بسم الله الرحمن الرحيم
الْحَمْدُ لِلّه رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَعَلَى جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ.
أَمَّا بَعدُ:
فَإِنَّكَ - يَرْحَمُكَ اللهُ بِتَوْفيِقِ خَالِقكَ - ذَكَرْتَ أَنَّكَ هَمَمْتَ بِالْفَحْصِ عَنْ تعَرُّفِ جُمْلَةِ الأَخْبَارِ الْمَأثُورَةِ عَنْ رَسُول اللهِ ﷺ فِى سُنَنِ الدِّينِ وَأَحْكَامِهِ، وَمَا كَانَ مِنْهَا فِى الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَغَيْرِ ذلِكَ مِنْ صُنُوفِ الأشْيَاءِ، بِالأَسَانِيدِ الَّتِى بِهَا نُقِلَتْ، وَتَدَاوَلَهَا أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا بَيْنهُمْ، فَأَرَدْتَ - أَرْشَدَكَ اللهُ - أَنْ تُوَقَّفَ عَلَى جُمْلَتِهَا مُؤَلَّفَةً مُحْصَاةً، وَسَأَلْتَنِى أَنْ ألَخِّصَها لَكَ فِى التَّألِيفِ بِلا تَكْرَارٍ، فَإِنَّ ذلِكَ - زَعَمْتَ - مِمَّا يَشْغَلُكَ عَمَّا لَهُ قَصَدْتَ مِنَ التَّفَهُّمِ فِيهَا، وَالاِسْتِنْبَاطِ مِنْهَا، وَلِلَّذِى سَأَلْتَ - أَكْرَمَكَ اللهُ - حِينَ رَجَعْتُ إِلَى تَدَبُّرِهِ، وَمَا تَؤولُ بِهِ الْحَالُ إِنْ شَاءَ اللهُ، عَاقِبةٌ مَحْمُودَةٌ، وَمَنْفَعةٌ مَحْمُودَةٌ. وَظَننْتُ، حِينَ سَأَلْتَنِى تَجَشُّمَ ذلِكَ أَنْ لَوْ عُزِم لِى عَلَيْهِ، وَقُضِىَ لِى
ــ
قال مسلم -﵀- فى افتتاح كتابه: " أما بعد فإنَّك- يرحمك الله- بتوفيق خالقك ذكَرْتَ أنَّك هممتَ بالفحص عن تعرُّف جملة الأخبار ": قال القاضى: يحتمل أن يكون دعا له بأن يرحمه الله بتوفيقه وهدايته، فإنها من جملة رحمة الله وفضله، ويحتمل أن يُعلقَ قوله: " بتوفيق خالقك " إمَّا إلى ما ذَكره، أو هم به من الفحص، والله أعلم. وقد سقط هذا الدعاء (١) عندنا فى رواية [شيخنا] (٢) الخشنى.
قال مسلم: " لو عُزِم لى عليه "، قال الإمام: لا يُظَنَّ بمُسلِمٍ أنَّه أراد: لو عَزَم اللهُ لى عليه؛ لأن إرادة الله لا تُسَمَّى عَزْمًا، ولعلَّه أراد [لو] (٣) سُهَّل لى سَبيلُ العَزْم أو خُلق فىَّ قدرةٌ عليه (٤).
_________________
(١) فى ت: الكلام.
(٢) من ت.
(٣) ليست فيما عندنا من نسخ المعلم.
(٤) المعلم. مخطوطات الأوقاف، الخزانة العامة بالرباط لوحة ٢/ أ.
[ ١ / ٨٨ ]
تَمَامُهُ، كَانَ أَوَّلُ مَنْ يُصِيبُهُ نَفْعُ ذَلِكَ إِيَّاىَ خَاصَّةً، قَبْلَ غَيْرِى مِنَ النَّاسِ، لأسْبَابٍ كَثِيرَةٍ، يَطُولُ بِذِكْرِهَا الْوصْفُ، إلا أَنَّ جُمْلَةَ ذلِكَ أَنَّ ضَبْطَ الْقَلِيلِ مِنْ هَذَا الشَّأنِ وَإِتْقَانَهُ، أَيْسَرُ عَلَى الْمَرْءِ مِنْ مُعَالَجَةِ الْكَثِيرِ مِنْهُ، وَلا سِيَّمَا عند مَنْ لا تمييز عِنْدَهُ مِنَ الْعَوَامِّ، إِلا بِأَنْ يُوَقِّفَهُ عَلَىَ التَّمْيِيزِ غَيْرُهُ، فَإِذَا كَانَ الأَمْرُ فِى هَذَا كَمَا وَصَفْنَا، فَالْقَصْدُ مِنْهُ إِلَى الصَّحِيحِ الْقَلِيلِ، أَوْلَى بِهِمْ مِنَ ازْدِيَادِ السَّقيِم.
وَإِنَّمَا يُرْجَى بَعْضُ الْمنْفَعةِ فِى الاسْتِكْثَارِ مِنْ هذَا الشَّأنِ وَجَمْعِ الْمُكَرَّرَاتِ مِنْهُ لِخَاصَّةٍ مِنَ النَّاسِ، مِمَّنْ رُزِقَ فِيهِ بَعْضَ التَّيَقُّظِ، وَالْمَعْرِفَةِ بِأَسْبَابِهِ وَعِلَلِهِ، فَذَلِكَ إنْ شَاءَ اللهُ، يَهجُمُ بِمَا أُوتِىَ مِنْ ذلِكَ عَلَى الْفَائِدَةِ فِى الاسْتِكْثَارِ منْ جَمْعِهِ، فَأَمَّا عَوَامُّ النَّاسِ الَّذِينَ هُمْ بِخِلافِ مَعَانِى الْخَاصِّ، مِنْ أَهْلِ التَّيَقُّظِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَلا مَعْنَى لَهُمْ فِى طَلَبِ
ــ
قال القاضى: قد جاء هذا اللفظ فى الكتاب من كلام أمّ سلمة فى كتاب الجنائز قالت: " ثُمَّ عَزَم الله لى فقلتُها " (١). أصل العزم: القُوَّة، ويكون بمعنى [الصبر] (٢)، وتوطين النفس وحملها على الشىء، والمعنى متقارب، ومنه قوله [﷿] (٣): ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٤) وقوله قبل: " سألتنى تَجشُّمَ ذلك " أى: تكَلَّفَه والتزم مشقته.
وقوله: " وذلك إن شاء الله ينهجمُ بما أوتى من ذلك على الفائدة " ويروى تَهجُمُ (٥) ومعناها: يقع عليها ويبلُغُ إليها، [وينال بغيته منها] (٦)، يقال: هجمت على القوم: إذا دخلت عليهم. قال ابن دريد (٧): [يقال] (٨): انهجم الخباء إذا وقع [عليهم] (٩) وهجمت ما فى خِلفِ الناقة: إذا استقصيت حلبه.
_________________
(١) باب ما يقال عند المصيبة حديث رقم (٥). قال النووى: " وتأولوا قولها على معنى خلق لى أو فىَّ عزمًا، من حيث إن حقيقة العزم حدوث رأى لم يكن، والله منزه عن هذا " ٢/ ٨٥٢.
(٢) و(٣) من ت.
(٣) الأحقاف: ٣٥. وجاء فى اللسان: العزمُ الجِدّ، عزم على الأمر يعزمُ عزمًا ومعَزمًا واعتزم عليه: أراد فعله، وأولو العزم من الرسل: الذين عزموا على أمر الله فيما عَهِدَ إليهم، ومن معنى الصبر فى العزم جاء قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥].
(٤) فى ت: يهجمُ.
(٥) فى الأصل: ويُقال بَغتَه منها، والمثبت من ت.
(٦) هو العلامة شيخ الأدب أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية البصرى الأزدى البصرى، تنقل فى فارس وجزائر البحر يطلب الآداب ولسان العرب، ففاق أهل زمانه، ثم سكن بغداد. حدث عن أبى حاتم السجستانى وابن أخى الأصمعى. قال فيه الذهبى: كان آية من الآيات فى قوة الحفظ. توفى سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. سير ١٥/ ٩٦.
(٧) ساقطة من ت، وانظر: لسان العرب ومجمل اللغة.
(٨) من ت.
[ ١ / ٨٩ ]
الْكَثِيرِ، وَقَدْ عَجَزُوا عَنْ مَعْرِفَةِ الْقَلِيلِ.
ثُمَّ إِنَّا - إِنْ شَاءَ اللهُ - مُبْتَدِئُونَ فِى تَخْرِيجِ مَا سَأَلْتَ وَتَألِيفِهِ، عَلَى شَرِيطَةٍ سَوْفَ أَذْكُرُهَا لَكَ وَهُوَ: إِنِّا نَعْمِدُ إِلَى جُمْلَةِ مَا أُسْنِدَ مِنَ الأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنَقْسِمُهَا عَلَى ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ، وَثَلاثِ طَبَقَاتٍ مِنَ النَّاسِ، عَلَى غَيْرِ تَكْرَارٍ، إِلا أَنْ يَأتِىَ مَوْضِعٌ لا يُسْتَغْنَى فِيهِ عَنْ تَرْدَادِ حَدِيثٍ فِيهِ زِيَادَةُ مَعْنًى، أَوْ إِسْنَادٌ يَقَعُ إِلَى جَنْبِ إِسْنَادٍ، لِعِلَّةٍ تَكُونُ هُنَاكَ، لأَنَّ الْمَعْنَى الزَّائِدَ فِى الْحَدِيثِ، الْمُحْتَاجَ إِلَيْهِ، يَقُومُ مَقَامَ حَدِيثٍ تَامٍ. فَلا بُدَّ مِنْ إِعَادَةِ الْحَدِيثِ الَّذِى فِيهِ مَا وَصَفْنَا مِنَ الزِّيَادَةِ.
ــ
قال مسلم﵀-: إنه يُقسّمُ الأحاديثَ على " ثلاثة أقسام وثلاث طبقات من الناس " إلى آخر كلامه. قد قدمنا قول من قال: إنَّه لم يتسع عُمْرُه إلا لذكر الطبقة الأولى كما ذكرنا، وذكرنا رأيه فى خلافه مما ألهَمَ الله إليه له الحمدُ، ونحن نذكُرُ الآن أقسام الصحيح على ما رتَّبَه أئمةُ أهل الصنعة. [فذكر] (١) أبو عبد الله محمد بن عُبَيْد الله الحاكم النيسابورى فى " المدخل إلى كتاب الإكليل " أَنَّ الصحيحَ من الحديث على عشرة أقسام، خمسةٌ متفق عليها، وخمسةٌ مختلفٌ فيها.
