سمعت جميع الصحيح [لمسلم] (٥) [بقراءتى فى مدينة مُرسية] (٦) - حماها الله تعالى - على قاضى القضاة [الحافظ] (٧) أبى على الحسين (٨) بن محمد الصَّدَفى، ثنا به عن أبى العباس أحمد بن عمر العذرى المعروف بالدلائى (٩)، وسمعت جميعه
_________________
(١) = الصدفى. " ما رأيت مثل أبى الوليد الباجى"، مات بالمريَّة سنة سبع وسبعين وأربعمائة. سير ١٨/ ٥٣٥.
(٢) هو الإمام الحافظ البارع، الأوحد، الحجة، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن على بن محمد بن رُحيم، الشامى، الساحلى، الصورى، أحد الأعلام، سمع عبد الغنى بن سعيد المصرى، وصحبه وتخرج به. حدث عنه شيخه عبد الغنى، وأبو بكر الخطيب. قال فيه الخطيب: كان الصورى من أحرص الناس على الحديث، وأكثرهم كَتْبًا له، وأحسنهم معرفةً به، لم يقدم علينا أحد أفهم منه لعلم الحديث، وكان مع كثرة طلبه صعب المذهب فى الأخذ، ربما كرر الحديث الواحد على شيخه مرات. كان صدوقًا كتب عنى وكتبت عنه. وقال الباجى: الصورى أحفظ من رأيناه. قال أبو طاهر السَّلفى: " كتب الصورىُّ " صحيح البخارى " فى سبعة أطباق من الورق البغدادى، ولم يكن له سوى عين واحدة "، مات فى جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين وأربعمائة. تاريخ بغداد ٣/ ١٠٣، سير ١٧/ ٦٢٧.
(٣) هو الإمام العلامة الفقيه الحافظ الثبت، شيح الفقهاء والمحدثين أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمى، الشافعى، صاحب التصانيف. سمع من الإسماعيلى وأبى بكر القطيعى، وأبى أحمد الحاكم، والحافظ عبد الغنى. حدث عنه الصورى، وأبو بكر البيهقى، والخطيب، وعدد كثير. قال الخطيب. كان البرقانى ثقةً، ورعًا، ثبتًا، فهمًا، لم نر فى شيوخنا أثبت منه، صنَّفَ " مسندًا " ضمَّنه ما اشتمل عليه صحيح البخارى ومسلم، وجمع حديث سفيان الثورى، وأيوب، وشعبة، وعبيد الله بن عمر، وعبد الملك بن عمير، وبيان بن بشر، ومطر الوراق، وغيرهم، ولم يقطع التصنيف إلى حين وفاته، ومات وهو يجمع حديث مسعر، وكان حريصًا على العلم. ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وسكن بغداد، وبها مات فى أول رجب سنة خمس وعشرين وأربعمائة. تاريخ بغداد ٤/ ٣٧٣، طبقات الشافعية للسبكى ٤/ ٤٧، طبقات الإسنوى ١/ ٢٣١، سير ١٧/ ٤٦٤.
(٤) فى الأصل: الشروح.
(٥) سقط من الأصل، والمثبت من ت.
(٦) من ت.
(٧) فى ت: يقرأ بجامع مُرسية.
(٨) من ت.
(٩) فى ت: حسن، والصواب ما أثبتناه.
(١٠) فى الأصل: الولابى، والمثبت من ت، وهو الموافق لما فى الغنية. =
[ ١ / ٧٥ ]
أيضًا بقرطبة [حرسها الله] (١) على الشيخ المحدث أبى بحر سفيان بن العاصى الأسدى (٢).
حدثنى به أيضًا عن أبى العباس العذرى عن أبى العباس أحمد بن الحسن الرازى، قال أبو بحر: وحدثنى (٣) به أيضًا الشيخ أبو الليث نصر بن الحسن (٤) الشاشى السمرقندى (٥) عن أبى الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسى (٦).
وقرأتُ جميعه على الفقيه أبى محمد عبد الله بن أبى جعفر الخُشنى (٧)، حدَّثنى به سَماعه بمكة عن الإمام أبى [عبد الله] (٨) الحسين بن على الطبرى، عن أبى الحُسين الفارسى، قال ابن أبى جعفر: وحدَّثنى به أيضًا - ﵀ - عن أبى حفص الهوزنى (٩) عن أبى محمد عبد الله بن سعيد الشنتجالى عن أبى سعيد عمر بن محمد السجزى.
