٤٣ - (٢٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كِلَاهُمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ إِبْرَاهِيم، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ حُمْرَانَ، عَنْ عُثْمانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ ".
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ الْمُقَدَّمِىُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنِ الْوَلِيدِ أَبِى بِشْرٍ؛ قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ [[رَسُولَ]] اللهِ ﷺ يَقُولُ، مِثْلَهُ سَوَاءً.
ــ
وقوله: " من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنه "، قال الإمام: واختلف الناس فيمن عصى الله من أهل الشهادتين، فقالت المرجئة: لا تضره المعصية مع الإيمان، وقالت الخوارج: تضره ويكفر بها، وقالت المعتزلة: يخلد فى النار إذا كانت معصية كبيرةً ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر، ولكن يوصف بأنه فاسق، وقالت الأشعرية: بل هو مؤمن، وإن لم يغفر له وعُذب فلابد من إخراجه من النار وإدخاله الجنة. وهذا الحديث حجة على الخوارج والمعتزلة، وأما المرجئة فإن احتجت بظاهره على صحة ما قالت به، قلنا: محمله أنه غُفِرَ له أو أخرج من النار بالشفاعة ثم أدخل الجنة، فيكون المعنى فى قوله: " دخل الجنة ": أى دخلها بعد مجازاته بالعذاب، وهذا لابد من تأويله لما جاءت به ظواهر كثيرة من عذاب بعض العصاة، فلابدَّ من تأويل هذا الحديث على ما قلناه لئلا تتناقض ظواهر الشرع (١) وفى قوله فى هذا الحديث: [وهو يعلم] (٢) إشارة إلى الردّ على من قال من غلاة المرجئة: إن يُظهِرَ الشهادتين يدخل الجنة، وإن لم يعتقد ذلك بقلبه، وقد قيد (٣) ذلك فى حديث آخر بقوله: " غير شاك فيها (٤) " وهذا أيضًا يؤكد ما قلناه.
قال القاضى: وقد (٥) يحتج به أيضًا من يرى أن معرفة القلب مجردة نافعة دون النطق بالشهادتين لاقتصاره على العلم (٦)، ومذهب " أهل السنة ": أن المعرفةَ مُرْتَبطةٌ بالشهادتين، لا تنفع إحداهما ولا تنجى من النار دون الأخرى إلا لمن لم يقدر عليها من آفة
_________________
(١) فى الإكمال: ظاهر الشريعة، والمثبت من المعلم.
(٢) من المعلم.
(٣) فى الإكمال: قيل، والمثبت من المعلم.
(٤) فى المعلم: فيهما، وهذا القيد ورد فى رواية أبى هريرة السابقة لمسلم، كما أخرجها أبو عوانةَ فى مسنده ١/ ٩.
(٥) زيد قبلها فى: ق، تلك العبارة بعد قوله: قال القاضى: دليل أن الإيمان وهو يعلم أن لا إله إلا الله. ولا وجه له.
(٦) وهم الجهمية. فقد قالوا بأن الإيمان هو بالله فقط، والكفر هو الجهل به فقط. مقالات الإسلاميين: ٢٧٩.
[ ١ / ٢٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بلسانه، أو لم تمهله المدةُ لقولها: " حتى اختُرِم " (١)، ولا حجَّة للمخالف للجماعة بهذا اللفظ؛ إذ قد ورد مفسرًا فى الحديث الآخر بقوله: " من قال: لا إله إلا الله، ومن شهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله "، وقد جاء هذا الحديث وأمثلةٌ له كثيرةٌ فى ألفاظها اختلاف، ولمعانيها عند أهل التحقيق ائتلاف، وللناس فيها خبط كثير وعن السلف خلاف مأثور (٢)، فجاء هذا اللفظ فى هذا الحديث، وجاء فى رواية معاذ عنه -﵇-: " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة "، وعنه فى رواية أخرى: " من لقى الله لا يُشْرِك به شيئًا دخل الجنة "، وعنه فى رواية أخرى: " من لقى الله لا يُشْرِك به شيئًا دخل الجنة "، وعنه فى أخرى -﵇-: " ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صادقًا من قلبه إلا حرَّمَه الله على النار " ونحوه في حديث عبادة بن الصامت وعتبان (٣) بن مالك، وزاد فى حديث عبادة: " على ما كان من عمل "، وفى حديث أبى هريرة: " لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة "، وفى حديث آخر: " فيحجب عن الجنة "، وفي حديث أبى ذر وأبى الدرداء: " ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق "، وفى حديث أنس: " حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغى بذلك وجه الله ".
وهذه الأحاديث كلها قد سردها مسلم فى كتابه، فحكى عن جماعة من السلف منهم " ابن المسيب " وغيره أن هذا كان قبل أن تنزل الفرائض والأمر والنهى، وذهب بعضهم إلى أنها مجملة تحتاج إلى شرح، ومعناه: من قال الكلمة وأدى حقَّها وفريضتها، وهو قول " الحسن البصرى " (٤) وذهب بعضهم إلى أن ذلك لمن قالها عند التوبة والندم ومات على ذلك. وهو قول البخارى (٥).
_________________
(١) وليس بشرط للداخل فى الإسلام النطق بلفظة " أشهد " ولا التعبير بالنفى والإثبات، فلو قال: الله واحد، ومحمد رسول الله كفى، وأما كون النطق بذلك شرطًا فى حصول الثواب المذكور فمحتمل. وذهب قوم إلى اشتراط صيغة أشهد لاعتبار الإسلام؛ لأن المحل محل تعبد فلا يعدل عما نص عليه الشرع. إكمال الإكمال ١/ ١١٧، وبهامشه مكمل إكمال الإكمال.
(٢) نقل الأبى محاذيه تلك العبارة فى كتابه إكمال الإكمال، وأثبتها على غير وجهها، فقد جاءت هناك بألفاظ مختلفة للسلف فيها خبط كثير. إكمال الإكمال ١/ ١١٢.
(٣) فى الأصل: عبات، والمثبت من ت، وهو الصواب.
(٤) فى إكمال الإكمال: وتأولها الحسن بحملها على من مات ولم يعص ١/ ١١٣، وأنت ترى أن البون بين الاثنين واسع.
(٥) ذكره بعد سياقه لحديث أبى ذر فى كتاب اللباس فقال: " قال أبو عبد الله: هذا عند الموت أو قبله إذا تاب وندم وقال: لا إله إلا الله غفر له " ٧/ ١٩٣. وقد ترجم بمثل هذا لهذا الحديث في أول كتاب الجنائز قال: " باب فى الجنائز، ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله، وقيل لوهب بن منبه: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاحٌ إلا لهُ أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك " ٢/ ٨٩.
[ ١ / ٢٥٤ ]
٤٤ - (٢٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِى النَّضْرِ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ ابْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ الأَشْجْعِىُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبى هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى مَسِيرٍ. قَالَ: فَنَفِدَتْ أَزْوادُ
ــ
وهذه التأويلات كلها إذا حملت الأحاديث على ظاهرها، وأما إذا نُزِلت تنزيلها لم يُشكل تأويلها على ما بيَّنه المحققون.
