من يطالع مؤلفات القاضى يدرك بيسر أنه كان إليه المنتهى فى ضبط الكتاب، والغيرة على العلم، سهل الانتصاف له ولو من نفسه، تستطيع أن ترى هذا فى مثل قوله فى كتاب: " الإكمال " حين يعرض للحديث " من رواية القاسم بن زكريا، حدثنا حسين، ثنا زائدة " فيقول: " كذا هو فى أكثر النسخ والأصول، ووقع فى بعضها حصين، وكذا وجدته مصلحًا فى كتابى بخطى حصين - بالصاد المهملة - ولست أدرى من أين كتبته، وهو خطأ، والصواب حسين بالسين " (٢) أهـ. لقد كان بوسعه أن يكتفى بالتنبيه على وقوع الخطأ فى بعض النسخ، وبخاصة أنه ضبط الاسم بعد ذلك بما يدفع الخلل بعد ذلك عنه، فقال: وهو حسين بن على مولى الجعفيين (٣)، لكن عظمة نفسه فى الحق أبت عليه أن يحجبها عن اللوم، لتحمل نصيبها من المؤاخذة فى تطرق الخلل غير المغتفر عنده لأصول كتابه، وبهذا الخلق يسَّر الله له أمر قياده لنفسه، فلم يكن ير بأسًا من المجاهرة بأنه رَاجَع فى بعض المسائل من هو أعلم منه - على علو كعبه وعظمة شأنه فيه وارتفاع ذكره به، وبخاصة كتاب الإكمال هذا، الذى يغلب على الظن عندى أنه آخر ما ألف (٤)، ومع ذلك نراه يراجع فى بعض ألفاظ الكتاب السابقين عليه من الأئمة والشيوخ، ويعلن هذا للطلبة، وهو يعلم أنه مما يسجل فى القراطيس. وذلك أنه وهو يعرض لحديث شق صدره ﷺ يقول: فى هذا الحديث من رواية عبد الله بن هاشم المختصرة عن ثابت عن أنس قال: قال النبى ﷺ " انطلقوا بى إلى زمزم، فشرح عن صدرى، ثم غسل بماء زمزم ثم أنزلت " قال: " كذا رويناه عن جميعهم بضم الهمزة وكسر الزاى، وضم التاء، وحكى لنا بعض شيوخنا عن القاضى أبى الوليد الوقشى - وكان أكثر اعتنائه بأمثال هذه الألفاظ المشكلة والجسارة على تقويمها بزعمه وإصلاحها - أن اللفظة وهمٌ من الرواة وتصحيف وصوابها " ثم تركت "، فعرضت هذا على شيخنا أبى الحسين بن سراج الحافظ اللغوى فقال لى: هذا تكلفٌ، وأنزلت بمعنى تركت فى كلام العرب معروف، فاتفقا فى المعنى واختلفا فى صحة اللفظ
_________________
(١) سيرد فى أخبار شيوخه التعريف المناسب لهما. سير ٢٠/ ٢١٣.
(٢) و(٣) إكمال ١/ ١٩ أ.
(٣) وذلك أن ممن ترجم له من لم يذكر له هذا الكتاب، كالفقيه محمد بن حمَّاده السبتى. راجع: السير ٢٠/ ١١٤.
[ ١ / ٢١ ]
" قال ": ثم ظهر لى أنا بعدُ أن أنزلت على بابها المستعمل، الذى هو ضد رفعت إلخ (١).
وهذا النص يكشف لنا عن تواضع قد جبل عليه الشيخ، تواضعٍ غير متكلف له بشىء، إذ لو كان تكلفًا لما كان هناك حاجة لذكر مراجعته للقاضى الوقشى، ثم معارضة ما سمع منه بعد عرضه على أبى الحسين بن سراج، وقد استقام له الدرب بما وفق له بعد، وظهر له من دلالة العبارة وألفاظها.
وتتبدى كذلك شدة ضبطه للكتاب فى قوله آخر كتاب الإلماع: " وكتبه لنفسه بخط يده موسى بن عمران بن موسى بن عياض اليحصبى عنا ".
وبذلك حدَّد صورة الإجازة مع تحديد كيفيتها (٢).
وقد ألان الله له قياد اللغة، وأمكنه من نواصيها مكنة أذنت له أن ينتقد - بغير تثريب - على كثير من أئمتها، ومن يرد على ذلك دليلًا فعليه بكتابه " مشارق الأنوار على صحاح الآثار " (٣).
وإن كُلفنا مزيد التحديد فإليك ما جاء فى الجزء الثانى منه، عند تناوله مادة " العين مع النون " " عن " حين يقول: " اعلم أن حرف " عن " حرف جر مثل " من "، قالوا: وهى بمعنى " من " إلا فى خصائص تخصها؛ إذ فيها من البيان والتبعيض نحو ما فى " من "، قالوا: إلا أن " من " تقتضى الانفصال فى التبعيض أما " عن " لا تقتضيه، تقول: أخذت من زيد مالًا، فتقتضى انفصاله، وأخذت عنه علمًا فلا تقتضى انفصالًا، ولهذا اختصت الأسانيد بالعنعنة ".
قال: " وهذا غير سديد، وإن قاله مقتدى به لأنه يصح أن يقال: أخذ من علم زيد، وأخذت منه علمًا، فلا تقتضى انفصالًا، وأخذت عن زيد ثوبًا، فتقتضى انفصالًا، وقد حكى أهل اللسان: " حدثنى فلان من فلان، بمعنى عنه، وإنما الفرق بين الانفصال والاتصال فيهما فيما يصح منه ذلك أو لا يصح، لا من مقتضى اللفظتين " (٤).
_________________
(١) إكمال ١/ ٤٢ ب. وأبو الوليد الوقشى قاضٍ، وابنه هشام بن أحمد الكنانى الشنتجالى قاضٍ. وابنه قال فيه الضبى: فقيه إمام فى اللغة والأدب، متقدم، توفى سنة تسع وثمانين وأربعمائة. بغية الملتمس: ٤٨٥، وفيات الأعيان ١/ ٢٤٦.
(٢) الإلماع: ٢٥٠.
(٣) طبع، وهو من منشورات المكتبة العتيقة بتونس، ودار التراث بالقاهرة، ط ١٩٧٧.
(٤) مشارق الأنوار ٢/ ٨٩.
[ ١ / ٢٢ ]
أما عن فقهه فهو فيه علم فذٌّ، استبحر -كما قال الذهبى- من العلوم، وجمع وألف وسارت بتصانيفه الركبان (١)، وكانت تواليفه نفيسة.
وحينما تطالع كتابه " الإكمال " ستجد أنه كمن جمع له فقه الأئمة السابقين على طرف لسان وأطراف بنان.
ومع ذلك، فإنه رزق عفة الأسلوب مع وفرة الحجج عند وقوع الاختلاف فى المسائل، ويظهر هذا فى مثل قوله السابق: " وإن كان قاله مقتدى به " (٢).
وكان وافر التواضع لشيوخه، فلا يفُتْه أن يسبق نقله عنهم أن يقول: " طالعت بهذا الرأى أهل التحقيق " (٣).
فكانت أخلاقه شاهد صدق لانتفاعه بعلمه، وأخذ نفسه به وتقويمها عليه.
ولقد كان - ﵀ - إليه مؤونة الدفاع عن سبتة (٤)، حيث كان -كما يقول ابن خلدون- يومئذ رئيسها بدينه وأبوته ومنصبه (٥).
دافع عنها كيد الدولة الدخيلة البغيضة - دولة الموحدين - ومع كونه كان فى ميدان المدافعة فردًا لا نظير له، إلا أنه ثبت لها بيقينه وعلمه وثاقب نظره، حتى نفذ بها حكم القدر الكونى، وغلبت دولة الموحدين، ونزل به ما ينزل بأمثاله فى تلك المحن الشديدة، فنفى عن بلده ثم عذب على صلاحه، وظل هذا حاله حتى لقى عليه ربه.
يقول الإمام الذهبى: " بلغنى أنه قتل بالرماح، لكونه أنكر عصمة ابن تومرت " (٦).
وقال ابن بشكوال: " توفى القاضى مُغَرّبًا عن وطنه فى وسط سنة أربع - أى وأربعين وخمسمائة " (٧).
_________________
(١) سير ٢٠/ ٢١٤ - ٢١٦.
(٢) مشارق ١/ ٨٩.
(٣) إكمال، لوحة ٧٨.
(٤) ثغر بالمغرب، يقع شمال شرق عند مضيق جبل طارق.
(٥) العبر ٦/ ٢٣٠.
(٦) سير ٢٠/ ٢١٧.
(٧) الصلة ٢/ ٤٥٤.
[ ١ / ٢٣ ]