و[قد] (١٠) حدثنى به أيضًا الفقيه أبو محمد عبد الرحمن بن عتاب (١١) عن أبى محمد الشَنْتجالى إجازةً.
_________________
(١) = وأبو العباس العذرى توفى سنة ٣٦٨، قال صاحب الوافى: وبوفاته ختم سماع كتاب مسلم، فإن كل من حدَّث بعده عن إبراهيم بن سفيان فإنه غير ثقة. الوافى ٤/ ٢٩٧، وهو من أقران الشنتجالى. ترتيب المدارك ٢/ ٦٩٥ أخذ عن أبى الحسن على بن القاسم بن محمد بن إسحاق الطاقى، وسمع من أبى الحسن ابن على بن محمد بن الحسن بن محمد بن العباس الفهرى.
(٢) سقط من الأصل.
(٣) هو سفيان بن العاصى بن أحمد بن العاصى بن سفيان الأسدى الفقيه الراوية أبو بحر. قال فيه القاضى: " أحد المتفننين المتقنين للكتب، المتسعى الرواية. نشأ ببلنسية، وأصله من عملها من حصن مُرْ بيطر. سمع أبا العباس الدلائى، وأبا عمر بن عبد البر، والقاضى أبا الوليد الباجى، وأبا الوليد الكنانى، وبه كان اختصاصه وعليه تقييده، ومنه استفادته، وكان يُعظمه جدًا، وأجازه أبو مكتوم عيسى بن أبى ذر الهروى، سمع منه الناس كثيرًا بالأندلس والعدوة، توفى﵀- بقرطبة سنة عشرين وخمسمائة، ومولده سنة تسع وثلاثين وأربعمائة. الصلة ١/ ٢٣٠، البغية: ٧٨٢.
(٤) فى ت: وحدثنا.
(٥) فى ت: الحسين.
(٦) هو نصر بن الحسن بن القاسم بن الفضل، من أهل تنكت -وهى من مدن الشاش- رحل إلى بلاد المغرب، وأقام ببلاد الأندلس مدة يَسمع ويُسمع توفى سنة ٤٨٦. الأنساب ٣/ ٨٨.
(٧) كان عدلًا جليل القدر، توفى سنة ٤٤٨. له ترجمة فى العبر ٣/ ٢١٦، والشذرات ٣/ ٢٧٨.
(٨) هو شيخ فقهاء وقته بشرق الأندلس، وأحفظهم لمذهب مالك بها، مع معرفته بالتفسير والتفنن فى المعارف، والمشاركة فى علوم. لقيه القاضى بسبتة عند صدوره من الحج، وسمع منه شيئًا، ثم لقيه فى رحلته إلى مُرسيَّة فقرأ عليه جميع كتاب مسلم، توفى بمرسية سنة ست وعشرين وخمسمائة، ومولده سنة سبع وأربعين وأربعمائة. الصلة ١/ ٤٩٤، البغية: ١٥٣، شذرات الذهب ٤/ ٧٨.
(٩) فى جميع النسخ التى تيسرت لى: على، والتصويب من البغية ٥٧، ١٥٣.
(١٠) تقدمت ترجمته فى المقدمة.
(١١) ساقطة من ت.
(١٢) فى الأصل: غياث، والتصويب من البغية وت.
[ ١ / ٧٦ ]
وحدثنى به أيضًا قراءة لبعضه وسماعًا وإجازةً لما فاتنى منه الفقه القاضى أبو عبد الله [محمد] (١) بن عيسى التميمى، عن أبى العباس الدلائى [إجازة له وعن الشيخ الحافظ أبى على الحسين أبى محمد الجيانى سماعًا عن الدلائى، (٢). وقال الجيانى: وحدَّثنى به أيضًا أبو القاسم حاتم به محمد الطرابلسى، عن أبى سعيد السجزى، قال هو والرازى والفارسى: ثنا أبو أحمد محمد بن عيسى الجلودى ثنا إبراهيم بن سفيان المروزى ثنا مسلم بن الحجاج.