فنُقرّر أولًا أن مذهب " أهل السنة " بأجمعهم من " السلف الصالح " و" أهل الحديث " و" الفقهاء " و" المتكلمين " على مذهبهم من " الأشعريين ": أن أهل الذنوب فى مشيئة الله تعالى، وأن كل من مات على الإيمان وشهد مخلصًا من قلبه بالشهادتين فإنه يدخل الجنة، فإن كان تائبًا أو سليمًا من المعاصى والتبعات دخل الجنة برحمة ربه، وحُرّم على النار بالجملة، فإن حملنا اللفظين الواردين على هذا فيمن هذه صفته كان بينًا، وهو التفات الحسن والبخارى فى تأويلهما، وإن كان هذا من المخلطين بتضييع ما أوجب الله عليه، أو فعل ما حرم عليه، فهو فى المشيئة لا يقطع فى أمره بتحريمه على النار ولا باستحقاقه لأول حاله الجنة، بل يقطع أنه لابد له من دخول الجنة آخرًا، ولكن حاله له قبلُ في خطر المشيئة وبرزخ (١) الرجاء والخوف، إن شاء ربُه عذَّبه بذنبه أو غفر له بفضله، وإلى هذا التفت من قُدّم قوله من السلف، لكن قد يصح استقلال ألفاظ هذه الأحاديث بأنفسها على هذا التنزيل، فيكون المراد باستحقاق الجنة ما قدَّمناه من إجماع أهل السنة من أنه لابد له من دخول كل مُوَحّد لها إما مُعَجَّلًا مُعافى، أو مؤخرًا بعد عقابه، والمراد بتحريم النار تحريم الخلود، خلافًا للخوارج والمعتزلة فى الوجهين (٢) وينزلُ حديث: " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله " خصوصًا لمن كان هذا آخر نطقه وخاتمة لفظه وإن كان قبل مخلّطًا، فيكون سببًا لرحمة الله له ونجاته رأسًا من النار [وتحريمه عليها] (٣)، بخلاف من لمن يكن ذلك آخر كلامه من الموحدين المخلطين، وكذلك ما ورد في حديث عبادة من مثل هذا ودخوله من أى أبواب الجنة شاء، خصوصًا لمن قال ما ذكره -﵇- وقرن بالشهادتين من حقيقة الإيمان والتوحيد الذى ورد فى حديثه، فيكون له من الأجر ما يرجح بسيئاته ومعاصيه، ويوجب له المغفرة والرحمة ودخول الجنة لأول وهلة إن شاء الله تعالى، كما أشار إليه فى الحديث، والله أعلم بمراد نبيّه.
وذكر (٤) مسلم حديث طلحة بن مُصرّف عن أبى هريرة: كنا مع النبى﵇- وهذا الحديث مما استدركه الدارقطنى على مسلم فقال: خالفه أبو أسامة فأرسلوه
_________________
(١) فى الأصل: وبرزج والصحيح المثبت من ت.
(٢) حيث يكفر الخوارج بالمعصية، ولقول المعتزلة بمنع العفو. راجع: إكمال ١/ ١١٣.
(٣) سقط من الأصل، والمثبت من ت.
(٤) فى ت: ذكر بدون الواو.
[ ١ / ٢٥٥ ]
الْقَوْمِ. قَالَ: حَتَّى هَمَّ بِنَحْرِ بَعْضِ حَمَائلِهِمْ. قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ جَمَعْتَ مَا بَقِىَ مِنْ أَزْوَادِ القَوْمِ، فَدَعَوْتَ اللهَ عَلَيْهَا. قَال: فَفَعَلَ. قَالَ فَجاء ذُو الْبُرِّ بُبرِّهِ، وَذُو التَّمْرِ بِتَمْرِهِ. قَالَ - وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَذُو النَّوَاةِ بِنَواهُ - قُلْتُ: وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ بِالنَّوَى؟ قَالَ: كَانُوا يَمصُّونَهُ وَيَشْرَبُونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ. قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهَا. حَتَّى مَلأَ الْقَوْمُ أَزْوِدَتَهُمْ. قَالَ: فَقَالَ عِنْدَ ذلِكَ: " أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللهِ، لَا يَلقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ، غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ ".
٤٥ - () حدّثنا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، جَمِيعًا عَنْ أَبِى مُعَاوِيةَ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَوْ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ - شَكَّ الأَعْمَشُ - قَالَ: لَمَّا كَانَ غَزْوَةُ تَبُوكَ، أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لوْ أَذِنْتَ لَنَا فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا. فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
ــ
من هذا الطريق عن أبى صالح، واختُلف فيه عن الأعمش فقيل: عن أبى صالح عن جابر وكان الأعمش يشك فيه، ورواه أيضًا الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة وأبى سعيد، وفى هذا الحديث قال: وقال مجاهد: وذو (١) النواة بنواه.
قال عبد الغنى بن سعيد: طلحة بن مُصَرف هو الذى قال ذلك عن مجاهد (٢)، وكذا جاء فى الأمهات: ذو النواة بنواه، ووجهه وذو النواة بنواه، كما قال قبله: فجاء ذو التمر بتمره وذو البُر ببُره، وفى هذا الحديث: حتى ملأ القوم أزودَتَهم، كذا الرواية فيه فى جميع أصول شيوخنا، والأزودة غير الأوعية كما قال فى الحديث الآخر: أوعيتهم، ولعله مزاودهم، أو سمى الأوعية بما فيها كما سُميت الأسقية روايا بحامليها، وإنما الروايا الإبل التى تحملها. وسمى النساء ظعائن باسم الهوادج التى حملت فيها.
قوله فيه: " لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا "، قال الإمام: النواضح من الإبل العاملة
_________________
(١) فى ت: ذو بدون الواو. عبارة الدارقطنى كما جاءت فى التتبع: قال: تابعه مسروق -ابن المرزبان- عن أبيه عن مالك، وخالفهما أبو أسامة وغيره. رووه عن مالك عن طلحة عن أبى صالح مرسلًا، وأخرجه أيضًا من حديث الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة أو أبى سعيد، واختلف فيه عن الأعمش وقيل عن أبى صالح عن جابر أيضًا، وكان الأعمش يشك فيه. أ. هـ ١٧٣.
(٢) قال ابن الصلاح: الإرسال وإن قدح فى السند لم يقدح فى الصحة؛ لأن ما وصله الثقة وأرسله غيره الحكم فيه الوصل عند المحققين، لأنها زيادة ثقة، ولذا قال الدمشقى فى جواب هذا الاستدراك: الأشجعى ثقة مجود، وأما شك الأعمش فغير قادح فى متن الحديث، فإنه شك فى عين الصحابى الراوى له، وذلك غير قادح، لأن الصحابة كلهم عدول. إكمال الإكمال ١/ ١١٤، مكمل إكمال الإكمال.
[ ١ / ٢٥٦ ]
" افْعَلُوا ". قَالَ: فَجَاءَ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ، وَلكِنِ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ،. ثُمَّ ادْعُ اللهَ لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ، لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَجْعَلَ فِى ذلِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " نَعَمْ " قَالَ: فَدَعَا بِنِطَعٍ فَبَسَطَهُ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ. قَالَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِىءُ بكَفِّ ذُرَةٍ. قَالَ: وَيَجِىءُ الآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ. قَالَ: وَيَجِىءُ الآخَرُ بِكِسْرَةٍ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النَّطَعِ مِنْ ذلِكَ شَىء يَسِيرٌ. قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِ بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ: خُذُوا فِى أَوْعِيَتِكُمْ " قَالَ: فَأَخَذُوا فِى أَوْعِيَتِهِمْ، حَتَّى مَا تَرَكُوا فِى الْعَسْكَرِ وِعَاءً إلا ملأُوهُ. قَالَ: فأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَفَضِلَتْ فَضْلَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللهِ، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ، غَيْرَ شَاك، فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ ".
٤٦ - (٢٨) حدّثنا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ - يَعْنِى ابْنَ مُسْلِمٍ - عَنِ ابْنِ جَابِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى عُمَيْرُ بْنُ هَانِئ، قَالَ: حَدَّثَنِى جُنَادَةُ بْنُ أَبِى أُمَيَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ،
ــ
فى السقى، قال أبو عبيد: الناضح البعير الذى يستقى (١) الماء، والأنثى ناضحة. قال غيره: ومنه الحديث: " وما سقى من الزرع نضحًا ففيه نصف العشر " (٢).
