قَالَ أَبُو الْحُسَينِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرِىُّ - ﵀ -: بِعَوْنِ اللهِ نَبْتَدِئُ، وَإِيَّاهُ نَسْتَكْفِى، وَمَا تَوْفِيقُنَا إِلَّا بِاللهِ ﷻ.
١ - (٨) حَدَّثنى أَبُو خَيْثَمَةَ زُهيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ كَهْمَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ معاذ الْعَنْبَرِىُّ، وَهذَا حَدِيثُهُ: حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا كَهْمَسُ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ؛ قَالَ: كَانَ أَوَّل مَنْ قَالَ فى الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِىُّ. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْحِمْيَرِىُّ حَاجَّيْنِ أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَألنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هؤُلَاء فى الْقَدَرِ. فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِى، أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِى سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلىَّ، فقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبلَنَا نَاسٌ يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ ويَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ. وَذَكَر
ــ
قوله فى الحديث: " ظَهَرَ قِبلَنا ناسٌ يقرؤون القرآن وَيَتَقَفَّرُونَ العلم "، وفى رواية أخرى: " وَيَفْتَقِرُونَ العِلْمَ يزعُمون أن لا قَدَرَ، وأن الأَمْرَ أنُفٌ " (١).
قال الإمام: يُقالُ: تَقفَّرْتُ الشىء: إذا قَفَوتُه، قال أبو عُبيد: يُقالُ: قفوتُه: إذا اتبعت أثرَه، واقتفوتُ الأثرَ: تَبعتُه، قال ابن السكيت: يقالُ: قَفَوْا أثرَه واقتفوا أثره (٢).
قال القاضى: أكثر روايتنا عن شيوخنا فى هذا الحرف فى الأم: " يتقفرون " بتقديم القاف كما ذكر أولًا، وكذلك رويناه فى كتاب أبى داود من طريق ابن داسَة (٣)، ورويناه فى
_________________
(١) هى رواية من بعض طرق ابن ماهان، كما سيأتى.
(٢) انظر: لسان العرب، مادة " قفر ".
(٣) ك السنة، ب فى القدر ٢/ ٥٢٦، وانظر: معالم السنن ٧/ ٦٤.
[ ١ / ١٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأمّ من بعض طُرق ابن ماهان: " يتفقرون " بتقديم الفاء، ورويناه من طريق ابن الأعرابى فى المُصنَّف: " يتقفَّون " بلا راء، وكلٌّ صحيح متقاربُ المعنى، وقد فسَّر الشارحون -الهروى والخطابى وغيرهما- الرواية الأولى بما حكاه الإمام، أى يطلبونه ويتبعُونَه، ومنه حديث شريح: " إنما اقتفر الأثر " (١) أى أتبعه. ومثله رواية من روَى: " يَتَقفَّونَ ". قال الهروى: قفوتُه وقفيتُه: اتبعت أثره، ومنه سموا القافة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم﴾ (٢)، وحكى ابن دريد فى الجمهرة: التقفير: جمعك الشىء، قفرته تقفيرًا، فمعناه على هذا: تجمعونه، وأما من رواه: " يتفقرون " بتقديم الفاء فصحيح أيضًا، وهو عندى أشبه [ببساط] (٣) الحديث ونظم الكلام، ومراده أنهم يُخرجون غامِضه ويبحثون عن أسراره، ويفتحون مغلقه، ومنه قول عمر -وذكر امرأ القيس فقال-: افتقر عن معَان عُوْرٍ [أصَحَّ بَصَرٍ] (٤).
قال الهروى: أى فتح عن معان غامضة، فلما كان هؤلاء القوم فى طلب العلم [وصحة] (٥) القرائح وتدقيق النظر بهذه الصفة، ثم قالوا تلك المقالة المبتدعة المستشنعَة استُعظِمت منهم، بخلاف لو سمعت من غيرهم من الجهلة، ألا تراه كيف وصفهم بما تقدَّم فَقال: يقرؤون القرآن وذكر من شأنهم (٦) ما ذكر؟! يُريد وصفَهم بالذكاء
_________________
(١) غريب الحديث للخطابى ٢/ ٣٩٣.
(٢) الحديد: ٢٧، وجاءت فى النسخ " وقفينا على آثارهم "، وانظر: الفائق ٣/ ٢١٤، النهاية ٣/ ٤٦٤، ٤/ ٩٠.
(٣) من ق.
(٤) رسمت فى ق: أفج بقر، وانظر: النهاية ٣/ ٤٦٤. وهذا القول من عمر قاله للعباس -﵄- حين سأله عن الشعراء قال: امرؤ القيس سابقهم، خَسَفَ لهم عن عين الشعر، فافتقر عن معان عور أصحَّ بصر. فخسف من الخسيف، وهى البئر تحفر فى الحجارة، فيخرج منها الماء الكثير. قال أبن رشيق: ومعنى عور -بضم العين- يريد أنه يمانى النسب، نزارى الولد، واليمن ليس لها فصاحة نزار. ومع ذلك فقد ابتكر معانٍ عورًا فتح عنها أصح بصر، قيل: ولم يسبق الشعراء؛ لأنه قال ما لم يقولوا، ولكن سبق إلى أشياء استحسنها الشعراء، فتبعوه فيها. إكمال الإكمال ١/ ٥٤.
(٥) من ق.
(٦) هذا من كلام بعض الرواة الذين دون يحيى بن يعمر، والظاهر أنه من ابن بريدة الراوى عنه مباشرة، والمحذوفُ هنا هو المفعول، حذف تعظيمًا له بالإبهام، أى ذكر من شأنهم فى البحث عن العلم واستخراج غوامضه شيئًا عظيمًا، أو الحذف كان للتعميم لتذهب النفس فيه كل مذهب ممكن. أو يكون الغرض من الحذف صون اللسان عن حكاية ما قالوا، ويكون المعنى: وذكر من شأنهم فى نفى القدر والابتداع فى العقائد ما يجب أن يصان اللسان عن ذكره. قال السنوسى: وعلى كلٍّ ففائدة وصفهم بالاجتهاد فى العلم والتوسع فيه الموجب لهم القدوة وتقليد الغير، المبالغة فى استدعاء ابن عمر -﵄- لاستفراغ الوسع فى النظر -فيما يزعمون- لأن أقوال الأغبياء قد لا يهتبل العلماء بشأنها، ويكتفون فى ردها بأدنى نظر، فجواب ابن عمر -﵄- بعد تلك الأوصاف من أثبت شىء وأحقه. قال. وقد يكون الغرض فى ذكر ما وصفهم به من العلم، وكونهم مع ذلك يزعمون ما يزعمون، إظهار =
[ ١ / ١٩٧ ]
من شَأنِهِمْ، وَأَنهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ، وَأَنْ الأَمْرَ أنفٌ. قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ
ــ
والجدّ فى طلب العلم وشبيه هذا، وقيل: " يتفقرونَ " أى يطلبون فِقَره وغرايبه. ورأيت بعضَهم قال فيه: " يتقعرون " بالعين، وفسَّره بأنهم يطلبون قعره، أى غامضه وخفيَّه، ومنه تقعَّر فى كلامه: إذا جاء بالغريب منه.
وقوله: " الأمر أنف "، قال الإمام: قال الهروى: أى يستأنف استئنافًا من غير أن يسبق به سابق قضاء وتقدير، وإنما هو مقصور على اختياركَ ودخولك فيه، وأنف الشىء أوَّله، [وأنف السيل أوله وابتداؤه] (١)، قال امرؤ القيس:
قد غدا يحملنى فى أنفه لاحق الصُّقْلَين محبوك مُمَرّ (٢)
وفى الحديث: " لكل شىء أُنفةٌ، وأُنفةُ الصلاة التكبيرة الأولى " (٣).
قوله: " أَنْفَةُ الشىء ": ابتداؤه (٤) [هكذا] (٥) الرواية، والصحيح أُنْفَة، وفى حديث أبى مسلم الخولانى (٦): " وضعها فى أُنفٍ من الكلاء "، يقول: يتتبَّعُ بها المواضع التى لم تُرْع قبل الوقت الذى دخلت فيه، وفى الحديث: " أنزلت علىَّ سورة
_________________
(١) = التشكى والتلهف بما نال المسلمين من مصيبتهم، إلا أن هذا إنما يحسن إذا كان ابن عمر قد أحس ببدعتهم وسوء نظرهم. وإنما سأل ابن عمر -﵄- ليحقق العلم من معدنه، ويرسخ ما كان فى رويته، وهذا هو الظاهر؛ إذ يبعد أن يخفى أمر أقوالهم على مثل يحيى بن يعمر. مكمل ١/ ٥٥.
(٢) من المعلم.