وكتب إلى [الشيخ] (٣) الحافظ أبو على الحسين بن محمد الجيانى: حدثنى بهذا الكتاب بسنده المتقدم، قال: وحدثنى به أيضًا حاتم بن محمد عن عبد الملك بن الحسن الصقلى عن أبى بكر محمد بن إبراهيم الكسائى عن ابن سفيان.
وأمَّا رواية القلانسى فيه فحدَّثنى بها قراءةً وسماعًا وإجازةً القاضى أبو (٤) عبد الله التميمى عن أبى على الجيانى عن القاضى أبى عمر أحمد بن محمد بن الحذاء معًا (٥).
وهو لى من الجيَّانى وابن عتَّاب (٦) وغيرهما إجازةً عن ابن الحذاء عن أبيه عن أبى العلاء بن ماهان عن أبى بكر محمد بن يحيى بن الأشقر عن أبى محمد أحمد بن محمد على القلانسى (٧) عن مسلم.
وحدثنى به [أيضًا] (٨) قراءةً عليه الفقيه أبو محمد (٩) بن أبى جعفر عن أبيه عن أبى حفص عمر بن الحسن (١٠) الهوزلى (١١) عن القاضى أبى (١٢) عبد الله محمد بن أحمد الباجى عن ابن ماهان.
وبهذين الطريقين وصل إلينا كتاب مسلم - ﵀.
وها أنذا أبتدئ بنقل ما تقدم فى المعلم ثم أتبعه بما تضمَّنتُ إن شاء الله.
قال الإمام أبو عبد الله محمد بن على بن إبراهيم المازرى - ﵀ (١٣):
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) من هامش الأصل.
(٣) من ت.
(٤) فى الأصل: أبى، وهو خطأ.
(٥) عليها فى الأصل ما يشبه الضرب.
(٦) فى الأصل: غياب.
(٧) كتب قبلها وضرب عليها بالأصل. " ابن ماهان عن أبى بكر محمد بن يحيى ".
(٨) من ت.
(٩) فى ت: عمر.
(١٠) فى ت: الحسين.
(١١) فى ت: الهوزنى.
(١٢) فى الأصل: أبو.
(١٣) قيد أمامها بهامش الأصل: توفى أبو عبد الله المازرى التميمى بالمهديَّة فى الثالث عشر من شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين وخمسمائة -﵀. وجاءت فى ت: وفقه الله.
[ ١ / ٧٧ ]
كتاب مسلم من (١) أصح كتب الحديث، قال مؤلفه: انتقيتُه من نحو ثلاثمائة ألف حديث، وقال بعض الناس: ما تحت أديم السماء أصح منه - يريدُ فى كتب الحديث - وكان مسلم من جملة أصحاب البخارى لما ورد البخارى نيسابور، ولما امتحِنَ فيها البخارى بالمسألة المشهورة [عنه] (٢) نفر عنه أصحابه إلا مسلمًا فإنه لزمه (٣). وتوفى الإمام مسلم - ﵀ - فى العشر الأخير من رجب سنة مائتين وإحدى وستين (٤).
قال الفقيه القاضى [عياض بن موسى بن عياض] (٥) - ﵀ -: وإذ قد ذكر الإمام أبو عبد الله - ﵁ - من أخبار مسلم - ﵁ - طرفًا فسنذكُرُ من ذلك ما حضر، ونُضيف إلى ذلك مقصد مسلم - ﵀ - فى تأليف هذا الكتاب، [ونَضْطَّر] (٦) إلى تفسير الصحيح والسقيم، وفصول من علوم (٧) الحديث نبسُطُ من الكلام فيها طَرفًا ونتكلم على كل فصل من ذلك، حيث يأتى من [إشارة] (٨) مسلم، ونعرّف بمذهبه فى ذلك، ونُبينُ غرضه فيما (٩) يهدى الله إليه، ويعين عليه، إن شاء الله تعالى، فأقول:
_________________
(١) فى نسخة الرباط " المُعْلِم ": هذا من، وفى نسخة المدينة المنورة: هو.
(٢) من ت.