وقوله: " حمائلهم "، قال القاضى: يعنى: يحمل أثقالهم، واحدتها حمولة، قال الله تعالى: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ (٣) وهو [بمعنى] (٤) النواضح فى الرواية الأخرى.
وهذا الحديث من أعلام النبوة الظاهرة وهو بابٌ عُلِم على القطع والتواتر مترادف الأحاديث بمعناه من تكثير الطعام القليل، وقد جمعنا مشهور أحاديث هذا الباب ومن رواه من الصحابة وحمله عنهم من التابعين فى باب معجزات نبينا ﷺ من القسم الأول من كتابنا المسمى بـ " الشفا بتعريف حقوق المصطفى " -﵇- لأن هذا الحديث ومثله، إذا رواه الصاحب الواحد وذكره عن المواطن المشهورة والغزوات (٥) المحضورة والجموع الحفلة، وحدث به عنهم بما شاهدوه، وجرى بحضرته وهم غير منكرين ولا مكذبين، مع أنهم الملأ، لا يقرون على منكر، ولا يداهنون فى غير الحق، وكان إقرارهم على خبره، وسكوتُهم على ما حدث به عن ملئهم كالنطق، ولحق خبرهُ وإن كان واحدًا خبر التواتر الصدق.
_________________
(١) فى الإكمال: يسقى، والمثبت من المعلم.
(٢) لفظ الحديث للجماعة: " وما سقى بالنضح نصف العشر "، راجع كتب وأبواب الزكاة لهم، وكذا الدارمى، مالك فى الموطأ، أحمد فى المسند ١/ ١٤٥، ٣/ ٣٤١، ٣٥٣، ٥/ ٢٣٣.
(٣) الأنعام: ١٤٢. قال النووى: واختار بعضهم أنه بالجيم جمع جمالة، والجمالة جمع جمل.
(٤) من ق.
(٥) فى ق: الغزوات، بدون واو.
[ ١ / ٢٥٧ ]
وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسى عَبْدُ اللهِ وَابْنُ أَمَتِهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَىِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاء ".
() وحدّثنى أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيَمَ الدَّوْرَقِىُّ، حَدَّثَنَا مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الأَوْزَاعِىِّ، عَنْ عُميْرِ بْن هَانئٍ، فِى هذَا الإِسْنَادِ بِمِثلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ " وَلَمْ يَذْكُرْ: " مِنْ أَى أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ ".
٤٧ - (٢٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْن حَبَّانَ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنِ الصُّنَابِحِىِّ، عَنْ عُبَادَة بْنِ الصَّامِتِ؛ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِى الْمَوْتِ، فَبَكَيْتُ. فَقَالَ: مَهْلًا، لِمَ تَبْكِى؟ فَوَاللهِ، لَئِنَ اسْتُشْهِدْتُ
ــ
[وفى هذا الحديث من الفقه ترك افتيات أهل العسكر بنحر ما يحملون عليه وإخراجه عن أيديهم إلا بإذن الإمام] (١)؛ لأن ذلك يضعفهم عن غزوهم وسفرهم، وكذلك الحكم فى أسلحتهم وجميع ما يحتاجون إليه فى غزوهم.
وقوله: " وأن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ": سمى عيسى كلمته لأنه كان بكلمة الله، قيل: هى قوله: " كن " فكان، وقيل: هى الرسالة التى جاء بها الملك لأمه مُبَشّرًا به عن أمر الله كما ذكر فى كتابه، وقال ابن عباس: الكلمة اسم لعيسى معنى ألقاها إلى مريم: أى أعلمها به، يقال: ألقيتُ إليك كلمة أى أعلمتُك بها، وسمى عيسى روح الله وروح منه، فقيل: لأنه حدث من نفخة جبريل فى درع مريم، فنسبه الله إليه لأنه كان عن أمره، وسُمى النفخ (٢) روحًا لأنه ريح يخرج من الروح، قاله مكى. وفى هذه العبارة مسامحة، وقيل: روح منه حياة منه، والروح الرحمة كما قال فيه: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا﴾ (٣) وقيل: روح منه برهان لمن اتبعه، وقيل: لأنه لم يكن من أب كما قال فى آدم: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ (٤)، وإنما كان جَعْلُ الروح فيه بلا واسطةٍ. قاله: الحربى.
وقوله: فى حديث عبادة: " دخلت عليه فى الموت فبكيت فقال: مهلًا ": ليس فيه
_________________
(١) سقط من ق. وقيدها الأبى فى الإكمال هكذا: وفيه أن الجيش لا يفوت ما يحتاج إليه من ظهر أو سلاح إلا بإذن الإمام إلخ، وهو تحريف لعبارة القاضى، والافتئات: المسارعة. انظر: إكمال الإكمال ١/ ١١٧. وأن الحديث فى خطاب الكبراء يترجح بمثل تلك العبارة لو أذنت، لو فعلت لا بصيغة افعل. وبذلك لا يكون قول عمر هنا اعتراضًا.
(٢) جاءت فى إكمال الإكمال: الريح. وفى ذكر كونه عبده ورسوله تعريض بالنصارى فيما ادعت النبوة والتثليث، وباليهود فيما قذفت به مريم -﵍- وأنكرت من رسالته.
(٣) مريم: ٢١.
(٤) ص: ٧٢.
[ ١ / ٢٥٨ ]
لأَشْهَدَنَّ لَكَ، وَلَئِنْ شُفَعْتُ لأَشْفَعَنَ لَكَ، وَلئِنْ اسْتَطعْتُ لأَنْفَعَنَّكَ. ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ، مَا مِنْ حَدِيثٍ سَمعْتُهُ منْ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَكُمْ فِيهِ خَيْرٌ إِلَّا حَدَّثْتكُمُوهُ، إِلا حَدِيثًا وَاحِدًا، وَسَوْفَ أُحَدِّثُكُمُوهُ الْيَوْم، وَقَدْ أحِيطَ بِنَفْسِى، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَرمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ ".
٤٨ - (٣٠) حدّثنا هَدَّابُ بْنُ خَالِد الأَزْدِىُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ ابْنُ مَالِكٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؛ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِىّ ﷺ، لَيْسَ بَيْنِى وَبَيْنَهُ إِلَّا مُؤْخِرَةُ
ــ
نهى عن البكاء؛ لأن النهى إنما وقع بعد الوجوب والموت، وفى بكاء بصفة مخصوصة تأتى مُفسرةً إن شاء الله فى الجنائز.
وقوله: " ما من حديث لكم فيه خير إلا حدثتكموه ": دليل على أنه كتم ما خشى عليهم المضى فيه والفتنة مما لا يحتمله كل أحدٍ، وذلك فيما ليس بحجة عملٍ، ولا فيه حدٌّ من حدود الشريعة، ومثل هذا عن الصحابة كثير من ترك الحديث مما ليس بحجة عمل ولا تدعو إليه ضرورة، أو لا تحمله عقول الكافة، أو خشيت مضرته على قائله أو سامعه، لا سيما مما تعلق بأخبار المنافقين، والإمارة وتعيين أقوام وصفوا بأوصاف غير مستحسنة وذم آخرين ولعنهم (١).