(٣) ورد فى المكمل: قد غدا يحملنى فى أنفه لاحق الأطلين واهى التهم وعلق عليه محققه -غير المسمى- بقوله: كذا بالأصل، وأنشده فى اللسان والديوان المنسوب إليه ١/ ٥٨: لاحق الأيطل محبوك مُمَرُّ وعبارة اللسان قبله: وأنف البرد أوّله وأشدُّه، وأنف المطر أول ما أنبت، ثم ساق عبارة امرئ القيس. والأيطل: منقطع الأضلاع من الحَجَبَةِ، وقيل: الخاصرة كلها، ومنه قول امرئ القيس: له أيطلا ظبى وساقا نعامةٍ والصقل: الخاصرة، وقالوا: طالما طالت صُقْلَةُ فَرَس إلا قَصُرَ جنباهُ، وذلك عيْبٌ. وعلى ذلك فمعنى (لاحق الصّقلين): أى قريب الخاصرتين. والمحبوك: المُحكمُ الخلْقِ، ودابة محبوكة إذا كانت مُدْمَجَةَ الخلق، وفرس محبوك المتن والعَجزِ، فيه استواءٌ مع ارتفاع. والممر: المُحكمُ القوى.
(٤) الحديث بهذا اللفظ لم أقف عليه عند غير أهل اللغة كما فى النهاية، وقد أخرجه ابن عدى عن أبى هريرة بلفظ: " لكل شىء صفوة، وصفوة الصلاة التكبيرة الأولى " ٢/ ٧٤٠، وقال ابن عدى: هو من رواية الحسن بن السكن البصرى، وهو منكر الحديث.
(٥) فى ق: إبداؤه.
(٦) من ق، والمعلم، وفى ت: كذا، وفى الأصل: هكذا.
(٧) هو سيّد التابعين، واسمه عبد الله بن ثُوَب، أسلم فى أيام النبى ﷺ، وقدم من اليمن، فدخل المدينة فى خلافَة الصديق. وحدَّث عن عمر، ومعاذ بن جبل، وأبى عُبيدة، وأبى ذر الغفارى، وعبادة بن الصامت. مات -﵁- بأرض الروم سنة اثنتين وستين. سير ٤/ ٧ ولم أقف على ما ذكره الإمام هنا من حديث.
[ ١ / ١٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
آنفًا " (١) أى مستأنفًا، وقال تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ (٢) أى: ماذا قال الساعة؟ مأخوذ من استأنفت الشىء: إذا ابتدأته، وروضة أنف: لم تُرع (٣)، وكأس أنُف: ابتدئ الشُّرب منها ولم يُشْرَب بها قبل ذلك.
قال الإمام: وأما قوله: " لا قدر " فلا تقول به المعتزلة على الإطلاق، وإنما يقولون: [إن] (٤) الشرَّ والمعاصى [تكون] (٥) بغير قدر الله تعالى، لكن من لم يتشرع من الفلاسفة ينفى القَدَرَ جُملة.
قال القاضى: ذكر أصحاب المقالات أَنَّ ما حُكى فى الحديث هو مذهب القدريَّة، وحكى زرقان (٦) فى مقالاته التى (٧) شرحها أبو عثمان بن الحداد؛ أن منهم [من يقول] (٨): الاستطاعة قبل الفعل والعلم محدَث، قال: وهم القدرية المحض (٩)، وحكى أبو القاسم
_________________
(١) سيرد إن شاء الله فى كتاب الصلاة بلفظ: " أنزلت علىَّ آنفًا سورة " حديث رقم (٥٣).
(٢) محمد: ١٦.
(٣) زيد بعدها فى ت عبارة: قبل الوقت التى دخلت فيه، وهو خطأ؛ لخلو نسخ المعلم منها، ويغلب على الظن أنه مكرر مما سبق.
(٤) ساقطة من الأصل، والمثبت من ت، المعلم.
(٥) من المعلم.
(٦) هو محمد بن شدَّاد بن عيسى، متكلم، معتزلى، وهو آخر من حدَّث عن يحيى بن سعيد القطان، وأبى زكير يحيى بن محمد المدنى. كان الدارقطنى يقول: لا يكتب حديثهُ. مات سنة ثمان وسبعين ومائتين. سير ١٣/ ١٤٨، المقالات ١٨٤.
(٧) فى الأصل: الذى، والمثبت الصحيح من ت، ق.
(٨) سقط من الأصل، والمثبت من ت، ق.
(٩) وهذا معنى قول معمر الذى حكاه الأشعرى فى مقالات الإسلاميين: أن القديم لا يوصف بأنه قادر إلا على الجواهر، وأما الأعراض فلا يجوز أن يوصف بالقدرة عليها، وأن الأعراض هى فعل الجواهر بطبائعها، وذلك عنده؛ لأن من قدر على الحركة قدر أن يتحرك، ومن قدر على السكون قدر أن يسكن، كما أن من قدر على الإرادة قدر أن يريد، فإذا قيل: إن البارئ قادر على التحريك والتسكين، لزم أن يقال: هو قادر على أن يتحرك ويسكن. وقد ردَّ عليهم أهل الحق فقالوا: قد يوصف القديم بالقدرة على إنشاء الحركة ولا يوصف بالقدرة على التحرُّك. المقالات ٥٤٨. فالقدر الذى قال معمر بنفيه عنوانٌ لبدع قولية كثيرة، كان هذا واحدًا منها، ومن تمام كلامه هنا قوله: إن الله لا يوصف بالقدرة على أن يخلق قدرةً لأحد، وما خلق الله لأحدٍ قدرة على موت ولا حياة، ولا يجوز ذلك عليه. السابق ٥٦٤. وقد أجاب عليه أهل الحق بأن الله -سبحانه- قد أقدر العباد وأحياهم، وأنه لا يقدر أحدٌ إلا بأن يخلق الله له القدرة، ولا يكون حيًا إلا بأن يخلق الله له الحياة. كذلك قال باستحالة أن يجمع الله -سبحانه- بين القدرة والعلم، والإرادة والموت، كما يستحيل أن يجمع بين الحياة والموت. وقد شاركه فى هذا سائر المعتزلة. السابق ٥٦٨. والقدر -بالفتح والسكون- لغة: مصدر قدرت الشىء: إذا أحطت بمقداره. وهو فى عرف المتكلمين: تعلق علم الله وإرادته أزلًا بالكائنات قبل وجودها. مكمل ١/ ٥٥.
[ ١ / ١٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
البلخى (١) فى مقالاته ومحمد بن زيد الواسطى عن طائفة من المعتزلة تسمى السَّكينَة مثله، قالا: وقد انقرضوا ولم يبق أحد منهم يُذكر. قالا: وهو قول قوم من الرافضة (٢) والجهميَّة (٣)، وذكروا حجتهم: أنَّه -تعالى- لو كان عالمًا بتكذيبهم لكان فى إرسال الرسل إليهم عابثًا -تعالى الله عن قولهم.
فهذا هو أصل القدرية كما ذكر فى الحديث.
وقد حكى هذا القول أبو محمد بن أبى زيد فى ردّه على المعتزلى البغدادى، وأنهم يقولون: إن أفعال العباد لا يعلمها الله حتى تكون. وقد روى بعض أصحاب مالك من القرويين وغيرهم عنه فى تفسير مذهب القدرية مثله. وروى عنه ابن وهب أنه احتج على القدريَّة بقوله﵇-: " الله أعلم بما كانوا عاملين " (٤) وقد احتج البخارى وغيره بذلك (٥).
وهذا كله يُبَيّنُ أنه كان مذهبهم قديمًا، وهكذا القدريَّة اليوم، والمعتزلة تأبى هذا وتنكره من مذهبهم، ولا شك أنه كان أصل مذهبهم كما ذكروا، وأخذوه من الفلاسفة الذين بنوا أكثر مذهبهم على منازعتهم فى الإلهيات ومأخذهم، ولم يقل به المعتزلة، إذا عَرفت عِظَم ما فيه. إذ كانت القدرية أولًا غير المعتزلة، وكان القدر هوى بذاته (٦) والاعتزال هوى بذاته. وفى أصلين مفترقين، ثم قالت المعتزلة بعد ذلك بالقدَرِ، ورجعت إليه وأطبقت طوائفها- على اختلافها- على القول به مع الاعتزال الذى أصله المنزلة بين المنزلتين (٧)، وسموا هذا بالعدل، ثم أخذوا مذهب الفلاسفة
_________________
(١) هو عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبى، كان رأس طائفة من المعتزلة يقال لها: الكعبية، وكان من كبار المتكلمين، توفى سنة سبع عشر وثلاثمائة. وفيات الأعيان ٢/ ٤٥، ولم أقف على محمد الواسطى. وأما طائفة السكينة هذه، فإنى لم أقف لها على تعريف أو تحديد فى كتب الأولين والآخرين، وغاية ما أستطيع قوله فيها الآن: إنها لعلها منسوبة إلى قول معمر: إن من قدر على السكون قدر أن يسكن، كما أن من قدر على الإرادة قدر أن يريد. مقالات ٥٤٨.
(٢) هم صنف من الشيعة، سموا بذلك لرفضهم إمامة أبى بكر وعمر، وهم مجمعون على أن النبى ﷺ نصَّ على استخلاف علىّ بن أبى طالب باسمه، وأظهر ذلك وأعلنه، وأن أكثر الصحابة ضلُّوا بتركهم الاقتداء به بعد وفاة النبى ﷺ، وأن الإمامة لا تكون إلا بنص وتوقيف.
(٣) هم أتباع جهم بن صفوان، الكاتب المتكلم. كان ينكر الصفات، وينزه البارى عنها بزعمه، وقد قتل سنة ١٢٨. وقد تفرد الجهم بالقول بأن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة بالله فقط. راجع: سير ٦/ ٢٦، مقالات ٢٧٩.
