وذهب معظم الحجازيين والكوفيين إلى أن حدثنا وأخبرنا واحدٌ، وأن القراءة على الشيخ كالسماع من لفظه يجوز فى ذلك حدثنا وأخبرنا وأنبأنا، وهو قول مالك، والزهرى وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان، ومنصور، وأيوب، ومعمر، والحسن، وعطاء بن أبى رباح، واختُلف فيه على أبى حنيفة، وابن جُريج، والثورى، وهو مذهب البخارى وجماعة من المحدثين، والمحققين، وهو قول الحسن فى القراءة، وذكر مالك أنه مذهب متقدمى أئمة المدينة، وروى عن على وابن عباس: القراءة على العالم كقراءته عليك ولم يعِدَّها مسلم.
وأجاز بعضهم فى القراءة: سمعت فلانًا، وهو قول الثورى، وروى عن مالك أن القراءة على العالم أحبُّ إليه من السماع منه؛ لأنه أثبت للراوى، وعلل ذلك بأن الشيخ قد يهم فلا يرد عليه إذ لا يُعلم وهمهُ، وقد يُعلم فَيُوَقَّر، ومثل هذا لا يُتَخَيَّل من الشيخ بحمل للقارئ، فهو يعلم ما أخطأ القارئ فيه من حديثه ويرده عليه، واحتج لذلك بقراءة الصكوك على من عليه الحق، وأن إقراره بذلك يلزمه (١).
_________________
(١) = ثم قال: " كان ابن سيرين يقول: هو أفقه أهل البصرة ". سير ٤/ ٢٩٣، تهذيب ٣/ ٤٦. والحديث الذى أسنده مسلم عن أبى هريرة، وأشار إلى لفظه القاضى، أخرجه مسلم، ك الصيام، ب فضل صوم المحرم ٢/ ٨٢١.
(٢) قلت: وهو قول شعبة، فقد حدث عنه ابن مهدى أنه قال: " القراءة أثبت عندى من السماع، وكان يقول: قرأت على منصور، وقرأت على هشام بن عروة ". الكفاية: ٣٩٩. وأحد القولين ليحيى بن سعيد، فقد جاء عنه: " إذا قرأت على المحدث كان أحبَّ إلىَّ، لأنه يُصح لى كتابى ". السابق: ٤٠٠.
[ ١ / ١٨٦ ]
وَأَسْنَدَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحِمْيَرِىُّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ، أَحَادِيثَ.
فَكُلِّ هَؤُلاءِ التَّابِعِينَ الَّذِينَ نَصَبْنَا رِوَايَتهُمْ عَنِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ، لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُمْ سَمَاعٌ عَلِمْنَاهُ مِنْهُمْ فِى رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا وَلا أَنَّهَم لَقُوهمْ فِى نَفْسِ خَبَرٍ بِعَيْنِهِ.
وَهِىَ أَسَانِيدُ عِنْدَ ذَوِى المَعْرِفَةِ بِالأَخْبَارِ وَالرِّوَايَاتِ مِنْ صِحَاحِ الأَسَانِيدِ، لا نَعْلَمُهُمْ وَهَّنُوا مِنْهَا شَيْئًا قَطٌّ. وَلا التَمَسُوا فِيهَا سَمَاعَ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ.
إِذِ السَّماعُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُمْكِنٌ مِنْ صَاحِبِهِ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ، لِكَوْنِهِمْ جَمِيعًا كَانُوا فِى العَصْرِ الذِى اتَّفَقُوا فِيهِ.
وَكَانَ هَذَا القَوْل الذِى أَحْدَثَهُ القَائِلُ الذِى حَكَيْنَاهُ فِى تَوْهِينِ الحَدِيثِ، بِالعِلةِ التِى وَصَفَ - أَقَلَّ مِنْ أَنْ يُعَرَّجَ عَليْهِ وَيُثَارَ ذِكْرُهُ.
