وَاعْلَم - وَفَقَكَ اللهُ تَعَالى - أَنَّ الوَاجِبَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ عَرَفَ التَّمْيِيزَ بَيْنَ صَحِيحِ الرِّوَايَاتِ وسَقِيمِهَا، وَثِقَات النَّاقِلينَ لهَا مِنَ المُتَّهَمِينَ، ألا يَرْوِىَ مِنْهَا إِلا مَا عَرَفَ صِحَّةَ مَخَارِجِهِ، وَالسَّتَارَةَ فِى نَاقِلِيَهِ، وَأَنْ يَتَقِىَ مِنْهَا مَا كَانَ مِنْهَا عَنْ أَهْلَ التُّهَمِ وَالمُعَانِدِينَ، مِنْ أَهْلِ البِدَع.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الذِى قُلْنَا مِنْ هَذَا هُوَ اللازِمُ دُونَ مَا خَالَفَهُ قَوْلُ اللَّه جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (١)، وَقَالَ جَل ثَنَاؤُهُ: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٢)، وَقَالَ ﷿: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ (٣). فَدَلَّ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الآى أَنَّ خَبَرَ الفَاسِقِ سَاقِطٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَأَنَّ شَهَادَةَ غَيْرِ العَدْلِ مَرْدُودَةٌ.
وَالخَبَرُ، وَإِنْ فَارَقَ مَعْنَاهُ مَعْنَى الشَهَادَةِ فِى بَعْضِ الوُجُوهِ، فَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فِى أَعْظَمِ مَعَانِيهِمَا، إِذْ كَانَ خَبَرُ الفَاسِقِ غَيْرَ مَقْبُولٍ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، كَمَا أَنَّ شَهَادَتَهُ مَرْدُودَةٌ عِنْدَ
ــ
وقول مسلم﵀-: " والخبر وإن فارق معناه معنى الشهادة فى بعض الوجوه، فقد يجتمعان فى أكثر معانيها ": ما أحسن قول مسلم هذا وأبينه فى الدلالة على كثرة علمه وقوة فقهه (٤)، فاعلم أَنَّ الشهادة والخَبَر يجتمعان عندنا فى خمسة أحوال ويفترقان فى خمسة أحوال.
فالخمسة الجامعة لها: العقل، والبلوغ، والإسلام، والعدالة، وضبط الخبر أو الشهادة حين السماع، والأداء، فمتى اختل وصف من [هذه] (٥) الأوصاف فى أحد لم يقبل خبره ولا شهادته.
وأما الخمسة التى يفترقان فيها: فالحريَّة، والذكورية، والعدد، ومراعاة الأهلية، والعداوة.
فخبر العبد مقبول [وإن لم تقبل] (٦) شهادته عندنا، وكذلك خبر الواحد والمرأة مقبول، ولا تقبل شهادتُهما مجردةٌ إلا فى مواضع مستثناة وشرائط معلومة. وخبَرُ الرجل وروايته فيما ينتفعُ به خاصُ أهله أو يضر به عدوهُ مقبول (٧)؛ ولهذا لا يُعذَّر فى مكشفى
_________________
(١) الحجرات: ٦.
(٢) البقرة: ٢٨٢.
(٣) الطلاق: ٢.
(٤) فى ت: فهمه.
(٥) ساقطة من ت.
(٦) فى ت: ولن تقبل.
(٧) قالوا: لأن الشهادة مبنية على التغليظ والتشديد، والخبر مبنى على حسن الظاهر والمسامحة. الإلماع: ١٣٩.
[ ١ / ١٠٧ ]
جَمِيعِهِمْ. وَدَلتِ السُّنَةُ عَلَى نَفْىِ رِوَايَةِ المُنْكَرِ مِنَ الأَخْبَارِ، كَنَحْوِ دَلالةِ القُرْآنِ عَلَى نَفْىِ خَبَرِ الفَاسِقِ، وَهُوَ الأَثَرُ المَشْهُورُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ: " مَنْ حَدَّثَ عِنِّى بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الكَاذِبِينَ ".