(٤) الحديث أخرجه مسلم فى ك القدر، ب كل مولود يولد على الفطرة، رقم (٢٣) عن أبى هريرة، وسيرد إن شاء الله الكلام عليه فى حينه. ومحل الشاهد قولهم: يا رسول الله، أفرَأيت من يموت صغيرًا؟ قال: " الله أعلم بما كانوا عاملين ". ٤/ ٢٠٤٨، والمعنى: أن الله يعلم ما يعملون لو بلغوا. الفتاوى ٨/ ٦٩.
(٥) راجع له: كتاب خلق أفعال العباد فى باب أفعال العباد ٣٩.
(٦) وهذا القول كان أول خلاف نشأ فى الاعتقادات. مكمل ١/ ٥١.
(٧) ويعنون بها أن الفاسق ليس بمؤمن ولا كافر، وقد قالوا فى الفاسق: إيمانه لا نُسميه به مؤمنًا، وفى اليهودىّ إيمانُه لا نسميه به مؤمنًا. مقالات ٢٧. =
[ ١ / ٢٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فى نفى الصفات (١)، وأطبقوا على نفيها فسمُّوا هذا أيضًا بالتوحيد ليزيلوا عنهم اسم البدعة والشرك والمجوسية التى وسمهم بها صاحب الشريعة نبينا محمد - ﵇ (٢). وزعموا أن القدر المذموم هو ذلك، وبالحقيقة فالقدرية التى وسمهم -﵇- بما وسمهم، وأنهم مجوس هذه الأمة، هم معتزلة هذا الوقت، وقدريته؛ لأنهم جعلوا أفعال العباد بين فاعلين، وأن الخير من الله والشر من عبيده، فأدخلوا مع الله شركاء فى قدرته، وضاهوا المجوس والثنوية فى كفرهم، والقدرية الأولى داخلون فى هذه الرذيلة، زائدون عليهم بتلك الأشنوعة (٣).
_________________
(١) = وخلاصة قول المعتزلة فى القدر الذى صارت إليه هو: أنهم أجمعوا على أن الله -سبحانه- لم يخلق الكفر والمعاصى، ولا شيئًا من أفعال غيره، وأجمعوا -إلا عبّادًا- أن الله جعل الإيمان حسنًا والكفر قبيحًا، وأن الله خلق الكافر لا كافرًا ثم إنه كفر، وكذلك المؤمن. كذلك أجمعت إلا -المردار- على أن الله -سبحانه- لم يرد المعاصى. فهذا هو قول المعتزلة فى القدر، وأنه كما ترى ليس قولًا واحدًا مثل ما كان عليه القدرية الأول، وإنما تشابهت أقوالهم مع أقوالهم. راجع فى ذلك. مقالات الإسلاميين ٢٢٧.
(٢) زيدت قبلها فى ت: من. ومذهب الفلاسفة الذى أشار إليه القاضى هنا هو قولهم: بأن للعالم صانعًا، لم يزل ليس بعالم ولا قادر، ولا حى، ولا سميع، ولا بصير، ولا قديم، وقد عبروا عن ذلك بقولهم: نقول: عين لم يزل. ولم يزيدوا على ذلك. مقالات ٤٨٣. وذهب المعتزلة إلى نفى الصفات عن الله -تعالى- بزعم نفى تعدد القدماء، فكان أبو الهذيل العلاف شيخهم يقول: إن علم البارئ -سبحانه- هو هو، وكذلك قدرته وسمعه، وبصره وحكمته، وكذلك قوله فى سائر صفات ذاته. قال أبو الحسن الأشعرى: وهذا أخذه أبو الهذيل عن أرسطاطاليس، وذلك أن أرسطاطاليس قال فى بعض كتبه: إن البارئ علمُ كله، قدرةٌ كلُه، حياةٌ كله، سمعٌ كله. السابق ٤٨٥. قال الإمام ابن تيمية: والنفاة عمدتهم أنه لو قَبِل الحركة لم يخْل منها، ويلزم وجود حوادث لا تتناهى، ثم أدعوا نفى ذلك، وفى نفيه نقائص لا تتناهى. والمثبتون لذلك يقولون: هذا هو الكمال كما قال السلف: لم يزل الله متكلمًا إذا شاء، كما قال ذلك ابن المبارك، وأحمد بن حنبل وغيرهما، وذكر البخارى عن نعيم بن حماد أنه قال: الحىُّ هو الفعال، وما ليس بفعال فليس بحى. الفتاوى ٨/ ٢٣.
(٣) يقصد بذلك ما أخرجه أبو داود بسند منقطع عن ابن عمر عن النبى ﷺ قال: " القدرية مجوس هذه الأمة " ك السنة، ب فى القدر ٢/ ٥٢٤. قال ابن القيم: إنما جعلهم مجوسًا لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس فى قولهم بالأصلين؛ وهما النور والظلمة، ويزعمون أن الخير من فعل النور، والشَّر من فعل الظلمة، فصاروا ثنوية. وكذلك القدرية، يضيفون فعل الخير إلى الله والشر إلى غيره. والله -﷾- خالق الخير والشر، لا يكون شىء منهما إلا بمشيئته. معالم السنن ٧/ ٥٨.
(٤) فنفى القدر السابق، وهو أن الله -سبحانه- علم أهل الجنة من أهل النار من قبل أن يعملوا الأعمال، هو أشنوعة القدرية الأولى كما بين القاضى. وإثبات هذا القدر حق يجب الإيمان به، وقد نصَّ على ذلك الأئمة، كمالك والشافعى وأحمد، وقالوا: إن من جحد هذا فقد كفر. حكاه ابن تيمية فى الفتاوى ٨/ ٦٦.
[ ١ / ٢٠١ ]
أَنِّى بَرِىءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّى، والَّذِى يَحْلِفُ بهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، لَوْ أَنَّ لأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ، مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤُمِنَ بَالْقَدَرِ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى - عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بياضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعر، لَا يُرَىَ عَلَيْهِ أَثَر السَّفَر، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِى عَنِ الإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " الإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَأَن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِىَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ،
ــ
قال الإمام: وأما [ما] (١) ذكر من تبرى (٢) ابن عمر منهم وقوله: " لا يقبل من أحدهم ما أنفق " (٣) فلعله فيمن ذكرنا من الفلاسفة، أو على جهة التكفير للقدرية -على أحد القولين فى تكفيرهم عندنا- إن كان أراد بهذا الكلام تكفير من ذكر.
قال القاضى: قول ابن عمر: " لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه، ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر " يُصحح أن تبرى ابن عمر منهم لاعتقاده تكفيرهم (٤)، إذ لا يُحبط الأعمال عند أهل السنة شىء سوى الكفر، والقائل بذلك القول كافر بلا خلاف، وإنما الخلاف فى القدرية الآن (٥)، وقال الخطابى: فى تبرى ابن عمر منهم دليل على أن الخلاف إذا وقع فى أصول الدين وتعلق بالمعتقدات يوجب البراءة، بخلاف ما تعلق بأصول الأحكام وفروعها (٦).
وقوله: فى هذا الحديث: " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله "، وذكر الصلاة والصوم والحج والزكاة وقال: " الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) فى الأصل: تبر.
(٣) لعله يروى هنا بالمعنى.
(٤) وإلى هذا ذهب مالك والشافعى وأحمد، كما سبق.
(٥) وهم الذين اعتقدوا أنهم إذا أثبتوا مشيئة عامة، وقدرة شاملة، وخلقًا متناولًا لكل شىء؛ لزم من ذلك القدح فى عدل الرب وحكمته.
(٦) معالم السنن ٧/ ٦٥. وقول عمر -﵁-: " بينما نحن عند رسول الله إذا طلع علينا رجل ": " بينا " و" بينما " ظرفا زمان، يضافان إلى الجمل الإسمية والفعلية، وخفض المفرد بهما قليل، وهما فى الأصل " بين " التى هى ظرف مكان، أشبعت فيه الحركة فصارت " بينا "، وزيدت عليها الميم فصارت " بينما "، ولما فيهما من معنى الشرط يفتقران إلى جواب يتم به المعنى، والأفصح فى جوابهما عند الأصمعى أن تصحبه " إذ " أو " إذا " الفجائيتان، والأفصح عند غيره أن يتجرد عنهما. وقوله: " ذات يوم ": " ذات " صلة ترفع احتمال أن يراد باليوم مطلق الزمان، فهى مع اليوم بمنزلة رأيت عين زيد، والعامل فيه معنى الاستقرار الذى فى الخير.