إِذْ كَانَ قَوْلًا مُحْدَثًا وَكَلامًا خَلفًا لمْ يَقُلهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ سَلفَ، وَيَسْتَنْكِرُهُ مَنْ بَعْدَهُمْ خَلَفَ. فَلَا حَاجَةَ بِنَا فِى رَدِّهِ بِأَكْثَر مِمَّا شَرَحْنَا، إِذ كَانَ قَدْرُ المَقَالةِ وَقَائِلهَا القَدْرَ
ــ
وأبى جمهور أهل المشرق من إطلاق " حدَّثنا " فى القراءة على العالم، وأجازوا فيه " أخبرنا " ليفرقوا بين الموضعين، وسموا القراءة عرضًا، وهو مذهب أبى حنيفة والشافعى فى آخرين، إليه ذهب مسلم، وقالوا: إن أول من أحدث الفرق بين هذين اللفظين ابن وهب (١) بمصر، وقالوا: لا يكون " حدثنا " إلا فى المشافهة من المخبر، وقال بعضهم: لا
_________________
(١) هو عبد الله بن وهب القرشى المصرى. روى عن مالك والليث، وابن أبى ذئب، والسفيانين، وابن جريج، ونحو أربعمائة شيخ من المصريين والحجازين، والعراقيين، وقرأ على نافع، وروى عنه الليث، وقيل: إن مالكًا روى عنه عن ابن لهيعة. قال أبو عمر: " يقولون: إن مالكًا لم يكتب لأحد بالفقيه إلا إلى ابن وهب ". قال فيه ابن معين: " ثقة "، وكذا قال النسائى فيه. مات سنة ست وتسعين ومائة. ترتيب المدارك ٢٢٨: ٢٤٠. قال ابن الصلاح: حدثنا وأخبرنا أرفع من سمعت من جهة، لأنه ليس فى " سمعت " دلالة على أن الشيخ رواه الحديث وخاطبه، وفى حدثنا وأخبرنا دلالة عليه. المقدمة: ١٢٠، فتح المغيث ٢/ ٢٠، التدريب ٢/ ١٠. وقال الخطيب: أرفع العبارات فى ذلك سمعت، ثم حدثنا وحدثنى، ثم يتلو ذلك أخبرنا، وهو كثير فى الاستعمال حتى إن جماعات كثيرين من المتقدمين الحفاظ كانوا لا يكادون يخبرون عما سمعوه من لفظ الشيخ إلا بأخبرنا، وكان هذا قبل أن يشيع تخصص أخبرنا بما قرئ على الشيخ، ثم يتلو أخبرنا، أنبأنا، ونبأنا وهو قليل فى الاستعمال. الكفاية: ٢٨٤.
[ ١ / ١٨٧ ]
الذِى وَصَفْنَاهُ، وَاللهُ المُسْتَعَانُ عَلى دَفْعِ مَا خَالفَ مَذْهَبَ العُلمَاءِ وَعَليْهِ التُّكْلانُ.
ــ
يقول " حدثنا " و" أخبرنا " إلا فيما سمع من الشيخ، وليقل: قرأتُ- وقرئ عليه وأنا أسمعُ، وإلى هذا نحوا [يحيى بن يحيى التميمى وابن المبارك وابن حنبل والنسائى وجماعة، وحكى عن إسحاق بن راهويه وغيره أنه اختار فى السماع] (١) والقراءة أخبرنا، وأنه أعمُّ من حدثنا (٢). وشرط بعض أهل الظاهر فى صحة الإخبار بالقراءة أن يقول القارئ للشيخ: هو كما قرأته عليك؟ فيقول: نعم، وأباه إذا سكت القارئ ولم يقرره هذا التقرير (٣).
وقد جاء داخل " الأم " أشياء من هذا الباب فى حديث يحيى بن يحيى عن مالك وغيره (٤)، وإن كان قد روى عن مالك إنكارُ مثل هذا لمن سأله وقال له: ألم أُفَرغ لكم نفسى وسمعتُ عَرْضكم وأقمت سقطه وزلَله؟ وإلى ما ذهب إليه مالك من جواز الحديث بالقراءة دون التقرير ذهب الجمهور، ولم يختلفوا أنه يجوز أن يقول فيما سمع من لفظ الشيخ: حدثنا وأخبرنا وسمعت، وقال لنا وذكر لنا، واختار القاضى أبو بكر فى أمة من المحققين أن يفصل بين السماع والقراءة فيطلق فيما سمع: حدثنا، ويُقيّد فيما يقرأ: حدثنا وأخبرنا قراءة، أو قرأت عليه أو سمعت يقرأ عليه، ليزول إبهام اختلاط أنواع الأخذ، وتظهر نزاهة الراوى وتحفظه. وقد اصطلح متأخرو المحدثين على تفريق فى هذا، فقال الحاكم أبو عبد الله: الذى أختاره فى الرواية وعهدتُ عليه أكثر مشايخى وأئمة عصرى أن يقال: فيما يأخذه من المحدث لفظًا وحده: حدثنى، وإن كان معه غيره: حدثنا، وفيما قرأه عليه وحده: أخبرنى، وما قرئ عليه وهو حاضر: أخبرنا، وما عُرض عليه فأجازه له شفاهًا: أنبأنى، وما كتب به إليه ولم يشافهه: كتب إلى (٥)، وعن الأوزاعى نحو ما
_________________
(١) سقط من ت.
(٢) و(٣) راجع: إحكام الأحكام لابن حزم ٢/ ٣٢٣.