(٣) قائل ذلك هو الحافظ أبو على النيسابورى، أحدُ شيوخ الحاكم. راجع: تدريب الراوى ١/ ٩٣، سير أعلام النبلاء ١٦/ ٥١. وقوله: " المسألة المشهورة ": يشير إلى ما وقع للإمام البخارى من أذى، بسبب موقفه من فتنة القول بخَلْقِ القرآن، والتى ذَكَّى أوارها ضيق أفق خليفة، وفسادُ قلب صاحبٍ وقرين، مع عسر شرط من الأصحاب والموافقين. وفحوى تلك المسألة -مسألة القول بخلق القرآن- هى: أن الثابت عن أهل السنة والجماعة والأشاعرة أنهم أثبتوا لله تعالى صفات نفسية قديمة، قائمة بذاته ﷾، منها صفة الكلام، وذهبوا إلى أن معنى القرآن الكريم ومدلوله قديم، ونوع من أنواع هذه الصفة، خلافًا للمعتزلة الذين أنكروا الصفات عامة، فرارًا- بحسب زعمهم- من تعدد القدماء المستحيل بالضرورة، وقالوا بحدوث معنى القرآن، غير متنبهين إلى أن المستحيل إنما هو تعدد الذوات فى القدم، لا أن تكون ذات واحدة هى القديمة قام بها منذ القدم صفات متنوعة. وذهب أهل السنة إلى أن لفظ القرآن -أى حروفه الذى تنطقه ألسنتنا وتتلفظ به، وتكتبه أيدينا فى الصحف المختلفة- حادث غير قديم. راجع فى ذلك: الطبقات الكبرى ٢/ ١٢، تاريخ بغداد ٢/ ٣١، البداية ١١/ ٢٧، وانظر البحث القيم فى ذلك للدكتور الشيخ عبد الغنى عبد الخالق فى كتابه: الإمام البخارى وصحيحه: ١٦١ - ١٧٤.
(٤) جاء فى النسخة المصورة لدى عن نسخة الحرم المدنى " للمُعلم ": هذا كتاب قصد فيه إلى تعليق ما جرى فى مجالس الفقيه الإمام الجليل أبى عبد الله محمد بن على المازرى -﵁- حين القراءة عليه لكتاب مسلم بن الحجاج﵀- فى شهر رمضان من سنة تسع وتسعين وأربعمائة، منقولًا ذلك بعضه بحكاية لفظ الفقيه الإمام، أيده الله وبعضه بمعناه.
(٥) فى ت: أبو الفضل عياض.
(٦) غير مفهومة فى الأصل، والمثبت من ت.
(٧) فى ت: علم.
(٨) مطموسة فى الأصل، والمثبت من ت.
(٩) فى ب: بما.
[ ١ / ٧٨ ]
هو مسلم بن الحجاج بن مسلم (١) القشيرى النسب النيسابورى الدار، يُكنَّى بأبى الحُسين، أحد أئمة السلمين، وحفاظ المحدثين، ومتقن المصنفين، أثنى عليه غير واحد من الأئمة المتقدمين، وأجمعوا على إمامته، وتقديمه وصحة حديثه، [وميزه ومعرفته] (٢) وثقته، وقبول كتابه. قال أبو بكر أحمد بن ثابت [الخطيب البغدادى الحافظ] (٣): كان أبو زرعة وأبو حاتم (٤) يُقدّمانه فى معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما. أهـ.
وقال أبو عبد الله الحاكم (٥): إِنَّ إسحاق بن إبراهيم بن راهويه (٦) نظر إلى مسلم
_________________
(١) زاد الذهبى بعده: وقيل: القشيرى بن ورد بن كوشاذ. سير ١٢/ ٥٥٨، وقشير كما جاء فى تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٨٩) قبيلة من قبائل العرب. قال الذهبى: فلعله من موالى قَشير.
(٢) فى الأصل: ومُهرة معرفته.
