٧٤ - (٤٧) حدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قاَل: أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنْ ابْن شِهَاب، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قالَ: " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخَرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ ".
٧٥ - () حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَة، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَن أَبِى حسينٍ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
ــ
وقوله: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذى جاره "، وفى الحديث الآخر: " فليحسن إلى جاره "، وفى الآخر: " فليُكرم جاره " معنى ذلك: أن من التزم شرائع الإسلام لزمه إكرام جاره وبره، وأمَر أهل الإيمان بذلك.
وكل هذا تعريف بحق الجار وحض على حفظه؛ وقد أوصى الله بالإحسان إليه فى كتابه، وقال - ﵇ -: " ما زال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورِّثه ". وعن عائشة - ﵂ - أنها قالت: يا رسول الله، إن لى جارين فإلى أيهما أهدى؟ قال: " إلى أقربهما منك بابًا " (١).
_________________
(١) أخرجه البخارى فى صحيحه فى أكثر من موضع، فقد أخرجه فى الشفعة، ب أى الجوار أقرب ٣/ ١١٥، وفى الهبة، ب بمن يبدأ بالهدية ٣/ ٢٠٨، وفى الأدب، ب حق الجوار فى قرب الأبواب ٨/ ١٣ والحديث مما انفرد به البخارى عن مسلم، كما أخرجه أحمد فى المسند ٦/ ١٧٥، ١٨٧، ١٩٣، ٢٣٩. قال الحافظ فى الفتح: " أقربهما: أى أشدهما قربًا، وقيل: الحكمة فيه أن الأقرب يرى ما يدخلُ بيت جاره من هدية وغيرها فيتشوف لها، بخلاف الأبعد، وأن الأقرب أسرع إجابة لما يقع لجاره من المهمات، ولا سيما فى أوقات الغفلة. وقال ابن أبى جمرة: الإهداء إلى الأقرب مندوب، لأن الهدية فى الأصل ليست واجبة، فلا يكون الترتيب فيها واجبًا. قال الحافظ: وفى الحديث أن الأخذ فى العمل بما هو أعلى أولى، وفيه تقديم العلم على العمل. قال: واختلف فى حد الجار، فجاء عن على - ﵁ -: " من سمع النداء فهو جار "، وقيل: " من صلى معك صلاة الصبح فى المسجد فهو جار "، وعن عائشة: " حدُّ الجوار أربعون دارًا من كل جانب "، وعن الأوزاعى مثله، أخرج البخارى مثله فى الأدب المفرد عن الحسن، للطبرانى بسند ضعيف عن كعب بن مالك مرفوعًا: " ألا إن أربعين دارًا جارًا "، أخرج ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب: " أربعون دارًا عن يمينه، وعن يساره، ومن خلفه ومن بين يديه ". قال الحافظ: وهذا يحتمل كالأولى، ويحتمل أن يريد التوزيع، فيكون من كل جانب عشرة ". فتح ١٠/ ٤٦٣.
[ ١ / ٢٨٤ ]
الآخِرِ فَلا يُؤذِى جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ ".
ــ
وكذا قوله - أيضًا -: " فليكرم ضيفه " (١) بمعنى ما تقدم.
والضيافة من آداب الإسلام، وخلق النبيين والصالحين، وقد أوجبها الليث (٢) وقال: هى حق واجب ليلة واحدة، واحتج بالحديث: " ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم " (٣)، وبحديث عقبة: " إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بحق الضيف فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذى ينبغى لهم " (٤). وعامة الفقهاء على أنها من مكارم الأخلاق، وحجتهم قوله ﷺ: " جائزته يوم وليلة "، والجائزة العطية والمنحة والصلة، وذلك لا يكون إلا مع الاختيار.
وقوله: " فليكرم وليحسن " تدل عليه، إذ ليس يستعمل مثله فى الواجب (٥)، مع
_________________
(١) حديث رقم (٧٤/ ٤٧) بالباب الثانى.