(٣) هو ابن بكير بن عبد الرحمن التميمى: روى عن مالك الموطأ، قال عياض فى ترتيب المدارك: وقيل: إنه قرأه عليه، ولازمه مدة للاقتداء به روى عن الليث، والحمادين، وأبى عوانة، وابن لهيعة، وابن عيينة، وهشيم، وابن المبارك. قال: " قال أبو عمر: كان ثقة، مأمونًا، مرضيًا. روى عنه جماعة من الأئمة كإسحاق بن راهويه، والذهلى، والبخارى، ومسلم، وخرجا عنه فى الصحيحين كثيرًا ". قال ابن خلاد الرامهرمزى: " رحل إلى مصر والشام، واليمامة، والعراق، وكان أحمد بن حنبل يثنى عليه ويقول: ما أخرجت خراسان بعد ابن المبارك مثله، وكان من ورعه يشك فى الحديث كثيرًا حتى سموه الشكاك. وقال إسحاق بن راهويه: لم أكتب العلم عن أحد أوثق فى نفسى منه، ومن الفضل بن موسى السّينائى ". وقال أبو بكر بن إسحاق. " لم يكن بخراسان أعقل من يحيى بن يحيى، وكان أخذ تلك الشمائل من مالك بن أنس -﵀- أقام عليه لأخذها سنة بعد أن فرغ من سماعه، فقيل له فى ذلك، فقال: إنما أقمت مستفيدًا لشمائله، فإنها شمائل الصحابة والتابعين ". قال: قال البخارى: " توفى سنة لست وعشرين ومائتين ". ترتيب المدارك ٣/ ٢١٦.
(٤) الحاكم فى معرفة علوم الحديث: ٢٦٠.
[ ١ / ١٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذكره الحاكم، قال: فى السماع. حدثنا، وفى القراءة: أخبرنا، وفى الإجازة خبرنا، وفى رواية أخرى عنه: أنبأنا، وفرَّق بين حديثه وحده أو فى جماعة كما قال الحاكم، وقال الأوزاعى أيضًا: قل فى المناولة: قال فلان عن فلان ولا تقل: حدثنا.
قال القاضى: وقد جوَّز قوم إطلاق حدَّثنا وأخبرنا فى الإجازة، وحكيت عن جماعة من السلف، وحكى الوليد بن بكر (١) فى كتاب " الوجازة " له أنه مذهب أهل المدينة وقال: شعبة مرة يقول: أنبأنا وروى عنه أيضًا: وأخبرنا، واختار أبو حاتم الرازى (٢) أن يقول فى الإجازة مشافهةً: " أجاز لى " وفيما كتب إليه: كتب إلى وذهب الخطابى (٣) إلى أن يقول فى الإجازة: أخبرنا فلان أن فلانًا حدثه، ليبين بهذا أنه إجازة، وذكر ابن خلاد (٤) القاضى فى كتابه " الفاصل " مثل هذا عن بعض أهل الظاهر قال: ولا يقل: إن فلانًا قال: حدثنا فلان، لأن هذا ينبئ عن السماع.
وهذه كلها اصطلاحات لا يقوم على تحقيقها حجة، إلا من وجه الاستحسان والمواضعة بين أهل الصنعة لتميز أنواع الروايات (٥)، وقد رأيت الفقهاء والمتأخرين يقولون فى الإجازة: حدثنا فلانٌ إذنًا، وفيما أذن لى فيه، وبعضهم يقول فيما كتب لى بخطه، لقيه
_________________
(١) هو الوليد بن بكر بن مخلد، الحافظ، اللغوى. الأندلسى، أحد الرحالة فى الحديث. حدث عنه عبد الغنى بن سعيد الحافظ، وأبو عبد الله الحاكم، وأبو ذر الهروى، وغيرهم، قال الخطيب: " كان ثقة أمينًا، كثير السماع، سافر الكثير ". توفى بالدينور سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة ". تاريخ بغداد ١٣/ ٤٥٠، الصلة ٢/ ٦٤٢، سير ١٧/ ٦٥. واسم الكتاب " الوجازة فى تجويز الإجازة ". معجم المؤلفين ١٣/ ١٧٠.
(٢) هو الإمام الحافظ، الناقد، شيخ المحدثين، الحنظلى، كان من بحور العلم، طوَّف البلاد، وبرع فى المتن والإسناد، وجمع وصَنَّفَ وعدَّل وجرح، وصحح وعَلل. وهو من نظراء البخارى ومن طبقته، ولكه عُمِّر بعده أزيد من عشرين عامًا. ارتحل بابنه عبد الرحمن ولقى به أصحاب ابن عيينة ووكيع. قال ابن أبى حاتم: " سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: أبو زرعة وأبو حاتم إماما خراسان، ودعا لهما وقال: بقاؤهما صلاح للمسلمين ". سير ١٣/ ٢٤٧، وانظر: الجرح والتعديل ١/ ٣٤٩، تاريخ بغداد ٢/ ٧٣، تهذيب التهذيب ٩/ ٣١.
(٣) هو الإمام العلامة، الحافظ اللغوى، أبو سليمان، حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب النسفى، صاحب التصانيف حدث عنه أبو عبد الله الحاكم وهو من أقرانه فى السن والسَّنَد، والعلامة أبو عبيد الهروى، وعلى بن الحسن السَّجزى الفقيه، وطائفة سواهم. توفى ببُست سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. العبر ٣/ ٣٩، طبقات الشافعية الكبرى ٣/ ٢٨٢، سير ١٧/ ٢٣.
