١٤٣ - (٨٧) حدّثنى عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرِ بْنِ مُحَمَّدِ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْماعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ الْجُرَيْرِىّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ أَبِى بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: " أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبائِرِ؟ - ثَلاثًا -: الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ - أَوْ قَوْلُ الزُّورِ "، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُتَكِئًا فَجَلَسَ، فَما زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنا: لَيْتَهُ سَكَتَ.
١٤٤ - (٨٨) وحدّثنى يَحْيَى بْنُ حَبِيب الْحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِى بَكْر، عَنْ أَنَسٍ، عَن النَّبِىِّ ﷺ، فِى الْكَبَائِرِ قَالَ: " الشَّرْكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَقَوْلُ الزُّورِ ".
() وحدّثنا مُحَمَّدُ بنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِى بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْكَبائِرَ - أَوْ سُئِلَ عَنَ الْكَبائِرِ - فَقَالَ: " الشَّرْكُ بِاللهِ، وَقَتْلُ النَّفْس، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْن ". وَقَالَ: " أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبائِرِ؟ " قَالَ: " قَوْلُ الزُّور - أَوْ قَالَ شَهادَةُ الزُّور " قَالَ شُعْبَةُ: وَأَكْبَرُ ظَنِّى أَنه شَهَادَةُ الزُّورِ.
١٤٥ - (٨٩) حدّثنى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِى الْغَيْثِ، عَنْ أَبِى هَرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ. قَالَ: " اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقاتِ " قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: " الشرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقتْلُ النَّفسِ الَّتِى حَرَّمَ الله إِلا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيم، وَأَكْلُ الرِّبا، وَالتَّوَلِّى يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ".
ــ
وذكر فى حديث أبى بكرة (١): الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور أو قول الزور، وزاد فى حديث أنس: قتل النفس، وذكر فى حديث أبى هريرة: السبع
_________________
(١) فى ت: بكر. وأبو بكرة هو نُفَيع بْنُ الحارث، تدلى فى حصار الطائف ببكرَة وَفَرَّ إلى النبى ﷺ، وأسلم على يَده، وأعلمه أنه عَبْدٌ، فأعتقه. حَدَّث عنه بنوه الأربعة، عبيد الله، وعبد الرحمن =
[ ١ / ٣٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الموبقات، فذكر الشرك، والسحر، والقتل، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولى يوم الزحف، وقذف المحصنات. وفى غير [مسلم فى] (١) حديث أيوب تسع (٢)، وزاد عقوق الوالدين، واستحلال بيت الله الحرام، وفى حديث عبد الله بن عمرو: " من الكبائر شتم الرجل والديه " الحديث (٣)، وفى غير مسلم فيه ذكر اليمين الغموس (٤) هذه لتعيين الكبائر وأكبر الكبائر المذكورة هنا (٥)، وقد بقيت كبائر لم تذكر فى هذه الأحاديث (٦).
وقد اختلفت الآثار وأقوال السلف والعلماء فى أعداد الكبائر، وقال ابن عباس: كل ما (٧) نهى الله عنه فهو كبيرة. وسئل: أهى سبع؟ فقال: هى إلى السبعين - ويروى إلى سبعمائة - أقرب، وقال - أيضًا -: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب (٨)، ونحوه عن الحسن، وقيل: هى ما أوعد الله عليه بنار أو بِحَدٍّ فى الدنيا، وعدّوا الإصرار على الصغائِر من الكبائر، فروى عن عُمَرَ وابن عباس: لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار (٩)، وعن ابن مسعود وجماعة من العلماء: الكبائر جميع ما
_________________
(١) = وعبد العزيز ومسلم، وأبو عثمان النهدى، والحسن البصرى، ومحمد بن سيرين، والأحنف بن قيس، وغيرهم. سكن البصرَة، وكان من فقهاء الصحابة. قال الحسن البصرى: لم ينزل البصرة أفضلُ من أبى بكرة وعمران بن حُصين. مات فى خلافة معاوية بن أبى سفيان بالبصرة. الطبقات الكبرى ٧/ ١٥، طبقات خليفة: ٩٨٢، التاريخ الكبير للبخارى ٨/ ١١٢، سير ٣/ ٥.
(٢) سقط من الأصل.
(٣) لم أعثر عليه، وأما ذكر عقوق الوالدين فيها فقد أخرجه الطبرانى فى الكبير من حديث المطلب قال: سمعت رجلًا يسأل عبد الله بن عمرو. أسمعت رسول الله ﷺ يذكرهن؟ يعنى الكبائر. قال: نعم، عقوق الوالدين، والشرك بالله، وقتل النفس، وقذف المحصنات، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، وأكل الربا، قال الهيثمى: " رواه الطبرانى فى الكبير، وفيه مسلم بن الوليد بن العباس، ولم أره ". مجمع الزوائد ١/ ١٠٤.