[ ١ / ٢٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلى آخر ما ذكر " (١)، ففرَّق بين الإسلام والإيمان، وقال مثله فى حديث ضمام النجدى (٢)، ثم ذكر بعد هذا حديث وفد عبد القيس وفيه: " أتدرون ما الإيمان؟ " ففسَّره بما فسَّر به الإسلام فى الحديثين الأولين، فسَّر مجرد الإيمان الذى هو التصديق والذى محله القلب، وفسَّر الإسلام الذى هو العمل الظاهر من شهادة اللسان وأعمال البدن والذى بمجموعها يتم الإيمان والإسلام، إذ إقرار القلب وتصديقه دون نطق اللسان لا ينجى من النار، ولا يستحق صاحبه اسم الإيمان فى الشرع، وإذْ نُطْقُ (٣) اللسان دون إقرار القلب وتصديقه لا يغنى شيئًا، ولا يسمى صاحبه مؤمنًا، وهو النفاق والزندقة، وإنما يستحق هذا الاسم من جمعهما، ثم تمام إيمانه وإسلامه بتمام أعمال الإيمان المذكورة فى الحديثين، والتزام قواعده وهو المراد (٤) بإطلاق اسم الإيمان على جميع ذلك فى حديث وفد عبد القيس (٥)، فقد أطلق الشرع على الأعمال اسم الإيمان، إذ هى منه، وبها يتم، ولكن حقيقته فى وضع اللغة: التصديق، وفى عرف الشرع: التصديق بالقلب واللسان، فإذا حصل هذا حصل الإيمان المنجى من الخلود فى النار، لكن كماله المنجى من دخولها رأسًا بكمال خصال الإسلام، وبهذا المعنى جاءت زيادته ونقصانه على مذهب أهل السنة (٦)، ولهذه المعانى يأتى اسم الإيمان والإسلام فى الشرع مرة مفترقًا ومرة متفقًا، قال الله تعالى: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٧) وقال: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِين﴾ إلى قوله:
_________________
(١) الإيمان بالملائكة يعنى: التصديق بوجودهم على ما وصفوا به من أنهم عباد مكرمون. والإيمان بالكتب: التصديق بأنها كلامه الحق، سواء نزلت مكتوبة كالتوراة، أو نجومًا كالقرآن. والإيمان بالرسل ﵈: هو التصديق بأنهم جاؤوا عن الله تعالى مؤيدين منه بالمعجزات الدالة على صدقهم. والإيمان باليوم الآخر: التصديق بوجوده وبجميع ما اشتمل عليه وسمى آخرًا؛ لأنه آخر أيام الدنيا؛ ولأنه آخر الأزمنة المحدودة، وإنما أعاد مع القدر لفظة: " تؤمن "؛ لعلمه أن الأمة تختلف فيه. إكمال الإكمال ١/ ٦٨.
(٢) سيأتى قريبًا.
(٣) فى ت: وإذا أنطق.
(٤) زيد قبلها فى الأصل حرف " إن " وهو خطأ.
(٥) سيأتى قريبًا.
(٦) يعنى باعتبار إضافة الأعمال إليه، إضافة كمال، وعند غيرهم الزيادة والنقصان تأتى بتوارد الأدلة على أصل اليقين، ومن منعه منعه على أن الإيمان هو التصديق، ونقصان التصديق يكون شكًا. وقد حصَّل الآمدى فى زيادة الإيمان ونقصه أربعة أقوال: قيل: الإيمان يزيد وينقص بظاهر القرآن فى غير آية، وقيل: لا يزيد ولا ينقص، لأن الزيادة والنقص شك، والشك كفر، وقيل: إيمان الله تعالى المدلول عليه بقوله: ﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِن﴾ لا يزيد ولا ينقص؛ لأن الزيادة والنقص حادثان، ولا يتصف -سبحانه- بحادث، وإيمان الملائكة والأنبياء -﵈- يزيد ولا ينقص، وإيمان غيرهم يزيد وينقص. قال: والحق التفصيل، فإيمان الله -سبحانه- كما ذكر، وإيمان غيره إن فسر الإيمان بالعمل فهو يزيد وينقص، وإن فسّر بأنه التصديق فلا يزيد ولا ينقص، إلا أن يراد بزيادة الإيمان كثرة أشخاص الإيمان باعتبار آحاد الناس، ويعنى بكثرة أشخاص الإيمان توالى الأمثال. إكمال الإكمال ١/ ٦٦.
(٧) الحجرات: ١٤.
[ ١ / ٢٠٣ ]
إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ". قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ، يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِى عَنِ الإِيمَانِ؟ قَالَ: " أَنْ تُؤمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِى عَن الإِحْسَانِ؟ قَالَ: " أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ ". قَالَ: فَأَخْبِرْنِى عَن السَّاعَةِ؟ قَالَ: " مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ ". قَالَ: فَأَخْبِرْنِى عَنْ أَمَارَتِهَا؟ قَالَ: " أَنْ تَلِدَ
ــ
﴿الْمُسْلِمِين﴾ (١). وذلك أن الإيمان إذا كان بمعنى التصديق، والإسلام بمعنى الاستسلام، صح أن يكون الإسلام بالجوارح وأعمال الطاعات إيمانًا وتصديقًا، وصح أن يكون الإقرار باللسان عن تصديق القلب استسلامًا، فأطلق اسم كل واحد منهما على الآخر، بخلاف إذا اختلفا ففارق الباطن الظاهر، والنطقُ والعملُ العقدَ والنية، فيسمى الظاهر إسلامًا، ولا يسمى إيمانًا، كما قال تعالى: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٢).
وقوله: " ما الإحسان " وفسَّره فى الحديث بما معناه الإخلاص ومراقبة الله فى السر والإعلان (٣).
وهذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة، من عقود الإيمان، وأعمال الجوارح، وإخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم
_________________
(١) الذاريات: ٣٥، ٣٦.
(٢) الحجرات: ١٤. قال الأبى: جعله الإيمان اسمًا للتصديق والنطق، قيل: إنه انتزعه من الجمع بين حديث جبريل -﵇- وحديث الوفد؛ لأنه فى حديث الوفد فسَّر الإيمان بما فسَّر به الإسلام هنا، فاقتضى الجمع بينها أن جعل الإسلام اسمًا للأمرين، وبأنه اسم لهما أخذ ابن العربى. قال: وقال أكثر السلف: إنه اسم للتصديق والعمل كله. وقال أكثر المتكلمين: إنه اسم للتصديق فقط، فالأقوال ثلاثة. وأنت إذا نظرت لا تجد بينها اختلافًا، فإن السلف لا يعنون بأنه التصديق والعمل أن العمل جزء منه، بحيث ينعدم الإيمان لانعدامه كما هو شأن كل جزء، لإجماعهم على أن العاصى بترك بعض الوجبات هو مؤمن، فلم تبق إضافة العمل إليه إلا أنها إضافة كمال، وكذا يقول المتكلمون: إن اكمل التصديق ما صحبه العمل. والقول بأنه التصديق والنطق، إن صح أن التصديق وحده ليس بإيمان، فما ذلك إلا لأن النطق فى الإيمان لا أنه جزء منه، فليس الإيمان عند الجميع إلا التصديق. إكمال الإكمال ١/ ٦٥.
(٣) وقيل فى الإحسان أيضًا: إنه يعنى إجادة العمل، من أحسن فى كذا إذا أجاد فعله، قال الأبى: وهو بهذا التفسير أخَصُّ من الأول، ثم هو سؤالٌ عن الحقيقة ليعلمها الحاضرون كالذى قبله؛ إذا السؤال بـ (ما) بحسب الخصوصية إنما يكون عن حقيقة لا عن الحكم، وتفسيره فى الحديث الإحسان بذلك هو من تفسير الشىء بسببه توسعًا. إكمال الإكمال ١/ ٦٨.
[ ١ / ٢٠٤ ]
الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ، الْعَالَةَ، رِعاءَ الشَّاءَ، يَتَطَاولُونَ فِى الْبُنْيَانِ ". قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ. فَلَبِثْتُ مَلِيا. ثُمَّ قَالَ لِى: " يَا عُمَرُ، أَتَدْرِى مَنِ السَّائِلُ؟ " قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ، أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ ".
ــ
الشريعة كلها راجعةٌ إليه، ومتشعبة منه. على هذا الحديث وأقسامه الثلاث ألفنا كتابنا الذى سميناه بـ " المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان " (١)، إذ لا يشذ شىء من الواجبات والسنن والرغائب والمحظورات والمكروهات عن أقسامه الثلاث.
وقوله فى الحديث: " وأن تَلِدَ الأمةُ ربَّتَها "، وفى موضع آخر: " ربَّها "، قال الإمام: أى مولاتها، قيل: معناه: أن يكثر أَولاد (٢) السرارى حتى تكون الأمُّ كأنها أمةٌ لابنتها (٣)، لما كانت ملكًا لأبيها، وقيل: يحمل على أنه يكثر بيع أمهات الأولاد فى آخر الزمان، حتى يملك المشترى أُمّه وهو لا يعلم، لكثرة تداول الأملاك لها. وفى بعض طرق الحديث: " تلد الأمة بعلها " وهو من هذا المعنى؛ لأنه إذا كثر بيعهُن قد يقع الإنسانُ فى تزويج أمِّهِ وهو لا يعلم.
قالَ القاضى: أما قوله: " تلد الأمةُ ربَّها - أو ربَّتها ": فقيل فيه ما ذكره (٤)، وبيانهُ أن الرجُل الحسيب إذا أولد أمةً كان ابنُها منه بمنزلة ابنه (٥) من مولاتها، وقيل: المراد به فُشوُّ العقوق، وأن يكون الولد فى الصَّوْل على أُمّه وقلة بِره بها كأنه مولاها، كما قال فى الحديث الآخر: " ويكون الولد غيظًا (٦) "، لكن لا معنى إذًا لتخصيص أولاد الإماء بهذا، إلا أن يقال: [إن سبب] (٧) نسبه الأموية أقرب إلى استدعاء [العقوق] (٨)
_________________
(١) ذكره ابنه له، وقال: إنه لم يكمله، ولغلب على الظن أنه من الكتب المفقودة، فلم أجد له ذكرًا فى غير هذين الموضعين. راجع: الديباج المذهب.