وقوله: فى حديث معاذ: " كنت ردف رسول الله ﷺ ": رويناه بإسكان الدال وكسر الراء وبفتح الراء وكسر الدال عند الطبرى، وفى الحديث الآخر رديف- بزيادة ياء. والردف والرديف هو الراكب خلف الراكب، يقال منه: ردِفتُه أردفه، وبكسر الدال فى
_________________
(١) من ذلك ما أخرجه أحمد فى المسند عن أبى هريرة ﵁: قال: قال رسول الله ﷺ: " تعوَّذوا بالله من رأس السبعين، ومن إمارة الصبيان "، وقال: " لا تذهب الدنيا حتى تصير مع لكع بن لكع ". أحمد فى المسند ٢/ ٣٢٦، وقال الحافظ: الحديث صحيح. قلت: وقد كاد أبو هريرة بذلك ملغزًا؛ إذ رأس السبعين كانت فيها إمرة يزيد بن معاوية. وما أخرجه الشيخان وغيرهما واللفظ لمسلم عن عائشة قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الجَدْر -حجر الكعبة- أمن البيت هُوَ؟ قال: " نعم ". قلت: فَلِم لم يُدْخلوه فى البيت؟ قال: " إِنَّ قومَكِ قصَرَتْ بِهِمُ النفقةُ ". قلت: فما شأن بابه مُرْتفعًا؟ قال: " فَعَلَ ذَلِكَ قومُكِ ليُدْخِلُوا من شاؤوا ويمنعُوا من شاؤوا، ولولا أنَّ قَومَكِ حديثٌ عهدُهم فى الجاهلية فأخافُ أن تُنكِرَ قلوبُهم لنَظَرْتُ أَن أُدخِلَ الْجَدْرَ فى البيتِ، وأن ألزق بابه بالأرض ". البخارى، ك الأحكام، ب ما يجوز من الَّلو ٩/ ١٠٦، مسلم، ك الحج، ب جَدْر الكعبة وبابها ٢/ ٩٧٣، أحمد فى المسند ٦/ ١٨٠، النسائى، ك الحج، ب بناء الكعبة، البيهقى فى السنن الكبرى ٥/ ٨٩. وفى مثل هذا يرد قوله ﷺ فيما أخرجه ابن عساكر عن ابن عباس -﵄-: " ما أنت محدث حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان على بعضهم فتنة ". كنز ١٠/ ١٩٢.
[ ١ / ٢٥٩ ]
الرَّحْلِ، فَقَالَ: " يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ " قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُول اللهِ وَسَعْدَيْكَ. ثُمَّ سَارَ سَاعَةً. ثُمَّ قَالَ: " يَا مُعَاذ بْنَ جَبَلٍ " قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُول اللهِ وَسَعْدَيْكَ. ثُمَّ سَارَ سَاعَةً. ثُمَّ قَالَ: " يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ ". قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. ثُمَّ سَارَ سَاعَةً. ثُمَّ قَالَ: " يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ " قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْديْكَ قَالَ: " هَلْ تَدْرِى مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ ". قَال: قُلْت: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " فإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ". ثُمَّ سَارَ سَاعَةً. ثُمَّ قَالَ: " يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ " قُلْتُ: لَبَّيْكَ رسُول اللهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: " هَلْ تَدْرِى مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ إِذَا فَعَلُوا ذلِكَ ". قَالَ: قُلْتُ اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " ألا يُعَذبَهُمْ ".
٤٩ - () حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ سَلامُ بْنُ سُلَيْم، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؛ قَالَ: كُنْتُ رِدْف رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى حمَارٍ يُقالُ لَهُ: عُفَيْرٌ قَالَ: فَقَالَ: " يَا مُعَاذُ، تَدْرِى مَا حَقُّ الله عَلَى الْعِبَادِ ومَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى الله؟ ". قَال: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " فإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوَا اللهَ وَلَا يُشْركُوا بِهِ شَيْئًا، وحَقُّ الْعِبَادِ عَلى اللهِ ﷿ أَلَّا يُعَذّب منْ لَا يُشْركُ بِهِ شَيْئًا ". قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أُبَشرُ النَّاسَ؟ قَالَ: " لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا ".
ــ
الماضى وفتحها فى المستقبل، إذا ركبت خلفه، وتقول: أردفته أنا، رباعى، وأصله من ركوبه على الردف العجز، ولا وجه لرواية الطبرى (١) إلا أن يكون فَعَل هاهنا اسم فاعل مثل عَجِل وزَمِن وفَرِقٍ، إن صحت روايته.
وقوله فيه: " مؤخِرة الرحل ": قيل: معروف كلام العرب آخرة الرحل، وكذا وقع فى حديث أبى ذر وقد جاء مؤخرة الرحل. وفى شعر أبى ذؤيب ردف بمؤخرة الرحل. وهو العود الذى خلف الراكب، وحكى أبو عبيد فيه الوجهين وكله بكسر الخاء وضم الميم، وأنكر ابن قتيبة فتح الخاء، وقال ثابت: مؤخرة الرحل ومقدمه بفتحهما. قال: ويجوز قادمته وآخرته. وأنكر ابن مكى الكسر وقال: لا يقال: مقدم ولا مؤخر إلا فى العين.
وقوله [فى حديث معاذ] (٢): " هل تدرون (٣) ما حق العباد على الله "، قال الإمام: يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون أراد حقًا شرعيًا لا واجبًا بالعقل، كما تقول
_________________
(١) هو أبو على الطبرى الشافعى، الحسن أو الحسين بن القاسم، أحد رواة الصحيح، سكن بغداد وبها توفى سنة خمسين وثلاثمائة. تاريخ بغداد ٨/ ٨٧، طبقات الشافعية الكبرى ٣/ ٢٨٠، وفيات الأعيان ١/ ٣٥٨، سير ١٦/ ٦٢، مكمل إكمال الإكمال ١/ ١٢٠.
(٢) من المعلم.
(٣) فى المعلم: تدرى.
[ ١ / ٢٦٠ ]
٥٠ - () حدّثنا مُحمدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنْ أَبِى حَصِينٍ وَالأَشْعَثِ بْن سُلَيْمٍ؛ أَنَّهُما سَمِعَا الأَسْوَدَ بْنَ هِلَالٍ يُحَدثُ عَنْ مُعَاذ بْنِ جبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: " يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِى مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَاد؟ ". قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " أَنْ يُعْبَدَ اللهُ وَلَا يُشْرَكَ بِهِ شَىْءٌ ". قَالَ: " أَتَدْرِى مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ إِذَا فَعَلُوا ذلِكَ؟ ". فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " أَلا يُعَذبَهُمْ ".
ــ
المعتزلة، وكأنه لما وعد به تعالى [ووعده الصدق] (١) صار حقًا من هذه الجهة، والوجه الثانى: أن يكون خرج مخرج المقابلة [منه] (٢) للفظ الأول [لأنه قال فى أوله: " ما حق الله على العباد "، ولاشك أن لله على عباده حقًا، فأَتْبعَ اللفظ الثانى الأول] (٣) كما قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّه﴾ (٤)، قال تعالى: ﴿[فَيَسْخَرونَ مِنْهُمْ سَخِرَ] (٥) اللَّهُ مِنْهُم﴾
وأما قوله [فى الحديث] (٦): " وأخبر (٧) به معاذ عند موته تأثمًا "، قال الهروى فى تفسير غير هذا الحديث: تأثَّمَ الرجلُ إذا فعل فعلًا يخرج به من الإثم، وكذلك تحنث ألقى الحنث عن نفسه وتحرج ألقى الحرج عن نفسه (٨).
قال الإمام: والأظهر عندى أنه لم يرد فى هذا الحديث هذا المعنى لأن فى سياقه ما يدل على خلافه (٩).
قال القاضى: لعله لم ير هذا التفسير بيّنًا لما ورد أول الحديث: " ألا أُبَشّر الناسَ؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا " فأى إثم في كتم ما أمر به النبى -﵇- بكتمه؟ لكنى أقولُ لعل معاذًا لم يفهم من النبى ﷺ النهى لكن كسر عزمه عما عرض عليه من بشراهم به بدليل حديث أبى هريرة حين قال: " من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة "، ثم لما قال عمر للنبى ﷺ: أخشى أن يتكل الناس [عليها فخلهم يعملوا] (١٠)، قال: " فخلهم "، أو يكون معاذ بلغه بعد أمر النبى ﷺ بذلك لأبى هريرة، وحذر أن يكتم علمًا علمه ويأثم بذلك فأخبر به (١١)، أو يكون حمل النهى على إذاعته
_________________
(١) فى الإكمال جاءت هكذا: يصير وعد الصدق، والمثبت من المعلم.
