أ- إحاطة صاحب الإكمال بجميع روايات " الموطأ " لمالك أعانته على تصحيح ما وقع فى الصحيح من أوهام. ويظهر ذلك فى مثل ما جاء فى كتاب الطهارة: " أَنَّ ابنة جحش كانت تستحاض "، فقد فسره الإمام المازرى أن فى بعض نسخ مسلم عن أبى العباس الرازى: " أن زينب بنت جحش "، ثم قال: قال بعضهم: هو وهم، وليس زينب، إنما هى أم حبيبة بنت جحش، قال الدارقطنى عن أبى إسحاق الحربى: الصحيح قول من قال: أم حبيب - بلا هاء - واسمها حبيبة، قال الدارقطنى: قول أبى إسحاق صحيح، وكان أعلم الناس بهذا الشأن، قال غيره: وقد روى عمرة عن عائشة: أن أم حبيب الحديث. بعد هذا قال القاضى: " اختلف أصحاب " الموطأ " فيه عن مالك، فأكثرهم يقولون: زينب، وكثير من الرواة يقول: عن ابنة جحش ".
ثم قال: " ويبين الوهم فيه رواية مالك، وبعضهم ": " وكانت تحت عبد الرحمن ابن عوف "، وزينب هى أم المؤمنين، لم يتزوجها قط عبد الرحمن، إنما تزوجها أولًا زيد بن حارثة، ثم تزوجها النبى ﷺ، والتى كانت تحت عبد الرحمن هى أم حبيبة " (٣).
ب- اجتهاده فى تصحيح ما وقع فى " الموطأ " من أوهام الرواة والناقلين، حيث يقول مثلًا: " وسألت شيخنا أبا الحسن يونس بن مغيث عما ذكر عن كتاب جده فصححه لى عنه، وإذا كان هذا برأ الله مالكًا ممن نسب الوهم إليه فى تسمية أم حبيبة زينب " (٤).
جـ- دفع الخطأ المنسوب إلى مسلم بما جاء فى بعض النسخ عنه، والتى اقتصر عليها الإمام بما جاء على الصواب فى النسخ التى اعتمد عليها القاضى، حيث وافقت رواية البخارى، مما يجعل التصويب فيها تصويب نسخ لا تصويب رواية.
_________________
(١) لم يذكر الكحالة ليونس غير هذا الكتاب، ولم يزد الذهبى فى ترجمته له على أن قال: " له مصنفات فى الزهد وغيره " معجم المؤلفين ١٣/ ٣٤٨، العبر ٢/ ٢٦١. وراجع: الإكمال، لوحة ٧٣/ أ، لوحة ٧٥/ أ.
(٢) وقد وقع ذلك فى كثير من الأحاديث، يتبيّنه القارئ إذا ما قابل نسخة القاضى التى اعتمد عليها مع متن مسلم أعلا الصفحة، وقد أشرنا إلى شىء من ذلك فى مواضعه.
(٣) و(٤) إكمال، لوحة ٧٣/ أ.
[ ١ / ٢٥ ]
وبذلك يندفع عن الإمام مسلم دعوى التوهيم له فيها، والخطأ فى أمثالها.
فقد اعتمد الإمام المازرى على نسخ ابن ماهان والجلودى والكسائى فقط، وقد وقع فيها الخطأ فى مثل تسمية ابن يسار بأنه عبد الرحمن، وصوبها الإمام المازرى بأنه عبد الله - على وفق رواية البخارى - ونسخة القاضى الزائدة على تلك النسخ - وهى نسخة السمرقندى - جاءت فيها الرواية على الصواب: عبد الله بن يسار (١).
د- يضبط المصطلحات التى ترد ضبطًا يزيل الشك عنها، وذلك بذكر إسناده فيها، ففى قول مسلم فى شهر: إن شهرًا نزكوه، يقول القاضى: " هذه الرواية الصحيحة بالنون والزاى، وهكذا سماعنا فيه من الأسدى عن السمرقندى عن الفارسى، وكذا أقرأناها على بن أبى جعفر عن الطبرى عن الفارسى عن الجلودى، وسمعناها من القاضى الصدفى وغيره عن العذرى ".