(٢) فى المعلم: استيلاد.
(٣) قيدت أولًا فى ت: لولدها، ثم كُتب فوقها: لابنتها.
(٤) فى ق: ما ذكر.
(٥) فى ق: أبيه. وسبب السؤال عن الساعة زجرُ الناس عن السؤال عنها، فإنهم أكثروا السؤال عنها، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النِّاسُ عَنِ السَّاعَة﴾، فلما أجيبوا بأنه لا يعلمها إلا الله -سبحانه- كفوا؛ لأن معنى: " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ": لا علم لى ولا لك ولا لأحد بها. إكمال الإكمال ١/ ٦٩.
(٦) فى ق: أيضًا. والحديث أخرجه الطبرانى فى الأوسط عن عائشة مرفوعًا: " لا تقوم الساعة حتى يكون الولدُ غيظًا، والمطرُ قيظًا، وتفيض اللئام فيضًا، ويغيضُ الكرام غيضًا، ويجترئ الصغير على الكبير، واللئيم على الكريم ". قال الهيثمى فى المجمع: " رواه الطبرانى فى الأوسط وفيه جماعة لم أعرفهم " ٧/ ٣٢٥.
(٧) سقط من الأصل، واستدرك بسهم فى هامشه.
(٨) ساقطة من الأصل، واستدركت بسهم فى هامشه.
[ ١ / ٢٠٥ ]
٢ - () حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الغُبَرِىُّ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِىُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن بُرَيْدَة عَنْ يَحْيَى بنِ يَعْمَرَ، قَالَ: لَمَّا تَكَلّمَ مَعْبَدٌ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ فِى شَأْنِ الْقَدَرِ أَنْكَرْنَا ذلِكَ. قَالَ: فَحَجَجْتُ أَنَا وَحُمَيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِىُّ حَجةً. وَسَاقُوا الْحَدِيثَ، بِمَعْنَى حَدِيثِ كَهْمَسٍ وَإِسْنَادِهِ، وَفِيهِ بَعْضُ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانُ أَحْرُفٍ.
٣ - () وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، وَحُمَيْدٍ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛
ــ
والاستحقار، وقيل: هو تنبيه على فشو النعمة آخر الزمان، وكثرة السبى، كما قال فى بقية الحديث عن تطاول رعاء الشاء فى البنيان.
وقيل: المراد به ارتفاع أسافل الناس، وأن الإماء والسبايا يلدن من ساداتهن أمثالهم، فشرفن بسببهم، كما قال فى الحديث الآخر: " حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع " (١).
وقال الحربى: معناه: أن يلد الإماءُ الملوكَ فيصير لها ربًا كما قال: ﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّك﴾ (٢) أى الملك. قال الخطابى: قد يحتج بهذا الحديث من يرى بيع الأمهات الأولاد، ويحتج بأنهن لم يُبَعْن بعد موت السيد؛ لأنهن يصرن فى التقدير ملكًا لأولادهن فيُعتقن عليهم (٣).
قال القاضى: ولا حُجَّة له فى هذا؛ إذ ليس فى الحديث شىء يدل عليه، بل قد نوزع فى استدلاله، وقال أبو زيد المروزى (٤): وهو رد على من يرى بَيعهن لإنكار النبى ﷺ أن تلد الأمة من يملكها وجعْله ذلك من أشراط الساعة، [ومعناه عنده: أن يبيع أمه
_________________
(١) الحديث أخرجه الترمذى وأحمد عن حذيفة بن اليمان والطبرانى فى الأوسط عن أنس، ولفظه عند الترمذى وأحمد: " لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس "، ولفظ الطبرانى: " لا تذهب الأيام والليالى " الترمذى ك الفتن ٤/ ٤٩٤، أحمد فى المسند ٥/ ٣٨٩. وانظر: مجمع الزوائد ٧/ ٣٢٦ وقد قال الهيثمى فيه: " رجاله رجال الصحيح غير الوليد بن عبد الملك بن مسروح وهو ثقة ".
(٢) يوسف: ٤٢.
(٣) عبارة الخطابى كما جاءت فى معالم السنن ٧/ ٦٧: وقد يحتج بهذا من يرى بيع أمهات الأولاد، ويعتل فى أنهن إنما لا يبعن إذا مات السادة؛ لأنهن قد يَصِرْنَ ملكًا لأولادهن، فيعتقن عليهم؛ لأن الولد لا يملك والدته، وهذا على تخريج قوله: " وأن تلِدَ الأمة ربَّتَها " وفيه نظر.
(٤) هو شيخ الشافعية أبو زيد محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد المروزى، راوى صحيح البخارى عن الفربرى حدَّث عنه الحاكم، وأبو عبد الرحمن السُّلمى، وأبو الحسن الدارقطنى -وهو من طبقته- وأبو بكر البرقانى وآخرون. قال فيه الحاكم: كان أحد أئمَّة المسلمين، ومن أحفظ الناس للمذهب. =
[ ١ / ٢٠٦ ]
قَالَا: لَقِينَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، فَذَكَرْنَا الْقَدَرَ وَمَا يَقُولُونَ فِيهِ، فَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ كَنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، عَنْ عُمَرَ -﵁- عَنْ النَّبِىِّ ﷺ، وَفِيهِ شَىْءٌ مِنْ زِيَادَةٍ، وَقَدْ نَقَصَ مِنْهُ شَيْئًا.
٤ - () وحدّثنى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَن أَبِيهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.
٥ - (٩) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِى حَيَّانَ، عَنْ أَبِى زُرعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ،
ــ
آخر الزمان. وليس ما قال بشىء؛ لأنه ليس كل ما أخبر عنه أنه من أشراط الساعة] (١) لا تبيحه الشريعة، ألا ترى أن تطاول الرّعاء فى البنيان ليس بحرام، ولا أن يكون اللكع أسعد الناس بالدنيا مما يُحرمها عليه، ولا فشو المال جملةً مما يحرمه، ولا يكون لجماعة النساء القيم الواحد مما يُحرّم ذلك، وليس فى الكلام دليلٌ على إنكار النبى ﷺ وذلك كما زعم، ولا فيه غير إخبارٍ عن حال يكون.
وأما قولهُ: إن معناه: أن يبيع الولدُ أمه آخر الزمان، فليس فيه دليلٌ على منع بيعها قبل ملك ابنها، إذا من يُجوّز بيعها من أهل الظاهر يُوافق الجماعة فى أنها لا تباع ما دامت حاملًا ولا إذا تصيَّرَت ملكًا لابنها بميراثٍ أو غيره (٢).
وقول الإمام فى تأويل بعلها حسن، وقد يكون بالمعنى الأول، أى بمعنى ربها، قال ابن دريد: بعل الشىء ربه ومالكه، وقال ابن عباس وجماعة من أهل التفسير فى قوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلا﴾ (٣): أى ربًا، وقال أبو عُبيدة والضحَّاك: هو صنمٌ، وحكَى عن ابن
_________________
(١) = وقال فيه الخطيب: حدَّث ببغداد، ثم جاور بمكة، وحدَّث هناك بـ " الصحيح " وهو أجلُّ من رواه. وقال أبو إسحاق الشيرازى: مات بمرو سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، وكان حافظًا للمذهب، حسن النظر، مشهورًا بالزهد، وعنه أخذ أبو بكر القفَّالُ المروزى، وفقهاءُ مروٍ. سير ١٦/ ٣١٣، البداية والنهاية ١١/ ٢٩٩، تاريخ بغداد ١/ ٣١٤.
(٢) سقط من ق.
(٣) وهذا قول عامة الفقهاء، وهو المروىُّ عن عمر وعثمان وعائشة، وقد أخرج البيهقى عن عبد الله بن سعيد عن جدّه أنه سمع عمر بن الخطاب -﵁- على منبر رسول الله ﷺ يقول: " يا معشر المسلمين، إن الله قد أفاء عليكم من بلاد الأعاجم من نسائهم وأولادهم ما لم يفئ على رسول الله ﷺ ولا على أبى بكر -﵁- وقد عرفت أن رجالًا سيُلمُّون بالنساء، فأيما رجل ولدت له امرأةٌ من نساء العجم فلا تبيعوا أمهات أولادكم، فإنكم إن فعلتم أوشك الرجلُ أن يطأ حريمه وهو لا يشعر ". السنن الكبرى ١٠/ ٣٤٥.