(٢) غير مذكورة فى المعلم، فهو على ذلك من مجاز المقابلة.
(٣) سقط من الإكمال، والمثبت من المعلم.
(٤) آل عمران: ٥٤.
(٥) و(٦) سقط من ت، والمثبت من الأصل والمعلم، والآية ٧٩ من سورة التوبة.
(٦) فى الإكمال: فأخبر، والمثبت من المعلم.
(٧) فالتفعل إزالة الشىء بالنفس.
(٨) نقله السنوسى على غير هذا الوجه، فقال بعد كلمة الحديث: " لأنه إنما سكت امتثالًا للنهى بقوله: فلا تبشرهم، فأين الإثم حتى يزيله ". أهـ. وذلك بعد أن نسب الأبى للمازرى ما لم يرد له فى المعلم. إكمال الإكمال ١/ ١٢٥، وبهامشه مكمل الإكمال.
(٩) سقط من الأصل، والمثبت من ت.
(١٠) وبذلك يرجع القول إلى الهروى.
[ ١ / ٢٦١ ]
٥١ - () حدّثنا القَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ أَبِى حَصِينٍ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ هلالٍ؛ قَالَ: سمِعْتُ مُعَاذًا يَقُولُ: دَعَانى رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَجَبْتُهُ. فَقَالَ: " هَلْ تَدْرِى مَا حَقُّ اللهِ عَلَى النَّاسِ " نَحْوَ حَدِيثهمْ.
٥٢ - (٣١) حدّثنى زُهيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِىُّ، حَدَّثَنَا عِكْرمَةُ ابْنُ عَمَّارٍ، قَالَ حَدَّثَنِى أَبُو كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: كُنَّا قُعُودًا حَوْلَ رَسُولِ اللهِ
ــ
للعموم، كما كان قال له أوَّلًا: " كل من لقيتَ .. " ورأى هو أن يخُص به كما خصَّه هو به -﵇- أو يكون أمره بذلك لأبى هريرة على الخصوص للذين (١) كانوا معه قبل قيامه بدليل قوله: " من لقيت وراء هذا الحائط، وقد أخبره أبو هريرة أنه جاء والناس وراءه، وسياق الحديث يدل أنهم الذين كانوا معه، ويكون قوله: " من شهد أن لا إله إلا الله " حذرًا أن يكون فيمن يلقى غير من يقولها من كافر أو لا يعتقدها (٢) من منافق؛ ولهذا ترجم البخارى -رحمة الله عليه (٣) -: من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية ألا يفهموا. واحتج بعض الشارحين بالحديث على هذا الفصل، وأما على قوله: " فبشر من لقيت " ليس فيه تخصيص.
وقوله فى الحديث من رواية القاسم بن زكرياء: حدثنا حسين، ثنا زائدة. كذا هو فى أكثر النسخ والأصول ووقع فى بعضها: " حُصين "، وكذا وجدته مصلحًا فى كتابى بخطى: " حصين "- بالصاد المهملة- ولست أدرى من أين كتبته، وهو خطأ والصواب " حسين " بالسين، وكذا وجدته مصلحًا مغيرًا من حصين فى كتاب شيخنا القاضى أبى عبد الله التميمى، وهو حسين بن على مولى الجعفيين.
قال البخاري: سمع القاسم بن الوليد وزائدة وأخاه الوليد، وقال أحمد (٤) بن أبى رجاء: توفى سنة ثلاث ومائتين (٥)، وتكررت (٦) روايته عن زائدة فى غير موضع من الأم، ولا يعرف حصين بالصاد عن زائدة.
وقوله: " فاحتفزتُ كما يحتفز الثعلب ": رواه عامة شيوخنا فى الثلاث كلمات عن العُذّرى وغيره بالراء، وسمعناه على (٧) الأسدى عن أبى الليث الشاشى عن عبد الغافر
_________________
(١) فى الأصل: للذى، والمثبت من ت.
(٢) فى الأصل: يعتقدوها، والمثبت من ت.
(٣) فى ك العلم، ب ٤٩ قال بعدها: وقال علىٌّ: حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحسبون أن يكذب الله ورسوله. والمراد بقوله: (دون) أى سوى، لا بمعنى الأدون، فتح البارى ١/ ٢٧٢.
(٤) فى ت: محمد، وهو خطأ.
(٥) التاريخ الكبير ٢/ ١/ ٣٨١.
(٦) فى جميع الأصول التى تيسرت لنا هكذا: وقد تكون، والمثبت من إكمال الإكمال، ومكمل إكمال الإكمال، وهو الأليق بالسياق، مما يرجح أنها تيسرت لهما من نسخ الإكمال ما لم يتيسر لنا ١٠/ ١٢٢.
(٧) فى ت: وسمعناه عن.
[ ١ / ٢٦٢ ]
ﷺ، مَعَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فِى نَفَر. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ بَيْنِ أَظهُرِنَا. فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا، وَخَشِينَا أَنْ يُقتطَعَ دُونَنا وَفَزِعْنَا، فَقُمنا. فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِى رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتيْتُ حَائِطًا لِلأَنْصَارِ لِبَنِى النَّجَّارِ، فَدُرْتُ بِهِ هَلْ أَجِدُ لَهُ بَابًا، فَلمْ أَجِدْ، فَإِذَا رَبِيعٌ يَدْخُلُ فِى جَوْفِ حَائِطٍ مِنْ بِئْرٍ خَارِجةٍ - وَالرَّبِيعُ الْجَدْوَلُ - فَاحتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ. فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ - فَقَالَ: " أَبُو هُرَيْرَةَ؟ ". فَقُلْتُ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: " مَا شَأنُكَ؟ ". قُلْتُ: كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَقُمْتَ فَأَبْطَأتَ عَلَيْنَا، فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ دُونَنَا، فَفَزِعْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَأَتَيْتُ هذَا الْحَائِطَ، فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، وَهؤْلاءِ النَّاسُ وَرَائِى. فَقَالَ: " يَا أَبَا هُرَيْرَةَ " - وَأَعْطَانِى نَعْلَيْهِ - قَالَ: " اذْهَبْ
ــ
الفارسى عن الجلودى بالزاى، وهو الصواب، ومعناه: تضاممتُ وتداخلتُ، ليسمع من مدخل الجدول الذى ذكر، ومنه حديث على: " إذا صلت المرأة فلتحتفز " (١)، أى لتضام وتنزوى إذا سجدت، ويدل عليه تشبيهه إياه بفعل الثعلب وهو انضمامه للدخول من المضايق (٢).
وقوله: " كنت بين أظهرنا "، وفى رواية الفارسى: " ظهْرَينا ": قال الأصمعى: العربُ تقول: نحن بين ظهريكم على لفظ الاثنين (٣) [وظهرانيكم، قال الخليل: أى بينكم والعرب تضع الاثنين] (٤) موضع الجمع.
وقوله: " ففزعنا وقمنا وكنتُ أوَّل من فزع " (٥): الفزع يكون بمعنى الروع، وبمعنى الهبوب للشىء والاهتمام، وبمعنى الإغاثة، فتصح هذه المعانى الثلاثة، أى ذُعِرْنا لاحتباس النبى ﷺ عنا، ألا تراه كيف قال: " وخشينا أن يُقتطع دوننا " أى يحوزه العدو عنا، ويكون بمعنى الوجهين الآخرين بدليل قوله: ففزعنا وقمنا، وكنتُ أول من فزع، فخرجت أبتغى رسول الله ﷺ، وقوله فيه: " فجهشت بالبكاء " هو فزع الإنسان إلى آخر وهو متغير الوجه متهيئ للبكاء ولما يبك بعد، يقال فيه: جهشتُ وأجهشت جهشًا وإجهاشًا، قال
_________________
(١) النهاية ١/ ٤٠٧، وتمامه فيه: " إذا جلست، وإذا سجدت، ولا تُخوّى كما يُخوّى الرجلُ ".