(٢) هو ابن سعد، الإمام الحافظ، شيخ الإسلام، وعالم الديار المصرية، مولده - بقرية فشندة. وهى الآن قلقشندة من أعمال القليوبية - سنة ثلاث وتسعين، سمع عطاء بن أبى رباح، وابن شهاب الزهرى، وهشام بن عروة، وخلق كثير، وروى عنه خلق كثير، منهم ابن المبارك، وابن لهيعة،. قال ابن وهب: كل ما كان فى كتب مالك: وأخبرنى من أرضى من أهل العلم، فهو الليث بن سعد. وقال حرملة: سمعت الشافعى يقول: الليث أتبعُ للأثر من مالك. مات سنة خمس وسبعين ومائة. الطبقات الكبرى ٧/ ٥١٧، تاريخ بغداد ١٣/ ٢٧، سير ٨/ ١٣٦.
(٣) الحديث بهذا اللفظ أخرجه الطحاوى فى المشكل ٤/ ٣٨، وتأوَّل الوجوب فيه على المارين بقوم فى بادية لا يجدون من ضيافتهم إياهم بدلًا، ولا يجدون ما يبتاعونه مما يغنيهم عن ذلك. وقد أخرجه أحمد وأبو داود عن المقدام أبى كريمة بلفظ: " ليلة الضيف حق على كل مسلم " أبو داود، ك الأطعمة، ب ما جاء فى الضيافة ٢/ ٣٠٦، أحمد فى المسند ٤/ ١٣٠، ولفظه هناك: " ليلة الضيف واجبة .. ". وانظر: السنن الكبرى للبيهقى ٩/ ١٩٧. قال الحافظ ابن كثير: " ومن هذه الأحاديث وأمثالها ذهب أحمد وغيره إلى وجوب الضيافة ". تفسير القرآن العظيم ٢/ ٣٩٦. وقال الخطابى: " ووجه ذلك أنه رآها حقًا من طريق المعروف والعادة المحمودة، ويشبه - أى الوجوب - أن يكون فى المضطر الذى لا يجد ما يطعمه، ويخاف التلفَ على نفسه من الجوع ". معالم السنن ٥/ ٢٩٢.
(٤) متفق عليه، وسيرد إن شاء الله: ك اللقطة، ب الضيافة ونحوها (١٧).
(٥) وهو ما يذم شرعًا تاركه قصدًا مطلقًا، كما عرفه الأسنوى. نهاية السول ١/ ٥٢. وعرفه الآمدى بأنه عبارة عن خطاب الشارع بما ينتهض تركه سببًا للذم شرعًا فى حالةٍ ما. الإحكام فى أصول الأحكام ١/ ٩٢. ويراد فى الواجب كلمة الفرض، والمحتوم، واللازم عند الجمهور، وخالف الحنفية فى ذلك، فقالوا: إن الفرض عندهم ما ثبت بدليل قطعى لا شبهة فيه، والواجب ما ثبت بدليل ظنى فيه شبهة. أصول الفقه ٢٣.
[ ١ / ٢٨٥ ]
٧٦ - () وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسى بْنُ يُونُسَ عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِى حَصِينٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قالَ: " فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ ".
٧٧ - (٤٨) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَن ابْنِ
ــ
أنه جمعه مع إكرام الجار والإحسان إليه، وذلك غير واجب، فهو مثله. (١). وتأولوا الأحاديث أنها كانت فى أول الإسلام، إذ كانت المواساة واجبةً، وقيل: لعل هذا كان للمجاهدين أول الإسلام ولم يكن لهم سعةٌ للزاد، فأُلزِم من مرَّ بهم ضيافَتهم، وقيل: لعل ذلك على من أُلزِم الضيافة من أهل الذمة لمن يجوز بهم.
واختُلِفَ: هل الضيافة على الحاضر والبادِ؟ فذهب لكون ذلك عليهما الشافعى ومحمد بن عبد الحكم (٢). وقال [مالك] (٣) وسحنون: إنما ذلك على أهل البوادى ولا يلزم أهل الحاضرة؛ لأن المسافر يجد فى الحضر المنازل فى الفنادق ومواضع النزول وما يشترى فى الأسواق، وقد جاء فى حديث: " الضيافة على أهل الوبر وليست على أهل المدر "، لكن هذا الحديث عند أهل المعرفة موضوع (٤).
