٥٧ - (٣٥) حدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العقَدِىُّ، حَدَّثَنَا سُليْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ ".
٥٨ - () حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَة؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُون - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً - فَأَفْضَلُها قَوْلُ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْناَهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ ".
٥٩ - (٣٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَعَمْرو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا:
ــ
وقوله - ﵇ -: " الإيمان بضع وسبعون شعبة ": البضع والبضعة [واحد] (١) بكسر الباء، ويقال بفتحها أيضًا فيهما، [فأما من اللحم] (٢) فالبضعة بالفتح لا غير، وهو القطعة من الشىء والفرقة منه، واستعملت العرب البضع فيما بين الثلاث الى العشر وقيل: من ثلاث إلى التسع. وقال الخليل: البضع سبع، وقيل: هو ما بين اثنين إلى عشرة وما بين اثنتى عشرة إلى عشرين، ولا يقال: فى أحد عشر ولا اثنى عشر، وقال أبو عبيدة: هو ما بين نصف العقد، يريد من واحد إلى أربعة، والشعبة أيضًا القطعة من الشىء والفرقة منه، ومنه شعب الإيمان وشُعب (٣) القبائل، وشعبها الأربع، وواحد شعوب [القبائل] (٤) شعب الفتح، وقيل: بالكسر، وهم القبائل العظام، وشعب (٥) الإناء أيضًا صَدعه بالفتح، ومنه قوله فى الحديث: " واتخذ مكان الشعب سلسلة " (٦)، قال الخليل: الشَعبُ الاجتماع والشعب الافتراق، وقال الهروى: هو من الأضداد (٧)، وقال ابن دريد: ليس كذلك لكنها لغة لقوم، فمراده والله أعلم: أنه سبع وسبعون
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) فى الأصل: وأما اللحم.
(٣) فى الأصل: وشعوب.
(٤) من ق.
(٥) فى ت: وشعبة.
(٦) جزء حديث، أخرجه البخارى، ك الخمس، ب ما جاء فى بيوت أزواج النبى ﷺ ٤/ ٩٩ عن أنس ولفظه: " أن قدَح النبى ﷺ انكسر، فاتخذ مكان الشعب سِلسلة من فضةٍ ".
(٧) وكذلك ابن السكيت، قال: إنه يكون بمعنيين، يكون إصلاحًا، ويكون تفريقًا.
[ ١ / ٢٧١ ]
حَدَّثَنَا سُفيَانُ بْنُ عُيينة، عَنِ الزُّهْرِىّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ سَمِعَ النَبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَعِظُ أَخَاهُ فِى الْحَيَاءِ، فَقَالَ: " الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ ".
() حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىّ، بِهذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: مَرَّ بِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ يَعِظُ أَخَاهُ.
ــ
خصلة، وقد تقدم أن أصل الإيمان فى اللغة: التصديق وفى عرف الشرع: تصديق القلب واللسان، وظواهر الشرع تطلقه على الأعمال كما وقع هنا: " أفضلها شهادة أن لا إله إلا الله وآخرها إماطة الأذى عن الطريق "، وقدمنا أن تمام الإيمان بالأعمال وكماله بالطاعات، وإن التزام الطاعات وضم هذه الشُعَب من جملة التصديق ودلائل عليه، وأنها خلق أهل التصديق، فليست خارجة عن اسم الإيمان الشرعى ولا اللغوى، وقد نبه - ﵇ - على أفضلها بالتوحيد المُتَعَيّن على كل مسلم، والذى لا يصح شىء من هذه الشعب إلا بعد صحته، وأدناها ما يتوقع ضرره بالمسلمين من إماطة الأذى عن طريقهم وإن لم يقع الأذى بعد، وبقى بين هذين الطرفين من أعداد أبواب الإيمان ما لو تُكُلف حصرها بطريق الاجتهاد وتعينها بغلبة الظن إلى حصر عدته (١) [لأمكن] (٢)، وقد أشار إلى نحو هذا بعد من تقدم، وعليه بنى الفقيه إسحاق بن إبراهيم القرطبى كتابه المسمى بالنصائح، ولكن القطع أن تعيين ما نَقَّحه الاجتهاد وترتيبه على تلك الأبواب هو مراد النبى - ﵇ - يصعب، ولن يعدم من يرتب ترتيبًا آخر، ويداخل بعض الأبواب فى بعض، ويفصل بعض الأقسام من بعض، والله - ﷿ - أعلم، ولكنه قد جاء فى الأحاديث النص على [بعض] (٣) تلك الشعب كما سيأتى، ووقع فى الأم فى حديث زهير الشك فى سبعين أو ستين، وكذلك وقع، فى البخارى من رواية أبى زيد المروزى أول الكتاب: " ستون " (٤). والصواب ما وقع فى سائر الأحاديث ولسائر الرواة: [سبعون] (٥)، ولا يلزم معرفة تعيينها، ولا يقدح جهل ذلك فى الإيمان، إذ أصول الإيمان وفروعه معلومة محققة، والإيمان بأنها هذا العدد من الحديث وأجب على الجملة وتفصيل تلك الأصول وتعينها على هذا العدد يحتاج إلى توقيف.
وقوله: " والحياء شعبة من الإيمان "، قال الإمام: إنما كان الحياء وهو فى الأكثر غريزةٌ من الإيمان الذى هو اكتسابٌ " لأن الحياء يمنع من المعصية كما يمنع الإيمان منها، والحياء هاهنا ممدود من الاستحياء.
_________________
(١) بعدها فى الأصول: ﵇. أغلب الظن عندى أنها عبارة مقحمة.
