قال ابن الصلاح: وهذا الفوت فى ثلاثة مواضع مختلفة فى أصول معتمدة:
فأولها: فى كتاب الحج فى " باب الحلق والتقصير " حديث ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله ﷺ قال: " رحِمَ الله المحلقين " برواية ابن نمير، فشاهدت عنده فى أصل الحافظ أبى القاسم الدمشقى بخطه ما صورته: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان عن مسلم قال: حدثنا ابن نمير، حدثنا أبى، حدثنا عبيد الله بن عمر الحديث (٣)، وكذلك فى أصل بخط الحافظ أبى عامر العبدرى، إلا أنه قال: حدثنا أبو إسحاق.
وشاهدت عنده فى أصل قديم مأخوذ عن أبى أحمد الجلودى ما صورته: من ها هنا قرأت على أبى أحمد حدثكم إبراهيم عن مسلم، وكذا كان فى كتابه إلى العلامة.
قال ابن الصلاح: وهذه العلامة هى بعد ثمانية أوراق أو نحوها عند أول حديث ابن عمر: " أن رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر كبَّر ثلاثًا " (٤).
وعندهم فى الأصل المأخوذ عن الجلودى ما صورته: إلى ها هنا قرأت عليه - يعنى على الجلودى - عن مسلم، ومن هاهنا قال: حدثنا مسلم وفى أصل الحافظ أبى القاسم عندها بخطه، من هنا يقول: حدثنا مسلم وإلى هنا شك (٥).
_________________
(١) و(٢) صيانة صحيح مسلم: ١١١ والإجازة هى إذن الشيخ للطالب أن يروى عنه كتابه أو مروياته بغير سماع من الطالب أو إسماع انظر: إرشاد طلاب الحقائق ١/ ٣٧٢، المقدمة لابن الصلاح ١٣٦، تدريب الراوى ٢/ ٢٩.
(٢) عنوان الباب فى نسخة النووى: تفضيل الحلق على التقصير وجواز التقصير ٣/ ٤٣٦.
(٣) الكتاب السابق، باستحباب إذا ركب دابته ٣/ ٤٨٨، وهذا القدر بلغ مائة حديث وواحدًا.
(٤) وبلغ هذا القدر مائة وتسعة وثلاثين حديثًا، شمل كتاب الوصايا، وكتاب النذر، وكتاب الإيمان، وصحبة الماليك وسبعة أحاديث من كتاب القسامة نووى على مسلم ٤/ ١٥٧: ٢٣٠.
[ ١ / ٤٩ ]
الفائت الثانى لإبراهيم: أوله أول الوصايا قول مسلم حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، ومحمد بن المثنى - واللفظ لمحمد بن المثنى - فى حديث ابن عمر: " ما حق امرئ مسلم له شىء يريد أن يوصى فيه إلى قوله فى آخر حديث: رواه فى قصة حويصة ومحيصة فى القسامة: حدثنى إسحاق بن منصور، أخبرنا بشر بن عمر، قال: سمعت مالك بن أنس " الحديث، وهو مقدار عشرة أوراق (١)، ففى الأصل المأخوذ عن الجلودى، والأصل الذى بخط الحافظ أبى عامر العبدرى ذكر انتهاء هذا الفوات عند أول هذا الحديث، وعود إبراهيم: حدثنا مسلم.
الفائت الثالث: أوله قول مسلم فى أحاديث " الإمارة والخلافة ": حدثنى زهير بن حرب، حدثنا شبابة حديث أبى هريرة عن النبى ﷺ: " إنما الإمام جنة " ويمتد إلى قوله فى كتاب الصيد والذبائح: حدثنا محمد بن مهران الرازى حدثنا أبو عبد الله حماد بن خالد الخياط حديث أبى ثعلبة الخشنى: " إذا رميت بسهمك " (٢).
فمن أول هذا الحديث عاد قول إبراهيم: حدثنا مسلم.
وهذا الفوت أكبرهما، وهو نحو ثمانى عشرة ورقة، وفى أوله بخط الحافظ الكبير أبى حازم العبدوى النيسابورى - وكان يروى عن محمد بن يزيد العدل عن إبراهيم ما صورته من هنا يقول إبراهيم قال مسلم. وهو فى الأصل المأخوذ عن الجلودى. وأصل أبى عامر العبدوى وأصل أبى القاسم الدمشقى بكلمة عن (٣).
وعلى ذلك فإنه يصير من البين هنا أن نسخة الصحيح لمسلم قد اتصل إسناد القاضى لها اتصالًا قويًا لمعظمها، والقليل منها - وإن لم يكن فى اتصاله فى قوة اتصال الأغلب منها - فإنه ليس بمقطوع، وبخاصة وأن الطريق الثانى له إليها لا ينزل عن المستوى المقبول للاعتماد فضلًا عن التقوية.
يقول الشيخ أبو عمر بن الصلاح أحد أئمة القرن السابع الهجرى (٤): " ثم إن الرواية بالأسانيد المتصلة ليس المقصود بها فى عصرنا وكثير من الأعصار قبله إثبات ما يروى بها، إذ لا يخلو إسناد منها عن شيخ لا يدرى ما يرويه، ولا يضبط ما فى كتابه ضبطًا يصلح لأن يعتمد عليه فى ثبوته، وإنما المقصود منها إبقاء سلسلة الإسناد،
_________________
(١) وبلغ هذا القدر مائة وتسعة وثلاثين حديثًا، شمل كتاب الوصايا، وكاب النذر، وكتاب الإيمان، وصحبة المماليك وسبعة أحاديث. كتاب القسامة نووى على مسلم ٤/ ١٥٧: ٢٣٠.
(٢) وبلغ هذا القدر مائتى حديثًا واستغرق بقية كتاب الإمارة، نووى على مسلم ٤/ ٥٠٨: ٥٩٦.
(٣) صيانة صحيح مسلم: ١١٣. والعبدوى هو: الحافظ الإمام، محدث نيسابور، عمر بن أحمد بن إبراهيم بن عبدون. حدث عنه الخطيب وقال: كان ثقة حافظًا عارفًا، مات سنة سبع عشرة وأربعمائة. تذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٧٣، طبقات الشافعية الكبرى ٥/ ٣٠٠، تاريخ بغداد ١١/ ٢٧٢.
(٤) المتوفى سنة ٦٤٣ هـ.
[ ١ / ٥٠ ]
والتى خصت بها هذه الأمة - زادها الله كرامة - وإذ كان ذلك كذلك، فسبيل من أراد الاحتجاج بحديث من صحيح مسلم وأشباهه أن يتلقاه من أصل به مقابلٍ على يدى مقابِلين ثقتَين بأصول صحيحة متعددة مروية بروايات متنوعة، ليحصل له بذلك مع اشتهار هذه الكتب وبُعدها عن أن تقصد بالتبديل والتحريف الثقة بصحة ما اتفقت عليه تلك الأصول.
ثم لما كان الضبط بالكتب معتمدًا فى باب الرواية، فقد تكثر الأصول المقابل بها كثرةً تتنزل منزلة التواتر أو منزلة الاستفاضة " (١).
ولقد كان اتصال كتاب الصحيح لمسلم بالقاضى عياض أقوى بكثير من ذلك، ثم إن نسخ الصحيح التى اعتمد عليها القاضى قد أضيف إليها بنظره فيها ومقابلته لها ومضاهاته بغيره، ما ينزلها المنزلة التى لا تسامت، ويحلها بالمستوى الذى لا ينافس.
فلا غرو أن يصفها القاضى " بالأم ".