وقد تتعين الضيافة لمن اجتاز محتاجًا وضيف عليه، وعلى أهل الذمة إذا شرطت عليهم فى الأصل.
وقوله: " فليقل خيرًا أو ليصمت ": أى ليقل خيرًا يثاب عليه، أو يصمت عن الشر فيسلم. وهو متل الحديث الآخر: " من صمت نجا " (٥)، فعرَّفَك بهذا أن من آمن بالله واليوم الآخر فليلزم هذه الأخلاق الحسنة، من إكرام الضيف، والجار، ودفع أذاه
_________________
(١) وقد أجيب عن الأول من الاحتجاجات - وهو قولهم، والجائزة العطية، والعطية لا تجب إلا مع الاختيار -: بأن العطية جنس، ولا يلزم من عدم وجوب الجنس ألا يجب واحد من أفراده. وعن الثانى - وهو أن قوله: " فليكرم وليحسن " لا يستعمل مثله فى الواجب -: بأن القولين جاءا للقدر الأخص من مطلق الضيافة المتنازع فيه، والقدر الأخص وهو الاعتناء مندوب ما لم يكن معه تكلف شإنه لا ينبغى. وعن الثالث - بأنه جمعه مع، أى عطفه على، إكرام الجار والإحسان إليه -: بأنه يصح عطف الجواب على غير الواجب فى عطف الجمل. إكمال الإكمال ١/ ١٥١.
(٢) وكذا أحمد فى أحد قوليه، وفى قول آخر له ما يوافق مالكًا وسحنون. المغنى ١٣/ ٣٥٤.
(٣) من ت.
(٤) راجع: كشف الخفاء ٢/ ٤٧، الأسرار المرفوعة ٢٣٨، وقد ساقه القرطبى فى تفسيره ٩/ ٦٤، وقد نقل عن مالك أنه ليس على فقيه ضيافة.
(٥) الحديث أخرجه الترمذى فى سننه، صفة القيامة ٤/ ٦٦٠، وأحمد فى المسند ٢/ ١٥٩، ١٧٧، من حديث عبد الله بن عمرو، وقال الترمذى: " هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة ".
[ ١ / ٢٨٦ ]
عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو؛ أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعَ بْن جُبَيْرٍ يُخْبِرُ عَنْ أَبِى شُرَيْحٍ الْخُزَاعِىِّ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قالَ: " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسن إِلى جَاره، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُل خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ ".
ــ
عنه، وإمساك لسانه إلا فى خير ينفعه، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد﴾ (١).
واختلف السلف والعلماء: هل يكتب على العبد جميع ما يتكلم به؟ [أو] (٢) إنما يكتب ما يجازى عليه من خير أو شر دون لغو الكلام، وما يعنى الإنسان منه. وإلى هذا ذهب ابن عباس وغيره فى تفسير الآية (٣).
_________________
(١) ق: ١٨. قال الحافظ ابن كثير: أى ما يتكلم بكلمة ﴿إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد﴾: أى إلا ولها من يراقبها مُعْتد لذلك يكتبها، لا يترك كلمة ولا حركة، كما قال تعالىَ: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ. كِرَامًا كَاتِبِين. يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُون﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢].
(٢) فى الأصل: و، وأثبتت الهمزة ليستقيم المعنى.
(٣) والأول قول الحسن وقتادة، وهو ما يوافق ظاهر الآية، والمنقول عن ابن عباس هو أحد القولين له، فقد نقل ابن كثير ٧/ ٣٧٧ عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس فى هذه الآية قال: يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر، حتى إنه ليكتب قوله: أكلتُ وشربت، ذهبت، جئت، وهذا ما يوافق ظواهر بقية الأدلة.
[ ١ / ٢٨٧ ]