(٤) الحديث أخرجه أحمد فى المسند ٢/ ١٩٥ عنه بلفظ: " إن من أكبر الذنب أن يسب الرجل والديه "، قالوا: وكيف يسبُّ الرجلُ والديه؟ قال: " يسبُّ أبا الرجل فيسُبُّ أباه، ويُسبُّ أُمَّه فيسب أمَّه ".
(٥) أخرجه الترمذى فى التفسير والطبرانى فى الأوسط عن عبد الله بن أنيس الجهنى عن رسول الله ﷺ أنه قال: " من أكبر الكبائر الشرك بالله واليمين الغموس ". قال الهيثمى: " ورجاله موثقون " ١/ ١٠٥.
(٦) فى ت: هاهنا.
(٧) منها: الإياس من روح الله، والأمن من مكر الله، وشرب المسكر، ورجلٌ جرَّ رجلًا إلى سلطان بغير ذنب فقتله، وامرأة غاب عنها زوجها وقد كفاها أمر الدنيا فتبرجت بعده. وكل هذه جاءت عن رسول الله ﷺ بطرق ثابتة قوية.
(٨) ضبطت فى الأصل هكذا: كلما.
(٩) أخرج الطبرانى فى الكبير عن ابن عباس: " كل ما نهى الله عنه فهو كبير " مجمع ١/ ١٠٣، وقال الهيثمى: " رواه الطبرانى فى الكبير ورجاله ثقات إلا أن الحسن مدلس وعنعنه ".
(١٠) قال العجلونى: " رواه أبو الشيخ والديلمى عن ابن عباس رفعه، وكذا العسكرى عنه فى الأمثال =
[ ١ / ٣٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نهى الله عنه من أول سورة النساء إلى قوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْه﴾ (١).
وقيل: يحتمل ذكر النبى ﷺ لما ذكر من الكبائر أن ثم كبائر أخر لم تُبيَّن؛ ليكون الناس من اجتناب جميع المنهيات على حذر لئلا يواقعوا كبيرة.
وإلى ما نحى ابن عباس إليه من أن كل ما عصى الله به كبيرة قال المحققون (٢) به قالوا: واختصاص النبى ﷺ ما سماه من الكبائر وأكبر الكبائر، ليس فيه دليل على أن لا كبيرة سواها. وأما ترتيبه أكبر الكبائر: فأما تقديم (٣) الشرك فلا خفاء به، وترتيب ما رتب بعده بحكم ما يكون أعظم ارتكابًا فى ذلك الوقت وما تخشى مواقعته، وتمس الحاجة إلى بيانه. وليس يقتضى أن لا كبيرة إلا ما نص عليه أو لا كبيرة بعد الإشراك أكبر مما نص على تواليه فى تلك الأحاديث، إذ قد وجدنا اللواط [أعظم من] (٤) الزنا، ولا ذكر له فى الأحاديث، والقتل أعظم من عقوق الوالدين ولم يذكره فى بعض الأحاديث، بل اختلافهما يدل على ما ذكرناه من ذكر الأهم وما تمسُّ الحاجة إليه، كما تقدم فى (٥) ذكر أفضل الأعمال. وقد يكون ما نصّ أكبر الكبائر بعد الشرك من القتل، ثم ذكر بعده فى بعضها (٦) العقوق، وفى بعضها عقوق الوالدين بعد الإشراك، ثم ذكر يمين الغموس فى حديث عبد الله بن عمرو على ترتيب آخر، وهو أن القتل جاء ثانيًا للشرك فى حديث، وعقوق الوالدين جاء ثانيًا فى حديث آخر، فيفهم من هذا المعنى أن إثمهما واحد ودرجتهما فى العقوبة سواء، ثم كذلك اليمين الغموس مع الزنا فى درجة
_________________
(١) = بسند ضعيف، لا سيما ورواه المنذرى فى تفسيره عن ابن عباس من قوله، وله شاهد عند البغوى ". كشف الخفا ٢/ ٣٦٤.
(٢) النساء: ٣١. رواه ابن جرير من حديث الأعمش، عن أبى الضحى عن مسروق، والأعمش عن إبراهيم عن علقمة، كلاهما عن ابن مسعود، ومن حديث سفيان الثورى وشعبة عن عاصم بن أبى النجود، عن زر بن حُبيش، عن ابن مسعود. تفسير الطبرى ٨/ ٢٤٣. وانظر: أقوال ابن عباس فى الكبائر فى التفسير العظيم للإمام ابن كثير ٢/ ٢٤٦، وقد بقى من أقوال المتأخرين فى تحديد الكبيرة قول أبى حامد الغزالى: أنها ما فعل دون استشعار خوف ولا اعتقاب ندم ينغص اللذة.
