلسى، والفقيه أبا عبد الله بن عتَّاب، والقاضى أبا الوليد الباجى، والقاضى سراج بن عبد الله، وابن سعدون وابن حيان، وصحب أبا مروان بن سراج، وأتقن كتب اللغة والغريب، والشروح عليه، وكان من جهابذة الحفاظ وكتابه " تقييد المهمل وتمييز المشكل " من الكتب التى سارت بذكرها الركبان، قيد فيه المهمل، وميَّزَ المشكل بين الأسماء والكنى والأنساب لمن ذكر اسمهم فى صحيحى البخارى ومسلم وهو كبير الفائدة (٤).
مولده سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وتوفى فى شعبان سنة ثمان وتسعين وأربعمائة (٥). وقد أخذه عنه بالإجازة التامة منه له، حيث كتب إليه به، وذكر له سنده فيه إلى مسلم فقال: حدثنى به الدلائى (٦) وحدثنى به أيضًا أبو القاسم حاتم بن
_________________
(١) المعلم وإكمال، لوحة ٦١/ أ.
(٢) سيرد قريبًا إن شاء الله تفصيل ذلك.
(٣) صيانة صحيح مسلم: ١٠٩.
(٤) والكتاب مخطوط بمكتبة جامعة الدول العربية، وقد يسر الله لنا تحصيل صورة منه.
(٥) الصلة ١/ ١٤٢، وفيات الأعيان ٢/ ١٨٠، الغنية: ١٣٨.
(٦) هو أبو العباس العذرى. قال صاحب الوافى: " وبوفاته ختم سماع مسلم، فإن كل من حدث بعده عن إبراهيم بن سفيان فإنه غير ثقة " ٤/ ٢٩٧. وهو أحمد بن عمر بن أنس بن ولهاث الدلائى، ويكنى أبا العباس من أهل المريَّة، ولد بها فى ذى القعدة سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، ورحل إلى المشرق مع أبويه سنة سبع وأربعمائة، وجاور بيت الله الحرام أعوامًا وسمع بالحجاز من أبى العباس الرازى، وصحب الحافظ أبا ذر الهروى، وسمع منه صحيح البخارى مرات -حدث عنه من الأعيان أبو عمر بن عبد البر وأبو على الغسانى وكان﵀- معتنيًا بالحديث ونقله وروايته وضبطه، مع ثقته وعلو إسناده. وتوفى ﵀ بالمرية فى آخر شعبان سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. الصلة ١/ ٦٦، معجم البلدان ٢/ ٤٦٠.
[ ١ / ٤١ ]
محمد الطرابلسى (١) عن أبى سعيد السجزى (٢)، قال: هو والرازى والفارسى ثنا أبو أحمد محمد بن عيسى الجلودى ثنا إبراهيم بن سفيان المروزى ثنا مسلم بن الحجاج.
٢ - القاضى الشهيد الحافظ أبو على الحسن بن محمد الصدفى بن سُكَّرة الأندلسى، السرقسطى.
وهو ممن أكثر عنه القاضى فإن أصله من سرقسطة، ومولده بحاضرتها، فى نحو أربع وخمسين وأربعمائة.
أخذ عن شيوخها وقرأ على مقرئيها وسمع بها، وروى عن أبى الوليد الباجى ومحمد بن سعدون القروى، وسمع بالمريَّة وبلنسية من العذرى وابن سعدون، وحج سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، ورحل إلى المشرق، فلقى بقايا شيوخ إفريقية - تونس - بالمهدية - وبمصر الحبَّال والخلعى، وبمكة الطبرى وأبا بكر الطرطوشى، وأبا عبد الله الحافظ وغيرهم، وبالبصرة ابن شعبة، وأبا يعلى، وأبا العباس الجرجانى، وجماعة، وسمع بواسط من شيوخها، وأقام ببغداد خمس سنين، وأخذ فيها عن بقية محدثيها ومسنديها أبى الحسن الطيورى، وابن خيرون، وابن البطر، والبانياسى، وأبى محمد التميمى، والإمام أبى بكر الشاشى، وابن فهد العلاف، ودرس الفقه والأصول على الشاشى، ولقى جماعة من الخراسانيين الحجاج؛ كالإمام أبى القاسم عبد الله بن طاهر التميمى المعروف بابن شافور البلخى، والقاضى أبى محمد الناصحى.
