أ- بيان قيمة ما ذهب إليه أصحاب الحديث فى المسائل الفقهية، ففى حديث ابن عمر: " وإذا قام من الركعتين رفع يديه " قال: " وذكره أبو داود فى حديث أبى حميد الساعدى فى عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ، وروى عن بعض أهل الحديث الرفع عند السجود والرفع منه، وقد جاءت بذلك آثار لا تثبت، وليس هذا الرفع بواجب ولا شىء منه عند العلماء، إلا داود فأوجبه عند تكبيرة الإحرام، وخالفه بعض أصحابه فلم يوجبوه، وقال بعضهم: هو واجب كله، قال بعض المتكلمين: كان شرع الرفع فى أركان الصلاة أولًا علامة للاستسلام، لقرب عهدهم بالجاهلية، والإبانة عن الإسلام، فلما أنسُوا بذلك، واطمأنت قلوبهم، خفف عنهم، وأبقى فى أول الصلاة علامة على الدخول فيها لمن لا يسمع التكبير " (٢) خير مثال لذلك.
ب- توثيق بعض الفتاوى الفقهية (٣)، وذلك كقوله فى التيمم: " وكلام عبد الله وأبى موسى فى تيمم الجنب يدل على أن مذهب ابن مسعود كان لا يتيمم ولا يصلى حتى يجد الماء، ثم روى أنه رجع بعد إلى التيمم، هذان القولان معروفان، وقد حكى عنه أن من قوله: لا يغتسل إذا تيمم، ولكنه إذا أحدث توضأ للصلاة، وهذا لا يصح عنه ولا عن أحد من العلماء، إلا أبا سلمة بن عبد الرحمن وحده ".
جـ- التنبيه على أصول الفقه والفتوى لأهل الحديث، مما جعل هذا الكتاب مرجعًا هامًا لذلك الموضوع، ففى مسألة الترجيع فى الأذان ردَّ اختيار أهل الحديث فيها إلى أصلهم فى تلك المسألة بأنه إذا صحت الأحاديث واختلفت ولم يعرف المتأخر من المتقدم، أنها للتوسعة والتخيير (٤)، ثم إنه أحيانًا يوجه الأحكام الفقهية بعد أن يجمع
_________________
(١) إكمال، لوحة ٧٤/ ب.
(٢) إكمال، لوحة ٨١/ ب.
(٣) إكمال، لوحة ٤٣/ أ.
(٤) راجع فى ذلك: حديث الأذان وتعليم النبى لأبى محذورة فيه التكبير أولًا مرتين. وما جاء فى بعض طرق الفارسى: الأذان أربع مرات. إكمال، لوحة ٧٠/ ب.
[ ١ / ٣٠ ]
شواردها ويتتبع لواحقها (١).
د- يعمد أحيانًا إلى تقويم الروايات عن مالك فى بعض المسائل الفقهية، والتنبيه على شواذ المسائل فى مذهبه، مع بيان موردها.
ففى حديث: " كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذى منكبيه وقبل أن يركع " يقول: " والمعروف من عمل الصحابة ومذهب جماعة العلماء بأسرهم - إلا الكوفيين - الرفع فى الصلاة عند الافتتاح وعند الركوع والرفع منه، وهى إحدى الروايات المشهورات عن مالك، وعمل بها كثير من أصحابه ورووها عنه، وأنه آخر أقواله ".
وروى عنه: لا رفع فى أول الصلاة ولا فى شىء منها، وهى أضعف الروايات عنه (٢). وغير هذا كثير.
ومثل هذا لا يتيسر الوقوف عليه - على أهميته - عند غيره، انظر مثلًا إلى قوله فى قراءة المأموم خلف الإمام: " وقد اختلف العلماء فى القراءة فى الصلاة، فذهب جمهورهم إلى وجوب أم القرآن للإمام والفذ فى كل ركعة - وهو مشهور قول مالك - وعنه أيضًا أنها واجبة فى جُلّ الصلاة، وهو قول إسحاق، وعنه أيضًا: إنما يجب فى ركعة، وقال المغيرة والحسن وعنه: إنها لا تجب فى شىء من الصلاة، وهو أشد رواياته، وهو مذهب أبى حنيفة، إلا أن أبا حنيفة يشترط أن يقرأ غيرها من القرآن فى جُلّ الصلاة إلخ " (٣).
وإلى قوله فى تشقيقاته لبنية المذهب المالكى فى بعض المسائل الفقهية، حيث يقول فى المسائل الفقهية بصورها المختلفة الثلاث مقالات فى مذهبنا تقف على يقين من هذا الأمر.
هـ- استكماله لبعض المباحث الفقهية فى بعض روايات مسلم، وذلك بسوق أدلتها من غيره، حتى تكتمل لذلك المسألة الفقهية، ففى حديث الأذان لأبى محذورة قال القاضى: " ولم يذكر مسلم فى روايته رفع الصوت ولا خفضه، وقد اختلفت
_________________
(١) وذلك كما جاء فى الأذان، حيث نقل مذاهب العلماء فيه بين الوجوب والفرض الكفائى والسنة ثم قال: " فإذا قام به على هذا -إظهار الشعار- واحد فى المصر وظهر الشعار سقط الوجوب " إكمال، لوحة ٧٩/ أ.
(٢) إكمال، لوحة ٨١/ ب.
(٣) إكمال، لوحة ٨٢/ ب.
[ ١ / ٣١ ]
الرواية فيه عن أبى محذورة فى غير كتاب مسلم فى مصنف أبى داود وغيره من رواية ابنه عبد الملك ولم يذكر مسلم: " الصلاة خير من النوم "، وذكره أبو داود وغيره إلخ " (١).
و- حرصه على بيان معانى بعض الأحكام الفقهية، مما لا يتيسر الوقوف عليه مجتمعًا فى غير هذا الكتاب، وذلك كما فى تفسيره لرفع الأيدى فى التكبير حيث يقول: " ثم اختلف فى معنى الرفع، فقيل: استكانةٌ واستسلام، وإنها صورة المستكين المستسلم، وكان الأسير إذا غلب مد يديه علامة لاستسلامه، وقيل: استهوال لما دخل فيه، وقيل: لتمام القيام، وقيل: إشارة لطرح أمور الدنيا وراء ظهره، وإقباله بكليته على صلاته ومناجاة ربه، كما تضمن ذلك قوله: " الله أكبر "، فيطابق فعله قوله، وإعلانه بدخوله فى الصلاة عملًا، كما أظهرها بالتكبير قولًا، وليراه من يسمعه ممن يأتم به. قال: وهذه المعانى كلها مشاكلة لمن رأى رفعها منتصبة وإلى أذنيه، وقيل: خضوعًا ورهبة، وهذه مطابقة لصورة من نصبهما أو حنا أطرافهما " (٢).
ز- يعرض كثيرًا لغرائب فى مسائل فقهية اندثرت، مما يساعد فى بيان تاريخ التشريع، يساعد الفقيه على الفتوى بالرخصة - وإن كانت شاذة - عند الحاجة.
اسمع إليه وهو يقول فى حديث: " أقيمت الصلاة ورسول الله ﷺ يناجى ربه فلم يزل يناجيه حتى نام أصحابه ثم صلى بهم "، وفى حديث: " كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون، ثم يصلون ولا يتوضؤون ": " فيه دليل على أن النوم ليس بحدث " فى نفسه، وأن موجب الوضوء منه المستثقل الذاهب بحس المرء حتى لا يعلم بالحدث إذا خرج منه ثم قال: " وقد كان بعض السلف لا يرى النوم حدثًا على أى وجه كان حتى يحقق خروج الحدث فيه " تقف على جلية هذا الأمر.
ح- إحاطته بالمذاهب الفقهية، واستجماعه لعلم أصول الفقه، ساعداه على رد الخلافات الفقهية الواردة فى الكتاب إلى أسبابها العلمية ودواعيها (٣).
ط- الكشف عن أصول بعض الاستخراجات الفقهية وإظهار مذاهب لبعض أتباع الأئمة انفردوا بها، كقوله فى الحائضة إذا زاد أيام حيضتها على خمسة عشر يومًا: " قيل: تترك الصلاة قدر أيام لداتها، وهل تستظهر على ذلك أم لا؟ فيه قولان وما
_________________
(١) إكمال، لوحة ٧٩/ ب.
(٢) إكمال، لوحة ٨١/ ب.
(٣) راجع فى ذلك: مسألة جلد الميتة الوارد فى هذا الكتاب.
[ ١ / ٣٢ ]
ألزمنا المخالف هو حقيقةُ مذهب ابن القاسم على ما ذهب إليه بعض حذاق شيوخنا " (١).