(٣) أخرجه الطبرى قال: حدثنا أحمد بن حازم، أخبرنا أبو نعيم، حدثنا عبد الله بن سمعان عن أبى الوليد قال: سألت ابن عباس عن الكبائر فقال: هى كل شىء عصى الله فيه فهى كبيرة. تفسير الطبرى ٨/ ٢٤٦. قلت: وقول ابن عباس وإن صح فتوى صحابى لا تمنع من اعتبار غيرها: فقد أخرج أحمد ٣/ ٣٨٥ بسند صحيح عن أنس بن مالك: " إنى لأعرف اليوم ذنوبًا هى أدقُّ فى أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الكبائر "، وقد أخرج البخارى فى صحيحه من حديث زيد بن عبد الله بن عمر قال: قال أناسٌ لابن عمر: إنا ندخلُ على سلطاننا فنقولُ لهم خلاف ما نتكلَّمُ إذا خرجنا من عندهم؟ قال: كنا نَعُدَّ هذا نفاقًا. ك الأحكام، ب ما يكره من ثناء السلطان ٩/ ٨٩.
(٤) فى الأصل: تقدم.
(٥) فى الأصل: من أعظم.
(٦) فى الأصل: و.
(٧) فى ت: فضلها.
[ ١ / ٣٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثالثة.
وإلى هذا الجمع نحا أبو جعفر الطحاوى (١). وقيل - أيضًا -: قد يكون القتل ثم الزنا مقدمين على العقوق واليمين الغموس، لكن الراوى لم يحفظهما فذكر ما حفظ. وإليه مال بعض من لقيناه من الجلة.
وليس هذا عندى بالسَّديد؛ لأن تحميل الراوى ما لم يرو أو إلزامه الغلط فيما رواه صعبٌ، وباب إن فُتِح دخل منه على الشريعة خطْبٌ. وقد يكون التنبيه بالزنا على اللواط وشبهه، وإن كان بعضه أشد من بعض وأعظم، ولكن درجته واحدة فى باب تشابه جنس المعصية، وإن كانت آثامُ أنواعها مختلفةً، والعقوبات عليها متفاوتة، كما نبَّه بقتل الابن مخافة أن يأكل معه على قتل غيره وعلى جميع أنواع القتل، وإن كان قتل الولد أشد، وبالزنا بالجارة على غيرها من الأجانب، وعن شبَهه من فعل الرجال بالرجال والنساء بالنساء وإن كان بعضها أشد من بعض.
ويعضد هذه الإشارة قوله فى الأم آخر الحديث: " فأنزل الله تصديقها: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ [النَّفْس] (٢) الَّتِي حَرَّمَ اللَّهِ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُون ﴾ الآية (٣) ". فقد عمَّ ما خصَّ (٤).
وتأكد أمرُ الجارة لحرمتها وحرمة زوجها أو وليها، ولما ورد فى حديث المقداد: " لأن يزنى الرجلُ بعشر نسوة أيْسر عليه من أن يزنى بامرأة جاره " (٥).
وقوله: " الموبقات ": أى المهلكات، يقال: وبَق الرجلُ - بالفتح - يبق ووبق بضم الواو يوبق إذا هلك، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًا﴾ (٦): أى من العذاب، وقيل: موعدًا، وقيل: محبسًا.
وعدّه فى الكبائر التولى يوم الزحف حجة لمذهب الجماعة فى ذلك خلاف ما ذهب إليه الحسن: أن ذلك ليس من الكبائر، وأن الآية الواردة فى ذلك فى أهل بدر خاصة (٧)،
_________________
(١) مشكل الآثار ١/ ٣٧٩.
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) الفرقان: ٦٨. ومن هذا الطريق أخرجه أحمد فى المسند ١/ ٣٨٠.
(٤) قال الحافظ ابن كثير: " ولا تعارض بين هذه وبين آية النساء: ﴿وَمَن يَقتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ الَّلهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ ٩٣، قال: فإن هذه وإن كانت مدنية إلا أنها مطلقة، فتحمل على من لم يتب لأن هذه - الفرقان - مقيدة بالتوبة " ٦/ ١٣٦.
(٥) سبق قريبًا.
(٦) الكهف: ٥٢، وإلى أن المراد المهلك، ذهب ابن عباس وقتادة، ونقل عن قتادة أنه واد عميق، فرق به يوم القيامة بين أهل الهدى وأهل الضلالة، وقال الحسن البصرى: إنه العداوة. تفسير الطبرى ٥/ ١٧٢، تفسير القرآن العظيم ٥/ ١٦٦.
