١٠٦ - (٥٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوق، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفاقِ حَتَّى يَدَعَها: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ " غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِ سُفْيانَ: " وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كانْت فِيهِ خِصْلة مِنَ النِّفَاقِ ".
١٠٧ - (٥٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَاللَّفْظ لِيَحْيَى. قالا: حَدَّثَنَا إِسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ. قالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو سُهَيْلٍ نَافِعُ بْنُ مَالِكٍ بْنِ أَبِى عَامِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
ــ
وقوله ﷺ: " أربعٌ من كُن فيه (١) كان منافقًا " وفى بعضها: خالصًا (٢)، وفى الحديث الآخر: " ثلاث " وفى بعضه: " وإن صام وصلى " وذكر مسلم الحديث، قال الإمام: قد توجد هذه الأوصاف الآن فيمن لا يطلق عليه اسم النفاق، فيحتمل أن يكون الحديث محمولًا على زمنه ﷺ، وكان ذلك علامة للمنافقين من أهل زمانه. ولا شك أن أصحابه كانوا مبرئين من هذه النقائص مطهرين منها، وإنما كانت تظهر فى زمانه فى أهل النفاق، أو يكون ﷺ أراد بذلك من غلب عليه فعل هذه واتخذها عادةً تهاونًا بالديانة، أو يكون أراد النفاق اللغوى الذى هو إظهار خلاف المضمر.
وإذا تأملت هذه الأوصاف وجدت فيها معنى ذلك؛ لأن الكاذب يُظهر إليك أنه صدق (٣) ويبطن خلافه، والخَصمُ يظهر أنه أنصف ويُضمر الفجور، والواعد يظهر أنه سيفعل وينكشفُ الباطنُ بخلافه، وقد قال ابن الأنبارى: فى تسمية المنافق مُنافقًا ثلاثة
_________________
(١) أى: وغلبن عليه، لا من ندرن فيه، ومعنى: " كان منافقًا خالصًا ": أى شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال. نووى ١/ ٢٤٧.
(٢) فى ق: خلاصًا.
(٣) فى ت: صادق، والمثبت من المعلم والأصل.
[ ١ / ٣١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أقوال: أحدها: أنه سُمى (١) بذلك لأنه يستر كفره، فأشبه الداخل للنفق وهو السرب ليستتر (٢) فيه.
والثانى: أنه شُبّه باليربوع (٣) الذى له جحر يقال له: النافقاءُ، وآخر يقال له: القاصعاء (٤)، فإذا طلب من القاصعاء خرج من النافقاء [وكذلك المنافق] (٥)؛ لأنه يخرج من الإيمان من غير الوجه الذى يدخل فيه.
والثالث: أنه شُبّه باليربوع - أيضًا - ولكن من جهة أن اليربوع يخرق الأرض حتى إذا كاد يبلغ ظاهرها أرق التراب، فإذا رابه ريب رفع ذلك التراب برأسه فخرج، فظاهر جحره ترابٌ على وجه الأرض وباطنه حُفر، فكذلك المنافق ظاهره الإيمان وباطنه الكفر.
قال القاضى: اختلف تأويل العلماء لهذا الحديث على الوجوه التى ذكرها وغيرها، وأظهرها التشبيه بهذه الخصال بالمنافقين والتخلق بأخلاقهم فى إظهار خلاف ما يبطنون، وهو معنى النفاق.
ومعنى: " كان منافقًا خالصًا ": أى فى هذه الخلال المذكورة فى الحديث فقط، لا فى نفاق الإسلام العام، ويكون نفاقه فى ذلك على من حدَّثه ووعده، وائتمنه، وخاصمه، وعاهده من الناس، لا أنه منافق على المسلمين بإظهار الإسلام وهو يُبطن خلافه، وقد قال بعضهم: إن الحديث إنما ورد فى منافقى زمان النبى ﷺ الذين حَدَّثوا بأنهم آمنوا فكذبوا، وائتمنوا على دينهم فخانوا، ووعدوا فى أمر الدين ونصره فأخلفوا.
وهو قول عطاء بن أبى رباح فى تفسير الحديث، وإليه رجع الحسن البصرى (٦)، وهو مذهب سعيد بن جبير وابن عمر وابن عباس، [وقد روى فى معناه حديث: أن ابن عمرَ وابن عباس] (٧) أتيا النبى ﷺ، [فذكرا له ما أهمهما من هذا الحديث، فضحك النبى ﷺ] (٨) وقال: " مالكم ولهن، إنما خصصت بهن المنافقين، أما قولى:
_________________
(١) فى المعلم: يسمى.
(٢) فى المعلم: يستتر.
(٣) دويبة فوق الجُرَذ.
