لما كان موضوع " الإكمال " هو إكمال عمل الإمام المازرى فى شرحه لصحيح مسلم وتهذيب ما تم منه، فقد وجدت بتتبعى له فى عمله أنه لزم لذلك منهجًا تمثل فيما يلى:
١ - يفصل كثيرًا مما أجمله الإمام من مذاهب العلماء فى النص (١).
٢ - الأصل فى عمله أن يأتى كلامه بعد كلام الإمام المازرى فى الحديث، إلا أنه كان أحيانًا يفسر ما جاء فى الحديث أولًا، ثم ينقل كلام الإمام، وهذا إذا كان التفسير قليلًا (٢).
٣ - ما تركه الإمام من أجزاء فى الحديث بغير تعليق أو شرح فإن القاضى يبدأ به، وذلك كما فى حديث: " أيما عبد أبق من مواليه "، فالإمام لم يتحدث فيه إلا عن جزء قبول الصلاة (٣)، ومن هنا فإن القاضى بدأ كلامه ببيان معنى الإباق.
٤ - يترك الكلام على الحديث إذا لم يكن عنده ما يضيفه إلى كلام الإمام، وذلك ما وقع منه فى حديث: " لا تقنطوا من رحمة الله ".
٥ - حيث يسوق شاهدًا لمعنى فإنه يتولى غالبًا بيان المراد من بقيته.
٦ - يرجح بين الروايتين الصحيحتين بمقتضى السياق اللغوى.
ففى حديث: " تعين صانعًا أو تصنع لأخرق " قال القاضى: " روايتنا فى هذا الحديث: (ضايعًا) من طريق هشام أولًا بالضاد المعجمة وبالياء بعد الألف، وكذلك فى الحديث الآخر من جميع طرقنا عن مسلم من حديث هشام والزهرى، إلا من رواية أبى الفتح الشاشى عن عبد الغافر الفارسى، فإن شيخنا أبا بحر حدثنا عنه فيهما بالصاد المهملة، وهو صواب الكلام لمقابلته بأخرق، وإن كان المعنى من جهة معونة الصانع أيضًا صحيحًا " (٤). وهذا منهجه فى عمله فى هذا الكتاب وفى غيره، ففى كتاب " مشارق الأنوار " يقول فى رواية: " حتى سمعت غطيطه أو خطيطه ": " الغطيط صوت نَفَس النائم عند استثقاله من منخره، ولا معنى للخطيط وهو وهم ".
٧ - يستفيد من النسخ المغايرة لنسخة مسلم المعتمدة لديه؛ لبيان سبب الحديث وكشف عباراته.
_________________
(١) إكمال، لوحة ٣٠/ ب.
(٢) راجع: لوحة ٢٤/ ب.
(٣) راجع نووى على مسلم ١/ ٣٢٦.
(٤) إكمال، لوحة ٢٧/ ب، وانظر: مشارق الأنوار ١/ ٢٣٥، ٢٤٢.
[ ١ / ٣٥ ]
٨ - فى تحقيقه لدقائق المسائل، فإنه لا يكتفى فيها ببيان نظره فيها، بل يعرضها على أهل التحقيق من شيوخه، ولهذا كثيرًا ما نراه يردد أن هذا مستفاد من متقنى شيوخنا (١).
٩ - إذا كثر الاختلاف فى أصل الاشتقاق للمصطلح الشرعى استعان على تصويب ما يختار بسير القدامى، ومطالعة الآثار القريبة المعنى بها، مع استقراء كلام العرب وأشعارها فيه، وذلك مثل ما جاء فى كلمة الصلاة، حيث يقول: " كلام العرب وأشعارها أن الصلاة كانت عندهم معلومة على هيئتها عندنا، من أفعال وأقوال، ودعاء، وخضوع وسجود، وركوع. وقد تنصَّر كثير منهم وتهوَّد وتمجَّس، وتقربوا بالصلوات والعبادات، وجاوروا أهل الديانات، وداخلوا أهل الملل، ووفد أشرافهم على ملوكهم، وألفت قريش رحلة الشتاء والصيف إلى بلادهم، وثابر كثير منهم على بقايا عندهم من دين إبراهيم، وعرفوا السجود والركوع والصوم والحج والعمرة والاعتكاف، وحجوا كل عام واعتمروا، وحضوا على الصدقة، وصاموا عاشوراء، ومن طالع أخبارهم ودرس أشعارهم علم ذلك منهم ضرورة، فجاء الشرع بهذه العبادات وهى عندهم معلومة مفهوم المراد منها " (٢).
وذلك ليصل إلى أنه متى أعطيت هذه الألفاظ من البحث حقها، وجدت عند المخاطبين بها لأول ورودها من أهل الشريعة معروفة المعنى على ما جاءت به من أفعال مخصوصة وعبارات مقررة، إلا ما غير الشرع فيها من بدع الجاهلية، أو نسخ من شرائع من تقدم من الكتابية " (٣).
١٠ - يميل كثيرًا إلى الاختصار فى عرض المسائل الفقهية المتصلة بالحديث.
١١ - مراعاة الدقة فى وصف حالة التحمل، وذلك مثل قوله: " كذا وجدته بخط شيخنا الشهيد متقنًا فى تاريخ البخارى " (٤).