(٢) قال الأبى: والأظهر فى دخوله محل الغير دون استئذان أن دهش لغيبة رسول الله ﷺ عنه، قال: ويبعد أن يكون لعلمه طيب نفس رب الحائط؛ لأنه يبقى حق رسول الله ﷺ فى الدخول عليه، وإنما جعل الإذن من أجل البصر، ويحتمل أنه دالة. إكمال الإكمال ١/ ١٢٣.
(٣) فى ت: للاثنين.
(٤) سقط من الأصل واستدرك بهامشه.
(٥) ذهب القرطبى إلى منع إرادة الخوف هنا لكون أبى هريرة قال: فخشينا، ثم رتب عليه بفاء السبب فقال: ففزعنا، قال: والأظهر أنه بمعنى الهبوب. قال الأبى: كونه بمعنى الخوف لا يمنع من عطفه، ويكون من عطفه الشىء على نفسه إرادة الاستمرار نحو قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ [القمر: ٩] أى كذبوا تكذيبًا بعد تكذيب. إكمال الإكمال ١/ ١٢٣.
[ ١ / ٢٦٣ ]
بِنَعْلَى هَاتَيْنِ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ "، فَكانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيتَ عُمَرُ. فَقَالَ: مَا هَاتَانِ النَّعْلَانِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ فَقُلْتُ: هَاتَانِ نَعْلا رَسُولِ اللهِ ﷺ، بَعَثَنِى بِهِمَا، مَنْ لَقِيتُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ، بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ. فَضَرَبَ عُمَرُ بِيَدِهِ بَيْنَ ثَدْيَىَّ، فَخَرَرْتُ لاِسْتى. فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَاهُرَيْرَةَ. فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَجْهَشْتُ بُكَاءً، وَرَكِبَنِى عُمَرُ، فَإِذَا هُوَ عَلَى أَثَرِى. فَقَالَ لِى رَسُولُ اللهِ ﷺ: " مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ ". قُلْتُ: لَقِيتُ عُمَرَ فَأَخْبَرتُهُ بالَّذِى بَعَثْتَنِى بِهِ، فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْيَىَّ ضَرْبَةً، خَرَرْتُ لاسْتِى. قَالَ: ارْجِعْ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ " يَا عُمَرُ، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى، أَبَعَثْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ، مَنْ لَقِىَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ، بَشرهُ بِالجَنَّةِ؟ قَالَ. " نَعَمْ ". قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، فَإِنِّى أَخْشى أَنْ يَتكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا، فَخَلِّهمْ يَعمَلُونَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
ــ
الطبرى: هو الفزع والاستغاثة، وقال ابن زيد: جهشت للبكاء وللحزن (١) والشوق جهوشًا.
وقوله: " ركبنى عمر فإذا هو على أثرِى ": أى اتبعنى فى الحين دون تمهل ولا تثبت، ومنه حديث حذيفة: " إنما تهلكون إذا صرتم تمشون الركبات كأنكم يعاقيب حجل " (٢). قال القتبى: أراد أنكم تمضون على وجوهكم دون تثبت ولا روية ولا استئذان من هو أسنُ منكم يركب (٣) بعضكم بعضًا فعل اليعاقيب.
وقوله: " فضربنى عمر بيده بين ثديى (٤) فخررت لاستى ": أى سقطت على [عجزى] (٥) " وقال: ارجع ". الأولى أن عمر لم يقصد بضربه فى صدره إلا رده، والدفع فى صدره، ليرجع كما قال له، لا ليؤذيه ويوقعه، وكان سقوطه من غير تعمد لذلك، بل لشدة الدفع، وليس فعل عمر ومراجعة النبى ﷺ فى ذلك اعتراضًا عليه ورد الأوامر؛ إذ ليس فيما وجّه به معاذ (٦) غير تطييب قلوب أمته وبشراهم، فرأى عمر أن كتم هذا عنهم أصلح لهم، وأذكى لأعمالهم، وأوفر لأجورهم ألا يتكلوا، وأنه أعود بالخير عليهم من مُعَجَّلةِ هذه البشرى، فلما عرض ذلك على النبى ﷺ صوَّبه له، وقد يكون رأى عمر للعموم وأمر النبى ﷺ وسلم للخصوص، وخشى عمر إن حصل فى الخصوص أن يفشو ويتسع.
وفى هذا الحديث من الفقه والذى قبله: إدخال المشورة على الإمام من أهل العلم والدين
_________________
(١) فى ت: والحزن.
(٢) لم أعثر عليه، واليعقوبُ: هو ذكرُ الحجل.
(٣) فى ت: فركب.
(٤) فى الأصل: ثدى.
(٥) من ق، وباقى النسخ: وجهى. وهو غير مناسب. والاست: من أسماء الدبر، والأحسن فيما يقبح سماعه الكناية عنه، بذلك جاء الشرع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]، إلا أن يكون فى التصريح مصلحة راجحة كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾. [النور: ٢]. إكمال الإكمال ١/ ١٢٤.
(٦) فى ت: أبا هريرة، وأظنه الصواب.
[ ١ / ٢٦٤ ]
" فَخَلِّهمْ ".
٥٣ - (٣٢) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ نَبِىَّ اللهِ ﷺ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، قَالَ: " يَا مُعَاذُ " قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: " يَا مُعَاذُ " قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: " يَا مُعَاذُ ". قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ الله وسَعْدَيْكَ - قال: " مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا حَرَمَّهُ اللهُ عَلَى النَّارِ ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ،
ــ
ومن وزرائه وخاصته، وعرض النصائح له وإن لم يستشرهم، وفيه توقيف [أمثال] (١) هؤلاء لما لم ينْفَذْ بعد من أوامره حتى يعرضوا عليه ما ظهر لهم ورأوه فى ذلك من رأى، ورجوع الإمام إلى ما رآه من الصواب فى ذلك، وأن النبى -﵇- فى أمور الدنيا كان يأخذ باجتهاده ويرجع عن رأيه فيها أحيانًا إلى رأى غيره (٢) كما فعل فى تلقيح النخل (٣)، وفى النزول ببدر (٤) وفيما هم به من مصالحة [الأحزاب] (٥)، ولا خلاف فى ذلك. واختلف العلماء هل كان يجتهد برأيه فى الشرعيات فيما لم تنزل عليه فيه شىء أم لا؟ وهل هو معصوم فى اجتهاده أو هو كسائر المجتهدين؟ والصواب جواز الاجتهاد له ووقوعه منه، وعصمته فيه على كل حال، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا أنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٦)، ودَلَّت الآثار الصحيحة على اجتهاده فى نوازل، وحكمه فيها برأيه كقصة أسرى بدر (٧)، وأما كونه أبدًا مصيبًا فى اجتهاده فى ذلك -على القول بأن كل مجتهد مصيب- الذى هو الحق والصواب، أو على المذهب الآخر (٨)، فإن اجتهاده أصلٌ من أصول الحق، وركن من أركان الشريعة الذى يجتهد المجتهدون فى الاستنباط منها والقياس عليها، ويكون خطؤهم وصوابهم بقدر توفيقهم إلى فهمها ومعرفتهم بمراده -﵇- فيها، فكيف يتصور الخطأ عليه فى ذلك ومخالفة الصواب، وإنما ألحق والصواب ما فعله، وإنما الشرع ما أجتهد فيه، وقد تقصَّينا هذا الباب فى القسم الرابع من كتاب الشفا (٩).
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) فى ت: عمر.
(٣) يعنى بذلك ما أخرجه مسلم فى كتاب الفضائل ٤/ ١٨٣٥ عن موسى بن طلحة عن أبيه بشأن النهى عن التلقيح ثم الرجوع فى رأيه.
(٤) يشير إلى ما رواه ابن إسحاق ١/ ٦٢٠ فى شأن مشورة الحباب على رسول الله ﷺ ببدر.
(٥) ساقطة من ق. والذى همَّ به ﷺ فى مصالحته للأحزاب ثم عاد عن رأيه بعد أن شاور السعديْن، أخرجه أيضًا ابن إسحاق فى السيرة ٢/ ٢٢٣.
(٦) النساء: ١٠٦.
(٧) وذلك فى مشاورته ﷺ أصحابه فيهم واختياره ﷺ رأى أبى بكر -﵁.
(٨) وهو أن المصيب واحدٌ.
(٩) قلت: بل هو فى القسم الثالث بالباب الأول ٢/ ٧٤٥.
[ ١ / ٢٦٥ ]
أَفَلَا أُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: " إِذًا يَتَّكِلُوا فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ، تَأَثُّمًا.
٥٤ - (٣٣) حدّثنا شَيْبانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ الْمُغِيرَةِ - قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: حَدَّثَنِى مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَلَقِيتُ عِتْبَانَ، فَقُلْتُ: حَدِيث بَلَغَنى عَنْكَ. قَالَ: أَصَابَنى فِى بَصَرِى بَعْضُ الشَّىْءِ، فَبَعَثْتُ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنِّى أُحِب أَنْ تأتِيَنى فَتُصَلِّى فِى مَنزِلِى، فأَتَّخِذَهُ مُصَلَّى. قَالَ: فَأَتَى النَّبِىُّ ﷺ وَمَنْ شَاءَ اللهُ منْ أَصْحَابِهِ، فَدَخَلَ وَهُوَ يُصَلِّى فِى مَنْزِلِى، وأَصْحَابُهُ يَتَحَدَّثُونَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ أَسْنَدُوا عُظْمَ ذلِكَ وَكُبْرَهُ إلَى مَالِكِ بْنِ دخْشُمٍ. قَالوا: وَدُّوا أَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ، وَوَدُّو أَنَّهُ أَصَابَهُ شَرٌّ، فَقَضى رَسُولُ اللهِ ﷺ الصَّلاة وَقَالَ: " أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّى رَسُولُ الله؟ ". قَالُوا: إِنَّهُ يَقُولُ ذلِكَ، وَمَا هُوَ فِى قَلْبِهِ. قَالَ: " لا يَشْهَدُ أَحَدٌ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهَ وَأَنِّى رَسُولُ الله فَيَدْخُلَ النَّارَ، أَوْ تَطْعَمَهُ ". قَالَ أَنسٌ: فَأَعْجَبَنِى هذَا الْحَدِيثُ، فَقُلْتُ لابنى: أكْتُبْهُ. فَكَتَبَهُ.
ــ
وفيه من الفقه: قول الرجل للآخر: بأبى أنت وأمى، وقد كرهه بعض السلف وقال: لا يُفدَّى بمسلم، والأحاديث الصحيحة تدل على جوازه، كان المفدى بهما مسلمين أو غير ذلك، كانا حيين أو ميتين. وفيه جواز قول الرجل للرجل فى الجواب عند دعائه له لبيك وسعديك، ومعنى لبَّيك: إجابة لك بعد إجابة، وقيل: لزومًا لطاعته وطوعًا بعد لزوم، وسعديك: أى إسعادًا لك بعد إسعادٍ. وقيل: لبيك مداومة على طاعتك، وسعديك: أى مساعدة أوليائِك عليها.
وقال سيبويه: معناه: قربًا منك ومتابعة لك، من ألب فلان على كذا إذا داوم عليه ولم يفارقه، وأسعد فلان فلانًا على أمره وساعده، قال: وإذا استعمل فى حق الله تعالى فمعناه: لا أنأى عنك فى شىء تأمرنى به وأنا متابع أمرك وإرادتك.
وقوله فى حديث ابن الدُخْشُم: " أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله؟ " فقالوا: [إنه] (١) يقول ذلك وما هو فى قلبه فقال ﷺ: " لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله فيدخل النار " [الحديث] (٢)، قال الإمام: إن احتجت به الغلاة من المرجئة فى أن الشهادتين تنفع وإن لم تُعتَقدُ بالقلب، قيل لهم: معناه: أنه لم [يصح] (٣) عند النبى ﷺ ما حكوا عنه من أن ذلك ليس فى قلبه، والحجة فى قول النبى ﷺ، وهو لم يقل ذلك ولم يشهد به عليه.
_________________
(١) : (٣) من المعلم.
[ ١ / ٢٦٦ ]
٥٥ - () حدّثنى أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبدِىُّ، حَدَّثَنَا بهزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ؛ قَالَ: حَدَّثَنِى عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ عَمِىَ. فَأَرْسَلَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: تَعَالَ فَخُطَّ لى مَسْجِدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَجَاءَ قَوْمُهُ. وَنُعِتَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ:
ــ
قال القاضى: وقد ورد فى الحديث من رواية البخارى: " ألا تراه قال: لا إله إلا الله يبتغى بها وجه الله " (١)، فهذه الزيادة تُخرِسُ غلاة المرجئة، وأن الحجة فى هذا الحديث، وفعل عتبان [بن مالك] (٢) وطلبه للنبى -﵇- للصلاة فى بيته لعذره الذى ذكر فى الحديث، وليحصل له الفضل فى أمر الصلاة، حيث رسم له [﵇] (٣) [وصلى فى بيته بعض ما فاته من الصلاة فى جماعة قومه وأن كان أمامهم] (٤) لعذر (٥) بصره، وأن ذلك ربما منعه من النهوض إلى مسجد قومه إذا كان السيل والظلام، كما قال فى الحديث نفسه من غير هذه الرواية (٦).
وفيه: إباحة مثل هذا العذر التخلف عن الجماعة، وإباحة التحدث مع المصلين فى غير المساجد [ما لم يكن المحدثان عن يمين المصلى وعن شماله] (٧) لقوله: " فهو يصلى وأصحابه يتحدثون "، وقد وقع فى هذا الحديث من طرق كثيرة " أن النبى ﷺ أمَّ بأهل الدار " (٨) فلعل حديثه وصلاته هذه كان فى حين آخر غير الصلاة التى أمهم فيها، أو يكون أمَّ بجماعة
_________________
(١) البخارى فى صحيحه، ك الصلاة، ب المساجد فى البيوت، وصلى البراءُ بن عازب فى مسجده فى دارِه جماعة، ولفظه فيه: فقال قائل منهم: أين مالك بن الدُخَيشن أو ابن الدُّخْشنِ؟، فقال بعضهم: ذلك منافق، لا يحبُ الله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ: " لا تقل ذلك، ألا تَراه قد قال: لا إله إلا الله، يريدُ بذلك وجه الله؟ " قال: الله ورسولهُ أعلمُ. قال: فإنَّا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين، قال رسول الله ﷺ: " فإنَّ الله حرَّم على النار من قال: لا إله إلا اللهُ يبتغى بذلك وجه الله " ١/ ١١٦. وبقريب من اللفظ الذى ساقه القاضى أخرجه البخارى من حديث محمود بن الربيع قال: سمعت عتبان بن مالك الأنصارىَّ ثم أحد بنى سالم قال: غدا على رسول الله ﷺ فقال: " لن يُوافَى عبْدٌ يومَ القيامة يقول: لا إله إلا الله يبتغى بها وجه الله إلا حَرَّم الله عليه النار " ك الأدب، ب العمل الذى يبتغى به وجه الله ٨/ ١١١، كذلك أخرجه فى ك الديات، ب ما جاء فى المتأولين بتقديم وتأخير ٩/ ٢٣. ومالك بن الدُّخشم بن مالك بن الدُّخْشَم بن غنم بن عوف بن عمرو بن عوف. قال ابن عبد البر بعد أن ساق قول ابن إسحاق وموسى والواقدى أنه شهد العقبة: لم يختلفوا أنه شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، وهو الذى أسر يوم بدر سهيل بن عمرو: الاستيعاب ٣/ ١٣٥٠.
