١٢٥ - (٧١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِك، عَنْ صَالِحِ بَن كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِى: قَالَ: صلَّى بِنا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِى إِثْرِ السَّمَاءِ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقالَ. " هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قالَ رَبُّكُمْ؟ " قَالُوا: اللهُ ورَسُولُه أَعْلَمُ، قالَ:
ــ
قال مسلم: ثنا يحيى بن يحيى، قرأت على مالك عن صالح بن كيسان عن الزهرى عن عبيد الله [بن عبد الله حديث: " أصبح من عبادى مؤمن بى وكافر بى "، قال الإمام: فى الحديث عن مالك عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله، عن زيد: " صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية "] (١)، قال بعضهم: [وقع] (٢) فى نسخة ابن ماهان صالح بن كيسان [عن الزهرى، عن عبيد الله، وإدخال] (٣) الزهرى هنا خطأ، وصالح بن كيسان أسنُّ من الزهرى [وهو يروى هذا الحديث عن عبيد الله دون وساطة] (٤).
وقوله: " صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية "، قال القاضى: أكثر رواة الحديث والخبر يُشدِّدون الباء من الحديبية، والحذاق منهم يخففونها، وكذا قرأناها بالوجهين، وبالتخفيف سمعناها من متقنيهم وحفَّاظِهم أبى الحسين بن سراج اللغوى، وأبى عبد الله بن سليمان النحوى، والقاضى الشهيد [الحافظ] (٥) أبى على السَّكونى، والراوية أبى بحر بن العاص (٦) وغيرهم. وحكى لنا أبو الحسين أن الأصمعى يخففها والكسائى يُشَدَّدها.
_________________
(١) و(٢) من المعلم.
(٢) سقط من أصل ت، واستدرك بهامشه بسهم، وكتب بعدها عبارة: صح، أصل. مما يؤكد لنا نقل تلك النسخة عن النسخة الأصلية.
(٣) غير مذكور فى نسخ المعلم التى تحت يدى، وأغلب الظن أنها من تصرف النساخ، ومما يؤكد هذا أن ما ذكر فى العبارة من إحالة رواية صالح بن كيسان عن الزهرى لكون صالح أسنَّ من الزهرى، قولٌ غير معهود لدى أصحاب الشأن، فضلًا عن ثبوت رواية صالح عن الزهرى فى غير هذا الحديث مع كونه أسنَّ منه كما جاء فى العبارة التى نرى أنها مقحمة على نسخة المعلم، فإن صالح بن كيسان نزل إلى ابن عجلان وإسماعيل بن محمد بن سعد، وعدة، وهم أنزل من الزهرى. سير ٥/ ٤٥٤، تهذيب التهذيب ١/ ٢٨.
(٤) ساقطة من ت.
(٥) هو سفيان بن العاصى، وقد سبق. ولم أقف على من قبله.
[ ١ / ٣٢٩ ]
" قالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِى مُؤْمِنٌ بِى وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قالَ: مُطِرْنا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكِ مُؤْمِنُ بِى كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ وأَمَّا منْ قالَ: مُطِرنَا بِنَوْء كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِى مُؤْمِنُ بِالْكَوْكَبِ ".
ــ
وروى لنا القاضى الشهيد عن إسماعيل القاضى عن ابن المدينى أن أهل المدينة يشدّدونها وأهل العراق يخففونها، وكذلك اختلفوا فى الجِعرانة (١)، فأهل المدينة يكسرون العين ويُشَدِّدون الراء، وأهل العراق يخففون العين والراء، وكذلك اختلفوا فى ابن المسيب، فأهل المدينة يكسرون الياء وأهل العراق يفتحونها، وهذا عن أهل العراق فى الحديبيهَ خلاف ما قاله أبو الحسين.
وقوله: " [فى] (٢) أثر سماء ": السماء: المطر، وجمعه أسميَة، وسُمى، والسماء: السحاب، وأصل السماء: [كل ما] (٣) ارتفع فأظل وعلا، وسماء كل شىء ما علا منه، وبه سميت السماء والسحاب، ثم سُمى المطرُ به لمجىء السحاب به، كما سمى مُزْنًا، والمزن: السحاب.
وقوله: " أصبح من عبادى مؤمن بى وكافر بى " الحديث، قال الإمام: هذا يحمل على أن المراد به تكفير من اعتقد أن المطر من فعل الكواكب وخلقها (٤) دون أن يكون خلقًا لله، كما يقول بعض الفلاسفة من أن الله تعالى لم يخلق [من] الأشياء إلا (٥) واحدًا وهو العقل الأول عندهم، وكان عن العقل الأول غيره، وهكذا عن واحد آخر إلى أن كان عن كل ذلك ما تحته، حتى ينتهى الأمر إلى الأمطار وإلينا، فى تخليط طويل
_________________
(١) اسم مكان يقع فى رأس وادى سَرِف حين تعلقُه فى الشمال الرقى من مكة، وهى أحد مكانين يعتمر منهما المكيون. راجع: معجم المعالم الجغرافية ٨٣.