قال عياض: " بلغ شيوخه نحو مائتى شيخ، ولما وصل الأندلس رحل الناس إليه، وكثر الآخذون عنه، واستوطن مرسية، وسمع منه الناس كثيرًا، وسمع منه من هو فى عداد شيوخه. وكان عارفًا بالحديث، قائمًا به، حافظًا لأسماء الرجال، عارفًا
_________________
(١) هو حاتم بن محمد بن عبد الرحمن بن حاتم، المحدث المتقن الإمام الفقيه، أصله من طرابلس الشام. مولده فى نصف شعبان، سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة. قال الذهبى: ارتحل فى سنة اثنتين وأربعمائة، فلقى الإمام أبا الحسن القابسى ولازمه، وأكثر عنه، ثم حج فى سنة ثلاث، وسمع صحيح مسلم من أبى سعيد السجّزى، ثم رجع بعلم جمّ، وأخذ بطليطلة عن الخطيب أبى محمد بن عباس، وخلف بن أحمد. سير ١٨/ ٣٣٧. وقال أبو على الغسانى: كان شيخنا حاتم ممن عنى بتقييد العلم وضبطه ثقة، كتب الكثير بخطه المليح. الصلة ١/ ١٥٨. مات فى ذى القعدة سنة تسع وستين وأربعمائة. سير ١٨/ ٣٣٧.
(٢) هو أبو سعيد عمر بن محمد بن محمد بن داود، نزيل نيسابور، قال الخطيب: قدم بغداد وحدّث بها عن محمد بن يعقوب الأصم، ومحمد بن جيكان التاجر ومحمد بن عمر الجعابى. وقال: حدثنا عنه البرقانى والأزجى، والخلال، وقال: قدم علينا أبو سعيد حاجًا ومات بمكة. وذكره القاضى فى الغنية وقال: منسوب إلى سجستان. ولم يذكرا تاريخًا لوفاته. تاريخ بغداد ١١/ ٢٧٠، الغنية ٣٦.
[ ١ / ٤٢ ]
بقويهم من ضعيفهم، ذا دين متين، وخلق حسن، وصيانة، من أجل من لقيناه " (١).
وقد أخذه عنه بقراءته عليه فى مدينة مرسية (٢)، حدثهم به عن أبى العباس أحمد ابن عمر العذرى الدلائى.
استشهد - ﵁ - فى ملحمة قتندة بثغر الأندلس فى ربيع الأول سنة أربع عشرة وخمسمائة (٣).
٣ - أبو بحر سفيان بن العاصى الأسدى، الفقيه النحوى، الراوية. قال فيه القاضى: " أحد المتفننين المتقنين للكتب، المتسعى الرواية " (٤).
أصله من حصن مربيطر (٥)، نشأ ببلنسية، وسمع أبا العباس الدلائى، وأبا عمر ابن عبد البر، والقاضى أبا الوليد الباجى، وأجازه أبو مكتوم عيسى بن أبى ذر الهروى.
روى عنه ابن بشكوال، وأبو الوليد الدباغ فيمن رووا عنه وهم كثير.
توفى فى جمادى الآخرة سنة عشرين وخمسمائة.
وقد أخذ عنه القاضى صحيح مسلم سماعًا بقرطبة (٦). حدثه به - هو والصدفى - عن أبى العباس العذرى عن أبى العباس أحمد بن الحسن الرازى، عن أبى أحمد محمد ابن عيسى الجلودى، عن إبراهيم بن سفيان المروزى عن مسلم.
وحدثه به - أبو بحر - من روايته عن الشيخ أبى الليث نصر بن الحسن الشاشى السمرقندى، عن أبى الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسى عن الجلودى.
قال فيه القاضى: كان شيخ فقهاء وقته بشرق الأندلس، وأحفظهم للمذهب - مذهب مالك - مع المعرفة لكتاب الله، والتفنن فى المعارف، والمشاركة فى علومه.
