١٣٢ - (٧٩) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ الْمِصْرِىُّ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " يَا مَعْشَرَ النسَاءِ، تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ الاسْتِغْفَارَ، فَإنِّى رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ ". فَقَالتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ، جزْلَةٌ: وَمَا لَنا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكْثَرَ أَهلِ النَّارِ. قالَ: " تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَمَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِذى لُبٍّ مِنْكُنَّ ". قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ؟ قالَ: " أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ، فَهذَا نُقْصَانُ العَقْلِ. وَتَمْكُثُ اللَّيالِى مَا تُصَلِى، وَتُفْطِرُ فِى رَمَضَانَ، فَهذَا نُقْصَانُ الدِّينِ ".
وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، بهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
(٨٠) وحدّثنى الْحَسَنُ بْنُ عَلِىّ الْحُلْوَانِىُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قالا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قالَ: أَخْبَرَنِى زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ عَمرِو بْنِ أَبِى عَمْرو، عَنِ المَقْبُرىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ، بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ.
ــ
وقوله: " يا معشر النساء تصدَّقن وأكثرن الاستغفار " الحديث: حضٌّ على الأمر بالصدقة والاستغفار، وأمره بذلك دليل أن العصاة ليسوا بكفارٍ، وأنهم فى مشيئة الله [تعالى] (١)، وأن الحسنات يذهبن السيئات، وفيه دليل أن كفران العشير (٢) واللعن من الذنوب المتوعد عليها بالنار.
_________________
(١) من ت.
(٢) فى ت: العشيرة. =
[ ١ / ٣٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفيه: " فقالت امرأةٌ منهنَّ جَزْلةٌ ": أى ذات عقل ودين. قال ابن دريد: الجزالة: الوقار والعقل، وفى العين: امرأة جزيلة، أى ذات عجيزة عظيمة، وأصله العظيم من كل شىء، ومنه عطاء جزل (١).
وقوله: " يكثرن اللعن ويكفرن العشير ": اللعن فى اللغة: الطرد والإبعاد، ومعناه فى الشرع: الإبعاد من رحمة الله. والعشير هنا: الزوج، يسمى بذلك الذكر والأنثى؛ لأن كل واحد منهما يعاشر صاحبه، والعشير - أيضًا - الخليط والصاحب.
وقد قال الباجى: يحتمل أن يريد به الزوج خاصة، ويحتمل أن يريد به كل من يعاشرهن.
ودليل الحديث خلاف ما قاله من شرحه بمعنى الزوج بعد هذا دون غيره، واستحقاقهن النار بكفران إحسان العشير وجحد حقه، يدلُّ أنه الزوج لعظيم حقه عليهن (٢).
وإدخال مسلم هذا الحديث فى كتاب الإيمان لفائدتين: إحداها: بيان أن الكفر قد ينطلق على كفر النعمة وجحد الحق وتغطيته وهو أصل الكفر فى اللغة، لكفران العشير المذكور فى الحديث، وكفر الإحسان المذكور فى الحديث فى غير الأم، إذ لا إشكال أنه لم يرد به هنا الكفر بالله، وفسَّر به كل ما أطلق عليه اسم الكفر على أهل المعاصى فيما تقدم من الأحاديث.
قال أحمد بن منصور (٣): يكفرن العشير ويكفرن الزوج كلام واحد، أى يكفرن إحسان الزوج. قال: وكفر النعمة من أكبر المعاصى، ولو كان خروجًا من الإيمان لم يمكن الزوج من التمسّك بها وموارثتها.
قال القاضى: والثانية: إظهار نقص الإيمان وزيادته بقوله: " ناقصات عقل ودين ".
وقوله: " لذى لُبّ ": أى لذى عقل (٤)، ومنه تكرار قول النبى ﷺ قول الأعشى
_________________
(١) = والمعشر هم الجماعة الذين أمرهم واحد، أى مشتركون، وهو اسم يتناولهم، كالإنس معشر، والجن معشر، والأنبياء معشر، والنساء معشر، ونحو ذلك، وجمعه معاشر. نووى ١/ ٢٦٣.
(٢) ومن جزالتها أنها لم تسأل إلا عن السبب لتحترز منه. إكمال الإكمال ١/ ١٨٥.
(٣) وعلى ذلك فإن كفران العشير كبيرة؛ للعقوبة عليه بالنار، قال النووى. " التوعد بالنار من علامة كون المعصية كبيرة، وأما اللعن فمن المعاصى الصغائر، لقوله ﷺ: " وتكثرن اللعن " والصغيرة إذا كثرت صارت كبيرة ". نووى ١/ ٢٦٤، إكمال الإكمال ١/ ١٨٥.