(٢) و(٣) سقطتا من ق.
(٣) البخارى فى الصحيح، ك الإيمان، ب أمور الإيمان ١/ ٩، وكذلك أخرجه النسائى فى المجتبى، ك الإيمان وشرائعه، ب ذكر شعب الإيمان ٨/ ٩٦.
(٤) جاءت العبارة فيما نقله الإمام النووى بالمطبوعة: " وستون " وهو وَهْم. نووى على مسلم ١/ ٢٠٨ ط. الشعب.
[ ١ / ٢٧٢ ]
٦٠ - (٣٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ الْمثنى، ومُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى - قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ؛ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا السَّوَّارِ يُحَدِّثُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " الْحَيَاءُ لَا يَأْتِى إِلا بِخَيْرٍ "، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِى الحِكْمَةِ: أَنَّ مِنْهُ وَقَارًا وَمِنْهُ سَكِينَةً. فَقَالَ عِمْرَانُ: أُحَدثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَتُحَدِّثُنِى عَنْ صُحُفِكَ.
٦١ - () حدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِىُّ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ إِسْحَاقَ - وَهُوَ ابْنُ سُوَيْدٍ - أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ حَدَّثَ؛ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِى رَهْطٍ مِنَّا، وَفِينَا بشَيرُ
ــ
قال القاضى: الحياء أحد الشعب المحصورة، فهذا من [الأعداد المحصورة بالنص] (١)، وقد يعد الحياء من الإيمان بمعنى التخلق والتزام ما يوافق الشرع ويحمد منه، فرب حياء مانع من الخير مُجبن عن قول الحق، وفعله مذموم، ورب حياء عن المآثم والرذائل مأمور به يجازى عليه، كما جاء فى الحديث الآخر: " لكل دين خلق، وخُلق الإسلام الحياء " (٢). وكان الحياء من خلق نبينا محمد ﷺ. وقد يكون الحياءُ فى بعض الناس غريزة وطبعًا جُبل عليه، ولكن استعماله على قانون الشريعة وحيث يجب يحتاج إلى اكتساب ونيَّةٍ وعلم.
وقد يكتسبه من لم يجبل عليه ويتخلق به؛ ولهذا كله قال: " الحياء لا يأتى إلا بخير ".
وقول عمران بن حصين لبشير بن كعب لما حدَّثه بهذا الحديث فقال بُشير: إنا لنجد فى بعض الكتب: إن منه سكينةً ووقارًا ومنه ضَعْفٌ: أُحدِّثك عن رسول الله ﷺ وتُعارض فيه وتحدثنى عن صحيفتك.
وغضبه عليه كما جاء فى الحديث حتى شهد له الحاضرون أنه لا بأس به، حماية أن يذكر مع السُنة ما ليس منها أو تعارض بغيرها مما يخالفها، لقوله: " ومنه ضعف "؛ ولئلا يتطرق من [فى] (٣) قلبه ريب إلى مثل هذا.
وأبو نُجَيد - المذكور هنا - هى كنية عمران بن الحصين بضم النون وفتح الجيم [مصغرًا] (٤) وآخره دال مهملة.
ومعنى تعارضه: أى يأتى بمقال يضاهيه، ويعترض عليه بما يخالفه.
_________________
(١) فى الأصل: العدد المحصور.
(٢) مالك فى الموطأ، ك حسن الخلق، ب ما جاء فى الحياء ٢/ ٩٠٥. قال ابن عبد البر: رواه جمهور الرواة عن مالك مرسلًا.
(٣) و(٤) سقطتا من الأصل.
[ ١ / ٢٧٣ ]
ابْنُ كَعْبٍ، فَحَدَّثَنَا عِمْرَانُ يَوْمَئذٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ ". قَالَ: أَوْ قَالَ: " الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ "، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّا لَنَجِدُ فِى بَعْضِ الْكُتُبِ أَوِ الْحِكْمَةِ أَنَّ مِنْهُ سَكِينَةً وَوَقَارًا لله، وَمِنْهُ ضَعْفٌ. قَالَ: فَغَضِبَ عِمْرَانُ حَتَّى احْمَرَّتَا عَيْنَاهُ، وَقَالَ: أَلا أَرَانِى أُحَدثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَتُعَارِضُ فِيهِ؟ قَالَ: فَأَعَادَ عِمْرَانُ الْحَدِيثَ. قَالَ: فَأَعَادَ بُشَيْرٌ، فَغَضِبَ عِمْرَانُ. قَالَ: فَمَا زِلْنَا نَقُولُ فِيهِ: إِنَّهُ مِنَّا يَا أَبَا نُجَيْدٍ، إِنَّهُ لَا بَأس بِهِ.
حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، حَدَّثَنَا أَبُو نَعَامَةَ الْعَدَوِىُّ، قَالَ: سَمِعْتُ حُجَيْرَ بْنَ الرَّبِيعِ الْعَدَوِيَّ يَقُولُ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ.
ــ
وقوله: " يعظ أخاه فى الحياء ": أى يؤنبه ويُقَبح له كثرته، وأنه من العجز وينهاه عنه، ولذلك قال: " دعه، فإن الحياء من الإيمان "، ولم يقل مسلم: " دعه "، وقاله البخارى (١)، أى إنما فعله خيرٌ كله، كما قال فى الحديث الآخر، فلم يأت ما يُزجَر عليه ويلام فيه.
_________________
(١) فى الصحيح، ك الأدب، ب الحياء ٨/ ٣٥.
[ ١ / ٢٧٤ ]