(٤) هو الرامهرمزى الإمام الحافظ، البارع، محدث العجم وكتابه المشار إليه هو " المحدث الفاصل بين الراوى والواعى " قال فيه الذهبى: " وما أحسنه من كتاب، وهو كتاب ينيئ بإمامته ". وقال الحافظ ابن حجر -فيما نقله عنه صاحب كشف الظنون-: " هو أول كتاب صنف فى علوم الحديث فى غالب الظن ". ١٦١٢. تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٠٥، العبر ٢/ ٣٢١، سير ١٧/ ٧٣. قلت: وقد حققه الدكتور محمد عجاج الخطيب، ونشره بدار الفكر بدمشق.
(٥) قال الخطيب فى الكفاية: هذا هو المستحب وليس بواجب عند كافة أهل العلم ٢٩٤٠. وبعد أن نقله النووى وحكاه فى الإرشاد قال: فيجوز أن يقول فيما سمع وحده: حدثنا وأخبرنا، وفيما سمعه فى جماعة حدثنى وأخبرنى، والله أعلم. إرشاد طلاب الحقائق ١/ ٣٥٩. وانظر: الإلماع: ١٣٢.
[ ١ / ١٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو لم يلقه: حدثنا فيما كتبه لى، وحدثنا كتابةً ومن كتابه، وحدثنا فيما أطلق لى الحديث به (١)، والتمييز بين الإجازة وبين السماع أولى للخلاف فى صحتها والعمل بها، وهو الذى شاهدته من أهل التحرى فى الرواية ممن أخذنا عنه، فقد اختلف فى الإجازة والعمل بها دون قراءة ولا سماع ولا دفع كتاب، وتُنُوزع فيها، فالمشهور عن عامَّة الفقهاء والمحدثين جوازها، كالزهرى ومنصور بن المعتمد وأيوب السختيانى وسعيد بن الحجاج وربيعة وعبد العزيز بن الماجشون والأوزاعى والثورى وابن عيينة والليث، وأباها بعض أهل الظاهر وحكى ذلك عن الشافعى، وروى الوجهان عن مالك، والجواز عنه أشهر، وهو مذهب أصحابه من أهل الحديث وغيرهم، وظاهر رواية الكراهة عنه لمن لا يستحقها لا لنفسها (٢). وقال أحمد بن مُيَسَّر (٣) من أئمتنا: " الإجازة عندى خير من السماع الردىء ". واختلف من أجازها فى وجوب العمل بها، فالجمهور على وجوبه كالسماع والقراءة (٤)، وقال قوم من أهل الظاهر: لا يجب عمل بما رُوِىَ بها (٥)، والمناوَلةُ أقوى درجة منها، وهو الذى يسميه بعضهم العرض، وهو أن يُحضِر الشيخ بعض حديثه أو بعض كتبه أو يكون عند الطالب ويقول له: هذا سماعى من فلان فاحمله عنى أو أجزتُها لك، فيذهب
_________________
(١) قال الخطيب: واختلفوا فى العبارة بالتحديث بها، فقال مالك: قل فى ذلك ما شئت من حدثنا أو أخبرنا، وقال غيره: قل: أنبأنا، وهو مذهب الأوزاعى، وروينا مثله عن شعبة، وقال آخرون: يقول: أجاز لى وأطلق لى التحديث. لا غير. الكفاية: ٤٧٤.
(٢) فقد جاء عنه لصحة اعتبارها عنده أن يكون المجيز عالمًا بما يجيز، ثقة فى دينه وروايته، معروفًا بالعلم، والمجاز به معارضًا بالأصل حتى كأنه هو، وأن يكون المجاز له من أهل العلم، أو متسمًا بسمته، حتى لا يوضع العلم إلا عند أهله. وشرط ابن عبد البر أن يكون المجاز له ماهرًا بالصناعة، حاذقًا فيها، يعرف كيف يتناولها، وأن تكون فى ما لا يشكل إسناده. مقدمة: ٢٧٦، فتح المغيث ٢/ ٩٥.
(٣) أحمد بن مُيَسَّر هو: أحمد بن محمد بن خالد بن ميَسَّر، كنيته أبو بكر الإسكندرانى، كان فقيه الإسكندرية، وأفقه من يقول بقول مالك فى زمانه. توفى سنة تسع وثلاثمائة. ترتيب المدارك ٥/ ٥٢. قلت: وقد ادعى أبو الوليد الباجى المالكى الإجماع فى جواز الرواية بها، وهو منتقض بما ذكرنا. راجع: إرشاد ١/ ٣٧١.
(٤) قال الخطيب: " وهذا قول الدهماء من العلماء ". وقال السخاوى: " لأنه خبر متصل الرواية فوجب العمل به كالسماع ". الكفاية: ٤٤٦، فتح المغيث ٢/ ٦٦.
(٥) وحجتهم فى ذلك أنها جارية مجرى المراسيل والرواية عن المجاهيل، وقد رد الخطيب عليهم بقوله: " اعتلال من لم يقبل أحاديث الإجازة بأنها تجرى مجرى المراسيل والرواية عن المجاهيل فغير صحيح، نعرف المجيز بعينه وأمانته وعدالته، فكيف يكون بمنزلة من لا نعرفه ". الكفاية: ٤٥٦. وقال ابن الصلاح: وهذا باطل لأنه ليس فى الإجازة ما يقدح فى اتصال المنقول بها، ولا فى الثقة به. مقدمة: ٢٦٤. زاد السخاوى: بخلاف المرسل فلا إخبار فيه البتة. فتح المغيث ٢/ ٦٦.