(٤) وهى التى يدخل منها، من قصع إذا دخل، والنافقاء هى التى يخرج منها، يقال: نافق اليربوع إذا خرج من نافقائه. الأبى ١/ ١٦٨.
(٥) تكررت فى الأصل، والصحيح ما أثبتناه، وهو من المعلم، ت.
(٦) حكى الترمذى هذا فى سننه فقال - بعد أن ساق الحديث -: " وإنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل، وإنما كان نفاق التكذيب على عهد رسول الله ﷺ، هكذا روى عن الحسن البصرى شيئًا من هذا أنه قال: النفاق نفاقان، نفاق العَمَل، ونفاق التكذيب " ٥/ ٢٠.
(٧) سقط من الأصل، وقيد بهامشه، والمثبت من ت.
(٨) سقط من ق.
[ ١ / ٣١٤ ]
أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: " آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤتُمِنَ خَانَ ".
١٠٨ - () حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِى مَرْيَم، أَخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قالَ: أَخْبَرَنِى الْعَلاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَعْقُوبَ، موْلَى الْحُرَقَةِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هرَيْرَةَ؛ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " مِنْ عَلاماتِ الْمُنافِقِ ثَلاثَةٌ: إِذَا حَدَّث كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤتُمِنَ خَانَ ".
ــ
" إذا حدَّث كذب " فذلك فيما أنزل الله علىَّ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُون﴾ الآية (١)، أفأنتم كذلك؟ " قلنا: لا، قال: " لا عليكم من ذلك، وأما قولى: إذا وعد أخلف فذلك فيما أنزل الله علىَّ: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِه﴾ الآيات الثلاث (٢). أفأنتم كذلك؟ " قلنا: لا، قال: " لا عليكم، أنتم من ذلك برآء، وأما قولى: إذا اؤتمن خان فذلك فيما أنزل الله علىَّ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض﴾ الآية (٣)، فكل إنسان مؤتمن على دينه، فالمؤمن يغتسل من الجنابة فى السر والعلانية، ويصوم ويُصلى فى السر والعلانية، والمنافق لا يفعل ذلك إلا فى العلانية، أفأنتم كذلك؟ " قلنا: لا، قال: " لا عليكم أنتم من ذلك برآء " (٤).
إلى هذا المعنى مال كثير من أئمتنا، ورجحه الشيخ أبو منصور (٥) فى كتاب المقنع [وغيره] (٦).
وقوله فى حديث ابن عمرو: " وإذا عاهد غَدر " فبمعنى: " إذا اؤتمن خان "؛ لأن الغدر خيانة فيما عليه من عهده.
وأما الخصلة الرابعة، قوله: " وإذا خاصم فجر ": أى مال عن الحق وقال الباطل والكذب.
قال الهروى وغيره: أصل الفجور الميل عن القصد، ويكون - أيضًا - الكذب.
ومعنى " آية المنافق ": أى علامته، وذكره مرة ثلاثًا ومرة أربعًا، ذكر فى بعضها
_________________
(١) المنافقون: ١.
(٢) التوبة: ٧٥ - ٧٧.
(٣) الأحزاب: ٧٢.
(٤) لم أجده، وليس عليه أنوار النبوة.
(٥) هو تلميذ ابن فورك الإمام محمد بن الحسن بن أبى أيوب، انظر من كان فى عصره على مذهب الأشعرى. توفى سنة إحدى وعشرين وأربعمائة. تبيين كذب المفترى ٢٤٩.
(٦) ساقطة من ت.
[ ١ / ٣١٥ ]
١٠٩ - () حدّثنا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ العَمِّىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ أَبُو زُكيْرٍ، قالَ: سَمِعْتُ الْعَلاءَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ يُحَدثُ بِهذَا الإِسْنادِ، وقالَ. " آيَةُ الْمُنافِقِ ثَلاثٌ، وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ ".
١١٠ - () وحدّثنى أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ وَعَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ ابْنُ سَلَمَة، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِى هِنْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْعَلاءِ. ذَكَرَ فِيهِ: " وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ ".
ــ
ما لم يذكر فى الآخر، فقال فى الأربع: " إذا حدث كذب، وإذا وعَد أخلف، وإذا اؤتمن خان " وقال فى الثلاث: " إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان "، فذكر اثنتين من الأربع وزاد واحدة. قال الداودى: فهذه خمس خصالٍ، وذلك يدل أن [ليس ما ذكر] (١) جملة خصال النفاق.
_________________
(١) فى ت: ما ذكر ليس جملة خصال النفاق. أقول: إن للمنافقين صفات غيرها، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢] وإنما خصت هذه الخمسة بالذكر، لكونها فيهم أظهر، ولأنهم يقصدون بها مفسدة المؤمنين. الأبى ١/ ١٦٩.
[ ١ / ٣١٦ ]