فالقسم الأوَّل من المتفق عليه اختيار البخارى ومسلم، قال: وهو الدرجةُ الأولى من الصحيح، وفسَّره بما قدمناه قبل، قالَ: والأحاديث المروية بهذه [الشريطة] (٢) لا يبلُغُ عَددُها عشرة آلاف حديث.
القسم الثانى: مثل الأول، لكن ليس لراويه من الصحابة إلا راوٍ واحد.
القسم الثالث: مثل الأول، إلا أن راويه من التابعين ليس له إلا راوٍ واحد.
[القسم] (٣) الرابع: الأحاديث الأفراد الغرائب التى رواها الثقات العدول.
[القسم] (٤) الخامس: أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم عن أجدادهم، ولم تتواتر الرواية عن آبائهم عن أجدادهم [بها] (٥) إلا (٦) عنهم كصحيفة عمرو بن
_________________
(١) فى الأصل: وذكر، والمثبت من ت.
(٢) فى ت: الشروط.
(٣) و(٤) من ت.
(٤) ساقطة من الأصل، واستدركت بالهامش، والمثبت من ت.
(٥) فى ت: لا.
[ ١ / ٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شعيب (١) عن أبيه عن جدّه، وبهز بن حكيم (٢) عن أبيه عن جدّه، وإياس (٣) بن معاوية ابن قُرَّة عن أبيه عن جدّه، وأجدادُهم صحابيون وأحفادهم ثقات (٤).
قال الحاكم: فهذه الخمسةُ الأقسام مخرجة فى كتب الأئمة محتجٌّ بها، وإن لم يُخَرَّج منها فى الصحيحين حديث.
قال القاضى: يريد غير القسم الأول الذى [ذكر] (٥) أنهما شرطاه، وقد وقع لهما أشياء من هذه الأقسام يوقف عليهما فى كتابيهما.
قال الحاكم: [و] (٦) الخمسة المختلف فيها المراسيل، وأحاديث المدلسين إذا لم
_________________
(١) هو الإمام المحدث عمرو بن شعيب بن محمد ابن صاحب رسول الله ﷺ بن عمرو بن العاص بن وائل، القرشى السهمى الحجازى، فقيه أهل الطائف، ومحدثهم، وكان يتردد كثيرًا إلى مكة، وينشر العلم. حدث عن أبيه فأكثر، وعن سعيد بن المسيّب، وطاووس، وعروة بن الزبير، ومجاهد، وعطاء، والزهرى، وقد حدَّث عن الرُّبَيع بنت معوّذ، وزينب بنت أبى سلمة، ولهما صحبة. حدَّث عنه الزهرى وقتادة، وعطاءُ بن أبى رباح- وهو شيخه- وغيرهم. وروى علىُّ عن ابن عُيينة قال: كان إنما يُحدّثُ عن أبيه عن جده، وكان حديثه عند الناس فيه شىء. وسبب هذا فيما قاله أبو زرعة عنه: إنما أنكروا عليه لكثرة روايته عن أبيه عن جده، وقالوا: إنما سمِعَ أحاديثَ يسيرة، وأخذ صحيفة كانت عنده فرواها، وما أقلَّ ما تصيبُ عنه مما روى عن غير أبيه من المنكر، وعامةُ هذه المناكير التى تروى عنه إنما هى عن المثنى بن الصبَّاح وابن لهيعة، والضعفاء، وهو ثقة فى نفسه. وقال يحيى: وهو ثقة، بل بكتاب أبيه عن جده، وقال ابن أبى حاتم: سئل أبى أيَّما أحبُّ إليك هو أو بهز بن حكيم عن أبيه عن جده؟ فقال: " عمرو أحبُّ إلىَّ ". وروى أبو داود عن أحمد قال: أصحابُ الحديث إذا شاؤوا احتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وإذا شاؤوا تركوه. قال الذهبى فى تفسير هذا القول: " هذا محمول على أنهم يترددون فى الاحتجاج به، لا أنهم يفعلون ذلك على سبيل التشهى ". احتج به أرباب السنن الأربعة، وابن خزيمة، وابن حبان فى بعض الصور، والحاكم وأكثر من الحجج فى كتابه فى تصحيح رواياته. مات سنة ثمانى عشرة ومائة. راجع: المستدرك ٢/ ٦٥، طبقات خليفة ٢٨٦، الجرح والتعديل ٦/ ٢٣٨، سير ٥/ ١٦٥.
(٢) هو الإمام المحدث ابن معاوية بن حيْدَة، البصرى. قال الذهبى: له عدة أحاديث عن أبيه عن جده، وعن زرارة بن أوفى، وعنه الحمادان ويحيى القطان، وعدة. وثقه ابن معين، وعلى، وأبو داود والنسائى، وقال أبو داود: هو عندى حجة، قال البخارى. يختلفون فى بهز، وقال ابن حبان: يخطئ كثيرًا، وهو ممن استخير الله فيه. توفى قبل الخمسين ومائة. الجرح والتعديل ٢/ ٣٤٠، ميزان الاعتدال ١/ ٣٥٣، سير ٦/ ٢٥٣.
(٣) هو قاضى البصرة أبو وائلة، يروى عن أبيه وأنس وابن المسيب وسعيد بن جبير، وعنه شعبة وحماد بن سلمة وخالد الحذاء وغيرهم. كان يضرب به المثل فى الذكاء والدهاء والسؤدد والعقل، قلَّما روى عنه، وقد وثقه ابن معين. توفى سنة إحدى وعشرين ومائة كهلًا. الطبقات الكبرى ٧/ ٤٥٣، الجرح والتعديل ٨/ ٤٠٧، سير ١٥٥.
(٤) انظر: المدخل فى أصول الحديث ١١، ١٢.
(٥) و(٦) من ت.
[ ١ / ٩١ ]
. . . . . . . . . . . . .
ــ
يذكروا إسماعهم، وما أسنده ثقةٌ وأرسله جماعة من الثقات غيرهُ، وروايات الثقات غير الحفاظ العارفين، وروايات المبتدعة إذا كانوا صادقين.
قال القاضى: [فهذه] (١) الأقسام الخمسة كما قال مما اختُلِفَ فى قبولها، والحجة بها الفقهاء والمحدثون (٢)، ووقع فى الصحيحين منها [شىء] (٣) هو مما استُدرك مما ذكرنا وقد ترك الحاكم [منها] (٤)، مما اختلف فيه رواية المجهولين.
وقال أبو سليمان الخطابى (٥): الحديث عند أهله على ثلاثة أقسام: صحيحٌ، وحسنٌ، وسقيمٌ، فالصحيح: ما اتصل سنده وعُدّلت نقلتهُ، والحسن: ما عُرِف مخرجه واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذى يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء، والسقيم على طبقات، شرُّها الموضوع، ثم المقلوب، ثم المجهول.
وقال أبو عيسى الترمذى: الحسن من الحديث ما ليس فى إسناده من يتَّهم، وليس بشاذٍ، ورُوى من غير وجه (٦).
وقال أبو على الغسانى: الناقلون سبع طبقات: ثلاث مقبولة، وثلاث متروكة، والسابعة مختلف فيها، فالأولى: أئمة الحديث وحفاظه، وهم الحجة على من خالفهم، ويقبلُ انفرادُهم. الثانية: دونهم فى الحفظ والضبط، لَحِقَهمْ فى بعض روايتهم وهمٌ وغلطٌ، والغالبُ على حديثهم الصحَّةُ، ويُصَحَّحُ ما وَهموا فيه من رواية الطبقة الأولى وهم لاحقون بهم. الثالثة: جنحت إلى مذاهب من الأهواء غيرُ غاليةٍ ولا داعية، وصحَّ حديثها، وثبَتَ صدقُها، وقلَّ وهْمُها، فهذه الطبقة احتمل أهلُ الحديث الرواية عنهم، وعلى هذه الطبقات الثلاث يدور نقل الحديث، وإليها أشار مسلم، فى صدر كتابه إلى قسمة الحديث
_________________
(١) فى الأصل غير واضحة، وفى ت: فهناك، والمثبت من ق.
(٢) المراد بالفقهاء هنا: الأئمة المجتهدون منهم، على ما يفهم من كلام أئمة الشأن فى هذه المسألة، وبالمحدّثين: الحفظة الثقات الأثبات.
(٣) مطموسة فى الأصل، والمثبت من ت.
(٤) ساقطة من الأصل، واستدركت بهامش ت بسهم.
(٥) هو حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البُستى الخطابى، صاحب التصانيف، حدَّث عنه أبو عبد الله الحاكم، وهو من أقرانه فى السن والسند، وأبو عبيد الهروى، والكرابيسى من مصنفاته كتاب " العزلة " و" إصلاح غلط المحدثين " و" بيان إعجاز القرآن " توفى ببُست سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. سير ١٧/ ٢٣.
(٦) راجع: سنن الترمذى ٥/ ٥١، شرح علل الترمذى ١/ ٣٤٠. وقد اعترض عليها ابن جماعة (ت: ٧٣٣) بأن تعريف الخطابى يرد عليه الفرد من الحسن، فإنه لم يرو من وجه آخر، وإن تعريف الترمذى يرد عليه ضعيف عرف مخرجه واشتهر رجاله بالضعف، وإن تعريف الإمامين يدخل فيهما الصحيح لأن حاله كذلك. المنهل الروى ١/ ١٣٤. وقد أجيب عن ذلك فِيما يخص الترمذى بِأن الترمذى ميز بين الحسن والصحيح، حيث شرط فى رجال الحسن أن يكونوا غير متهمين بالكذب، وهو دليل على كونهم نازلين عن رجال الصحيح؛ لأن الثقة الحافظ لا يوصف عادة فى عرف المحدثين بأنه غير متهم بالكذب فقط، بل يوصف بالعدالة والضبط، =
[ ١ / ٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على ثلاثة أقسام وثلاث طبقات، فلم يُقدَّر له [إلا] (١) الفراغ من الطبقة الأولى واخترمته المنيَّةُ.