(٤) الصافات: ١٢٥. والقول بأنها بمعنى رب رواه مجاهد وعكرمة وقتادة والسدى عن ابن عباس. وقال قتادة وعكرمة: وهى لغة أهل اليمن، وفى رواية عن قتادة قال: هى لغة أزْد شَنوءة. =
[ ١ / ٢٠٧ ]
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الإِيْمَانُ؟ قَالَ: " أَنْ تُؤمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتَهِ، وَكِتَابِهِ، وَلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الآخِرِ ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الإِسْلامُ؟ قَالَ: " الإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدّىَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ ". قَالَ: يَاَ رَسُولَ اللهِ، مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: " أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِلَّا تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: " مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَلَكنْ سَأحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا؛ إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا كَانَتِ الْعُراةُ الْحُفَاةُ رُؤوسَ النَّاسِ فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رِعَاءُ الْبَهْمِ فِى الْبُنْيَانِ فَذَاكَ
ــ
عباس أنه قال: لم أدر ما البعل فى القرآن حتى رأيت أعرابيًا، فقلت: لمن هذه الناقة؟ فقال: أنا بعلها أى ربُّها، فيتأوَّل فيه (١) ما يتأوّل فى تلك اللفظة الأخرى من الوجوه المتقدمة.
وقوله: " وترى العالَة رعاءَ الشاءِ "، قال الإمام: قال الهروى: العالة الفقراء، وفى حديث آخر: " خيرٌ من أن يتركَهُم عالةً " (٢) أى فقراء، والعائل الفقير، والعَيْلَة الفقر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَة﴾ (٣) يقال: عال الرجُل يعيل عيلةً إذا افتقر.
وقال غيره: وأعال (٤) الرجل [إذا] (٥) كثر عياله.
قال القاضى: ذكر مسلم فى رواية زهير: " إذا رأيت الحُفاة العُرَاةَ الصم البُكم ملوك
_________________
(١) = وعلى أن المراد بها صنم قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، قال: هو صنمٌ كان يعبده أهل مدينة بعلبك. تفسير القرآن العظيم ٧/ ٣٢.
(٢) فى ت: فيها.
(٣) جزء حديث أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائى وأحمد، ولفظه: " إنك إن تدع ورثتك أغنياء، خيرٌ من أن تدعهم عالة يتكففون الناس "، ولفظة: " يتركهم " هى رواية النسائى، ك الوصايا، ب الوصية بالثلث ٦/ ٢٤٢ وانظر: البخارى فى صحيحه، ك الوصايا، ب الوصايا ٤/ ٣، ومسلم فى الوصية، ب الوصية بالثلث، ولفظة: " وإنك إن تدع أهلك بخير، خيرٌ من أن تدعهم عالة يتكففون الناس " وفى بعص النسخ لغير ذكر " عالة ". ولعل هذا ما حمل الإمام على ترك التنصيص على رواية مسلم هنا. أبو داود، ك الوصايا، ب ما جاء فيما يؤمر به من الوصية ٢/ ١٠١، أحمد فى المسند ١/ ١٧٣ ولفظ البيهقى: " إنك إن تترك " ك الوصايا، ب الوصية بالثلث ٦/ ٢٦٩. قال ابن عبد البر: وأجمع علماء المسلمين على أنه لا يجوز لأحدٍ أن يوصى بأكثر من ثلثه إذا ترك ورثة من بنين أو عصبة. التمهيد ٨/ ٣٧٩.
(٤) التوبة: ٢٨.
(٥) فى ت: وعال.
(٦) من المعلم.
[ ١ / ٢٠٨ ]
مِن أَشْراطِهَا، فِى خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ "، ثُمَّ تَلَا ﷺ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير﴾ (١).
قَالَ: ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " رُدُّوا عَلَىَّ الرَّجُلَ "، فَأَخَذُوا لِيَرُدُّوهُ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ: " هَذَا جِبْرَيلُ، جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ ".
٦ - () وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ التيْمِىُّ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّ فِى رِوَايَتهِ: " إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ بَعْلَهَا " يَعْنِى السَّرَارِىَّ.
ــ
الأرض وإذا رأيت رِعاءَ البهم يتطاولون فى البنيان " فالمراد بالصُّمّ البُكم هنا: الجهلةُ الرُّعاعُ، كما قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْي﴾ (٢) أى لمَّا ينتفعوا بجوارحهم هذه فيما خلقها الله فكأنهم عدموها، وقد أشار الطحاوى إلى أن معناه: صم بكم عن الخير (٣)، وذكر غيرهم أنهم صم بكم لشغلهم بلذاتهم ودنياهم (٤)، وما ذكرناه أولى؛ إذ ليس فى الحديث ما يدل أن هذه صفتهم إذا (٥) كانوا مُلوكًا، وإنما أراد أنه سيتملك من هذه صفته (٦).
وأما قوله: " إذا تطاوَل رِعاءُ البَهم فى البنيان " (٧) فكذلك هو هنا بفتح الباء، ومعناه: رعاءَ الشاءِ، كما وقع مُفَسَّرًا فى الحديث قبله؛ لأن البَهْم ولد الضأن والمعز، وقد تختص بالمعز، وأصله كل ما أستبهم عن الكلام، ومنه سُميت البهيمةُ؛ لأنها مُبهمَة عن العقل
_________________
(١) لقمان: ٣٤.
(٢) البقرة: ١٨.
(٣) عبارة الطحاوى: (ليس يعنى بذلك البكَمَ المتعارف، ولا الصمَّ المتعارف، ولكن يعنى بالبكَم: البكمَ عن القول المحمود، ويعنى بالصم: الصمَّ عن القول المحمود). مشكل ٤/ ١٢٢.
(٤) وقد حكاه الطحاوى فى المشكل أيضًا فى المعرض بيانه؛ لقوله ﷺ: " لا تقوم الساعةُ حتى يكون السنةُ كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كالضرمة ". السابق ٤/ ١٢٣.
(٥) فى الأصل: إذ، وهى ساقطة من ق.
(٦) فشرط الساعة على الأول أن يملك من فقد فيه شرط الإمامة، وشرطها على الثانى فساد حال من ملك. إكمال الإكمال ١/ ٧٨.
(٧) الرِعاء، بكسر الراء والمد، ويقال: رُعاة، بضم الراء مع هاء التأنيث. والعالة: هم الفقراء، جمع عائل، وعال يعيلُ عيلة: افتقر. وإنما خص أهل الشاء؛ لأنهم أضعف أهل البادية، ومعناه: أن أهل البادية وأشبهاههم من أهل الحاجة لتغلبهم والبسط عليهم يتطاولون، أى يتفاخرون فى البنيان. والحفاة جمع حاف وهو الذى لا نعل له، والعراة جمع عار وهو الذى لا شىء عليه. إكمال الإكمال ١/ ٧٢.
[ ١ / ٢٠٩ ]
٧ - (١٠) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِير عَنْ عُمَارَةَ - وَهُوَ ابْنُ الْقَعْقَاع - عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " سَلُونِى "، فَهَابُوهُ أَنْ يَسْأَلُوهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَجَلَسَ عِنْدَ رُكْبَتَيْهِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ما الإِسْلامُ؟ قَالَ: " لَا تُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وتُؤْتِى الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ ". قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: " أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكِتَابِهِ، وَلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْث، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ كُلِّهِ " قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: يَا رَسُوَلَ اللهِ، مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: " أَنْ تَخْشَى اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِلا تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ". قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَتىَ تَقُومُ السَّاعَةُ؟ قَالَ: " مَا الْمَسْؤولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِن السَّائِل، وَسَأُحَدّثُكَ
ــ
والتمييز، ووقع فى أول صحيح البخارى: " إذا تطاول رِعاءُ الإبِل البُهم فى البنيان " (١). رويناه بضم الميم وكسرها، فمن ضمَّها جعلها صفةً للرعاء، أى أنهم سود، وهو قول أبى الحسن القابسى (٢) [﵀] (٣)، وقال غيره: معناه: الذى لا شىء لهم كما وصفهم هنا، وكما قال (٤): " يحشر الناس يوم القيامة عُراةً بُهْمًا " (٥). وقال (٦) الخطابى: هو جمع بهيم، وهو المجهول الذى لا يُعْرَفُ، ومنه: أبهم الأمر واستبهَم، وقد
_________________
(١) رواية البخارى: " وإذا تطاولَ رُعاةُ الإبِل البَهْمُ فى البنيان " ك الإيمان، ب سؤال جبريل النبى ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة ١/ ٢٠.
(٢) هو الإمامُ الحافظ الفقيه، عالمُ المغرب، صاحب كتاب " الملَخَّص " الذى جمع فيه ما اتصل إسناده من حديث مالك بن أنس -﵁- فى كتاب الموطأ. قال حاجى خليفة: وهو خمسمائة حديث وعشرون حديثًا. كان عارفًا بالعلل والرجال، والفقه والأصول والكلام، مُصنّفًا، يقظًا، ديّنًا، تَقيًا، وكان ضريرًا، ومع هذا كان من أصح العلماء كتبًا، فقد كتب له ثقات أصحابه وضبط له بمكة " صحيح البخارى " وحرَّره وأتقنه رفيقه الإمام أبو محمد الأصيلى، توفى بالقيروان سنة ثلاث وأربعمائة. ترتيب المدارك ٤/ ٦١٦، وفيات الأعيان ٣/ ٣٢٠، سير ١٧/ ١٥٨.
(٣) سقط من الأصل، ق.
(٤) فى ق: يقول.