ثم قال: " وسائر الرواة: تركوه - بالتاء والراء - وبالنون والزاى ذكر هذا الحرف الهروى، وفَسَّره، وهو الأشبه بمساق الكلام، ومعناه: طعنوا فيه، وهو مأخوذ من النيزك، وهو الرمح القصير " (٢).
هـ- التنبيه على ما جاء من اختلاف فى بعض الروايات، وقد تركها غيره اختصارًا أو اكتفاءً ممن نقل عنه، كالنووى، حيث اكتفى برواية أبى كُرَيْبٍ فى حديث المغيرة؛ أن موسى سأل الله تعالى عن أخس أهل الجنة حظًا ".
فقد قال القاضى عقبها: " كذا للرواة، ولأبى العباس الدلائى: أحس. وهو تصحيف، والصواب الأول " (٣).
وبدون هذا التنبيه يقع للمتأخرين الجزم بغير ورودها على وجه الصواب، فيكون من القائلين بغير علم.
و- بظهور الإكمال أمكننا تصويب الكثير من عبارات الأئمة الذين أخذوا عنه ونقلوا منه، ووقع فيما كتبوا أوهام وتصحيفات، لم يكن من الممكن تصويبها قبل ظهور الأصل وهو الإكمال. فقد جاء فى نسخة النووى فى رواية مسلم لحديث الشعب: " الإيمان بضع وستون شعبة ".
وقد قال القاضى: " ووقع فى " الأم " فى حديث زهير الشك فى سبعين أو ستين،
_________________
(١) إكمال، لوحة ٧٧/ أ.
(٢) إكمال، لوحة ٧٦/ أ.
(٣) إكمال، لوحة ٥٠/ أ.
[ ١ / ٢٦ ]
وكذلك وقع فى البخارى من رواية أبى زيد المروزى أول الكتاب: ستون، والصواب ما وقع فى سائر الأحاديث ولسائر الرواة: سبعون " (١).
أقول: جاءت العبارة فيما نقله النووى بالمطبوعة: " وستون " (٢).
كذلك جاء فى النووى " فى الصبرى " وهو الطبرى بن القاسم، والذى فى " الإكمال ": أبو القاسم، وفى حديث أبى هريرة: " شهدنا مع رسول الله ﷺ غزوة حنين " لم يزد النووى على أن قال فيها: قال عياض: والصواب خيبر، وجاء فى " الإكمال " أنها من رواية الذهلى (٣).
ز- دقة النسخ التى اعتمد عليها القاضى لصحيح مسلم، فحديث: " اللهم إنى أعوذ بك من زوال نعمتك، وتَحوّلِ عافِيَتِكَ، وفجاءة نقمتك، وجميع سَخَطك " ورد فى النسخ المتداولة ضمن كتاب الرقاق مع متعلقاته، لكنه فى " الإكمال " و" إكمال الإكمال " جاء فى آخر كتاب الدعاء، وهو الأليق بالسياق.
ح- ضبطه لكثير من العبارات الواردة بصحيح مسلم بالتصويب والترجيح بما صح له من غيره، مثال ذلك: ما جاء فى شرحه لحديث: " فما منكم من أحد بأشد مُناشدَة لله فى استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين فى النار ".
فقد قال فيها: كذا هى الرواية، وكذا فى جميع النسخ، وفيه تغييرٌ ووهم، وصوابه ما وقع فى كتاب البخارى عن ابن بُكَيْر: " بأشد مناشدة لى فى استقصاء الحق " يعنى " فى الدنيا من المؤمنين " (٤).
ط- أحيانًا ينبه على أصل الخطأ إذا كان فى الحديث خطأ من - سند أو متن - ومصدره.
ففى حديث: " أصبح من الناس شاكر وكافر " جاء بإسناده: ثنا عباس بن عبد العظيم العنبرى. قال القاضى فيه: " كذا الرواية، وعند العذرى: " الغُبرى " وهو تصحيف " (٥).