[ ١ / ١٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بها ويرويها عنه، فأجازها معظم الأئمة والمحدثين، وهو مذهب يحيى بن سعيد الأنصارى (١)، وحيْوةَ (٢) بن شريح [الخزاعى] (٣) والزهرى (٤)، وهشام بن عروة (٥)، وابن جريج، ومالك بن أنس، وعبد الله العُمرى (٦)، والأوزاعى (٧)
_________________
(١) هو الإمامُ، العلامة، المجَّود، عالم المدينة فى زمانه، وشيخ عالم المدينة، وتلميذ الفقهاء السبعة. مولده قبل السبعين، زمن ابن الزبير. سمع من أنس بن مالك، والسائب بن يزيد، وأبى أمامة بن سهل، وسعيد بن المسيّب، والقاسم بن محمد، وخلق سواهم. وروى عنه الزهرى -مع تقدمه- وابن أبى ذئب، وشعبة، ومالك، وسفيان الثورى، وابن عيينة، وحماد بن سلمة، والأوزاعى، وخلق سواهم. وهو صاحب حديث: " الأعمال بالنيات "، وعنه اشتهر حتى يقال رواه عنه نحو المائتين. مات -﵁- سنة ثلاث وأربعين ومائة. طبقات خليفة: ٢٧٠، التاريخ الكبير ٨/ ٢٧٥، طبقات الحفاظ: ٥٧، سير ٥/ ٤٦٨.
(٢) هو شيخ الديار المصرية، إمام ربانى، حدَّث عن يزيد بن حبيب، وعقبة بن مسلم، وعنه ابن المبارك، وابن وهب، والمقرئ، وثقه أحمد بن حنبل وغيره، مات سنة ثمان وخمسين ومائة. طبقات خليفة: ٢٩٦، تاريخ البخارى ٣/ ١٢٠، سير ٦/ ٤٠٤.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهرى، الإمام العالم، حافظ زمانه، المدنى، نزيل الشام. روى عن ابن عمر، وجابر بن عبد الله شيئًا، قال الذهبى. ويحتمل أن يكون سمع منهما، وأن يكون رأى أبا هريرة وغيره. روى عن سهل بن سعد، وأنس بن مالك، ولقيه بدمشق، والسائب بن يزيد، ومحمود ابن الربيع، وسعيد بن المسيب وجالسه ثمان سنوات، وتفقه به، وعلى بن الحسين، وعروة بن الزبير، ومحمد بن النعمان بن بشير وخلق سواهم. وعنه عطاء بن أبى رباح- وهو أكبر منه- وعمر بن عبد العزيز- ومات قبله ببضع وعشرين سنة- وقتادة بن دعامة، وطائفة من أقرانه، ومنصور بن المعتمر، وأيوب السختيانى، ويحيى بن سعيد الأنصارى، وابن جريج، ومعمر بن راشد، والأوزاعى، ومالك ابن أنس، والليث بن سعد، وابن أبى ذئب، وأمم سواهم. قال الدراوردى: أول من دون العلم وكتبه ابن شهاب. وقال عمر بن عبد العزيز ما ساق الحديث أحدٌ مثل الزهرى. وقال أبو حاتم: " أثبت أصحاب أنس الزهرى ". مات سنة أربع أو ثلاث وعشرين ومائة. طبقات خليفة: ٢٦١، التاريخ الكبير ١/ ٢٢٠، الجرح والتعديل ٨/ ٧١، تذكرة الحفاظ ١/ ١٠٨، سير ٥/ ٣٢٦، تهذيب التهذيب ٩/ ٤٤٥.
(٥) هو هشام بن عروة بن الزبير، الإمام الثقة، شيخ الإسلام. ولد سنة إحدى وستين، سمع من أبيه، وعمه ابن الزبير، وطائفة من كبراء التابعين منهم عمر بن عبد الله بن عمر، وعمرو بن شعيب، وابن شهاب، وقد رأى ابن عمر وحفظ عنه أنه دعا له ومسح رأسه. حدث عنه شعبة، ومالك، والثورى، وخلق كثير، ولحق البخارى بقايا أصحابه كعبيد الله بن موسى. قال ابن سعد: كان ثقةً، ثبتًا، كثير الحديث، حجة، وقال أبو حاتم الرازى: ثقةً إمامًا فى الحديث مات سنة ست وأربعين ومائة. طبقات خليفة ٢٦٧، التاريخ الكبير ٤/ ١٩٣، الثقات ٣/ ٢٨٠، سير ٦/ ٣٤، تهذيب التهذيب ١١/ ٤٨.
(٦) هو الإمام القدوة الزاهد العابد عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله ابن صاحب رسول الله ﷺ عبد الله بن عمر بن الخطاب. روى عن أبيه، وعن أبى طُوالة، وعيينة بن عيينة، وابن المبارك، وغيرهم. وهو قليل الرواية، مشتغل بنفسه، قوَّالٌ بالحق، أمَّارٌ بالمعروف، لا تأخذه فى الله لومة لائم. مات سنة أربع وثمانين ومائة. طبقات خليفة: ٣٢٣، تاريخ خليفة ١٤٦، سير ٨/ ٣٧٣.