(٣) سقط من الأصل، والمثبت من ت. وهو الإمام الأوحد -كما وصفه الذهبى- العلامةُ المفتى، صاحب التصانيف، وخاتمة الحفاظ. ولد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، وكان بدء سماعه وهو ابن إحدى عشرة سنة، كتب الكثير، وتقدم فى هذا الشأن، وبذَّ الأقران، وجمع، وصنَّف وصَحَّحَ وعَلَّل، وجرَّح، وعدَّل وأرَّخَ وأوضَح، وصار أحفظ أهل عصره على الإطلاق، وكان من كبار الشافعية. قال المؤتمن الساجى: ما أخرجت بغداد بعد الدارقطنى أحفظ من أبى بكر الخطيب، وكان يقول: " من صنَّف فقد جعل عقله على طبق يعرضه على الناس "، توفى يوم الاثنين سابع ذى الحجة من سنة ثلاث وستين وأربعمائة. وفيات الأعيان ١/ ٩٢، طبقات السبكى ٤/ ٢٩ - ٣٩، سير ١٨/ ٢٧٠.
(٤) أبو زرعة هو: الإمام، سيد الحفاظ، عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فَرُّوخ، مُحدّث الرى. سمع من قرّة بن حبيب، والقعنبى، وأحمد بن حنبل. حدث عنه ابن وارة، وأبو حاتم، ومسلم بن الحجاج، وأبو عوانة الأسفرايينى، توفى فى آخر يوم من سنة أربع وستين ومائتين، ومولده كان فى سنة مائتين. وأبو حاتم الرازى هو محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران، الإمام الحافظ، الناقدُ، شيخ المحدثين، كان من بحور العلم، وهو من نظراء البخارى ومن طبقته، طَوَّف البلادَ، وبرع فى المتن والإسناد، وجمع وصنَّف، وجَرّحَ وعدّل، وصحَّحَ وعلَّلَ. بلغ جملة من روى عنهم ثلاثة آلاف، منهم أبو نعيم، والأصمعى، وسعيد بن أبي مريم، وعبد الله بن صالح العجلى، وابن وارة. وحدث عنه ولده الحافظ الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبى حاتم، ويونس بن عبد الأعلى، وأبو زرعة الرازى، وأبو زرعة الدمشقى. قال فيه الخليلى: كان عالمًا باختلاف الصحابة، وفقه التابعين، ومن بعدهم، وقال يونس بن عبد الأعلى: أبو زرعة وأبو حاتم إماما خراسان. مات فى شعبان سنه سبع وسبعين ومائتين. سير ١٢/ ٦٥ - ٢٦٢.
(٥) هو محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعَيم بن الحكم، الإمامُ الحافظ، الناقدُ العلامة، شيخُ المحدثين. حدّث عن أبيه، وكان أبوه قد رأى مسلمًا، وعن محمد بن على المذَكّر، ومحمد بن يعقوب الأصم- فى خلائق يزيدون عن الألفى شيخ -وحدث عنه الدارقطنى- وهو من شيوخه- وأبو ذر الهروى، وأبو يعلى الخليلى، وأبو بكر الهروى، وأبو القاسم القُشيرى، وخلق سواهم. وصنَّفَ، وخَرَّج، وجَرَّح وعدَّل، وصحَّحَ وعلَّلَ، وكان من بحور العلم. توفى سنة خمس وأربعمائة. سير ١٧/ ١٦٢ - ١٦٧.
(٦) هو: الإمام الكبير شيخ المشرق، سيِّد الحفاظ، لقى الكبار، وكتب عن خلق من أتباع =
[ ١ / ٧٩ ]
يعنى فى شيبته -فقال بالفارسية كلامًا ترجمتهُ: أىُّ رجُلٍ يكون هذا (١).
قال الحاكم: رحم الله إسحاق، لقد صدقت فراسته الذهنية (٢). وبعض الناس - الذى كنَّى عنه الإمام أبو عبد الله - هو أبو على الحسين بن على النيسابورى، ولفظه: ما تحت أديم السماء أصَح من كتاب مسلمٍ فى الحديث. كذا ذكره عنه أبو بكر بن ثابت الخطيب (٣).
وقال الشيخ المحدّث أبو مروان الطبنى (٤): كان من شيوخى من يفضل كتاب مسلم على كتاب البخارى. وقال مسلمة بن قاسم (٥) فى تاريخه: مسلمُ جليلُ القدر، ثقة من أئمة المحدثين. وذكر كتابه فى الصحيح فقال: لم يَضعْ أحدٌ مثله.
وقال أبو عبد الله بن البيَّع: أهل الحجاز والعراق والشام يشهدون لأهل خراسان (٦) بالتقدُّم فى معرفة الحديث، لسبق الإمامين البخارى ومسلم إليه، وتفرُّدِهِما بهذا النوع.
