٦٧ - (٤٣) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِى عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، جَمِيعًا عَنِ الثَّقَفِىِّ. قَالَ ابْنُ أَبِى عُمَرَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى قِلابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهنَّ حَلاوَةَ الإِيمَانِ؛ مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ ﷺ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِى الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِى النَّارِ ".
٦٨ - () حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَة قَال: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَس، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: " ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَد طَعْمَ الإِيمَانَ؛ مَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلا للهِ، ومَن كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ كَانَ أَنْ يُلْقَى فِى النَّار أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ فِى الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْه ".
ــ
وقوله: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان " الحديث، هو بمعنى الحديث المتقدم: " ذاق طعم الإيمان "، وذلك أنه لا تتضح محبة الله ورسوله حقيقة، والحبُ للغير فى الله وكراهة الرجوع إلى الكفر، إلا لمن قوى [بالإيمان يقينه] (١)، واطمأنت به نفسه، وانشرح له صدره، وخالط دمه ولحمه، وهذا هو الذى وجد حلاوته.
والحب فى الله من ثمرات الحب لله.
ومعنى حب العبد لله: استقامتهِ فى طاعته، والتزامه أوامره ونواهيه فى كل شىء ولهذا قال بعضهم: المحبةُ مواطأة القلب على ما يُرضى الرب، فيحبُ ما أحب ويكره ما كره.
واختلفت عبارات المتكلمين فى هذا الباب بما لا يؤول إلى اختلاف إلا من حيث اللفظ والالتفات إلى أسباب المحبة أو إلى ثمراتها، وبالجملة [فأصل] (٢) المحبة الميلُ لما يوافق المحبَّ والله - جل اسمه - منزَّة عن أن يميل أو يمال إليه (٣)، وأما المحبةُ للرسول فيصح منه الميل؛ إذ ميل الإنسان لما يوافقه إما لأنه يستلذه ويستحسنه كميله للصورة الجميلة
_________________
(١) فى الأصل: الإيمان فى يقينه، والمثبت من ت.
(٢) من ق.
(٣) قال الأبى: والذى يتنزه الله - سبحانه - عنه إنما هو الميل إليه فى الحس لإشعاره بالجهة والمكان، وليست المحبة فى الحس، وإنما هى ميل القلب، وميل القلب إلى الشىء إيثاره له، ولا يمتنع أن يتعلق ذلك به تعالى كما يتعلق به العلمُ الآن والرؤية فى الآخرة ١٠/ ١٤٣. ثم إن الطاعة ثمرة المحبة، ولا يفسر الشىء بثمرته، قال السنوسى: وما سلكه القاضى هو مذهب إمام الحرمين، وما سلكه الأبى هو مختار المقترح. السابق ومكمل الإكمال ١/ ١٤٣.
[ ١ / ٢٧٨ ]
() حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَنْبَأَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ، عَن ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " مِنْ أَنْ يَرْجِعَ يَهُودِيًا أَوْ نَصْرَانِيًا ".
ــ
والأصوات الحسان والمطاعم الشهية وأشباهها من المستلذات بالحواس الظاهرة أو يستلذه بحاسة عقله من المعانى الباطنة الجميلة والأخلاق الرفيعة، كمحبة الصالحين والعلماء وأهل الفضائل، والخصال العليَّة، وإن لم يَرَهم ولا قارب زمانهم، أو ميله لمن يحسن إليه وينعم عليه، ويدفع المضار والمكاره عنه، فقد جبلت النفوس (١) على حب من أحسن إليها.
وهذه المعانى كلها موجودة فى حق النبى ﷺ، مُسَبِّبة حبه لما خُلِق عليه من كمال صورة [الباطن والظاهر] (٢) وكمال خلال الجلال، وجماع (٣) الفضائل، وإحسانه إلى المسلمين بهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم، ودوام النعيم: الإبعاد من الجحيم، وقد أشار بعضهم إلى أن هذا متصَوَّرٌ فى حق الله تعالى، وحب العبد له على قدر معرفته لجلاله وكمال صفاته وتقدسه عن النقائص، وفيض إحسانه وأن الكل منه، وكل جمال وجلال فمضاف إليه، وكل فضل وإجمال فمن بسط يديه لا إله غيره.
ومن محبته ومحبة رسوله التزام شريعته، ووقوفه عند حدوده ومحبة أهل ملته، وهو تمام محبته، فيُحب العبد لا يحبه إلا لله؛ لأن من أحبَّ شيئًا أحبَّ ما يُحبهُ، ومن يحبه، ومن هو من سببه، قال النبى ﷺ: " من أحبَّ العربَ فَبِحُبِّى أحبَّهم " (٤)، وإذا حصل هذا بين المؤمنين حصلت منه الألفةُ الموجبة للتعاون على البر والتقوى، والمزيدة (٥) لأمر الدين والدنيا والمحبة لله والبغض فيه من واجبات الإسلام، وهو قول مالك وغيره من [العلماء] (٦).
_________________
(١) فى ق: القلوب.
(٢) فى ق: الظاهر والباطن.
(٣) فى ق: وجميع.
(٤) الطبرانى فى الكبير ١٢/ ٤٥٥، وابن عدى فى الكامل ٢/ ٨٠٣ عن عثمان بن عفان، والحديث واه بمرة، آفته من حصن بن عمر الأحمسى، قال فيه البخارى: منكر الحديث، ضعفه أحمد، قدم من الكوفة إلى بغداد سائلًا يسأل، وقال فيه يحيى بن معين: ليس بشىء، وقال ابن المدينى: ليس بالقوى، وقال يعقوب ابن سفيان: ضعيف جدًا، ومنهم من تجاوز به الضعف إلى الكذب، وقال الساجى وأبو زرعة: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: واهى الحديث جدًا، لا أعلم يروى حديث يتابع عليه وهو متروك الحديث، وقال الترمذى: ليس عند أهل الحديث بذاك القوى، وقال النسائى: ضعيف، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوى عندهم. تهذيب التهذيب ٢/ ٢٨٥.
(٥) فى ت: والمودة.
(٦) من ق، وفى بقية النسخ: العلم.
[ ١ / ٢٧٩ ]