(٧) هو عالم أهل الشام عبد الرحمن بن عمرو بن يُحْمَد، شيخ الإسلام، أبو عمرو. حدث عن =
[ ١ / ١٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[فى آخرين] (١)، وكافة أهل النقل والتحقيق لأن الثقة بكتابه مع إذنه أكثر من الثقة بالسماع (٢) وأثبت. واختلفوا، إذا قال له: هذا مسموعى وروايتى، ولم يقل له: اروه عنى، فمنع بعضهم الرواية [به] (٣)، كالشاهد إذا لم يُشْهد على شهادته وسُمع بذكرها، وأجازها بعضهم (٤)، وإليه ذهب بعض أهل الظاهر وطائفةٌ من أئمة المحدثين والنظار، وقاله القاضى ابن خَلادٍ، وهو مذهب ابن حبيب (٥) من أصحابنا، وهى التى بغى (٦) عليه
_________________
(١) = عطاء بن أبى رباح، وأبى جعفر الباقر، وعمرو بن شعيب، ومكحول، وقتادة، والزهرى، ومحمد ابن سيرين، ونافع مولى ابن عمر، وخلق كثير من التابعين وغيرهم. وكان مولده فى حياة الصحابة. روى عنه ابن شهاب الزهرى، ويحيى بن أبى كثير- وهما من شيوخه- وشُعبة، والثورى، ومالك، وابن المبارك، وأبو عاصم النبيل، وخلق كثير. قال فيه ابن سعد: كان ثقةً، خيّرًا، فاضلًا، مأمونًا، كثير العلم والحديث، والفقه، حجة. توفى سنة سبع وخمسين ومائة. الطبقات الكبرى ٧/ ٤٨٨، التاريخ الكبير ٥/ ٣٢٦، سير ٧/ ١٠٧، تهذيب ٦/ ٢٣٨.
(٢) فى الأصل: والآخرين، وكتب أمامها بالهامش: بيان وآخرين، مما يقوى صحة ما أثبتناه وهو من ت.
(٣) فى الأصل: من السماع، والمثبت من ت وهو الأصح، لما فى الأول من التعقيد غير المحمود.
(٤) ساقطة من أصل النسخ، واستدركت فى هامش الأصل بسهم.
(٥) الضمير يعود على التحمل بالإجازة.
(٦) هو فقيه الأندلس، الإمام العلامة أبو مروان عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون بن جاهمة ابن الصحابى عباس بن مرداس. أحد الأعلام. ولد فى حياة الإمام مالك بعد السبعين ومائة كان موصوفًا بالحذق فى الفقه، كبيرَ الشأن، بعيد الصيت -كما ذكر الذهبى- وقال: " كثير التصانيف، إلا أنه فى باب الرواية ليس بمتقن ". وسبب ذلك عنده أنه يحمل الحديث تهورًا، كيف اتفق وينقُله وجادَةً، وإجازة، ولا يتعانى تحريرَ أصحاب الحديث. سير ١٢/ ١٠٢. وهذا الذى رماه به الذهبى فى باب الرواية وتسويغه التحمل فيها بالإجازة هو عين ما يستدل به القاضى على جواز التحمل بها. وسبب الحمل عليه -كما جاء فى ترتيب المدارك- " نقل الباجى وابن حزم عن ابن عبد البر أنه كان يكذبه بسبب تحمله بالإجازة وبخاصة عن أسد ". قال القاضى: وليس فيما تحومل بها عليه ما تقوم به دلالة على تكذيبه وترجيح نقل غيره على نقله. ثم ذكر الواقعة فقال: قال ابن وضاح: قال لى الحزامى: أتانى صاحبكم ابن حبيب بغرارة مملوءة كتبًا، فقال لى: هذا علمك تجيزه لى؟ فقلت له: نعم. ما قرأ على منه حرفًا، ولا قرأته عليه. قال ابن أبى مريم: كان ابن حبيب عندنا نازلًا بمصر، وما كنت رأيتُ أدوم منه على الكتاب، دخلت إليه فى القائلة فى شدة الحر، وهو جالس على سدة، وعليه طويلة، فقلتُ: قلنسوةٌ فى مثل هذا؟ فكتال: هى تيجاننا. فقلت: فما هذه الكتب؟ متى تقرأ هذه؟ فقال: ما أشتغل بقراءتها، قد أجازها لى صاحبُها. فخرجت من عنده، فأتيتُ أسدًا، فقلتُ: أيها الشيخ! تمنعنا أن نقرأ عليك وتجيز لغيرنا؟ فقال: أنا لا أرى القراءة، فكيف أجيز؟ إنما أخذ منى كتبى يكتب عنها ليردها على. قال القاضى: قال خالد: إقرار أسد له بروايتها، ودفع كتبه لنسخها هى الإجازة بعينها. وذكر عن يونس قال: أعطانا يونس كتبه عن ابن وهب، فقابلنا بها، فقلت: أصلحك الله! كيف نقول فى هذا؟ قال: إن شئتم قولوا: حدثنا، وإن شئتم قولوا: أخبرنا. قال القاضى -منتصرًا لهذا المذهب: وقد قال مالك لمن سأله عن الأحاديث التى كتبها من حديث ابن شهاب ليحيى بن سعيد الأنصارى وقال له: أقرأها عليك؟ فقال: كان أفقه من ذلك- أى أن مثل هذا يغنى عن القراءة. ترتب المدارك ٤/ ١٢٢: ١٤١ بتصرف.