وقال أبو حامد الشرقى (٧): سمعتُ مسلمًا يقول: ما وضعتُ شيئًا فى هذا المسند
_________________
(١) = التابعين، وسمع الفضيل بن عياض، وسفيان بن عيينة، وإسماعيل بن عُليَّة، ووكيع بن الجراح، والنضر ابن شميل، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدى، وعبد الرزاق، وأممًا سواهم بخراسان، والعراق والحجاز، واليمن، والشام. حدث عنه بقية بن الوليد، وأحمد بن حنبل، وابن معين، والشيخان فى صحيحيهما، وأبو داود والنسائى فى سننهما، وداود بن على الظاهرى، وخلقٌ سواهم. ولد سنة ثلاث وستين ومائة، وتوفى ليلة النصف من شعبان سنة ثمان وثلاثين ومائتين. سير ١١/ ٣٥٨.
(٢) الذى نطق به كما جاء فى تاريخ بغداد: مردا كان بود. والتفسير المذكور هنا للمنكدرى.
(٣) فى ت: الذكية.
(٤) تاريخ بغداد ١٣/ ١٠١.
(٥) فى الأصل: الطيبى، والمثبت من ت، وهو الصواب، نسبة إلى طُبْنة، بالضم وسكون الموحدة، مدينة بالمغرب، وأبو مروان هو عبد الملك بن زيادة الطُبنى. تبصير المنتبه بتحرير المشتبه ٣/ ٨٧٨.
(٦) هكذا فى جميع الأصول التى تيسرت لنا، والذى أراه صوابًا: مسلمة بن القاسم، فهو صاحب التاريخ الكبير، روى عن أبى جعفر الطحاوى، توفى سنة ٣٥٣. لسان ٦/ ٣٥، هدية العارفين ٢/ ٤٣٢.
(٧) بلاد واسعة، أول حدودها مما يلى العراق، وآخر حدودها مما يلى الهند، وقد توزعتها الآن إيران وأفغانستان، والصين. من أمهات بلادها نيسابور، وهراة، ومرو. راجع فى ذلك مراصد الإطلاع ١/ ٤٥٥.
(٨) الضبط من ت. وهو أحمد بن محمد بن الحسن أبو حامد النيسابورى. قال فيه الخطيب: كان ثقةً ثبتًا متقنًا حافظًا. وأخرج بسنده إلى محمد بن إسحاق بن خزيمة أنه نظر إلى أبى حامد الشَّرقى فقال: حياة أبى حامد تحجز بين الناس والكذب على رسول الله ﷺ. تاريخ بغداد ٤/ ٤٢٦. وقال فيه الخليلى الحافظ: إمام فى وقته بلا مُدافعة، ذو تصانيف. قلت: الشَّرْقى نسبة إلى الجانب الشرقى فى مدينة نيسابور. مات إما فى سنة ٣١٨ كما حكاه الخليلى، أو سنة ٣٢٥ كما نقله الذهبى. راجع: الإرشاد ٣/ ٨٣٧، تاريخ بغداد ٤/ ٤٢٦، تذكرة الحفاظ ٣/ ٨٢١، سير أعلام النبلاء ١٥/ ٣٧، العبر ٢/ ٢٠٤، ميزان الاعتدال ١/ ١٥٦، طبقات الشافعية الكبرى ٣/ ٤١، مرآة الجنان ٢/ ٢٨٩، النجوم الزاهرة ٣/ ٢٦١، لسان الميزان ١/ ٣٠٦، طبقات الحفاظ: ٣٤٢.
[ ١ / ٨٠ ]
إلا بحجة وما أسقطتُ منه شيئًا إلا بحُجَّة. وقال ابن سفيان (١): قلت لمسلم: حديث ابن عجلان (٢) عن زيد بن أسلم: " إذا قرأ الإمامُ فأنصتوا "؟ قال: صحيح. قُلْتُ: لِمَ لم تضعْهُ فى كتابك؟ قال: ليس كلُّ صحيح وضعت هاهنا، إنما وضعتُ ما أجمعوا عليه.
قال الفقيه القاضى أبو الفضل بن عياض - ﵀ -: وقد وقع هذا الكلامُ فى الأم فى بعض الروايات عن ابن سفيان.
وقال محمد بن الحُسين (٣) أراد شيخ من مشايخ نيسابور - يعنى محمد بن إسحاق [بن خزيمة] (٤) - أن يُخَرّج على كتاب مسلم، فقال له عبد الملك بن الرازى (٥): لا تفضح
_________________
(١) سفيان الإمام القدوة سبق قريبًا.
(٢) وحديث ابن عجلان أخرجه البيهقى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: " المؤمن فى سعة من الاستماع إليه إلا فى صلاة مفروضة، أو مكتوبة أو يوم جمعة أو يوم فطر أو يوم أضحى " يعنى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآن فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف/ ٢٠٤]. السنن ٢/ ١٥٥. وقد ذكر ابن سفيان هذا الخبر عن مسلم فى صحيحه غير مسند بغير هذا السياق، مما أغرى الألبانى به وجعله يزعم فى إروائه أنه صحيح، وجعل يحيل له على أحاديث أخرى لم تكن من بابه. انظر لذلك: ٢/ ٢٦٧ وما أحال عليه فيه. والذى جاء فى الصحيح لمسلم: قال أبو إسحاق - ابن سفيان - قال أبو بكر ابن أخت أبى النضر فى هذا الحديث. " وإذا قرأ فأنصتوا " - يعنى طعن فيه وقدح فى صحته - فقال مسلمُ: تُريد أحفظ من سليمان؟ فقال له أبو بكر: فحديث أبى هريرة، فقال: هو صحيح إلخ. قال النووى: واعلم أن هذه الزيادة مما اختلف الحفاظ فى صحته، اجتماع يحيى بن معين وأبى حاتم الرازى والدارقطنى والنيسابورى على تضعيفها مقدم على تصحيح مسلم، لا سيما ولم يروها مسندة فى صحيحه. نووى ٢/ ٤٦.
(٣) يغلب على الظن أنه القطان، الشيخ العالم مسند خراسان، توفى سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة. سير ١٥/ ٣١٨، الوافى ٢/ ٣٧٢.
(٤) سقط من ت. وابن خزيمة: هو شيخ الإسلام، إمام الأئمة، الحافظ الحجة، أبو بكر السُّلمى، صاحب التصانيف، سمع من إسحاق بن راهويه، ومحمد بن حميد، ولم يحدث عنهما، لكونه كتب عنهما فى صغره وقبل فهمه وتبصره، حدث عنه الشيخان فى غير الصحيحين. توفى سنة إحدى عشرة وثلاثمائة. سير ١٤/ ٣٦٥.
(٥) عبد الله بن الرازى لعله ابن أبى زرعة الإمام المحدث الثقة أبو القاسم، المتوفى بأصبهان سنة عشرين وثلاثمائة. سير ١٥/ ٢٣٣. وأبو زرعة الرازى ثلاثة: الأول: الكبير، وهو المراد هنا وقد سبقت ترجمته. أما الأوسط فهو: أحمد بن الحسين بن على بن إبراهيم بن الحكم، الرازى الصغير، مات بطريق مكة سنة خمس وسبعين وثلاثمائة. سير ١٧/ ٤٦. وأما الأصغر فهو: العلامة قاضى أصبهان أبو زرعة روح بن محمد، سبط الحافظ أبى بكر بن السنى. مات سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة. السابق ١٧/ ٥١.
[ ١ / ٨١ ]
نفسك.
وقال مسلم: لو أَنَّ أهل - الحديث يكتبون الحديث مائتى سنة فمدارهُم على هذا المسند، ولقد عرضت كتابى على أبى زُرْعَةَ الرازى، فكل ما أشار أَنَّ له عِلَّةً تركتهُ وما قال: هو صحيح ليس له علَّةٌ، أخرجتْهُ.
ولمسلم - ﵀ - تواليفُ أخَر رويناها عن شيوخنا، منها: كتاب " تمييز الكنى والأسماء (١)، وكتاب " الطبقات " (٢)، وكتاب " الوُحْدَان " (٣)، وكتاب " العلل " (٤)، وكتاب " شيوخ مالك وسفيان وشعبة "، وكتاب " رجال عروة بن الزبير ".
قال ابن سفيان: كان مسلم أخرج ثلاثة كُتب من المسندات واحدها (٥) هذا الذى
_________________
(١) توجد له نسخ بكل من الظاهرية بدمشق تحت رقم (مجموع)، ومكتبة شهيد على بالأستانة برقم (١٩٣٢)، ذكر أنها نسخة الدارقطنى، ومكتبة أحمد الثالث فى الأستانة برقم (٢٩٦٩/ ٣). ودار الكتب المصرية برقم (١٢٧) مصطلح، راجع: تاريخ التراث العربى ١/ ٢٢٢.
(٢) توجد له نسخة فى مكتبة سراى أحمد الثالث باستنبول برقم (٦٢٤/ ٢٦) وصفها السخاوى بقوله: " واقتصر فيها على الصحابة والتابعين، وبدأ كل قسم منها بالمدنيين، ثم بالمكيين، ثم بالكوفيين، ثم بالبصريين، ثم بالشاميين والمصريين، ولم يترجمهم بل اقتصر على تجريدهم ". الإعلان ٦٨٤.
(٣) توجد له نسخة فى بانكيبور بالهند برقم (٦٩١) فى ست وعشرين ورقة، ونسخة بالسعيدية بحيدر آباد بالهند برقم (٣٥٢)، وذكره فؤاد سزكين بأنه المنفردات والوحدان. ١/ ٢٢٢.
(٤) ذكره الإمام النووى فى تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٩١، والحافظ الذهبى فى التذكرة ٢/ ٥٩٠ وقال: " قلما يوجد له غلط فى العلل "، والسير ٨/ ٢٨٠. راجع: كشف الظنون ١١٦٠، وهدية العارفين ٢/ ٤٣١. كذلك كتاب شيوخ مالك وسفيان وشعبة ذكره الذهبى فى التذكرة ٢/ ٥٩٠، والسير ٨/ ٢٨٠، وذكره ابن خير بعنوان: " تسمية شيوخ مالك وسفيان وشعبة ". أما كتاب " رجال عروة بن الزبير " فهو من مخطوطات دار الكتب الظاهرية بدمشق تحت رقم (مجموع ٥٥/ ١٣٩)، وهو بخط الخطيب البغدادى. وقد نشره المجمع العلمى بدمشق بمجلته بالمجلد ٥٤ جزء ١/ ١٠٧ وله ﵁ من غير ما ذكر: " كتاب التمييز " وقد طبع بجامعة الرياض، و" الأفراد " ذكره ابن خير فى فهرسته فقال: " كتاب الأفراد فى ذكر جماعة من الصحابة والتابعينرضي الله عنهم- ليس لهم إلا راوٍ واحد من الثقات "، لم نقف عليه، و" أوهام المحدّثين " ذكره النووى له فى تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٩١، ولم نقف عليه كذلك، و" الجامع على الأبواب " ذكره الحاكم وقال: " رأيت بعضه بخطه "، وورد ذكره كذلك فى الأسماء واللغات، ويرد أحيانًا باسم: " الجامع الكبير على الأبواب " ولم نقف عليه، و" المسند الكبير على الرجال " ذكره ابن حجر فى التهذيب ١٠/ ١٢٧ فقال: " وقيل: إنه صنف مسندًا كبيرًا على الصحابة لم يتم " كذلك " سؤالات أحمد بن حنبل " ذكره الذهبى فى التذكرة ٢/ ٥٩٠، والسير ٨/ ٢٨٠، وغير ذلك مما يسره الله له ورفع ذكره به فى الحديث وغيره.
(٥) فى الأصل: واحدًا، والمثبت من ت.
[ ١ / ٨٢ ]
قرأ على الناس، والثانى يدخُل فيه عكرمة وابن إسحاق صاحب المغازى وأمثالهما، والثالث يدخل فيه من يدخل فيه من الضعفاء.
وتُوفى مسلم فى التاريخ الذى تقدَّم، وذلك عشية الأحد لست بقين من رجب المذكور ودفن يوم الإثنين بعده.
قال أبو عبد الله الحاكم: وهو بَعْدُ فى حدّ الكهولة [﵀ ورضى عنه بمنه وكرمه] (١):