سمع أباه، وأبا القاسم الطرابلسى، وأبا الوليد الباجى وابن سعدون القروى، ولقى فقهاء طليطلة، وقرطبة، وحج فسمع بمكة من أبى عبد الله الطبرى كتاب مسلم.
توفى - ﵀ - بمرسية سنة ست وعشرين وخمسمائة، ومولده سنة سبع
_________________
(١) الغنية: ١٢٩، وانظر: سير ١٩/ ٣٧٦.
(٢) ومما أخذه عن غيره البخارى، ومند الشهاب، والجامع للترمذى، والشمائل، والإلزامات والتتبع، والجرح والتعديل للباجى، والعلل، والمؤتلف والمختلف للدارقطنى والسنن له، وغير ذلك.
(٣) سير ١٩/ ٣٧٨.
(٤) الغنية: ٢٠٥.
(٥) قال ياقوت: مدينة بالأندلس، بينها وبين بلنسية أربعة فراسخ. معجم البلدان ٥/ ٩٩.
(٦) ومما أخذه عنه بها كتاب " المشاهد وسيرة رسول الله " لابن هشام، وشيوخ البخارى للجرجانى، جميعًا عن أبى العباسى الدلائى عن أبى العباس الرازى، و" الموطأ " لمالك بأكثر من إسناد و" بهجة المجالس " لابن عبد البر. الغنية: ٢٠٧.
[ ١ / ٤٣ ]
وأربعين وأربعمائة (١).
٤ - أبو محمد عبد الرحمن بن عتاب بن محسن الجذامى، الفقيه وهو - كما قال فيه خلف بن بشكوال -: آخر الشيوخ الجلة الأكابر بالأندلس فى علو الإسناد، وسعة الرواية، وكان عارفًا بالطرق، واقفًا على كثير من التفسير والغريب والمعانى، مع حظٍّ وافر من اللغة والعربية، وكان من أهل الفضل والحلم، والوقار والتواضع، وكانت الرحلة إليه فى وقته (٢)، لعلو سنده وانقراض طبقته، وصبره على الجلوس والإسماع آناء ليله وأطراف نهاره (٣).
توفى ﵀ فى جمادى الأولى سنة عشرين وخمسمائة.
وقد حدثه به عن أبى محمد الشنتجالى إجازة.
٥ - الفقيه أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله الخشنى - المعروف بابن أبى جعفر - لقيه القاضى بسبتة عند صدوره من الحج، وسمع منه شيئًا، ثم رحل إليه ببلده مرسيَّة، فقرأ عليه صحيح مسلم بسماعه بمكة عن الإمام أبى عبد الله الحسين بن على الطبرى عن أبى الحسين الفارسى، عن الجلودى، عن إبراهيم بن سفيان المروزى، عن مسلم.
وبسماعه عن أبى حفص الهوزنى (٤) - عمر بن حسين - عن أبى محمد عبد الله بن سعيد الشنتجالى (٥)، عن أبى سعيد عمر بن محمد السجزى عن الجلودى (٦).
_________________
(١) الغنية: ١٥٤.
(٢) الصلة ٢/ ٣٤٩، الديباج المذهب ١/ ٤٧٦.
(٣) الغنية: ١٦٣.
(٤) هو أبو حفص عمر بن الحسن بن عبد الرحمن بن عمر الهوزنى، من أهل إشبيلية. ولد فى رجب سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، وروى ببلده عن أبى بكر محمد بن عبد الرحمن العواد، وأبى إسحاق بن أبى قابوس، وأبى القاسم بن عصفور، وأبى عبد الله الباجى، وغيرهم، ورحل إلى المشرق سنة أربع وأربعين وأربعمائة، وحج وأخذ عن أبى محمد بن الوليد وغيره. كان متقنًا فى العلوم، أخذ من كل فن منها بحظ وافر، مع ثقوب فهمه، وصحة ضبطه، قتله المعتضد بالله عياد بن محمد ظلمًا بقصره ليلة السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر من سنة ستين وأربعمائة، وتناول قتله بيده، ودفنه بثيابه وقلنسوته داخل قصره من غير غسل ولا صلاة، قال ابن بشكوال: والله المطالب بدمه. الصلة ٢/ ٤٠٢.