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَن شُعْبَةَ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى ليْلى، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِى شَيْبَةَ أَيْضًا،
ــ
القضاة ومجرحى (١) السّر (٢) وكذلك تجوز (٣) رواية الابن عن أبيه وأمّه وروايتهما عنه وإن لم يُجِزهُ بعض العلماء فى نقل الشهادة، وفى مذهبنا فيها وجهان، ولأن الرواية والخبر يعم ولا يخص شخصًا دون شخص والشهادة خاصة، ولهذا نُعْمِلُ الشهادة العامة كيف كانت ولا نردها (٤) بظنة منفعة ولا عداوةٍ كالشهادة على العدوّ من أهل الكفر وعلى الأمور العامة للمسلمين فى سككهم ومرافقهم وإن كان الشاهدُ واحدًا منهم. وشرط الشافعىُّ البصَرَ فى الشهادة دون الخبَرَ، ولا حُجَّة له فى ذلك قائمة (٥)، وشرط بعض الأصوليين البلوغَ حين السماع (٦) والإجماع بخلافه، وشرط الجُبَّائى وبعض القدرية العدد فلا بد عنده (٧)
_________________
(١) فى ت: ومخرجى.
(٢) هم المزكون الشهود للقاضى وللحاكم وعيونه فى الأمة عند المالكية، يطلعونه على مكانه فى الناس، إن كان خيرًا حمد الله وإن كان غير ذلك تعهد نفسه بالتزكية والتقويم، ثم إن لهم عملًا فوق ذلك هو أن يوقفوا القاضى على أسرار المزكين. الشرح الكبير للدرديرى، كتاب القضاء.
(٣) أخرت فى ت إلى ما بعد أمّه.
(٤) فى الأصل بالياء.
(٥) عبارة الإمام الشافعى محتملة قابلة للتأويل على معنى شدة الاحتياط فى الشهادة كما أسلفنا، فكان الأليق بالقاضى حمل كلام الإمام على ما يناسب قدره فى دين الله ليبرأ عرض القاضى من الآفة الذميمة.
(٦) لم أقف على المراد بهذا البعض. ومحل شرط البلوغ عند الجمهور قبول الرواية والعمل بها. جاء فى المستصفى: لا تقبل رواية الصبى؛ لأنه لا يخاف الله تعالى، فلا وازع له من الكذب، فلا تحصل الثقة بقوله، أما إذا كان طفلًا مميزًا عند التحمل بالغًا عد الرواية فإنه يقبل، لأنه لا خلل فى تحمله ولا فى أدائه ويدل على قبول سماعه إجماع الصحابة على قبول خبر ابن عباس، وابن الزبير، والنعمان بن بشير، وغيرهم من أحداث الصحابة من غير فرق بين ما تحملوه بعد البلوغ أو قبله، وعلى ذلك درج السلف والخلف من إحضار الصبيان مجالس الرواية، ومن قبول شهادتهم فيما تحملوه فى الصغر. المستصفى ١/ ١٥٦. وفى المختصر لابن الحاجب: والرواية بعده- البلوغ- والسماع قبله مقبولة كالشهادة. ١/ ٦٨٦. وفى الأحكام للآمدى فى شرائط وجوب العمل بخبر الواحد: " الأول: أن يكون الراوى مكلفًا ". الأحكام ٢/ ١٠١. وفى التمهيد للكلوذانى الحنبلى: فأما اعتبار بلوغه، فلأن غير البالغ لا رغبة له فى الصدق، فأما تحمله إذا كان صبيًا مميزًا وروايتهُ بعد البلوغ فجائز ٣/ ١٠٦.
(٧) فى الأصل: عند. والجُبَّائى هو: أبو على محمد بن عبد الوهَّاب البصرى، شيخ المعتزلة. مات بالبصرة سنة ثلاث وثلاثمائة. قال فيه الذهبى: كان على بدعة متوسعًا فى العلم، سيَّال الذهن، وهو الذى ذلَّل الكلام وسهَّله، ويَسَّرَ ما صَعُبَ منه. سير ١٤/ ١٨٣.
[ ١ / ١٠٨ ]
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِى شَبِيبٍ، عَنِ المُغِيرة بْنِ شُعْبَةَ، قَالا. قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَلِكَ.
ــ
من اثنين عن اثنين فى الخبر كالشهادة، وعند الآخرين أربع عن أربع فى كل خبرٍ، وهذا مما يتعذَّر ولا يفيد معنى فى باب النقل (١)، وأسقط أبو حنيفة شرط العدالة ورأى أن مجرد الإسلام عدالة فى الشهادة، والخبر لمن لم يُعلم فسقهُ وجهلُ أمره (٢) ورأى بعض أهل الحديث أن رواية رجُلين عمن رُوى عنه يُخرجُه عن حدّ الجهالة وإن لم تُعْرَف حالهُ، والصوابُ أن الجهالةَ لا ترتفع عنه بروايتهما حتى يعرف حاله وتتحقق عدالتهُ وإن جهُل نسبهُ (٣).