(٤) زيد بعدها شى الأصل: نصر قوله.
(٥) التعجب هنا من كثرة غلبهن لا من غلبتهن للرجال على الصحيح؛ لأنه لا يجوز التعجب من فعل المفعول، وهم الرجال هنا. راجع: إكمال ١/ ١٨٦، واللُّبُّ هو: العقلُ الخالص.
[ ١ / ٣٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فى امرأته (١): وهن شرَّ غالب لمن غلب.
وقول صاحبة أم زرع: " وأغلبه والناس تغلب " (٢)، وقول [معاوية] (٣): يغلبن الكرامَ ويغلبهن اللئام.
وقوله: " ناقصات عقل أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل "، قال الإمام: هذا تنبيه منه ﷺ على ما وراءه لأنه ليس فى [هذا] (٤) الوصف بقصور شهادتهما عن شهادة الرجل بمجرده دليل على نقص العقل حتى يتم بما نبَّه الله عليه سبحانه (٥) فى كتابه، منِ أن ذلك لأجل قلة ضبطها (٦)، وذلك قوله تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخرى﴾ (٧).
وقد اختلف الناس فى العقل ما هو؟ فقيل: العلم، وهذه طريقة من اتبع حكم اللغة؛ لأن العلم والعقل فى اللسان بمعنى واحد، ولا يفرقون بين قولهم عَقلْت وعلمْت، وقيل: العقل: بعض العلوم الضرورية. وقيل: هو: [قوة] (٨) يُميَّز بها بين حقائق المعلومات.
_________________
(١) واسمه عبد الله بن الأعور المازنى، وكان من قصته أنه كانت عنده امرأةٌ يقالُ لها: معاذة، خرجَ فى رجب يمير أهله من هجر، فهربت امرأته ناشزًا عليه وعاذت برجل من مازن يقال له: مطرّف بن نهشل، فلما قدم لم يجدها فى بيته، وأخبر أنها نشزت عليه، وأنها عاذت بمطرف بن نهشل، فأتاه فقال: يا ابن عم، أعندك امرأتى معاذة؟ فادفعها إلىَّ. قال: ليست عندى، ولو كانت عندى لم أدفعها إليك. وكان مطرف أعزَّ منه، فخرج الأعشى حتى أتى النبى ﷺ فعاذ به، فأنشأ يقول: يا سيّد الناس وديَّان العرب إليك أشكو ذُرْبةً من الذُّرَب كالذئبةِ العنْساءِ فى ظِلّ السَّرَب خَرجْتُ أبغيها الطعام فى رَجَبْ فَخلّفَتنى بنزع وهَرَبْ أخْلَفَت الوَعْد ولطّت بالذنب وقذفتنى بين عصْرِ مؤتَشبْ وهُنَّ شَرُّ غالب لمن غلب وعند ذلك قال النبى ﷺ: " وهن شَرُّ غالب لمن غلب "، وكتب له ﷺ إلى مطرف: " انظر امرأة هذا معاذة فادفعها إليه "، فأتاه كتاب النبى ﷺ فقرئ عليه، فقال لها: يا معاذة، هذا كتاب النبى ﷺ فيك، فأنا دافعك إليه. ومعنى الذربة: السليطة اللسان، ولطَّت بالذنب: أى جعلته بين فخذيها عند العدو، والمؤتشب: الملتف المشتبك، والعصر: هو اليابس من عيدان الشجر.
(٢) سيأتى إن شاء الله فى حديث أم زرع برقم (٩٢).
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) من المعلم.
(٥) زيد بعده فى المعلم: عليه، ولا حاجة إليه.
(٦) فى الإكمال: ضبطهما، والمثبت من المعلم.
(٧) البقرة: ٢٨٢.
(٨) من المعلم.
[ ١ / ٣٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فأما على قول من قال: هو العلم، فيكون وصفهن بنقص العقل (١) لأجل النسيان وقلة الضبط على ظاهره؛ لأن ذلك نقص من العلوم.
وعلى رأى من رأى أن العقل غير ذلك يكون قلة الضبط والنسيان وشبه ذلك عَلمًا على القصور والنقص فى ذلك المعنى الطبيعى، الذى هو شرط فى تلقى التكاليف وكثرة العلوم.
وأما وصفه إياهن بنقص الدين لأجل ترك الصلاة فى الحيض، فيصح إذا قلنا: إن العبادات كلها تُسمى دينًا، إلا أنه لا لوم عليهن فى ذلك لأن (٢) تركهن الصلاة حينئذ طاعة، فإن قيل: قد يقلن: نحن كالمسافر فى القصر والفطر وليس بناقص الدين؟ قيل: قد يفرق بأن الحيض يستقذر، ولعل ترك التعبد بالصلاة [فيه] (٣) تنزيه لله تعالى أن يتقرب إليه فى تلك الحالة فيصير النقص من هذه الجهة، على أن السفر أمر يكتسب، وفى وسع الإنسان ألا يسافر فلا تسقط عنه الصلاة، والحيض ليس فى وسع المرأة رفعه، فسقوط الصلاة عنها أمرٌ ضرورى لها، وهذا كله قد لا يُحتاج إليه؛ لأن المسافر لا تَسْقُط عنه الصلاة أصلًا، وإنما تغيَّر عدة الفرض، والمرأة الحائض تسقط عنها بكل حال.
قال القاضى: وقد ينكسرُ كلام من قال: منعت من الصلاة للتنزيه بعبادة الله تعالى لأجل الاستقذار الذى ذكرنا بما أباح الله لها من سائر العبادات غير الصوم والصلاة فى تلك الحال، وفيها ما هو من نوع الصلاة كقراءة القرآن ظاهرًا على خلاف فيه عندنا، وفى الإقبال على الذكر وسائر أفعال الحج ما خلا الطواف ولالتزام الحائض فى اعتكافها ما كانت تلزمه قبل طروِّ الحيض غير الصوم، ولزوم المسجد على أحد القولين عندنا (٤).
وقوله فى سند هذا الحديث: عن عمرو بن أبى عمرو عن المقبرى عن أبى هريرة، قال أبو مسعود الدمشقى (٥): المقبرى هنا هو أبو سعيد والد سعيد. قال الجيَّانى: وهذا فى رواية إسماعيل بن جعفر (٦) عن عمرو بن أبى عمرو. [وقال الدارقطنى: وخالفه
_________________
(١) فى ق: العلم.
(٢) فى الأصل: لأنهن، والمثبت من ت والمعلم.
(٣) من المعلم.
(٤) أراد الأبى رد قول القاضى هنا فقال: لا ينكسر بذلك؛ لأن الإمام لم يفرق بأنها منعت من كل العبادات حتى يجاب بأنه قد أبيح لها كثير منها، وإنما فرق بأنها منعت من الصلاة التى هى أشرف العبادات. إكمال ١/ ١٨٧. قلت: الانكسار يتحقق لتحقق الاستقذار الذى هو سبب المنع.
(٥) هو الحافظ المجوّدُ البارع إبراهيم بن محمد بن عُبيد الدمشقى، أحد من صنَّف فى الأطراف، وكتابه هو " أطراف الصحيحين "، وأحدُ من برز فى هذا الشأن، لكنه مات فى حد الكهولة. حدَّث عنه أبو ذر الهروى، وحمزة بن يوسف السَّهمىّ، وآخرون. مات سنة إحدى وأربعمائة. سير ١٧/ ٢٢٧.
(٦) هو الإمام ابن أبى كثير، الحافظ الثقة. ولد سنة بضع ومائة. وسمع حميد الطويل، وربيعة بن =
[ ١ / ٣٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سليمان بن بلال (١) فراوه بن عمرو بن أبى عمرو، (٢) وعن سعيد المقبرى: وقول سليمان أصح.
_________________
(١) = أبى عبد الرحمن، وهشام بن عروة، وروى عنه قتيبة بن سعيد، ومحمد بن سلام البيكندى، وخلق سواهم. قال فيه يحيى بن معين: ثقة، مأمون، قليل الخطأ. قال الذهبى: مات سنة ثمانية ومائة، وفات أحمد بن حنبل، وابن معين، وابن عرفه السماع منه. سير ٨/ ٢٢٨.
(٢) هو الإمام المفتى الحافظ أبو محمد القرشى، مولى عبد الله بن أبى عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق، ويقال: مولى القاسم بن محمد، مولده فى حدود سنة مائة. حدث عن عبد الله بن دينار، وزيد بن أسلم، وربيعة الرأى، وخلق سواهم، وكان من أوعية العلم. روى عنه سعيد بن أبى مريم، والقعنبى، وعبد الله بن المبارك، وخلق غيرهم. قال فيه محمد بن سعد: كان بربريًا جميلًا، حسن الهيئة، كان يفتى بالمدينة، وولى خراجها، وكان ثقة، كثير الحديث. توفى بالمدينة سنة اثنين وسبعين ومائة. الطبقات الكبرى ٥/ ٤٢٠، سير ٧/ ٤٢٥.
(٣) سقط من ق.
[ ١ / ٣٤٠ ]