١٢ - إذا نقل عن أحد من الأئمة قولًا فى مسألة - المعنى فيه محتمل لغيره - أورد المعانى المحتملة بصيغة غير ملزمة، كقوله فى قول مالك: لا يؤخذ الحديث عن صاحب هوى يدعو إلى هواه. قال: " فانظر اشتراطه الدعاء، هل هو ترخيص فى الأخذ عنه إذا لم يدع؟ أو أن البدعة سبب لتهمته أن يدعو الناس إلى هواه؟، أى لا تأخذوا عن ذى بدعة، فإنه ممن يدعو إلى هواه، أو أن هواه يحمله أن يدعو إلى هواه
_________________
(١) وقد طالعت بهذا أهل التحقيق من شيوخى فما رأيت منهم منصفًا ردَّه.
(٢) إكمال، لوحة ٥/ أ، لوحة ٧٨/ ب.
(٣) إكمال، لوحة ٧٨ ب.
(٤) إكمال، لوحة ٥/ أ.
[ ١ / ٣٦ ]
فتهمته لذلك؟ وهذا المعروف من مذهبه " (١).
١٣ - أنه شديد العناية ببنية الكلمة وسلامة معناها " لذلك نراه:
أ- يرجع إلى أهل اللغة أولًا فى بيان معانى الألفاظ، كقوله فى تفسير " السبحات ": " هى تلك الحجب التى ذكر من النور والنار وجلال الملكوت وعظيم القدرة، لو كشفها لأحرقت كل من رآها "، ويتأول فى ذلك ما يتأول فى قوله: ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾: " وفى تسميته (نورًا) يستقيم المعنى الحقيقى، وينطبق على اللفظ العربى، وعلى تفسير أهل اللغة التى لا بد لنا من الرجوع إليهم فى معانى هذه الألفاظ " (٢).
ب- فى شرحه لمفردات الحديث يسترسل له بإيراد الشواهد لها من كتاب الله تعالى وأمثالها من الحديث النبوى.
جـ- يعرض ما للفظة من روايات لغوية متعددة، ثم يقيم تلك الروايات بردها أولًا إلى الاصول اللغوية والقواعد النحوية، ومثال ذلك فيما جاء فى عرضه للفظة " مربيد " الذى قال فيه بعض العلماء أنه شدة البياض فى السواد، علق على هذا بقوله:
" إن هذا يقال له: أبلق، والرّبْدة: هى شىء فى بياض يسير يخالط السواد كلون النعام "، ثم ساق ما عنده من روايات تؤكد هذا (٣).
١٤ - يعزو القول إلى قائله، سواء فى السند أو المتن.
١٥ - شديد العناية بضبط المختلف فيه من رجال السند.
١٦ - يلزم دائمًا الاعتدال عند تناول القضايا العلمية إذا كانت بعيدة عن المباحث المذهبية، وما عدا ذلك فهو شديد الميل للانتصاف لمذهب مالك، وإن انتقد عليه أحيانًا وانتصر لغيره (٤)، حيث يقول: " واضطرب مذهبنا على هذه الأقوال " (٥).
١٧ - إذا عرض له ما يستوجب التصحيح فى السند، عجَّل بالتنبيه عليه قبل الفراغ من الحديث فى المتن (٦).
١٨ - لا يمنعه إجلاله للإمام من أن يعقب ويستدرك عليه ويصحح له ما وقع فى كلامه من أوهام وأخطاء، فحين قال الإمام - مثلًا - فى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا
_________________
(١) إكمال، لوحة ٥/ ب.
(٢) إكمال، لوحة ٤٦/ أ.
(٣) إكمال، لوحة ٣٧/ أ.
(٤) راجع فى ذلك: إكمال، لوحة ٨٢/ ب.
(٥) إكمال، لوحة ٦/ أ.
(٦) راجع فى ذلك: إكمال، لوحة ٥/ أ.
[ ١ / ٣٧ ]
وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْم﴾ (١): وقول الصحابة فيها لما أنزلت لرسول الله ﷺ: " وأينا لم يظلم نفسه" يدل بظاهره عند بعض أهل الأصول على أنهم كانوا يقولون بالعموم، لأن الظلم عندهم يعم الكفر وغيره، فلهذا أشفقوا، قال القاضى: " الظلم فى كلام العرب وضع شىء فى غير موضعه، وقد يقع الظلم بمعنى النقص، وقد قيل ذلك فى قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ (٢) " ثم قال: " وليس يظهر لى فى هذا الحديث حجة للعموم " (٣) إلخ. ولما مال إلى تفسير مسلم لبعض ألفاظ حديث الفتن " كالكوز مجخيًا " وقال: وقع تفسير ذلك فى كتاب مسلم، فال القاضى: " ما وقع من التفسير فى (الأم) مما ذكره مسلم، فى بعضه تلفيق، وفى بعضه تصحيف " (٤).
١٩ - حيث يقدم المعلم الحديث عن السند فى الشرح والبيان، فإن " الإكمال " يؤخره.
٢٠ - حرصَ على ترتيب مسائل " المعلم " وفق ترتيب الصحيح لمسلم، فتراه يقول حين يجد الإمام قدّم حديثًا فى التعرض له عن غيره: " وليس هذا بموضعه " (٥).
٢١ - يعمد إلى إسناد المعانى المستنبطة إلى أول قائل لها، مثل قوله: " وحكى لنا بعض شيوخنا عن القاضى أبى الوليد الوقشى، وكان أكثر اعتناءً بأمثال هذه الألفاظ المشكلة إلخ " (٦).