وثلاث طبقات أسقَطَهُم أهلُ المعرفة: الأولى: من وُسِم (٢) بالكذب، [ووضع الحديث] (٣). الثانية: من غلب عليه الوهمُ والغلط حتى استغرق روايته. الثالثة: من غلت (٤) فى البدعة، ودعَتْ إليها، وحَرَّفتِ الروايات، وزادت فيها ليحتجُّوا بها. والسابعة: قوم
_________________
(١) = وقول الترمذى: ويروى من غير وجه قرينة على مراده فى صفات رجال الحسن، وإلا لو حملنا صفة رجاله على صفة رجال الصحيح للزم زيادة هذا القيد أن يكون الحسن أقوى من الصحيح، والمعلوم خلافه؛ لأنه لم يشترط فى الصحيح مجيئه من غير وجه. ثم إن الترمذى لم يعرف الحسن مطلقًا، وإنما عرَّف بنوع خاصٍ منه، وقع فى كتابه. وهو ما يقول فيه " حسن " من غير صفة أخرى، وعبارته ترشد إلى ذلك، حيث قال فى آخر كتابه: " وما قلنا فى كتابنا: حديثٌ حسنٌ، فإنما أردنا به حُسْن إسناده عندنا، إذ كل حديث يروى لا يكون راويه متهمًا بكذب، ويروى من غير وجه نحو ذلك، ولا يكون شاذًا، فهو عندنا حديث حسن ". وقال محمد بن الوزير: " وغرض الترمذى إفهام مراده لا التحديد المنطقى، فلا اعتراض عليه بمناقشات أهل الحدود ". نزهة النظر ٣٣، توضيح الأفكار ١/ ١٦٠، شرح الترمذى لابن سيد الناس ٥/ أ، النكت ١/ ١٨٢. ثم قال الشيخ ابن الصلاح، بعد أن أضاف إلى تعاريف الشيخين للحسن تعريفَ ابن الجوزى له بأنه الحديث الذى فيه ضعفٌ قريب محتملٌ ويصلح للعمل به، قال. كل ذلك مستبهمٌ لا يشفى الغليل، وليس فيما ذكره الترمذى والخطابى ما يفصل الحسن من الصحيح، وقد أمعنت النظر فى ذلك والبحث جامعًا بين أطراف كلامهم، ملاحظًا مواقع استعمالهم، فتنقح واتضح أن الحديث الحسن قسمان: أحدهما: الحديث الذى لا يخلو رجالُ إسناده من مستورٍ لم تحقق أهليته، غير أنه ليس مُغَفَّلًا كثير الخطأ فيما يرويه، ولا هو متهم بالكذب فى الحديث، أى لم يظهر منه تعمّدُ الكذب فى الحديث، ولا سبب آخر مفسق، ويكون متن الحديث مع ذلك قد عُرف بأن رُوى مثله أو نحوه من وجه آخر أو أكثر، حتى اعتضد بمتابعة من تابعَ راويه على مثله، أو بما له من شاهد، وهو ورودُ حديثٍ آخر بنحوه، فخرج بذلك عن أن يكون شاذًا ومنكرًا. قال: وكلام الترمذى على هذا القسم يتنزَّل. القسم الثانى: أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح، لكونه يقصرُ عنهم فى الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يُعَد ما ينفرد به من حديثه منكرًا. ويُعتبر فى كل هذا، مع سلامة الحديث من أن يكون شاذًا ومنكرًا، سلامتُه من أن يكون معلَّلًا. قال: وعلى القسم الثانى يتنزل كلامُ الخطابى. وكأن الترمذى ذكر أحد نوعى الحسن، وذكر الخطابى النوع الآخر، مقتصرًا كل واحدٍ منهما على ما رأى أنه يُشكل، مُعرِضًا عما رأى أنه لا يُشكل، أو أنه غفل عن البعض وذهل. المقدمة: ١٠٥. قال بدر الدين بن جماعة: ولو قيل: الحسن كل حديث خال من العلل، فى سنده المتصل مستور له به شاهد، أو مشهورٌ قاصر عن درجة الإتقان، لكان أجمع لما فى حدوده وقريبًا مما حاولوه وأخصر منه. المنهل ١/ ١٣٦. وقد أورد الطيبى على هذا التعريف فى الخلاصة، إيرادات، خلص منها إلى تعريف له آخر فقال: فلو قيل: هو مسندُ مَنْ قَرُب من درجة الثقة أو مرسل ثقة، وروى كلاهما من غير وجه، وسلم عن شذوذ وعلة، لكان أجمع وأبعد من التعقيد. أهـ. الخلاصة: ٤٢.
(٢) ساقطة من الأصل، واستدركت فى الهامش بسهم.
(٣) فى الأصل: رسم، والمثبت من ت.
(٤) سقط من الأصل، والمثبت من ت.
(٥) فى الأصل: ضلت.
[ ١ / ٩٣ ]
أَوْ أَنْ يُفَصَّل ذلِكَ المَعْنَى مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ عَلَى اخْتِصَارِهِ إِذَا أَمْكَنَ، وَلكِنْ تَفْصِيلُهُ رُبَّمَا عَسُرَ مِنْ جُمْلَتِهِ، فَإِعَادَتُهُ بِهَيْئَتِهِ، إِذَا ضَاقَ ذلِكَ، أَسْلَمُ.
فَأَمَّا مَا وَجَدْنَا بُدًّا مِن إِعَادَتِهِ بِجُمْلَتِهِ، مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنَّا إِلَيْهِ، فَلا نَتَولَّى فِعْلَهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الأَوَّلُ، فَإِنَّا نتَوَخَّى أَنْ نُقَدِّمَ الأَخْبَارَ الَّتِى هِىَ أَسْلَمُ مِنَ العُيُوبِ مِنْ غَيْرِهَا وَأَنْقَى، مِنْ أَنْ يَكُونَ نَاقِلُوهَا أَهْلَ اسْتِقَامَةٍ فِى الحَدِيثِ، وَإِتْقَانٍ لِمَا نَقَلُوا، لَمْ يُوجَدْ فِى
ــ
مجهولون انفردوا بروايات لم يُتابعَوا عليها، فقبلهم قوم وأوقفهم (١) آخرون.
قال القاضى: وتفسير شيخنا أبى على، لغرض مسلم وتقسيمه أسْعَدُ لكلام (٢) مسلم من شرح الحاكم، وإن كُنَّا خالفناهما فى التأويل على مسلم كما قدمناه. وأمَّا قولُ الحافظ أبى على: إِنَّ حديث أهل البدع الأثبات الذين لا يَدعْون إلى بدعتهم متفقٌ عليه، فلا يُسَلَّمُ له، بل قد اختلف فى ذلك المحدثون والفقهاء والأصوليون، وسنبين ذلك عند تنبيه مسلم عليه.
قال مسلم: " [أو أَنْ] (٣) يُفصَّل [ذلك] (٤) المعنى من جملة الحديث على اختصاره إذا أمكن ".
وهذا الفصل الذى ذكره- أيضًا- اختلف [فيه] (٥) المحدثون والفقهاء والأصوليون فى اختصار الحديث والتحديث به على المعنى، وفى الحديث بفصل منه دون كماله، فأجاز هذا كُلَّه على الجملة قوم- وهو مذهب مسلم- ومنعه على الجملة آخرون- وهو تَحرى البخارى- ورخص قوم فيما يقع من الكلمات موقع أمثالها كالجلوس عوض القعود والقيام عوض الوقوف (٦) وشبهه، دون ما يمكن أن يختلف اختلافًا ما، وخفَّفَ آخرون الحديث على المعنى فى غير لفظ الرسول ﷺ، ومنعه فى لَفْظِه﵇- وذُكِرَ هذا عن مالك.
وذهب المحققون إلى أن الراوى إذا كان ممن يَسْتَقلُّ بِفَهم الكلام ومعانيه، ويعرف مقاصده، ويُفرق بين الظاهر والأظهر والمحتمل والنَّصّ، فجائز لهذا الحديث على المعنى، إذا لم يحتمل عندَه سواه، وانفهم له فهمًا جليًا معناه. وحكى غيرُ واحد معنى هذا عن مالك وأبى حنيفةَ والشافعى، وكذلك جوزوا الحديث ببعض الحديث إذا لم يكن مُرتبطًا بشىء قبله ولا بعده ارتباطًا يخلُّ بمعناه، وكذلك إن جمع الحديث حكمين أو أمرينِ كلَّ واحد مستقلٍ بنفسه غير مرتبط بصاحبه فله الحديث بأحدِهما، وعلى هذا كافَّةُ الناس ومذاهب الأئِمة، وعليه صنَّفَ المصنفون كُتُبَهمْ فى الحَدِيث على [الأبواب] (٧)، وفصلوا الحديث الواحد أجزاءً بحكمها، واستخرجوا النكت والسنن من الأحاديث الطوال، وهو معنى قول مسلم فى هذا الفصل إلى آخر كلامه، [وعمله البخارى كثيرًا فى صحيحه] (٨)؛
_________________
(١) فى الأصل: ووقفهم.
(٢) فى ت. بكتاب. والسعد: اليمن، اللسان.
(٣) فى ت: وأن.
(٤) و(٥) سقطتا من ت.
(٥) فى ت: الموقوف، وهو خطأ.
(٦) مطموسة فى الأصل، والمثبت من ت.
(٧) سقط من الأصل، واستدرك بسهم بهامش ت.
[ ١ / ٩٤ ]
رِوَايَتِهِم اخْتِلافٌ شَدِيدٌ، وَلا تَخْلِيطٌ فَاحِشٌ. كَمَا قَدْ عُثِرَ فِيهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ المُحَدِّثِينَ، وَبَانَ ذَلِكَ فِى حَدِيثِهِمْ. فَإِذَا نَحْنُ تَقَصَّيْنَا أَخْبَارَ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ النَّاسِ، أَتْبَعْنَاهَا أَخْبَارًا
ــ
ولهذا رُوى الحديثُ الواحدُ عن النبى ﷺ بألفاظٍ مختلفة فى القصة الواحدة، والمقالة الفَذَّةِ، والقضيَّةِ المشهورة من عهد الصحابة فمن بعدهم، لكن لحماية الباب من تَسَلُّطِ من لا يُحْسِنُ، وغَلطِ الجهلة فى نفوسهم، وظنّهم المعرفة مع القصور (١)، يجبُّ سَدُّ هذا الباب؛ إذ فِعْلُ هذا على من لم يبلُغُ درجة الكمال فى معرفة المعانى حرامٌ، باتفاق (٢).