(٥) هو أبو محمد عبد الله بن سعيد بن أبى رباح الشنتجالى الأموى. طلب بالأندلس، ورحل إلى المشرق، فجاور بمكة بضعًا وثلاثين سنة، يثابر على الحج وكتابة الحديث، والقيام بالعلم، وأكثر من ذلك. قال الباجى: كان شيخًا صالحًا، يكنى بالضابط، سمع من أبى سعيد السجزى، وأبى سعيد الواعظ، والقاضى أبى سعيد الكرخى وغيرهم، وانصرف إلى الأندلس سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، راغبًا فى الجهاد، فلم يزل مثابرًا عليه بالثغور والناس يأخذون عنه خلال ذلك، حدث عنه خلق كثير، منهم أبو عبد الله بن عتاب والطربلسى وأبو حفص الهروى ودخل قرطبة فسمع منه بها مسلم، وأجازه لكل من دخل قرطبة من طالبى العلم. توفى سنة ست وثلاثين وأربعمائة ترتيب المدارك.
(٦) انظر: المقدمة.
[ ١ / ٤٤ ]
٦ - القاضى أبى عبد الله محمد بن عيسى التميمى، مفتى سبتة، وصفه القاضى بأنه أجل شيوخه بها ومقدم فقهائها (١).
سمع بقرطبة الجيانى، وابن الطلاع (٢)، والعبسى (٣)، وأبى القاسم بن الباجى، وكان كثير الكتب، حافظًا عارفًا بالفقه، من أعقل أهل زمانه وأفضلهم وأسمتهم، تام الفضل، كامل المروءة، بعيد الصيت عند الخاصة والعامة. توفى فى جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة.
حدثه به بقراءته عليه وسماعه منه بفوات لبعضه عن أبى العباس أحمد بن عمر العذرى إجازة منه له، وعن الحافظ أبى على الجيانى سماعًا عن أبى العباس العذرى عن أبى العباس الرازى بسماعه من الجلودى بسماع الجلودى من إبراهيم بن سفيان بسماعه من مسلم بن الحجاج (٤).
وبسماع الجيانى من أبى القاسم حاتم بن محمد الطرابلسى، بسماعه من أبى سعيد السجزى بسماع السجزى من الجلودى (٥).
وقد كتب إليه أبو على الجيانى بالإجازة أيضًا بهذا السند، وبإسناد آخر قال له فيه: " وحدثنى به أيضًا حاتم بن محمد عن عبد الملك بن الحسن الصقلى، عن أبى بكر محمد بن إبراهيم الكسائى عن ابن سفيان " (٦).
تلك هى أسانيده لرواية إبراهيم بن سفيان المروزى، وهى نسخة الجلودى. وهذه النسخة هى أوثق النسخ لصحيح مسلم لكون الجلودى رواه عن مسلم موصولًا عن أبى إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان، فروايته هى المعتمدة المشهورة (٧).
يقول الإمام أبى عمرو بن الصلاح: " هذا الكتاب - يعنى الصحيح لمسلم - مع شهرته التامة صارت روايته بإسناد متصل بمسلمٍ مقصورة على أبى إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان " (٨).
والجلودى هو محمد بن عيسى بن عمرويه، أبو أحمد النيسابورى الجلودى الزاهد (٩).
قال الحاكم فى تاريخه: " كان يورّقُ بالأجرة، ويأكل من كسب يده، وكان
_________________
(١) الغنية: ٢٨.
(٢) قيد فى السير: ومحمد بن فرج الطلاعى ١٩/ ٢٦٦.
(٣) أبو الحسن على بن خلف، سمع من القضاعى كتاب الشهاب. وعليه عوَّل الناس. مات سنة (٤٩٨). الصلة ٢/ ٤٢٣.
(٤) و(٥) السابق: ٣٥.
(٥) المقدمة وسترد إن شاء الله قريبًا.
(٦) صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط: ٨١.
(٧) السابق: ١٠٣.
(٨) عن سير أعلام النبلاء ١٦/ ٣٠٢، تاريخ الإسلام ٣/ ٤٠٤.
[ ١ / ٤٥ ]