(٢) ساقطة من الأصل. وفى الأثر لغتان، كسر الهمزة وسكون الثاء وفتحها.
(٣) فى الأصل رسمت هكذا: كلما.
(٤) فى المعلم: الكوكب وخلقه.
(٥) ساقطة من ت. والنوء مصدر ناء الرجل نوءًا، إذا نهض متثاقلًا، ثم استعمل فى ناء الكوكب إذا طلع، وقيل: إذا غرب، ثم سمى الكوكبُ نوءًا، فقالوا: مطرنا بنوء كذا، أى بنجم كذا، من تسمية الفاعل بالمصدر، وإنما نسبت العربُ المطرَ إلى النجوم لأن ثمانية وعشرين كوكبًا معروفة المطالع فى السنة، وهى المسماة بمنازل القمر الثمانية والعشرين، يسقط منها فى كل ثلاث عشرة ليلة كوكب عند طلوع الفجر ويظهر نظيرهُ، فكانت العرب إذا حدث عند ذلك مطر نسبته إلى الغارب، ومنهم من ينسبه إلى الطالع نسبة إيجاد وتأثير، ويطلقون القول المذكور فى الحديث.
[ ١ / ٣٣٠ ]
١٢٦ - (٧٢) حدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى وَعَمْرُو بْنُ سَوَادٍ الْعَامِرِىُّ وَمَحْمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِىُّ، قالَ الْمُرَادِىُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُس، وَقالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنا ابْنُ وَهْبٍ، قالَ: أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قالَ: حَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدُ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ؛ أَنَّ أَبا هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " أَلَمْ تَرَوْا إِلى مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالَ: مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِى مَنْ نِعْمَةٍ إِلا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ. يَقُولُونَ: الْكَوَاكِبُ وَبِالْكَوَاكِبِ ".
() وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِىُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ. ح وَحَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، أَخْبَرَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخبَرَنا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ؛ أَنَّ أَبا يُونُسَ مَوْلَى أَبِى هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ إِلا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ، يُنْزِلُ اللهُ الْغَيْثَ، فَيَقُولُونَ: الْكَوْكَبُ كَذَا وَكَذَا "، وَفِى حَدِيثِ الْمُرَادِىِّ: " بِكَوْكَبِ كَذَا وَكَذَا ".
ــ
ليس هذا موضع ذكره. وأما من اعتقد أن لا خالق إلا الله سبحانه، ولكن جعل فى بعض الاتصالات من الكواكب دلالة على وقوع المطر من خلقه تعالى، [على] (١) عادة جرت فى ذلك فلا يكفر بهذا، إذا عبر عنه بعبارة لا يمنع الشرع منها.
والظن بمن قال من العوام: هذا نوءُ الثُرَيّا، ونوْءُ الراعى، أنه إنما يريد هذا المعنى، وقد أشار مالك - ﵀ - فى موطئه إلى هذين (٢) المعنيين، وأوردهما فى بابين، وأورد فى المعنى الأول: الحديث الذى نحن فيه، و[أورد] (٣) فى المعنى الثانى: " إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عينُ غديقةٍ " (٤).
قال القاضى: قال الحربى: إنما جاءت الآثار بالتغليظ؛ لأن العرب كانت تزعم أن ذلك المطر من فعل النجم، ولا يجعلونه من سقى الله تعالى، فأما من نسبه إلى الله وجعل النوء مثل أوقات الليل والنهار، كان ذلك واسعًا كما قال أبو هريرة: " سقانا الله ولم يَسْقِنا النجم ".
_________________
(١) غير مذكورة فى المعلم، والعبارة بغيرها مستقيمة.
(٢) الذي فى المعلم: هذا.
(٣) من المعلم.
(٤) انفرد به مالك فى الموطأ، وذكره بلاغًا، قال ابن عبد البر: هذا الحديث لا أعرفه بوجه من الوجوه فى غير الموطأ، إلا ما ذكره الشافعى فى الأم.