(٧) قلتُ: يروى هذا عن عمر، وابن عمر، وابن عباس، وأبى هريرة، وأبى سعيد، وأبى نَضْرةَ، وشافع مولى ابن عمر، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة، والضحاك. وحجتهم فى ذلك أن الفرار =
[ ١ / ٣٥٦ ]
١٤٦ - (٩٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ الْهادِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مِنَ الْكَبائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ " قَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِديْه؟ قَالَ: " نَعَمْ، يَسُبُّ أَبا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَباهُ، ويَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ ".
() وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّار، جَمِيْعًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ،
ــ
وحجة فى الرد على من ذهب [إلى] (١) أن الآية منسوخة بقوله: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْن﴾ ثم نسخ ذلك وخفف بقوله: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُم﴾ (٢).
والصواب كون الآية محكمة (٣)، ثم بيَّن وخفَّف بما جاء فى الآية الأخرى. وقوله: " من الكبائر شتم الرجل والديه .. " الحديث، قال الإمام: يؤخذ من هذا الحديث الحجة لأحد القولين فى منع بيع ثياب الحرير لمن يلبسها وهى لا تحل له، وبيع العنب لمن يعصره خمرًا ويشربها؛ لأنه ذكر فيه أن من فعل السبب فكأنه الفاعل لذلك الشىء مباشرة.
قال القاضى: جعل هذا من الكبائر لأنه سببٌ لشتمهما وشتمهما من العقوق، وقد
_________________
(١) = إنما كان حرامًا على الصحابة؛ لأن الجهاد فرض عين عليهم، وأنه لم تكن عصابةٌ لها شوكة يفيؤون إليها سوى عصابتهم تلك، وأما اليوم فإن انحاز إلى فئةٍ أو مصر فلا بأس. راجع: تفسير الطبرى ١٣/ ٤٣٨، تفسير القرآن العظيم ٣/ ٥٦٩.
(٢) ساقطة من ت.
(٣) الأنفال: ٦٦، ٦٧. قلت: لم أقف على من قال بالنسخ فى الأولى، أما الثانية؛ فقد أخرج الطبرى بإسناده عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْن﴾ شق ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم ألا يفر واحدٌ من عشرة، ثم جاء التخفيف فقال: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُم ..﴾ إلى قوله: ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْن﴾ قال: خفف الله عنهم من العدة، ونقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم. تفسير الطبرى ١٤/ ٥٥، تفسير القرآن العظيم ٤/ ٣١، وكذا أخرجه البخارى، ك التفسير ٦/ ٧٩.
(٤) ليس بمسلّم، فقد قال ابن العربى: " هذا أبين ما يكون من النسخ ". الناسح والمنسوخ ٢/ ٢٢٧، ثم قال فى كتابه أحكام القرآن: " قال قومٌ: كان هذا يوم بدر ثم نُسخَ، وهذا خطأ من قائله؛ لأن المسلمين كانوا يوم بدر ثلاثمائة ونيفًا، والكفار كانوا تسعمائة ونيفًا، فكان للواحد ثلاثة، وأما هذه المقابلة وهى الواحد بالعشرة فلم ينقل أن المسلمين صافوا المشركين عليها قط، ولكن البارى فرض ذلك عليهم أولًا، وعلله بأنكم تفقهون ما تقاتلون عليه وهو الثواب، وهم لا يعلمون ما يقاتلون عليه، ثم نسخ ذلك " ٢/ ٨٧٧.
[ ١ / ٣٥٧ ]
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلاهُما، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بِهذَا الإِسْنادِ، مِثْلَهُ.
ــ
تقدَّم أن عقوقهم من أكبر الكبائر.
وفيه: حجةٌ لقطع الذرائع (١) ومنعها، ومثله (٢) قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْم﴾ (٣).
_________________
(١) الذريعة فى اللغة: الوسيلة إلى الشىء، وفى الاصطلاح: الطريقة التى تكون فى ذاتها جائزة، ولكنها توصل إلى ممنوع. وهذا الباب من أبواب الأصول هو مذهب مالك والحنابلة، ويشترط له الشافعى ظهور القصد إلى المآل الممنوع، فالخلاف بينه وبين من سبق منحصر فى الوسيلة التى تفضى إلى المحرم غالبًا. راجع: الفروق ٣/ ٢٦٦، أصول مذهب الإمام أحمد: ٥٠٤.
(٢) فى ت: ومنه.
(٣) الأنعام: ١٠٨. وقول القائلين لرسول الله ﷺ: وهل يشتم الرجل والديه، استبعاد منهم أن يقع ذلك من أحد، قال الأبى: " وهو دليلٌ على ما كانوا عليه من حميد الأخلاق، وإلا فهو بعدهم كثير ". إكمال الإكمال ١/ ١٩٩.
[ ١ / ٣٥٨ ]