وقوله: " [فإنَّا] (٣) نتوخى الأخبار ": أى نتحرَّى ونقصد، قال الهروى: فلان يتوخَّى الحق ويتأخاه، أى يقصده ويتحراه، وتقول العربُ: خُذْ على هذا الوخى، أى: [على] (٤) هذا القصدُ والصَّواب.
وقوله: " كما قد عُثِرَ فيه " كذا فى الأصل وهو الصحيح ومسَاقُ الكلام، ووقع فى المُعْلِم: " فإن عُثِرَ ".
_________________
(١) فى ت: قصورهم.
(٢) يقول الإمام الشافعى: ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورًا: منها: أن يكون من حَدَّث به ثقة فى دينه، معروفًا بالصدق فى حديثه، عاقلًا لما يُحدِّثُ به، عالمًا بما يُحيلُ معانى الحديث من اللفظ، وأن يكون ممن يؤدى الحديث بحروفه كما سمع، لا يُحدِّثُ به على المعنى، لأنه إذا حدث به على المعنى وهو غيرُ عالم بما يحيل معناه ولم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام، وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يخاف فيه إحالة الحديث. الرسالة: ٣٧. ويقول الإمام ابن عبد البر المالكى: الذى اجتمع عليه أئمة الحديث والفقه فى حال المحدث الذى يقبل نقله ويحتج بحديثه، ويجعل سنة وحكمًا فى دين الله: هو أن يكون حافظًا إن حدث من حفظه، عالمًا بما يحيل المعانى، ضابطًا لكتابه إن حدَّث من كتاب، يؤدى الشىء على وجهه، متيقظًا غير مغفل، وكلهم يستحب أن يؤدى الحديث بحروفه؛ لأنه أسلم له، فإن كان من أهل الفهم والمعرفة جاز له أن يحدّث بالمعنى، وإن لم يكن كذلك لم يجز له ذلك؛ لأنه لا يدرى لعله يحيل الحلال إلى الحرام. التمهيد ١/ ٢٨. وقد عرض ابن الصلاح لتلك المسألة بقوله: هل يجوز اختصارُ الحديث الواحد ورواية بعضه دون بعض؟. ثم أجاب قائلًا: اختلف أهلُ العلم فيه، فمنهم من منع ذلك مطلقًا بناءً على القول بالمنع من النقل بالمعنى مطلقًا، ومنهم من منع ذلك مع تجويزه النقل بالمعنى، إذا لم يكن قد رواه على التمام مرةً أخرى، ولم يعلم أن غيره قد رواه على التمام. ومنهم من جوَّز ذلك وأطلق ولم يُفصل. وقد رويناه عن مجاهد أنه قال: انقُص من الحديث ما شئت ولا تزدْ فيه. قال: والصحيح التفصيلُ، وأنه يجوز ذلك من العالم العارف، إذا كان ما تركه متميزًا عما نقله، غير متعلق به، بحيث لا يختلُ البيان، ولا تختلف الدلالة فيما نقله بترك ما تركه، فهذا ينبغى أن يجوز وإن لم يجز النقلُ بالمعنى؛ لأن الذى تركه- والحالة هذه- بمنزلة خبرين منفصلين فى أمرين لا تعلق لأحدهما بالآخر. ثم هذا إذا كان رفيع المنزلة بحيث لا يتطرقُ إليه فى ذلك تهمةُ نقله أولًا تامًا، ثم نقله ناقصًا، أو نقله أولًا ناقصًا ثم نقله تامًا، فأما إذا لم يكن كذلك فقد ذكر الخطيبُ الحافظ أن من روى حديثًا على التمام وخاف إن رواه مرة أخرى على النقصان، أن يتهم بأنه زاد فى أول مرة ما لم يكن سمعه، أو أنه نسى فى الثانى باقى الحديث لقلة ضبطه وكثرة غلطه، فواجب عليه أن ينفى هذه الظنَّة من نفسه. المقدمة: ٣٣٥.
(٣) فى ت: إنا.
(٤) ساقطة من الأصل.
[ ١ / ٩٥ ]
يَقَعُ فِى أَسَانِيدِهَا بَعْضُ مَنْ لَيْسَ بِالمَوْصُوفِ بِالحِفْظِ وَالإِتْقَانِ، كَالصِّنْفِ المُقَدَّمِ قَبْلَهُمْ، عَلَى أَنَّهُمْ، وَإِنْ كَانُوا فِيمَا وَصَفْنَا دُونَهُمْ، فَإِنَّ اسْمَ السَّتْرِ وَالصِّدِقِ وَتَعَاطِى العِلْمِ يَشْمَلُهُمْ، كَعَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، وَيَزِيدَ بْنِ أَبِى زِيَادٍ، وَلَيْثُ بْنِ أَبِى سُلَيْمٍ، وَأَضْرَابِهِمْ، مِنْ حُمَّالِ الآثَارِ وَنُقَّالِ الأَخْبَارِ.
فَهُمْ وَإِنْ كَانُوا بِمَا وَصَفْنَا مِنَ العِلْمِ وَالسَّتْرِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مَعْرُوفِينَ، فَغَيْرُهُمْ مِنْ أَقْرَانِهِمْ مِمَّنْ عِنْدَهُمْ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الإِتْقَانِ وَالاسْتِقَامَةِ فِى الرِّوَايَةِ يَفْضُلُونَهُمْ فِى الحَالِ، وَالمَرْتَبَةِ، لأَنَّ هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ دَرَجَةٌ رَفِيعَةٌ وَخَصْلَةٌ سَنِيَّةٌ.
أَلا تَرَى أَنَّكَ إِذَا وَازَنْتَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَة الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ، عَطَاءً وَيَزِيدَ وَليْثًا، بِمَنْصُورٍ ابْنِ المُعْتَمِرِ وَسُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدٍ، فِى إِتْقَانِ الحَدِيثِ وَالاِسْتِقَامَةِ
ــ
قال الإمام أبو عبد الله: معناه: اطَّلَع، من قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ (١)، يقال: عَثُرْتُ منه على خيانة، أى اطلعتُ، وأعْثَرتُ غَيْرِى، أى: أطلعته، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِم﴾ (٢)، أى أطلعنا عليهم أهل ذلك الزمن.
قال: وذكر مسلم قومًا مشهورين بالعدل والضبط كمالك وابن عيينة وذكر [أن] (٣) قومًا لا يبلغون إلى رتبتهم فى ذلك [وإن] (٤) لم يخرجوا عن كونهم عدولًا مثل عطاء بن السائب ويزيد بن أبى زياد وليث بن أبى سليم (٥).
قال القاضى: رأيت بعض المعقبين قد تتبَّع عليه ما حكاه عن مسلم [هذا] (٦) مما ليس قول مسلم، فإن مسلمًا لم يذكر فى هذا الفصل مالكًا ولا ابن عُيينة، وإنما ذكر فى القسم الأول أهل الإتقان والاستقامة، وذكر بعدهم صنفًا آخر ذكر أنهم ليسوا موصوفين بالحفظ والإتقان كالصنف الأول، قال: وإن [كانت ذواتُهم] (٧) فيما وصفنا، فاسم الستر [والصدق] (٨) وتعاطى العلم يشملهم (٩) كعطاء بن السائب (١٠) ويزيد بن أبى
_________________
(١) المائدة: ١٠٧.
(٢) الكهف: ٢١.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) من ت، واستدركت فى الأصل بالهامش.
(٥) المعلم ٢/ أ.
(٦) ساقطة من ت.
(٧) فى الأصل: كاينا ذوقهم، وفى ت: وإن كانوا فوَئُهمْ، وما أثبتنا هو مما نرى أنه المقصود والأليق بالعبارة.
(٨) ساقطة من الأصل.
(٩) فى ت: شملهم.
(١٠) هو الإمام الحافظ، محدث الكوفة، كان من كبار العلماء، لكنه ساء حفظه قليلًا فى أواخر عمره. روى عن أنس بن مالك- ولم يثبت أنه سمع منه- وعبد الله بن أبى أوفى وخلق كثير. حدث عنه إسماعيل بن أبى خالد- وهو من طبقته- والثورى، وابن جريج، قال على بن المدينى عن يحيى بن سعيد قال: ما سمعت أحدًا يقولُ فى عطاء بن السائب شيئًا قط فى حديثه القديم، وما حدث سفيان وشعبةُ عنه صحيح، إلا حديثين، كان شعبة يقول: سمعتهما بآخرة عن زاذان. وقال أحمد بن حنبل: عطاء ثقة ثقة، رجل صالح، من سمع منه قديمًا كان صحيحًا، ومن سمع منه حديثًا لم يكن بشىء، مات ﵀ سنة ست وثلاثين ومائة. الطبقات الكبرى ٦/ ٣٣٨، التاريخ الكبير =
[ ١ / ٩٦ ]
فِيهِ، وَجَدْتَهُمْ مُبَايِنِينَ لَهُمْ، لا يُدَانُونَهُمْ لا شَكَ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ بِالحَدِيثِ فِى ذَلِكَ، الَّذِى اسْتَفَاضَ عِنْدَهُمْ مِنْ صِحَةِ حِفْظِ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ وَإِسْمَاعِيلَ، وَإِتْقَانِهِمْ لِحَدِيثِهِمْ.
وَأَنَّهُمْ لمْ يَعْرِفُوا مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ عَطَاءٍ وَيَزِيدَ وَليْثٍ.
ــ
زياد (١)، وليث (٢) بن أبى سليم (٣) وأضرابهم من حمَّال الآثار. هذا لفظه (٤). ثم قال آخرَ الفصل: ألا ترى أنَّكَ إذا وازنت هؤلاء الثلاثة (٥) بمنصور بن المعتمر (٦) وسليمان
_________________
(١) = ٦/ ٤٦٥، والصغير ٢/ ٣٩ للبخارى، الجرح والتعديل ٦/ ٣٣٢، الثقات ٣/ ١٩٠، تهذيب ٧/ ٢٠٣، سير ٦/ ١١٠.
(٢) هو أبو عبد الله الهاشمي الكوفى، الإمام المحدث معدود فى صغار التابعين رأى أنسًا، وروى عن مولاه عبد الله، وأبى جحيفة السُّوائى، وعبد الرحمن بن أبى ليلى، وغيرهم. وإبراهيم النخعى حدَّث عنه شعبة -مع براعته فى نقد الرجال-والثورى، وأبو حمزة السَّكرى، وهثيم، وابن عيينة، وغيرهم قال عبد الله ابن أحمد بن حنبل ليحيى بن معين: ابن يزيد بن أبى زياد دون عطاء بن السائب؟ قال: نعم، ومن سمع من عطاء بن السائب وهو مختلط فيزيد فوق عطاء. الجرح والتعديل ٩/ ٢٦٥. وقال فيه الذهبى: كان من أوعية العلم، وليس هو بالمتقن؛ فلذا لم يحتج به الشيخان سير ٦/ ١٢٩. قلت: أخرج له مسلم فى الأطعمة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى فى جماعة، روى عنه سفيان بن عيينة. رجال صحيح مسلم ٢/ ٣٥٩. خرج له الترمذى وحسن له ما رواه من طريق هشيم، قال ابن حجر: كبر فتغير، تهذيب ١١/ ٣٢٩، التقريب ٢/ ٣٦٥، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائة سير ٦/ ١٢٩.
(٣) هو محدث الكوفة، وأحد علمائها الأعيان، على لين فى حديثه لنقص حفظه، مولى آل أبى سفيان بن حرب الأموى. ولد بعد الستين. حدث عن الشعبىّ، ومجاهد، وطاووس، وغيرهم، معدود فى صغار التابعين. حدث عنه الثورى، وزائدة، وشعبة، وخلق كثير. فيه يقول أحمد بن حنبل: ليث بن أبى سُليم مضطرب الحديث، ولكن حدث عنه الناس. وقال عبد الله بن أحمد: سألت عثمان بن أبى شيبة فقال: سألت جريرًا عن ليث وعطاء بن السائب ويزيد بن أبى زياد، فقال: كان ليث أكثر تخليطًا، ويزيد أحسنهم استقامة. قال عبد الله: فسألت أبى عن هذا، فقال: أقول كما قال جرير. وقال عبد الله: قال لى يحيى بن معين: ليث أضعف من يزيد بن أبى زياد ". مات ليث سنة ثمان وثلاثين ومائة. قال الذهبى: بعض الأئمة يُحسّن لليث، ولا يبلغ حديثُه مرتبة الحسن، بل عدادُه فى مرتبة الضعيف المقارب، فيُروى فى الشواهد والاعتبار، وفى الرغائب والفضائل، أما فى الواجبات فلا. سير ٦/ ١٨٤، وانظر: التاريخ الكبير ٧/ ٢٤٦، التاريخ الصغير ٢/ ٥٧، الجرح والتعديل ٧/ ١٧٧.
(٤) فى الأصل: أسلم.
(٥) وهو ما نقلناه فى الصفحة السابقة.
(٦) فى النسخ التى بأيدينا زيادة: الذين سميناهم عطاء ويزيد وليثًا.
(٧) هو الحافظُ الثبتُ القدوة، أبو عتاب السُّلمىُ الكوفى، أحدُ الأعلام من الطبقة الرابعة من التابعين. يروى عن ربعى بن حِراش، وإبراهيم النخعى، وسعيد بن جبير، وغيرهم من هذه الطبقة. قال فيه الذهبى: ما علمتُ له رحلةٌ ولا رواية عن أحد من الصحابة، وبلا شك كان عنده بالكوفة بقايا الصحابة وهو رجلٌ شابٌ مثل عبد الله بن أبى أوفى، وعمرو بن حريث، إلا أنه كان من أوعية العلم، صاحِبَ إتقان وتأله وخير. سير ٥/ ٤٠٢. حَدَّثَ عنه خلق كثير منهم أيوب السختيانى، وسليمان الأعمش، وشعبة، وسفيان الثورى، ومعمر بن راشد، وإبراهيم بن أدهم، والفضيل بن عياض، وسفيان بن عيينة قال ابن المدينى: إذا حدثك عن منصور ثقة فقد ملأت يديك لا تريد غيره. مات سنة ثلاث وثلاثين ومائة. التاريخ الكبير ٧/ ٣٤٦، الجرح والتعديل ٨/ ١٧٧، سير ٥/ ٤٠٢.
[ ١ / ٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأعمش (١) وإسماعيل بن أبى خالد (٢) فى إتقان الحديث والاستقامة فيه، وجدتهُم متباينين، ثم ذكر أسماءً أخَر من الطبقتين، ولم يجر لمالك ولا ابن عيينة هنا ذكر، وإنما ذكرهما بعد هذا مع أقرانهم فى فصل آخر فى ذمّهم.
الرواية عن الضعفاء. والعذر عن هذا للإمام (٣) ﵀ أحدُ وجهين: إما أن يقال: إن المُعَلق عنه اقتصر على المعنى والمطلوب، ومن الكلام على النكتة، إذ كان المطلوب منهما (٤) سؤال الشيخ بعد كيف يُستجاز هذا التفصيلُ والتمييز ولا يُعدُّ غيبة، والجوابُ عنه على مَا سنَذْكُرهُ من قوله بَعْدُ ونزيدُه وضوحًا إن شاء الله تعالى، أو يكون هو نفسه﵀- قصد ذلك تمثيلًا لا حكايةَ للفظ مسلم، إذ لا فرق بين الكلام على الوضع إذا لم يقصد حكاية اللفظ مع اتفاق المعنى، إذ مالك وابن عُيينة من تلك الطبقة الرفيعة المتقنةِ الحافظةِ بغير خلاف، ومثل هذا مما يتَّضِحُ العذرُ فيه، إذ هو كتاب شرح لا كتاب رواية لفظ.
قال الإمام﵀ (٥) -: إن قيل: كيف استجاز هنا: أن يُقالَ: فلانٌ أَعْدلُ من فلان مع أنه ﷺ قالَ فى الطبيبين: " لولا غيبَتُهُما لأعلمتُكم أيُهما أطبُّ " (٦) قيل: دعت الضرورة [ها هنا] (٧) لذكر [هذا] (٨) لأنه موضع تعليم، والحاجةُ ماسَّةٌ إليه، لأن العلماء إذا تعارضت الأخبار (٩) قدَّموا خبَرَ من كان أعدل وعوَّلوا عليه، وأفتوا [الناس] (١٠) به
_________________
(١) هو عندهم ابن مهران، شيخ الإسلام والمقرئين والمحدثين. أصله من نواحى الرى، رأى أنس بن مالك وحكى عنه، وروى عنه، وعن عبد الله بن أبى أوفى- على معنى التدليس- وإبراهيم النخعى، وخلق كثير من كبار التابعين وغيرهم. روى عنه أيوب السختيانى، وأبو حنيفة، والأوزاعى، وخلق كثير. قال فيه على بن المدينى: له نحو من ألف وثلاثمائة حديث. مات سنة سبع وأربعين ومائة. الجرح والتعديل ٤/ ١٤٦، سير ٦/ ٢٢٦.
(٢) هو أبو عبد الله البجلى، كان محدث الكوفة فى زمانه مع الأعمش، قال الذهبى: بل هو أسند من الأعمش. سير ٦/ ١٧٦. حدث عن عبد الله بن أبى أوفى، وأبى جحيفة السُّوائى، وعمرو بن حُريثٍ المخزومى، وأبى كاهل قيس بن عائذ- ولهم صحبة- وعداده فى صغار التابعين. كذلك روى عن الشعبى، ومحمد بن سعد بن أبى وقاص، وكان من أوعية العلم. روى عنه شعبة، وسفيان، وشريك، وجرير، ووكيع، ويحى القطان. قال فيه على بن المدينى: إنه أعلم الناس بالشعبى وأثبتهم فيه. قال فيه الذهبى: أجمعوا على إتقانه، والاحتجاج به، وحديثه من أعلى ما يكون فى صحيح البخارى. سير ٦/ ١٧٧. مات سنة ست وأربعين ومائة. تاريخ خليفة ٢٣٢، التاريخ الكبير ١/ ٣٥١، سير ٦/ ١٧٨.
(٣) فى الأصل: الإمام.
(٤) فى الأصل: منها.
(٥) سقط عن القاضى قول الإمام: ذكر مسلم قومًا مشهورين بالعدل والضبط كمالك وابن عيينة، وذكر قومًا لا يبلغون إلى مرتبتهم فى ذلك، ولم يخرجوا عن كونهم عدولًا مثل عطاء بن السائب ويزيد بن زياد وثابت بن أبى مسلم. ولعله رأى فيما فصَّل أنه عوض عما أجمله الإمام.
(٦) لم أهتد له، والعجب إهمال القاضى له.
(٧) و(٨) فى الأصل: هنا، والمثبت من المعلم وت.
(٨) فى ت: للأخبار.
(٩) من المعلم. وساقطة من الأصل وت.
[ ١ / ٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولم تدعْ ضرورةٌ إلى ذكر الأطبّ من [هذين] (١) الطبيبين كما دعت مسلمًا ها هنا (٢)، وقد يجوز استرشاد الطبيب الموثوق (٣) بعلمه، المرجوَّ النفع بمداواته، وإن كان هناك أوسَعُ منه علمًا بالطب، ولا يجوز الأخذ برواية الناقص فى العدالة وأن يُقَدَّمَ على رواية الأعدَلِ منه، وقد أجيز التجريحُ للشهود (٤) للضرورة إليه ولم يمنع لكونه غيبةٌ وقال ﷺ. فيمن استُشير فى نكاحه: " إنَّه صُعلوك "، وقال فى الآخر: " [إنه] (٥) لا يضع عصاه عن عاتقه " (٦). ولم ير ذلك غيبة لمَّا كان مستشارًا [فى] (٧) النكاح، ودعَتِ الضرورةُ إليه، وقد اعتذر صاحب الكتاب عن نفسه فى ذلك أَنَّ القصدَ بيانُ منازلهم اتباعًا لقول النبى ﷺ: " أنزلوا الناس منازِلهم " والذى قلناه أبْسَط.
قال القاضى﵀-: حديث: " أنزلوا الناس منازلهم " الذى ذكره مسلم عن عائشة عن النبى ﷺ ولم يسنده، أسنده أبو بكر البزَّار فى مسنده، عن ميمون بن أبى شبيب عن عائشة، عن النبى ﷺ، وذكره أبو داود فى مصنَّفه عن ميمون بن أبى شبيب أيضًا: أن عائشة مَرَّ بها سائلٌ فأعطته كسرةٌ ومر بها رجل [آخر] (٨) عليه ثيابٌ فأقعدته فأكل، فقيل لها فى ذلك، فقالت: قال رسول الله ﷺ: " أنْزِلوا الناسَ منازِلهم ". قال البزَّار: وهذا الحديثُ لا يُعْلمُ عن النبى ﷺ إلا من هذا الوجه، وقد رُوى عن عائشةَ من غير هذا الوجه موقوفًا (٩). ومعنى الحديث بيّنٌ فى إيتاء كل ذى حقٍّ حقَّه، وتبليغه منزلته فى كل باب، كما احتجَّ به مسلم فى تطبيق الرواة وتعريف مراتبهم، ومزية بعضهم على بعض إلا ما ساوى الله بينهم فيه من الحدود والحقوق.
_________________
(١) فى المعلم: ذينك. ولا وجه لها هنا.
(٢) زيدت بعدها فى ت لفظة: " ولا سيما ".
(٣) فى ت: الموثق.
(٤) فى المعلم: للمتهم.
(٥) ساقطة من ت.
(٦) الحديث جزء أخرجه مسلم فى ك الطلاق عن فاطمة بنت قيس، لما ذكرت لرسول الله ﷺ أن معاوية ابن أبى سفيان وأبا جهم خطباها، فقال لها رسول الله ﷺ: " أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، أنكحى أسامة بن زيد " ٣/ ٦٩٢، وسيرد إن شاء الله فى حينه.
(٧) ساقطة من ت.
(٨) ساقطة من الأصل.
(٩) أبو داود فى سننه، ك الأدب، ب فى تنزيل الناس منازلهم ٤/ ٢٦١، وقال أبو داود: " ميمون لم يدرك عائشة "، وذكره السخاوى فى المقاصد وقال: " ورواه ابن خزيمة فى صحيحه، والبزار وأبو يعلى فى مسنديهما، والبيهقى فى الأدب، والعسكرى فى الأمثال، قال: " مداره عندهم على ميمون، فالحديث منقطع " ثم قال: " وبالجملة فحديث عائشة حسن " ٩٣. وفى الكشف للعجلونى قال: " ورواه الخرائطى فى مكارم الأخلاق عن معاذ بلفظ: " أنزلوا الناس منازلهم من الخير والشر " ١/ ٢٤١. وفى اللآلئ: " وأعله أبو داود بأن ميمون لم يدرك عائشة، ورُدَّ عليه بأن ميمونًا هذا كوفى قديم، أدرك المغيرة، والمغيرة مات قبل عائشة، ومجرد المعاصرة كاف عند مسلم ".
[ ١ / ٩٩ ]
وَفِى مثْلِ مَجْرَى هَؤُلاءِ إِذَا وَازَنْتَ بَيْنَ الأَقْرَانِ، كَابْنِ عَوْنٍ وَأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِىِّ، مَعَ عَوْفِ بْنِ أَبِى جَمِيلَةَ وَأَشْعَثَ الحُمْرَانِىِّ وَهُمَا صَاحِبَا الحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ. كَمَا أَنَّ ابْنَ عَوْنٍ وَأَيُّوبَ صَاحِبَاهُمَا، إِلا أَنَّ البَوْنَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ هَذَيْنِ بَعِيدٌ فِى كَمَالِ الفَضْلِ وَصِحَّةِ النَّقْلِ، وَإِنْ كَانَ عَوْفٌ وَأَشْعَثُ غَيْرَ مَدْفُوعَيْنِ عَنْ صِدْقٍ وَأَمَانَةٍ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، وَلكِنَّ الحَالَ مَا وَصَفْنَا مِنَ المَنْزِلَةِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ.
وَإِنَّمَا مَثَّلْنَا هَؤُلاءِ فِى التَّسْمِيَةِ، لِيَكُونَ تَمْثِيلُهُمْ سِمَةً يَصْدُرُ عَنْ فَهْمِهَا مَنْ غَبِىَ عَلَيْه طَرِيقُ أَهْلِ العِلْمِ فِى تَرْتِيبِ أَهْلِهِ فِيهِ، فَلا يُقَصَّرُ بِالرَّجُلِ العَالِى القَدْرِ عَنْ دَرَجَتِهِ، وَلا يُرْفَعُ مُتَّضِعُ القَدْرِ فِى العِلْمِ فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ. وَيُعْطَى كُلُّ ذِى حَقٍّ فِيهِ حَقَّهُ. وَيُنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ.
ــ
وقول مسلم فى هذا الفصل: " إلا أن البَوْنَ بينهما وبين هذين (١) بعيد ": أى الفرق، وأنهما لا يُقَارَنان بهما فى علمهما وفضلهما.
قال صاحب العيْن: البَون مسافة ما بين الشيئين، وهذا مثل قول مسلم فى الفصل نفسه: " وجدتَهم متباينين لا يُدانوهم ". وفى هذا الفصل من قول مسلم " وأضرابهم من (٢) حُمَّال الآثار ".
وجه العربِيَّةِ فيه وضربائهم، إذ لم يأت جمع فعيل على أفعال فى الصحيح إلا [فى] (٣) كلمات قليلة.
وقوله: " وازيتَ هؤلاء " ويروى: " وازنتَ " بالنون ومعناهما قارنتَ ومَثَّلتَ.
وقوله: " غبى عليه طريق العلم " أى خفى، قال ابن القوطية (٤): غبى خفى، وأيضًا قلت فطنته. قال ابن دريد: [فى] (٥) فلان غبوة وغباوة، أى غفلة وحماقة، وقال الخليل (٦): غبى فهو غبٌّ إذا لم يفطن.
_________________
(١) فى ت: هذا.
(٢) ساقطة من الأصل، واستدركت بالهامش.
(٣) ساقطة من الأصل: واستدركت من الهامش بسهم.
(٤) هو علامة الأدب، أبو بكر، محمدُ بن عمرَ بن عبد العزيز الأندلس، القرطبى النحوى، والقوطية هى سارة بنتُ المنذر بن جَسْطية، من بنات ملوك القوط بالأندلس، وقد كانت سارت إلى الشام متظلمةً من عمّها أرطياس، فتزوجها بالشام عيسى بن مزاحم مولى عمر بن عبد العزيز، ثم سافر معها إلى الأندلس، توفى سنة سبع وستين وثلاثمائة. تاريخ علماء الأندلس ٢/ ٧٦، جذوة المقتبس ٧٦، نفح الطيب ٣/ ٧٣.
(٥) ساقطة من الأصل، واستدركت من الهامش بسهم.
(٦) هو الإمام أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدى، صاحب العربية، ومنشئ علم العروض، أحد الأعلام. حدَّث عن أيوب السختيانى، وعاصم الأحول، والعوام بن حوشب، أخذ عنه سيبويه النحو والنضرُ بن شميل، والأصمعى، وآخرون، كان -﵀- مفرط الذكاء، مات سنة بضع وستين ومائة. التاريخ الكبير ٣/ ١٩٩، الجرح والتعديل ٣/ ٣٨٠، تهذيب التهذيب ٣/ ١٦٣، بغية الوعاة ١/ ٥٥٧، سير ٧/ ٤٢٩.
[ ١ / ١٠٠ ]
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّهَا قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُم، مَعَ مَا نَطَقَ بِهِ القُرآنُ مِنْ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (١).
فَعَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الوُجُوهِ، نُؤَلفُ مَا سَأَلتَ مِنَ الأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا عَنْ قَوْمٍ هُمْ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ مُتَّهَمُونَ، أَوْ عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْهُمْ، فَلَسْنَا نَتَشَاغَلُ بِتَخْرِيجِ حَدِيثِهِمْ، كَعَبْدِ اللهِ بْنِ مِسْوَرٍ أَبِى جَعْفَرِ المَدَائِنِىِّ، وَعَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، وَعَبْدِ القُدُّوسِ الشَّامِىِّ، وَمُحَمَّدٍ بْنِ سَعِيدٍ المَصْلوبِ، وَغَياثِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَسُليْمَانَ بْنِ عَمْرٍو وَأَبِى دَاوُدَ النَّخَعِىِّ، وَأَشْبَاهِهِمْ مِمَّنِ اتُّهِمَ بِوَضْعِ الأَحَادِيثِ وَتَوْلِيدَ الأَخْبَارِ.
ــ
وذكر مسلم فى أسماء المتَّهمين عبد القدوس الشامى (٢) رواه العُذْرى بالسين المهملة، وهو خطأ وصوابُه بالمعجمة، وهى رواية الجماعة، وذكر فيهم عبد الله بن مُحْرِزٍ، كذا سمعناه من جماعة شيوخنا عن شيوخهم الرواة للكتاب بحاء ساكنة مهملة وكسر الراء وآخِره زاى، وهو غلط، وصوابهُ مُحَرَّر (٣) بفتح الحاء المهملة ورائين مهملتين أولاهما مفتوحةٌ مشدَّدة، وكذا البخارى فى " تاريخه "، وقَيَّده الأمير أبو نصر بن ماكولا والحافظ الجيانى فى كتابيهما، وكذا وقع فى روايتنا على الصواب هنا عن الفارسى، وجَده فيما سَمِعْتهُ على
_________________
(١) يوسف: ٧٦.
(٢) هو عبد القدوس بن حبيب الوُحاظى الشامى، المحدث. روى عن مجاهد، وعكرمة وأبى الأشعث الصنَعانى والشعبى، والحسن وعطاء، ومكحول، وابن شهاب. وعنه الثورى وعبد الرزاق، وعلى بن الجعد، وحيوة بن شريح. قال الإمام البخارى. يروى عن نافع عن مجاهد، والشعبى ومكحول وعطاء أحاديث مقلوبة التاريخ الكبير ٦/ ١٢٠. وقال فيه الذهبى: اتفقوا على ضعفه، كذبه ابن المبارك، وقال ابن معين: مطروح الحديث. سير ٨/ ١٣٦. ونقل فى الميزان عن عبد الرزاق قوله: ما رأيت ابن المبارك يفصح بقوله كذاب إلا لعبد القدوس. وعن الفلاس: أجمعوا على ترك حديثه، وقال النسائى: ليس بثقة، وعن ابن عدى: أحاديثه منكرة الإسناد والمتن. ميزان ٢/ ٦٤٢، بقى إلى ما بعد السبعين ومائة ..
(٣) هكذا ذكره ابن أبى حاتم ٥/ ١٧٦، والبخارى فى الضعفاء الصغير (٧٠)، أما الذهبى فإنه ذكره فى الميزان بابن المحرر ٢/ ٥٠٠. قال البخارى: منكر الحديث، روى عن قتادة. وقال ابن أبى حاتم فيه: روى عن قتادة، ويزيد بن الأصم. روى عنه أبو نعيم. ثم قال: نا عبد الرحمن قال: قرئ على العباس بن محمد الدورى قال: سمعتُ يحيى بن معين يقول: ابن محرر ليس بشىء ثم نقل عن أبيه بسنده إلى عمرو بن على الصيرفى قال: عبد الله بن محرر متروك الحديث، وقال: نا عبد الرحمن قال: سألت أبى عن عبد الله بن محرر فقال: متروك الحديث، منكر الحديث، ضعيف الحديث، ترك حديثه عبد الله ابن المبارك، سألت أبا زرعة فقال ضعيف الحديث، وامتنع من قراءة حديثه، وضربنا عليه. الجرح والتعديل ٥/ ١٧٦. وقال فيه الذهبى: قال أحمد: ترك الناس حديثه، وقال الجوزجانى: هالك. وقال الدارقطنى وجماعة: متروك. وقال ابن حبان: كان من خيار عباد الله، إلا أنه كان يكذب، ولا يعلم، ويقلب الأخبار ولا يفهم. ميزان ٢/ ٥٠٠، المغنى فى الضعفاء ١/ ٣٥٦. والذى قيده ابن ماكولا إنما هو محرر بن هارون. الإكمال ٧/ ٢١٧.
[ ١ / ١٠١ ]
وَكَذَلِكَ، مَنِ الغَالِبُ عَلَى حَدِيثِهِ المُنْكَرُ أَوِ الغَلطُ، أَمْسَكْنَا أَيْضًا عَنْ حَدِيثِهِمْ.
وَعَلامَةُ المُنْكَرِ فِى حَدِيثِ المُحَدِّثِ، إِذَا مَا عُرِضَتْ رِوَايَتُهُ للحَدِيثِ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الحِفْظِ وَالرِّضَا، خَالَفَتْ رِوَايَتُهُ رِوَايَتَهُمْ أَوْ لَمْ تَكَدْ تُوَافِقُهَا. فَإِذَا كَانَ الأَغْلَبُ مِنْ حَدِيثِهِ كَذَلِكَ، كَانَ مَهْجُورَ الحَدِيثِ، غَيْرَ مَقْبُولِهِ وَلا مُسْتَعْمَلِهِ.
فَمِنْ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ المُحَدِّثِينَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَرَّرٍ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِى أُنَيْسَةَ، وَالجَرَّاحُ ابْنُ المِنْهَالِ أَبُو العَطُوفِ، وَعَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ، وَحُسَيْنُ بْنُ عَبْدُ اللهِ بْن ضُمَيْرَةَ، وَعُمَرُ بْنِ صُهْبَانَ، وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ فِى رِوَايَةِ المُنْكَرِ مِنَ الحَدِيثِ، فَلسْنَا نُعَرِّجُ عَلَى حَدِيثِهِمْ. وَلا
ــ
سفيان بن العاصى عن الشاشى (١) عنه، وكذا سمعناه من جماعة شيوخنا فى كتاب مسلم بعد هذا بيسير فى حديث [عبد الله بن المبارك] (٢) وذكره له فى " الضعفاء " إلا فيما حدثنا به القاضى الشهيد أبو على [عن العبدى] (٣) فإنه قال فيه: محرّز كما رووه هنا.
وذكر [مسلم] (٤) رواية المنكر من الحديث ومن تقبل روايته (٥) ومن يطرح. اختلف الناس فى الراوى الثقة إذا انفرد بزيادة فى الحديث عن سائر رواة شيخه، فذهب مُعظم الفقهاء [والأصوليين] (٦) والمحدثين إلى قبول زيادته (٧) وذهب بعض أصحاب الحديث إلى ردّها، وهو مذهب معظم أصحاب أبى حنيفة (٨)، وكذلك (٩) جاء اختلافُهم متى أسنَدَ الحديث واحد وأرسله الباقون، وأكثر المحدثين على ردّ هذا الوجه، والصواب فى ذلك كله ما ذهب
_________________
(١) فى الأصل بالمهملتين.
(٢) و(٣) سقطتا من ت.
(٣) مطموسة فى الأصل.
(٤) فى ت: قلادته، وهو خطأ.
(٥) مطموسة فى الأصل.
(٦) وهو مذهب ابن حبان والحاكم. الإحسان ١/ ٨٦، صرفة علوم الحديث ١٣٠. وقد نقل ابن الصلاح عن يونس بن عبد الأعلى قال: قال لى الشافعىرضي الله عنه-: ليس الشاذ من الحديث أن يروى الثقة ما لا يروى غيرُه، إنما الشاذ أن يروى الثقة حديثًا يخالف ما روى الناس. قال: وحكى الحافظ أبو يعلى الخليلى القزوينى نحو هذا عن الشافعى وجماعة من أهل الحجاز ثم قال- يعنى الحافظ أبو يعلى-: الذى عليه حفاظ الحديث أن الشاذ: ما ليس له إلا إسنَادٌ واحد، يشذُّ بذلك شيخٌ ثقةً كان أو غير ثقة، فما كان عن غير ثقةٍ فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقةٍ يتوقف فيه ولا يحتج به. المقدمة ١٧٣.
(٧) أما الإمام فإنه يقبلها كالشافعى بشرط سكوت الباقين البرهان ١/ ١٨٧. يطلق كثير من المتقدمين كأحمد وأبى داود والنسائى النكارة على مجرد التفرد، يقول ابن الصلاح: " وإطلاق الحكم- المنكر- على التفرد بالرد، أو النكارة، أو الشذوذ، موجود فى كلام كثير من أهل الحديث " المقدمة: ١٨٠. وقال السيوطى فى " بلوغ المأمول فى خدمة الرسول " ﷺ: وصفَ الذهبىُّ فى الميزان عدَّةَ أحاديث فى مسند الإمام أحمد، وسنن أبى داود، وغيرهما من الكتب المعتمدة، بأنها منكرة، بل وفى " الصحيحين " أيضًا، وما ذاك إلا لمعنى يعرفه الحفَّاظ، وهو أن النكارة ترجع إلى الفردية، ولا يلزم من الفردية ضعفُ متن الحديث، فضلًا عن بطلانه، الحاوى ٢/ ٢١٠. وعلى ذلك فقول المتقدمين فى الحديث: " هذا حديث منكر " يغاير اصطلاح المتأخرين فى المنكر أنه الحديث الذى رواه ضعيف مخالفًا الثقة، وأن الأول لا يطرح حديثه حتى تكثر المناكيرُ فى روايته. انظر: فتح المغيث ١٦٢.
(٨) فى ت: وكذا.
[ ١ / ١٠٢ ]
نَتَشَاغَلُ بِه. لأنَّ حُكْمَ أَهْلِ العِلْمِ، وَالذِى نَعْرِفُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ فِى قَبُولِ مَا يَتَفَرَّدُ بِهِ المُحَدِّثُ مِنَ الحَدِيثِ، أَنْ يَكُونَ قَدْ شَارَكَ الثِّقَاتِ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَالحِفْظِ فِى بَعْضِ مَا رَوَوْا، وَأَمْعَنَ فِى ذَلِكَ عَلَى المُوَافَقَةِ لهُمْ، فَإِذَا وُجِدَ كَذَلِكَ، ثُمَّ زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا ليْسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ، قُبِلتْ زِيَادَتُهُ.
ــ
إليه أهل التحقيق من الفريقين، وأشار إليه مسلم فى هذا الفصل من جواز قبوله إذا كان الراوى شارك الثقات فى الحفظ والرواية، بخلاف إذا لم يُشاركهم ولا وافقهم فيما رووه، ثم انفرد هو برواية الكثير مما لم يرووه عن أشياخهم ولا عرفه أولئك المشاهير من حديثهم فهذا ينكر ولا يقبل (١)، وتُسْترابُ جملة حديثه ويترك، لتهمتنا [له، إ] (٢) ما لسوء (٣) الحفظ والوهم، أو التساهل، بخلاف الزيادة فى الحديث نفسه أو رواية الحديث الواحد من هذا الفن، فإن مثل هذا يُقبَل منه، لثقته، فإن ظهر فيها وهم (٤) لم يقدح فى عدالته (٥) واحتمل لصحة حديثه واستقامة روايته لغيره، وقد بين مسلم الغرض فيه وأجاد (٦)، وحملنا زيادته هذه التى لم نر ما (٧) يُبطلها ويُعارضُها على أنه حفظ ما لم يحفظ غيرُه وضبط ما لم يضبط أصحابُه (٨)، وعلى هذا ثبت زيادةُ الشاهد على غيره من
_________________
(١) ذكره ابن حبان فى كتابه " المجروحين " فى النوع الثالث عشر من أنواع جرح الضعفاء فقال: " هو من كثر خطؤه وفحش، وكاد أن يغلب صوابه، فاستحق الترك من أجله وإن كان ثقة فى نفسه، صدوقًا فى روايته، لأن العدل إذا ظهر عليه أكثر أمارات الجرح استحق الترك، كما أن من ظهر عليه أكثر علامات التعديل استحق العدالة. ثم نقل بإسناده عن عبد الرحمن بن مهدى قوله: " قلت لشعبة: من الذى يُترك الرواية عنه؟ قال: إذا أكثر عن المعروفين من الرواية ما لا يُعرف، أو أكثر الغلط ". ومثل لذلك بسؤال مُضر بن محمد الأسوى ليحيى بن معين عن إسماعيل بن عياش فقال له: " إذا حدَّث عن الشاميين فحديثه صحيح، وإذا حدَّث عن العراقيين أو المدنيين خلط ما شئت " المجروحين ١/ ٧٦، ٧٧.
(٢) مطموس فى الأصل.
(٣) فى ت: بسوء.
(٤) فى الأصل: وهمه، وما أثبتناه من ت، وهو الأليق بالسياق. المغيث.
(٥) العدالة- كما يقول صاحب توجيه النظر- كالضبط، تقبل الزيادة والنقصان والقوة والضعف. والعدالة والضبط إما أن ينتفيا عن الراوى، أو توجد فيه العدالة وحدها، أو الضبط وحده، فإن انتفيا من الراوى لم يقبل حديثه مطلقًا، وإن اجتمعا فيه قبل حديثه وكان صحيحًا، وإن وجدت فيه العدالة دون الضبط توقف فيه على شاهد منفصل يجبر ما فات من ضبطه، وإن وجد فيه الضبط دون العدالة لم يقبل حديثه، لأن العدالة هى الركن الأكبر فى الرواية. توجيه النظر: ٣٠ - ٣٥. قال الحافظ السخاوى: " مجرد الوصف بحافظ أو ضابط غير كاف فى التوثيق، فالوصف المعتبر بهما لا يكون إلا فى عَدْل. ص ١٥٧ بتصرف يسير. ثم إن وقوع الوهم أو الأوهام اليسيرة لا يخرج الثقة عن كونه كذلك جاء فى لسان الميزان عن يحيى بن معين: " من لا يخطئ فى الحديث- أى من زعم لنفسه ذلك- فهو كذاب " ١/ ١٧.
(٦) قيد بعدها فى ت: لصحة حديثه، ولا نرى لها هنا موضعًا.
(٧) فى ت: من.
(٨) قال الذهبى فيما نقله اللكنوى عنه: الثقةُ الحافظ إذا انفرد بأحاديث كان أرفع وأكمل رتبةً، وأدلَّ على =
[ ١ / ١٠٣ ]
فَأَمَّا مَنْ تَرَاهُ يَعْمِدُ لِمِثْلِ الزُّهُرِىِّ فِى جَلالتِهِ وَكَثْرَةِ أَصْحَابِهِ الحُفَّاظِ المُتْقِنِينَ لِحَدِيثِهِ وَحَدِيثِ غَيْرِهِ، أَوْ لِمِثْلِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَحَدِيثُهُمَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مَبْسُوطٌ مُشْتَرَكٌ، قَدْ نَقَلَ أَصْحَابُهُمَا عَنْهُمَا حَدِيثَهُمَا عَلَى الإِتَّفَاقِ مِنْهُمْ فِى أَكْثَرِهِ، فيَرْوِى عَنْهُمَا أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا العَدَدَ مِنَ الحَدِيثِ، مِمَّا لا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابهِمَا، وَليْسَ مِمَّنْ قَدْ شَارَكَهُمْ فِى الصَّحِيحِ مِمَّا عِنْدَهُمْ، فَغَيْرُ جَائِزٍ قَبُولُ حَدِيثِ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ النَّاسِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
ــ
الشهداء معه ما لم تكن الشهادتان فى صورة المعارضة. وعلى هذا ما ألفَ أئمة الحديث الغرائبَ والأفراد من الحديث وعدُّوه فى الصحيح.
فأما متى جاء ما يعارضه وروت الجماعةُ خلافَه فالرجوع إلى قول الجماعة والحفَّاظ أولى من باب الترجيح، وهذا أيضًا أصل فى الشهادة المتعارضةِ فى مُراعاة الأعدل على المشهور.
واختلف المذهب (١) [فى الترجيح] (٢) فيها بالكثرة.
_________________
(١) = اعتنائه بعلم الأثر وضبطه دون أقرانه لأشياء ما عرفوها، إلا أن يتبين غلطُهُ ووهمه فى الشىء فيعرف بذلك، وإنَّ تَفَرُّدَ الثقةِ المتقن يُعَدُّ صحيحًا غريبًا. الرفع والتكميل: ١٦٠، ١٦١. ثم إن الفرق بين تفرد الراوى بالحديث من أصله وبين تفرده بالزيادة- فيما ذكره الحافظ ابن حجر فى نكته- أن تفرده بالحديث لا يلزم منه تطرق السهو والغفلة إلى غيره من الثقات إذ لا مخالفة فى روايته لهم، بخلاف تفرده بالزيادة، إذا لم يروها من أتقن منه حفظًا، وأكثر عددًا، فالظن غالب بترجيح روايتهم على روايته، ومبنى هذا الأمر على غلبة الظن. النكت ٢/ ٦٩١. وها هنا بحث نفيس لابن الصلاح وابن حجر فى هذه المسألة، يحسن بنا إيراده وذكره، قال﵀-: ومذهب الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث فيما حكاه الخطيب أبو بكر أن الزيادة من الثقة مقبولة إذا تفرد بها، سواء كان ذلك من شخص واحد- بأن رواه ناقصًا مرةً ورواه مرةً أخرى وفيه تلك الزيادة- أو كانت الزيادة من غير من رواه ناقصًا، خلافًا لمن رد من أهل الحديث ذلك مطلقًا، وخلافًا لمن ردَّ الزيادة منه وقبلها من غيره. قال: وقد رأيت تقسيم ما ينفرد به الثقة إلى ثلاثة أقسام: أحدها: أن يقع مخالفًا منافيًا لما رواه سائر الثقات، فهذا حكمه الرد، لأنه يصير شاذًا. الثانى: ألا يكون فيه منافةً ومخالفةً أصلًا، لما رواه غيره، كالحديث الذى تفرد بروايته جملة ثقة، ولا تعرض فيه .. لما رواه الغيرُ بمخالفة أصلًا فهذا مقبول، لأنه جازم بما رواه، وهو ثقة، ولا معارض لروايته، لأن الساكت عنها لم ينفها لفظًا ولا معنى، لأن مجرد سكوته عنها لا يدل على أن راويها وهم فيها- على أن يكون راويه عدلًا، حافظًا، موثوقًا بإتقانه وضبطه. الثالث: ما يقع بين هاتين المرتَبتين، مثل زيادة لفظة فى حديث لم يذكرها سائرُ من روى ذلك الحديث. يعنى وتلك اللفظة توجب قيدًا فى إطلاق، أو تخصيصًا لعموم ففيه مغايرة فى الصفة، ونوع مخالفة يختلف الحكم بها. فهو يشبه القسم الأول من هذه الحيثية، ويشبه القسم الثانى من حيث إنه لا منافاة فى الصورة. النكت ٢/ ٦٨٧.
(٢) يعنى به المذهب المالكى. راجع: المدونة الكبرى ١٢/ ١٦٠ فى شهادة الشاهد على الشاهد.
(٣) فى ت: بالترجيح.
[ ١ / ١٠٤ ]
قَدْ شَرَحْنَا مِنْ مَذْهَبِ الحَدِيثِ وَأَهْلِهِ بَعْضَ مَا يَتَوَجَّهُ بِه مَنْ أَرَادَ سَبِيلَ القَوْمِ، وَوًفِّقَ لهَا. وَسَنَزِيدُ، إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، شَرْحًا وَإِيضَاحًا فِى مَوَاضِعَ مِنَ الكِتَابِ عِنْدَ ذِكْرِ الأَخْبَارِ المُعَلَّلةِ، إِذَا أَتَيْنَا عَليْهَا فِى الأَمَاكِنِ التِى يَلِيقُ بِهَا الشَّرْحُ وَالإِيضَاحُ، إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى.
وَبَعْدُ - يَرْحَمُكَ اللهُ - فَلوْلا الذِى رَأَيْنَا منْ سُوءِ صَنِيعِ كَثِيرٍ مِمَّنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ مُحَدِّثًا، فِيمَا يَلزَمُهُمْ مِنْ طَرْحِ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ، وَالرِّوَايَاتِ المُنْكَرَةِ، وَتَرْكِهِمْ الاِقْتِصَارَ عَلَى الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ المَشهُوَرَةِ، مِمَّا نَقَلهُ الثِّقَاتُ المَعْرُوفُونَ بِالصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ، بَعْدَ مَعْرِفَتِهِم وَإِقْرَارِهِمْ بِأَلَسِنَتِهِمْ، أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا يَقْذِفُونَ بِهِ إِلى الأَغْبِيَاءِ مِنَ النَّاسِ هُوَ مُسْتَنْكَرٌ، وَمَنْقُولٌ عَنْ قَوْمٍ غَيْرِ مَرْضِيِّينَ، مِمَّنْ ذَمَّ الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ أَئِمَّةُ أَهْلِ الحَدِيثِ، مِثْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَشُعْبَةَ بْنِ الحَجَّاجِ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِىٍّ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الأَئِمَّةِ - لِمَا سَهُلَ عَليْنَا الاِنْتِصَابُ لِمَا سَأَلتَ مِنَ التَمْيِيزِ وَالتَحْصِيلِ.
ــ
وقوله: " بما يتوجه به من أراد سبيل القوم ": أى يقصد طريقهم ويسلك مذهبَهم قال الله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ (١). وقال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ (٢): أى قصدك.
وقوله: " وسنزيد- إن شاء الله- شرحًا وإيضاحًا عند الأخبار المعللة ": قيل: هذا الكلام الذى وعد به ليس منه شىء فى الكتاب، وأنَّه مما أخترمَته المنيَّةُ قبل جمعه، إذ ما أدخله فى كتابه من الصحيح المتفق عليه ليس يحتاج إلى شىء من الكلام [عليه] (٣) لعلو رتبته، وقلة غلط رواته، وحفظهم وإتقانهم، وقد قدمنا الكلام عليه، وأنه قد ذكره فى أبوابه.
وقوله: " يقذفون به إلى الأغبياء ": أى يلقون ذلك إليهم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ (٤)، وقد يكون " يقذفون " بمعنى: يقولون ما لا يعلمون، كما
_________________
(١) الأنعام: ٧٩.
(٢) الروم: ٣٠.
(٣) ساقطة من ت.
(٤) الأنبياء: ١٨.
[ ١ / ١٠٥ ]
وَلكِنْ مِنْ أَجْلِ مَا أَعْلَمْنَاكَ مِنْ نَشْرِ القَوْمِ الأَخْبَارَ المُنْكَرَةَ، بِالأَسَانِيدِ الضِّعَافِ المَجْهُولةِ، وَقَذْفِهِمْ بِهَا إِلى العَوَامِّ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ عُيُوبَهَا، خَفَّ عَلَى قُلوبِنَا إِجَابَتُكَ إِلَى مَا سَأَلتَ
ــ
قال تعالى: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (١).
واختلفت روايات شيوخنا فى هذا الحرف الآخر، وصوابه: الأغبياء بالغين المعجَمة والباء بواحدة تحتها، وهى روايتنا من طريق السمرقندى، ومعناه: الجهلة الأغفال، ويدل عليه قوله آخر الفصل: " وقذفهم بها إلى العوام ".
_________________
(١) سبأ: ٥٣.
[ ١ / ١٠٦ ]