[ ١ / ٣٣١ ]
١٢٧ - (٧٣) وحدّثنى عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ - وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ - حَدَّثَنَا أَبُو زُمَيْل، قالَ: حَدَّثَنِى ابْنُ عَبَّاس قَالَ: مُطِرَ
ــ
قال القاضى من طريق ابن عباس فى الأم فى هذا الحديث: " أصبح من الناس شاكر وكافر ": فمقابلته لشاكر بكافر يدل أن المراد كفر النعمة وجحدها إذا لم يضفها إلى ربه ويشكره عليها ولا ولى الأمر أهله، واقتصر على ذكر عادةٍ غير مؤثرة، ومخلوقات مسخرة وآلات مُدبرة، وكذلك يدل عليه قوله - أيضًا - فى الحَدِيث الآخر: " ما أنزل الله من السماء من بركة " وفى اللفظ الآخر: " ما أنعمت على عبادى (١) من نعمة إلا أصبح فريق منهم كافرين "، فدل أنه كفر نعمة لا كفر بالله. وإنما يجوز من هذا أن يذكر بمعنى الوقت أو الآلة، كما قال ﷺ: " تلك عين غديقة "، وكما قال عمر: كم بقيا لنوء الثريا. فأما القول: مطرنا بنوء كذا وإن لم يعتقد قائله تأثير النجوم وفعلها، ففيه مشابهة لقول من يعتقد ذلك، والشرع قد حمى (٢) التشبيه بالكفار، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ (٣). إذ كانت كلمة اليهود والمنافقين معرضين بها.
وورد فى آخر الحديث المتقدم أن فى هذا نزلت: ﴿فَلا أُقْسِمُ بمَوَاقِعِ النُّجُوم﴾ إلى قوله: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُون﴾ (٤).
وقد اختلف المفسرون فى معنى هذه الآية، ومعنى النجوم فيها، ومعنى الرزق، فذهب الحسن ومجاهد وقتادة: أن النجوم فيها نجوم السماء ومواقعها إما مغاربها وإما مطالعها أو انكدارها أو انتثارها يوم القيامة، على اختلاف تأويلاتهم فى ذلك. وقيل:
_________________
(١) = ومعنى: " إذا أنشأت بحرَّية ": أى إذا ظهرت سحابة من ناحية البحر، ومعنى: " تشاءمت ": أى أخذت نحو الشام، و" غديقة " هى مصغر غدقة، قال تعالى: ﴿وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٥] أى كثيرًا - وقال مالك: " معناه: إذا ضربت ريحُ بحريَّةُ فأنشأت سحابًا ثم ضربت ريح من ناحية الشمال، فتلك علامة المطر الغزير. والعين مطر أيام لا يُقلع ". الموطأ، ك الاستسقاء، ب الاستمطار بالنجوم ١/ ١٩٢.
(٢) فى ت: عبدى.
(٣) كتب أمامها بهامش ت: " حرم " كالتفسير لها. وحمى أوسع دلالة على المراد من حرم، فهى هنا بمعنى المنع، أعم من أن يكون حرامًا أو مكروهًا.
(٤) البقرة: ١٠٤. وذلك أن اليهود - عليهم اللعائن - كانوا يُعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقص، فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا يقولون: راعنا، يورون بالرعونة، كما قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦] تفسير القرآن العظيم ١/ ٢١٣.
(٥) الواقعة: ٧٥ - ٨٢.
[ ١ / ٣٣٢ ]
النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ ﷺ، فَقالَ النَّبِىّ ﷺ: " أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ، قَالُوا: هذِهِ رَحْمَةُ اللهِ، وَقالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَؤْءُ كَذَا وَكَذَا ". قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُوم﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُون﴾ (١).
ــ
مواقع النجوم: منازل القرآن (٢)، أنزل نجومًا. وعن مجاهد: مواقع النجوم: محكم القرآن.
وعن ابن عباس: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُم﴾ الآية: أى شكركم، فيقولون: مطرنا بنوء كذا ونجم كذا. قال قطرب: الرزق هنا الشكر، وقيل: وتجعلون شكر رزقكم. وتحقيقه عوض شكر ربكم ونعمه قولكم هذا، وإضافة رحمته لكم لغيره.
وعن الهيثم بن عدى فى لغة أزد شنوءة: ما رَزَقَ فلانٌ فلانًا، أى ما شكره (٣).
وذكر مسلم آخر الباب: ثنا عباس بن عبد العظيم العنبرى. كذا الرواية، وعند العُذرى الغبرى. وهو تصحيف.
_________________
(١) الواقعة: ٧٥ - ٨٢.
(٢) وينسب لابن عباس من طريق حكيم بن جُبَير، عن سعيد بن جُبَير، وكذا قال عكرمة، ومجاهد، والسُّدى. راجع: تفسير القرآن العظيم ٨/ ٢١.
(٣) تفسير الطبرى ٢٧/ ١١٩.
[ ١ / ٣٣٣ ]