(٥) جزء حديث أخرجه أحمد فى المسند ٣/ ٤٩٥، البخارى فى الأدب المفرد: ٩٧٠، الحاكم فى المستدرك وصححه ٢/ ٤٣٧ ووافقه الذهبى، وذلك من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: بلغنى عن رجل حديث سمعه من رسول الله ﷺ، فاشتريت بعيرًا، ثم شددت عليه رحلى، فَسِرتُ إليه شهرًا، حتى قدمتُ عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم، فخرج يطأ ثوبه، فاعتنقنى واعتنقته، فقلتُ: حديثًا بلغنى عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ فى القصاص، فخشيتُ أن تموتَ أو أموتَ قبل أن أسمعه، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: " يُحشر الناسُ يوم القيامة- أو قال: العباد- عُرَاةً غُرلًا بُهْمًا "، قال: قلنا: وما بهمًا؟ قال: " ليس معهم شىء .. " الحديث، وحسنه الحافظ فى الفتح ١/ ١٥٨.
(٦) فى ق: يقول.
[ ١ / ٢١٠ ]
عَنْ أَشْرَاطِهَا؛ إِذَا رَأَيْتَ الْمَرْأَةَ تَلِدُ رَبَّها فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا رَأَيْتَ الحُفَاةَ الْعُرَاةَ الصُّمَّ الْبُكْمَ مُلُوكَ الأَرْضِ، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا رَأَيْتَ رِعَاءَ الْبَهْم يَتَطَاوَلُونَ فِى الْبُنْيَانِ فَذَاكَ مِنْ أَشْراطِهَا، فِى خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ "، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير﴾ (١).
ــ
وقع عند بعض رواة البخارى بفتح الباء، ولا وجه له بعد ذكر الإبل، وفى بعض روايات الحديث يعنى العريب (٢)، ولا (٣) يُبعدُ أن يُريد البهم هنا العالة من العّرب أو السود.
كما قال: " بُعثتُ إلى الأحمر والأسود " (٤): الأسود هنا العرب؛ لأن الغالب على ألوانهم الأُدْمَة وسائر الأمم والسودان، وبالأحمر من عداهم من البيضان، وقد قيل: إن المراد بالأسودِ الشياطين، وبالأحمر بنو آدم، ومن كَسَر الميم جعلها صفة للإبل، أى السُّود لأنها سود الإبل.
وقوله: " ويصوم رمضان ": يَرُدُّ قولَ من كرِه أن يقال: صمنا رمضان حتى يقول: شهر، وقال: إنه اسم من أسماء الله، وهذا لا يصح، وحكى القاضى أبو الوليد الباجى عن القاضى أبى الطيب أنه إنما يكره ذلك فيما يُدخل لبسًا، مثل: جاء رمضان، ودخل رمضان، وأما صمنا رمضان، فلا بأس بقوله.
قال القاضى -﵁-: فى جملة هذا الحديث إنكار صدر هذه الأمة مقالة أهل القدر، وأنها محدثة وبدعة كما جاء فى الحديث: " أول من تكلم به معبد
_________________
(١) لقمان: ٣٤.
(٢) جاء فى اللسان: عرِب السنامُ عَرَبًا إذا ورِم وتقيَّح، والتعريبُ: قطعُ سعفِ النَّخل وهو التشذيبُ، والعِرْبُ: يَبسُ البُهمى خاصة.
(٣) فى ت: فلا.
(٤) جزء حديث أخرجه أحمد فى المسند عن أبى ذر ٥/ ١٤٥، الطبرانى فى الأوسط عن أبى سعيد " مجمع " ٦/ ٦٥، ولفظه كما فى أحمد: " أوتيتُ خمسًا لم يؤتهن نبى كان قبلى: نصرتُ بالرعب فيرعب منى العدو عن مسيرة شهر، وجعلت لى الأرض مسجدًا وطهورًا، وأحلت لى الغنائم ولم تحل لأحدٍ كان قبلى، وبعثت إلى الأحمر والأسود، وقيل لى: سل تعطه فاختبأتها شفاعةً لأمتى، وهى نائلة منكم إن شاء الله من لقى الله ﷿ لا يشرك به شيئًا ". قال الأعمش: فكان مجاهد يرى أن الأحمر الإنس والأسود الجن.
[ ١ / ٢١١ ]
قَالَ: ثُمَّ قَامَ الرَّجُلُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " رُدُّوهُ عَلَىَّ "، فَالتُمِسَ فَلَمْ يَجِدُوهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " هَذَا جِبْرَيلُ أَرَادَ أَنْ تَعلَّموا إِذ لَمْ تَسْأَلُوا ".
ــ
بالبصرة " (١)، وفيه فَزَعُ السلف فى الأمور الطارئة عليهم فى الدين إلى ما عند أصحاب النبى ﷺ، إذ هم الذين أُمرنا بالاقتداء بهم، ولما عندهم عنه فى ذلك من علم وأثر، ولهذا نقل مالك فى جامعه من قول الصحابة فى هذا ما نقل. وفيه من حسن أدب المُتعلم مع العالم وتوقيره ما ذكر من صفته جِلسَة السائل، ويُستدل منه أن جبريل -﵇- كان يأتى النبى ﷺ أحيانًا فى صورة لم يعهدها ولا يحصُلُ [له] (٢) علم بأنه جبريل لأول وهلة، وهو دليل ظاهر هذا الحديث.
ولقوله: " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل " وسيأتى الكلام بَعْدُ على صور الملائكة وذواتهم إن شاء الله.
وقوله: " رُدُّوا علىَّ الرجُل ": قد يحتمل علمهُ به ﵉، لكن لم يُعْلِم به الناس لحكمة الله فى ذلك، ويكون قوله: " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل " إمَّا لأن أمرهَا أيضًا يخفى عن جبريل، أو (٣) المراد به السامعونَ، ويكون قوله: " رُدُّوا علىَّ الرجُلَ " ليتحققوا بتلاشيه (٤) أنه ليس بآدمى، والتأويل الأول أصح؛ لأنه قد جاء فى صحيح البخارى التصريح بأنه لم يدر أنه جبريل.
وقوله: " وسأحدثك عن أشراطها " (٥): أى علاماتها، واحدها شرط، قال أبو جعفر الطبرى: ومن سُمى الشَّرُط لجعلهم لأنفسم علامة يعرفون بها، وقيل: أشراطها مقدماتها وأشراطها الأشياء أوائلها، ومن ذلك يُسمى الشَّرَطَان لتقدُمها أول الربيع (٦)، وقيل: الأشراط جمع شُرْطٍ وهو الدون من كل شىء، فأشراط الساعة صغار أمورها قبل قيامها، ولهذا يُسمى الشرط.
_________________
(١) هذا رجوع منه عما سبق من تكفيره لهم بهذه الأشنوعة. وقوله. بالبصرة، إما أن تكون على الحال من معبد، إذا كان معبد أول من قال ذلك على الإطلاق، وتكون على البدل من القدر، إذا كان معبدُ قد سبق بهذا القول. فقد قالوا: احترقت الكعبة وابن الزبير محصور بمكة من قبل يزيد، فقال أناسٌ: احترقت بقدر الله تعالى، وقال أناس: لم تحترق بقدر الله، وهو أول يوم قيل فيه بالقدر. إكمال الإكمال ١/ ٥١.
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) فى ت: و.
(٤) فى ت: بتلايشه.
(٥) إذا ورد حديثان فى معنى بطريقين بينهما تناف، فلا بد من الجمع بين الطريقين، وطريق الجمع: إن اتحد المواطن أن يذكر وجه يناسب، وإن تعدد المواطن فالجمع بأن يذكر أيضًا وجه يناسب، أو يقال: إنه ذكر فى موطن ما لم يذكر فى آخر. وعلى هذا، ففى هذا الحديث كان المبتدئ بالسؤال فى الحديث الأول جبريل، وهنا كان المبتدئ بالبيان رسول الله ﷺ، ويجمع بينهما بأن يكون جبريل -﵇- ابتدأ فقال له النبى ﷺ: " سأحدثك " فذكر فى الأول السؤال وفى الثانى الجواب. إكمال الإكمال ١/ ٧٥.
(٦) جاء فى اللسان: والشَّرَطان نجمان من الحمل، يقال لهما: قرنا الحَمل، وهما أول نجْمٍ من الرَّبيع، ومن ذلك صار أوائلُ كُلّ أمر يقع أشراطه.
[ ١ / ٢١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله فيه: " بارزًا للناس ": أى ظاهرًا بالبراز، وهو الفضاء من الأرض، [ومنه المبارزة فى القتال] (١) ومنه البروز لصلاة العيد، والاستسقاء.
وقوله: " تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدى الزكاة المفروضة "، قال الإمام: أما التقيِيدُ للصلاة بأنها مكتوبةٌ فبيّنٌ وجههُ، [لأن منها نوافل ليست بمكتوبة] (٢)، وأما التقيد فى الزكاة بأنها مفروضة، فيحتمل أن يكون تحرُّزًا من زكاة الفطر؛ لأنها ليست بفرض مكتوب على أحد القولين (٣) وتحرُّزًا من الزكاة المقدمة قبل الحول فإنها تجزى عند بعض أهل العلم وليست بمفروضةٍ حينئذ، ولكنها تسمى زكاة.
قال القاضى: يظهر لى أن تخصيصه الصلاة المكتوبة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتا﴾ (٤). قال المفسّرون: فريضةً مفروضةً، وقيل: موقتة. وقد جاء ذكرها بالمكتوبة مكررًا فى غير حديث، كقوله: " أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة قيام الليل " (٥).
وفى الحديث: " خمس صلوات كتبهُنَّ الله على العباد " (٦). وتخصيصه الزكاة بالمفروضة أى المقدرة؛ لأنها ماليةٌ محتاجةٌ إلى التقدير فى غير وجه من النصاب.
والجزء المخرج من المال وغير ذلك، ولهذا سُمِّى ما يخرجُ من الزكاة من الحيوانات
_________________
(١) سقط من الأصل، والمثبت من ت.
(٢) سقط من الأصل وق، وقيد فى ت بالهامش. وجاء تعبير الشارع عن أداء الصلاة بلفظ الإقامة دون أخواتها من بقية الفرائض؛ وذلك لما أختصت به من كثرة ما تتوقف عليه من الشرائط، والفرائض، والسنن، والفضائل، وإقامتها إدامة فعلها مستوفاة جميع ذلك. إكمال الإكمال ١/ ٦٤.
(٣) من قال بأنها غير واجبة هم بعض المتأخرين من أصحاب مالك وداود، فيما حكاه ابن عبد البر. وقد نقل ابن قدامة عن ابن المنذر قوله: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن صدقة الفطر فرض، وقال إسحاق: هو كالإجماع من أهل العلم، وذلك لما روى ابن عمر: أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس، صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على حر وعبد، ذكر وأنثى من المسلمين. متفق عليه. زاد البخارى: والصغير والكبير من المسلمين. المغنى ٤/ ٢٨١. ونقل ابن عبد البر عن أبى جعفر الطبرى قوله: " اجمع العلماء جميعًا -لا اختلاف بينهم- أن النبى ﷺ أمر بصدقة الفطر، ثم اختلفوا فى نسخها ". قال: والقول بوجوبها من جهة اتباع سبيل المؤمنين واجبٌ أيضًا؛ لأن القول بأنها غير واجبة شذوذ، أو ضربٌ من الشذوذ. التمهيد ١٤/ ٣٢٤.
(٤) النساء: ١٠٣.
(٥) جزء حديث أخرجه أحمد فى المسند عن أبى هريرة. بلفظ: " أفضل صلاة " ٥/ ٥٣٥.
(٦) الحديث بهذا اللفظ جزء حديث للنسائى وأحمد والبيهقى عن عبادة بن الصامت، النسائى، ك الصلاة، ب المحافظة على الصلوات الخمس ١/ ٢٣٠، أحمد فى المسند ٥/ ٣١٥، البيهقى فى السنن الكبرى ١/ ٣٦١، وأخرجه أبو داود بلفظ: " افترضهن الله " ك الصلاة، ب فى المحافظة على وقت الصلاة ١/ ١٠٠ من حديثه أيضًا.
[ ١ / ٢١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فرائض، وفى كتاب رسول الله ﷺ فى الصدقة: " هذه فريضة الصدقة التى فرضها رسول الله ﷺ (١) وفى الحديث: " فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر " (٢) معناه: قدَّر، وقيل: أوجَب، وقد يكون تفريقه بين هاتين الكلمتين مراعاة لعيب تكرير الواحدة منها وترديدها عليهما، وترديد اللفظ الواحد فى الكلام مذموم إلا أن يفيد معنى زائدًا.
وقوله: [فى هذا] (٣) الحديث: " سلونى " من رواية زهير بن حرب غير مخالف لنهه عن كثرة السؤال، وهذا فيما يُحتاج إليه كقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ (٤) الآية، قال الإمام: خرجه مسلم عن زهير بن حرب، عن جرير، عن عمارة، عن أبى زرعة عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ الحديث، ثم قال مسلم: جرير كنيته أبو عمرو، وأبو زرعة اسمه عُبيد الله، وأبو زرعة [هذا] (٥) روى عنه الحسنُ بن عبيد [الله] (٦) وأبو زرعة كوفى من أشجع. قال بعضهم: وقع هذا الكلام لمسلم فى رواية ابن ماهان خاصةً وليس فى رواية الجلودى ولا الكسائى منه شىء، قال: وبين أهل العلم خلاف فى هذه الجملة.
أما قوله: أبو زرعة اسمه عبيد الله. فقد قاله أيضًا فى كتاب الطبقات، قال: وقال البخارى فى تاريخه ومسلم فى كتاب الكنى: أبو زرعة [هذا] (٧) اسمه هرم، وخالفهما يحيى بن معين فقال: أبو زرعة بن عمرو واسمه عمرو بن عمرو، وكذا ذكره النسائى فى الأسماء والكنى من تأليفه. وأما قوله: " أبو زرعة روى عنه الحسن " فقد قاله البخارى أيضًا وقد خولفا فى ذلك، فقيل: الذى يروى عنه الحسنُ رجل آخَر يروى عن ثابت بن قيس اسمه هرم، قاله ابن المدينى، وإليه ذهب ابن الجارود فى كتاب الكنى، قال: ثم ذكر ابن الجارود ترجمة أخرى فقال: أبو زرعة بن عمرو بن جرير عن أبى هريرة، روى عنه
_________________
(١) الحاكم فى المستدرك من حديث حماد بن سلمة قال: أخذت من ثمامة بن عبد الله بن أنس كتابًا زعم أن أبا بكر كتبه لأنس وعليه خاتم رسول الله ﷺ حين بعثه مصدقًا وكتبه له، فإذا فيه: " هذه فريضة الصدقة التى فرضها " الحديث ١/ ٣٩٠.
(٢) راجع التعليقة قبل السابقة.
(٣) من ت.
(٤) النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧. قال القرطبى: سبب قوله هذا أنهم أكثروا السؤال، واستشعر أن فيهم من يسأل تعنتًا، فغضب حتى احمر وجهه وقال: " سلونى، فوالله لا تسألونى عن شىء إلا أخبرتكم عنه ما دمت فى مقامى هذا " فدخل الناس من ذلك خوف.
(٥) غير مذكورة فى المعلم.
(٦) ساقطة من ق.
(٧) من المعلم. وعبارة مسلم فى الكنى أقرب إلى هذه العبارة من عبارة البخارى فى التاريخ. قال مسلم: أبو زرعة هَرم بن جرير بن عبد الله البجلى، سمع جريرًا، وأبا هريرة، روى عنه أبو حيَّان التيمى وعمارة، والحسن بن عبيد الله. الكنى والأسماء ٤١. أما عبارة البخارى فهى: هرم أبو زرعة بن عمرو بن جرير البجلى الكوفى. التاريخ الكبير ٨/ ٢٤٣.
[ ١ / ٢١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عمارةُ بن القعقاع، والحارث العكلى وأبو حيان التيمى، وكذا ذكر النسائى ترجمتين كما فعل (١) [ابن] (٢) الجارود سواء.
وأما قوله فى رواية ابن ماهان: أبو زرعة كوفى من أشجع، فقال [بعضهم] (٣): لا أعلم ما يقول، كيف يكون من أشجع، وأبو زرعة الذى فى [هذا] (٤) الإسناد هو ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلى، أين تجتمع أشجع وبجيلة، إلا أن يريد رجلًا آخر؟! انتهى كلامه.
قال القاضى: وهذا نصُّ ما ذكره الشيخ الحافظ أبو على الجيَّانى من أوَّله إلى آخره، وهو الذى كنَّى عنه ببعضهم، وذكرناه فى هذا الموضع، إذ هو موضع إدخاله فى جملة حديث السائل وهو آخر طريق ذكره مسلم فى الحديث، وأخَّرَ فى المعلم ذكره بعد هذا بعد حديث ضمام ووفد عبد القيس وليس بموضعه.
وفى جملة حديث السائل من الفقه سوى ما تقدم: أمر العالم الناس سؤاله عما يحتاجون إليه ليبينه لهم، وأنهم إن لم يحسنوا السؤال ابتدأ التعليم من قبل نفسه، كما فعل جبريل، أو يجعل من يسأل فيجيب بما يلزمهم علمهُ.
وقوله فى الحديث: " وتؤمن بالبعث الآخر " مبالغةٌ فى البيان؛ ولأن خروج الإنسان للدنيا بعث أول.
وقوله: "ولقائه " مع ذكر البعث، إشارة إلى الحساب والحشر وهو غير البعث والنشر. مما فرض الله على شيئًا، ونحوه فى حديث محمد بن إسحاق، فعلى عموم قوله: " بشرائع الإسلام "، يسقط كل اعتراض ويذهب كل إشكال مما لم ينُص عليه فى الحديث. وهذا النجدىّ لم يُسمّه مالك ولا مسلم، وسمَّاه البخارى فى الحديث: الليث، فقال فيه: " وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بنى سَعْدٍ بن بكرٍ " (٥). ولم يأت ذكر الحج فى حديث ضمام.
_________________
(١) فى المعلم: فعله.
(٢) من المعلم.
(٣) غير مذكور فيما تيسر لى من نسخ المعلم.
(٤) من المعلم.
(٥) يعنى بذلك ما أخرجه البخارى فى ك العلم، ب ما جاء فى العلم من حديث الليث عن سعيد المقبُرى.
[ ١ / ٢١٥ ]