_________________
(١) فى الأصل: الفعل، والمثبت من ت، وهو الصواب. راجع: المعتمد فى أصول الفقه لأبى الحسين محمد بن على الطيب المعتزلى (٢/ ١٣٨)، فقد نقل عن أبى على الجبائى أنه إذا روى العدلان خبرًا وجب العمل به، وإن رواه واحد فقط لم يجز العمل به إلا بأحد شروط، منها: أن يعضده ظاهر، انضاف خبر آخر إلى خبره أو عمل بعض الصحابة، أو انتشاره بينهم، أو موافقة ما رواه الراوى لظاهر آية، وحكى عنه أنه لم يقبل فى الزنا إلا خبر أربعة، كالشهادة عليه، وأجيب عن ذلك كله بالتمسك بكتب الرسول ﷺ ورسله، فإنه ﷺ كان لا يتكلف جمع رسولين إلى كل صوب، بل كان يبعثهم ويُحَمّلهم نقل الشريعة على ما تقتضيه الأحوال، مفردين ومقترنين. ذكره إمام الحرمين فى البرهان ١/ ٦٠٨. قال: ومن ادعى أن جملة الأخبار التى استدل بها أصحاب رسول الله ﷺ فى أحكام الوقائع رواها أعداد فقد باهت وعاند، وخالف ما المعلوم الضرورى بخلافه. ١/ ٦٠٩. وقد علل﵀- رد الجمهور اشتراط العدد أن هذا يؤدى إلى رد معظم الأحاديث إذا تطاولت العصور، وتناسخت الأزمان والدهور.
(٢) وما ذكره القاضى هنا عن أبى حنيفة ليس مذهبًا ولم يصرح به أبو حنيفة، وانما هو مفهوم عنه له من مسألة أخرى، هى أن الراوى إذا كان معلومًا إسلامه مجهولًا حاله من العدالة والفسق فإنه تقبل روايته؛ لأن الفسق سبب التثبت، فإذا انتفى السبب انتفى المسبب أخذًا بالظاهر. وهذا القول- كما ترى- ليس إسقاطًا لشرط العدالة عند أبى حنيفة، وغاية ما فيه عدم رد رواية مجهولها إذا تحقق له إسلامه، وله على ذلك أدلة: منها: أن مجهول الحال مع الإسلام ظاهر الصدق فى إخباره بكون اللحم مذكى، وطهارة الماء ونجاسته، ورق جاريته، وبأن الرسول ﷺ قال: " لنا الظاهر " حيث دل على الحكم بكل ظاهر، لأن اللام تفيد العموم، فيندرج مجهول الحال تحته؛ لأن الظاهر من حال السلم العدالة. وقد عورضت تلك الأدلة بأن ما جاء فى قول الإمام بالتسوية بين الأخبار والرواية منتف، إذ الأول يقبل مع الفسق، فكذلك يقبل مع مجهول الحال، بخلاف الرواية فإنها لا تقبل مع الفسق، فكذلك لا تقبل مع الجهالة لحالته، ثم إن الرواية أعلى رتبة من الإخبار فيما ذكر من الصور، ولا يلزم من قبول إخبار مجهول الحال فيما هو أدنى رتبة قبوله فيما هو أعلى رتبة. وعما استدل به من الحديث أجيب بأنا لا نسلم أن الظاهر من حال المسلم العدالة، كيف وكونه مجهول الحال، يستوى العدالة والفسق فى الظهور وعدمه. بيان المختصر ١/ ٧٠٠. فغاية الأمر هنا أن ما ذكره القاضى ونسبه إلى الإمام أبى حنيفة لا يعدو أن يكون لازم مذهب، ولازم المذهب عند الأصوليين ليس بمذهب.
(٣) الجهالة عد المحدثين نوعان: جهالة عين، وجهالة حال، ومدار جهالة العين ومعرفتها عند المحدثين على الرواة عن الراوى، فمن روى عنه واحدٌ فقط فهو مجهول العين، ومن روى عنه عدلان صار معروفًا وارتفعت جهالة عينه. تدريب الراوى ١/ ٣١٦. هذا هو تعريف جهالة العين عند جمهور المحدثين. وذهب الأحناف إلى أنه من لم يُعرف إلا بحديث أو حديثين، وجهلت عدالته سواء انفرد بالرواية عنه واحد، أم روى عنه اثنان فصاعدًا قواعد فى عُلوم الحديث: ٢٠٧. =
[ ١ / ١٠٩ ]