(٧) فى الأصل: نعى، والمثبت من ت.
[ ١ / ١٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من لا يعرف مذهبه، قال ابن خلادٍ: حتى لو قال له: هذه روايتى ولكن لا تروها عنى لم يلتفت إلى نهيه وكان له أن يرويها عنه كما لو سمع منه حديثًا ثم قال له: لا تروه عنى ولا أجيزه لك لم يضر ذلك روايته، والصواب: جواز هذا كله لأنه إخبار وشهادة على إقرار (١).
قال القاضى: بخلاف الشهادة على الشهادة التى لا تصح إلا مع الإشهاد (٢) ويضر (٣) الرجوع عنها، ولا فرق فى التحقيق بين سماعه كتابًا عليه وقراءته أو دفعه إليه بخطه أو تصحيحه وقوله له: اروه عنى أو هذه روايتى (٤)، إذ كله إخبار بأنَّ ما سمع منه وما رأى عنده من حديثه يجوز له التحديث به عنه، وما مثل هذا الفصل إلا القراءة على الشيخ وهو ساكت -عند من لا يشترط التقرير- وهو كما قدمنا الصحيح، و[هو] (٥) مذهب الجمهور، وعلى هذا يأتى الحديث عن الكُتب المُوصَّى بها، فقد رُوى عن أيوب أنه قال لمحمد -يعنى ابن سيرين-: إِنَّ فُلانًا أوصى إلىَّ بكتُبِه، أفأحدّث بها عنه؟ قال: نعم، ثم قال لى بعد ذلك: لا آمُرُك ولا أنهاك. فهذا إن كان قد أعلمه أنها روايته فهو من هذا الباب، أو يكون فى معنى الوصيَّة إذنه بالحديث بها أو الإعلام بأنها من حديثه (٦)، وأما المناولة المجرَّدة من كتاب لم يحركه الشيخ عند الراوى ولا دفعه إليه حتى يحدّث منه أن ينقل نسخة منه -كما أحدثه بعض المتأخرين وتمالأ عليه الناس اليوم- فلا معنى له زائد على الإجازة -وإن كان بعض [الناس] (٧) والمشايخ قد ذهب إلى أنه متى عيَّن الكتاب أو سمَّاه فهو (٨) مناولة صحيحة، وذكر أنه لا يختلف فيها، وإنما الخلاف فى الإجازة المطلقة لغير شىء مُعَين. ولا فرق (٩) بين حدّثنا وأخبرنا وأنبأنا وخبَّرنا ونبأنا فى اللغة وعُرْفِ الكلام لمن فرَّق،
_________________
(١) شرط ابن الصلاح -وتبعه النووى- لذلك أن يكون الشيخ غيرَ مسند منعه لذلك إلى أنه أخطأ فيه أو شك ونحوه. المقدمة: ٢٦١، إرشاد ١/ ٣٦٧. قال السخاوى: وبه صَرَّح غير واحد من الأئمة. فتح المغيث ٢/ ٥٣، المحدث الفاصل: ٤٥٢، الإلماع: ١١٠، الباعث الحثيث: ١١٨.
(٢) لأن الشهادة تقتضى شرعًا خاصًا يختص بالمشهود له، والرواية تقتضى شرعًا عامًا فى حق الجميع. نهاية السول وحاشية منهاج العقول ٢/ ٢٨٦.
(٣) فى الأصل: ويضمر، والمثبت من ت.
(٤) الفرق المنتفى عند الجمهور هو ما بين القراءة والسماع، أما لإجازة فإنها على ما عرض له القاضى قبل من وقوع الخلاف فيها.
(٥) ساقطة من الأصل.
(٦) التحمل بالوصيَّة هو القسم الرابع من أقسام التحمل عند ابن الصلاح ومن تبعه، وهى أن يوصى الراوى عند موته أو سفره بكتاب يرويه لشخص. ومثلوا له بتحمل أيوب السختيانى به عن شيخه أبى قلابة الجرمى حيث أوصى له بكتبه عند موته وهو بالشام وأيوب بالبصرة وقال: ادفعوا كتبى إلى أيوب إن كان حيًّا، وإلا فأحرقوها. المحدث الفاصل: ٤٥٩، الإلماع: ١١٦، إرشاد ١/ ٤١٧. وممن أجازها محمد بن سيرين فيمن أجازها من المتقدمين.
(٧) ساقطة من ت.
(٨) فى ت: فهى.