(٢) من ق.
(٣) سقط من ت.
(٤) سقط من أصل ت، واستدرك بالهامش مكررًا اللفظين الآخرين.
(٥) فى ت: بعذر.
(٦) وهى ما جاءت بها رواية البخارى الأولى السابقة ولفظها: " أن عُتْبان بن مالك وهو من أصحاب رسول الله ﷺ ممن شهد بدرًا من الأنصارِ أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، قد أنكرت بصرى، وأنا أصلى لقومى، فإذا كانت الأمطار سال الوادى الذى بينى وبينهم، لم أستطع أن آتى مسجدَهم فأصلى بهم " الحديث، وكذا ابن ماجه ١/ ٢٤٩، الطيالسى ١٧٤.
(٧) جاءت فى إكمال الإكمال: ما لم يكن أحد المتحدثين عن يمينه والآخر عن شماله ١/ ١٢٦.
(٨) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد أخرجه البخارى وأحمد واللفظ للبخارى: " فقام وصففنا خلفه، ثم سَلَّم وسلَّمنا حين سلَّم "، ك الصلاة، ب من لم يرد السلام على الإمام ١/ ٢١٣، أحمد فى المسند ٤/ ٤٤.
[ ١ / ٢٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ممن كان على طهارة، وجلس قوم يتحدثون. ففى تلك الزيادة أن الإمام أحق بالإمامة من صاحب الدار ومن كل من حضر، وقد ترجم عليه البخارى بإمامة الزائر (١)، وقد جاء فى الحديث النهى عن ذلك وعن أن يؤم الرجل فى سلطانه، وأن صاحب الدار، أحق بالإمامة (٢)، لكنه حق له، فإن تركه وقدم غيره جاز ذلك، بل يستحب له أَنْ يُقَدِّم أفضل من حضر، فإن لم يفعل وكان ممن تجوز إمامته كان أولى، إلا أن يحضر الإمام أو أبو رب المنزل، أو عمه، وهما ممن يصلح إمامتهما، فهؤلاء أولى منهم، والنبى - ﵇ - هنا هو الإمام، وهو المدعو ليصلى ويتقدم، فلا حجة فيه لترجمة البخارى إلا على تخصيص عموم الحديث.
وفيه جواز الصلاة جماعة فى المنزل وفى النوافل، وجواز التنبيه على أهل الريب فى الدين والمتهمين فيه، على طريق النصيحة للمسلمين وإمامهم، وذلك لما رأوا من تخلف هذا عنهم فى موطنٍ مشهود كثير البركة، ولا ظهر عنه من الاغتباط به والفرح بوصول النبى - ﵇ - إلى دارهم والاستكثار منه، والمبادرة إلى لقيّه، والسلام عليه بما (٣) يجب، مع ما رأوا منه قبل هذا من الصغْو إلى المنافقين، كما ذكر فى هذا الحديث من غير هذا الطريق (٤)، فقوى سوء ظنهم به، واشتد غيظهم عليه، ولكنه لما كان عند النبى - ﵇ - من أهل الشهادتين، وممن لم يظهر منه نفاقٌ لم يسقط صحة الظاهر لريبة الباطن، بل (٥) قد قال - ﵇ - فى رواية البخارى: " ألا تراه قال: لا إله إلا الله يبتغى بها وجه الله ".
وقوله: " فيدخل النار ": على ما قدمناه من الحكم على الظاهر وحسن الظن بكمال إيمانه وصحة إسلامه، فلا يدخلها بالوفاء بحق الشهادتين، إذ كان ذلك فى أول الإسلام وتخفيفه (٦) وقبل نزول الشدائد (٧) والأوامر والنواهى، أو دخول خلود، وكذلك تأويل اللفظ الآخر: " فتطعمه النار " أو يكون تطعم جميعه، لما جاء أن أهل التوحيد لا تأكل النار جملة أجسادهم وأنها تتحاشى عن مواضع سجودهم وقلوبهم ودارات وجوههم ومواضع من
_________________
(١) فى الكتاب السابق، ب إذا زار الإمام قومًا فأمهم ١/ ١٧٥.
(٢) من ذلك قوله ﷺ فيما أخرجه الترمذى والنسائى وأحمد من حديث أبى مسعود البدرى الأنصارى: " لا يُؤم الرجلُ فى أهله ولا فى سلطانه، ولا يُجلس على تكرمته إلا بإذنه " الترمذى، ك الأدب، ب ٢٤، والنسائى، ك الإمامة، ب اجتماع القوم وفيهم الوالى ٢/ ٧٧، أحمد فى المسند ٤/ ١١٨، قال الترمذى: " هذا حديث حسن صحيح " ٥/ ٩٩. وراجع ما أخرجه أبو داود، ك الصلاة، ب إمامة الزائر ١/ ١٤٠، ومعالم السنن ١/ ٣٠٨، أبو عوانة ٢/ ٣٦، الطبرانى فى الكبير ١٧/ ٢٢٥.
(٣) فى الأصل: ما يجب.
(٤) من ذلك ما أخرجه أحمد من حديث عتبان: " وتخلف رجل منهم يقال له مالك بن الدخشن، وكان يزين بالنفاق " وفى الحديث الآخر له: " أما نحن فنرى وجهه وحديثه إلى المنافق " ٤/ ٤٤.
(٥) فى الأصل رسمت: بلى.
(٦) فى الأصل: فخفيفه.
(٧) فى الأصل: التشديد.
[ ١ / ٢٦٨ ]
مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُم، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ.
ــ
أجسادهم، كما نص فى الحديث (١).
وقوله: " فتغيَّب رجل منهم يقال له: مالك بن الدخشم ": هكذا رواية العُذرى والجماعة، ورويناه من طريق السمرقندى: " فنعت " وهو وهمٌ، والأول الصواب بدليل افتقاده فى الأحاديث الأخر.
وقولهم فى بعض الروايات: ابن مالك بن الدخشم، ورويناه فى الأم بالميم مكبرًا وجاء مصغرًا فى رواية السمرقندى فى حديث أبى بكر بن نافع، ورويناه بالنون أيضًا مكان الميم مكبرًا ومصغرًا فى غير الأم (٢). وقوله: " وأسندوا [عُظْمَ] (٣) ذلك وكُبْرَهُ ": أى جل حديثهم، بمعنى عظم المتقدم، قال الخليل: كبرُ كل شىء معظمه ويقال: بالكسر أيضًا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُم﴾ (٤) وقيل: الكبر الإثم فى الآية (٥).
_________________
(١) من ذلك ما أخرجه البخارى وابن ماجه وأحمد فى المسند - واللفظ للبخارى - وهو جزء حديث له ولأحمد: " فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود "، ك الأذان، ب فضل السجود ١/ ٢٠٤، أحمد فى المسند ٢/ ٢٩٣، لفظ ابن ماجه: " تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود "، ك الزهد، ب صفة النار ٢/ ١٤٤٦.
(٢) وهى ما جاءت من رواية البخارى وأحمد فى المسند كما سبق قريبًا.
(٣) ساقطة من الأصل، واستدركت بالهامش بسهم، والمثبت من ت.
(٤) النور: ١١.
(٥) وقيل: ابتدأ به، وقيل. الذى كان يجمعه ويذيعه ويشيعه، قاله الحافظ ابن كثير وقال: والأكثرون على أن المراد بذلك إنما هو عبد الله بن أبى بن سلول قبحه الله ولعنه. تفسير القرآن العظيم ٦/ ٢٥. وجاء فى اللسان: يقال: كبر كبرًا إذا أفرط.
[ ١ / ٢٦٩ ]