(٩) فى ت: ولا فى.
[ ١ / ١٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لكن تفريق القاضى ولَمتَّه لتنويع الرواية أنزه للمحدِّث (١) وأميز لمناحى (٢) روايته. وبالله التوفيق.
واختلف بعدُ من أجاز الإجازة فى الإجازة للمجهول بشرط كقولك: أجزت لكل من قرأ علىَّ، أو من كان من طلبة العلم، أو من دخل بلد كذا من طلبة العلم، أو من شاء أن يروى عنى، وفى الإجازة للمعدوم كقولك لكل من يولد لفلان، أو لجميع قريش أو قيس أو أهل بغداد، أو [أهل] (٣) مصر، فلم يقع فيها للصدر الأول كلام، ووقع إجازتها لبعض من جاء من بعدهم من شيوخ المحدثين (٤). واختلف فيها متأخرو الفقهاء، فأجازها للمعدوم منهم جماعة، وإلى إجازتها ذهب أبو الفضل بن عُمْروس البغدادى (٥) من أئمتنا والقاضى الدامغانى من أصحاب أبى حنيفة (٦)، وذهب القاضى أبو الطيب الطبرى الشافعى (٧) إلى جوازها للمجهول الموجود كقوله: أجزت لأهل بلد كذا ولبنى هاشم، فتجوز لمن كان موجودًا ولم يجزها للمعدوم منهم ولا لمن يُولد بعد، ومنع ذلك كله القاضى أبو الحسن الماوردى وكذلك منع أبو الطيب تعلقَها بِشَرْطٍ كقوله: أجزت لمن شاء أن يُحدث عنى أو لمن شاء فلان، وأجازها ابن عمروس والدَامغانى، والمعروف من مذهب مشايخ المغاربة جواز هذا كله، وقد رأيته فى إجازات جماعة من متقدميهم ومتأخريهم، وممن أدركناه، وهو مذهب أبى بكر بن ثابت الحافظ [الخطيب] (٨) وغيره (٩)، ومنعوا كلهم الإجازة للمجهول المبهم جملة (١٠) كقوله: أجزت لبعض الناس، أو إجازة ما لم
_________________
(١) فى الأصل: للحديث، والمثبت من ت.
(٢) فى الأصل: لمتأخى، والمثبت من ت.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) راجع: الإلماع: ١٠١، مقدمة ابن الصلاح: ٢٦٨، فتح المغيث ٢/ ٧٥، نزهة النظر: ٦٥.
(٥) هو شيخ المالكية الإمام العلامة، محمد بن عبيد الله بن أحمد بن محمد بن عمروس البغدادى. مولده سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة. روى عنه الخطيب وقال: انتهت إليه الفتوى ببغداد. توفى سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة. تاريخ بغداد ٢/ ٣٣٩، ترتيب المدارك ٤/ ٧٦٢، الديباج المذهب ٢/ ٢٣٨.
(٦) هو العلامة البارع مفتى العراق أبو عبد الله محمد بن على الدامغانى الحنفى. تفقه بخراسان، وحصَّل المذهب على فقرٍ شديد. قال الذهبى: وكان القاضى أبو الطيب يقول: الدامغانى أعرف بمذهب الشافعى من كثيرٍ من أصحابنا. كان ذا جلالة وحشمة، يُنَظَّرُ بالقاضى أبى يوسف فى زمانه. مات فى رجب سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، ودفن بقبة الإمام أبى حنيفة إلى جانبه. الجواهر المضيَّة ٢/ ٩٦، تاريخ بغداد ٣/ ١٠٩، سير ١٨/ ٤٨٥.
(٧) هو الإمام العلامة، شيخ الإسلام طاهر بن عبد الله بن طاهر، الطبرى الشافعى، فقيه بغداد. قال الخطيب: كان شيخنا أبو الطيب ورِعًا، عاقلًا، عارفًا بالأصول والفروع، محققًا، حسن الخلق، صحيح المذهب، اختلفتُ إليه، وعلَّقْتُ عنه الفقه سنين. مات سنة خمسين وأربعمائة. تاريخ بغداد ٩/ ٣٥٨، وفيات الأعيان ٢/ ٥١٢، سير ١٧/ ٦٦٨.
(٨) ساقطة من ت، وعليها ما يشبه الضرب فى الأصل مع سقوط ما قبلها منه، واستدركت بهامشه بسهم.
(٩) فى ت: وغيرهم.
(١٠) فى الأصل رسمت هكذا: حقله، والمثبت من ت.
[ ١ / ١٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) يصح له روايته عند الإجازة كقوله: أجزت له ما رويت وما أرويه. والكلام فى هذا الباب كثير يحتاج إلى بسط، وقد ذكرنا منه ما يحتاج إليه من له تَهَمُّمٌ بهذا الباب وعلمه، وبسطنا الكلام فى هذه الفصول فى كتاب الإلماع لمعرفة أصول الرواية والسماع، وأشرنا منه إلى نكت غريبة لعلك لا تجدها مجموعةً فى غير هذين الكتابين.
[ ١ / ١٩٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم