١٤٧ - (٩١) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ فُضَيْلِ الْفُقَيْمِىِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِىِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِى قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ". قَالَ
ــ
وقوله: " لا يدخل الجنة من فى قلبه مثقال ذرةٍ من كبر ": قال الخطابى (١): يتأوَّل على وجهين:
أحدهما: أنه أراد كبر الكفر، يعنى الكبر عن الإيمان، بدليل قوله آخر الحديث: " ولا يدخل النار من فى قلبه مثقال ذرة من إيمان " فقابل الإيمان بالكفر.
والثانى: أن كل من يدخل الجنة ينزع ما فى قلبه من كبر وغل.
قال: وقوله: " لا يدخل النار من فى قلبه مثقال ذرة (٢) من إيمان ": أى دخول خلود.
قال القاضى: وكذلك - أيضًا - يتأول: " لا يدخل الجنة من فى قلبه مثقال ذرة من كبر": أى دون مجازاة إن جازاه الله تعالى بكبره، وأما التأويل الثانى فيبعد فى هذا الحديث ومفهومه خلافه، بدليل قوله: " ولا يدخل النار من فى قلبه مثقال ذرة من إيمان ".
وذكر مثقال الذرة هنا من الإيمان وهو لا يتجزأ، إذا أريد به حقيقته (٣) من المعرفة وتصديق القلب، ومعناه هنا - إن شاء الله - التمثيل بأقل درجات الإيمان، وهو مجرد التصديق بأقل مثاقيل الوزن، أو يكون الإشارة بالتجزىء إلى ما زاد على ذلك من أذكار القلب وإيمانه بما زاد على التوحيد ومفهوم الشهادتين وغير ذلك، وسيأتى بسط هذا فى أحاديث الشفاعة.
وقوله: " قال رجل ": إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنةً. قال: " إن الله جميل يحب الجمال ": [الرجلُ مالك بن مُرَّارة الرهاوى] (٤).
_________________
(١) معالم السنن ٦/ ٥٤.
(٢) عبارة الخطابى: خردلة، وهو الموافق للفظ رواية أبى داود.
(٣) فى ت: حقيقه، وكلاهما صواب.
(٤) هذا مما أغفله النووى - ﵀ - كما أنها سقط من ق.
[ ١ / ٣٥٩ ]
رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحبُ أَن يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَالَ: " إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ. الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ".
ــ
قال الإمام: أطلق فى هذا الحديث تسمية البارى تعالى جميلًا، ويحتمل أن يكون سماه بذلك لانتفاء النقص عنه؛ لأن الجميل مِنّا من حسنت صورته، ومضمون حُسْنِ الصورة انتفاءُ النقائص (١) والشين عنها، ويحتمل أن يكون جميل ها هنا بمعنى مُجمل أى محسن، كما أن كريمًا بمعنى مكرم. وأما الحديث الذى فيه: إن ترك الصلاة كفْر، ومذهب من تعلق به فقد تقدم الكلام عليه (٢).
قال القاضى: ذكر أبو القاسم بن هوازن القشيرى (٣) أن جميلًا بمعنى جليل، وحكى الخطابى أنه بمعنى ذى النور والبهجة، أى مالكها وربها، وذكر أبو بكر الصوفى أن معناه: جميل الأفعال بكم (٤) والنظر لكم، يكلفكم اليسير ويعين عليه ويثيب عليه الجزيل، ويشكر عليه، فهو يحب الجمال منكم، أى التجمل فى قلة إظهار الحاجة إلى غيره.
قال القاضى: ورد فى هذا الحديث تسميتُه بهذا، وكذلك فى حديث الأسماء المأثورة من رواية عبد العزيز بن حصين بن الترجمان (٥)، وهو ضعيف. واختلف أهل العلم والنظر من أهل السنة فى تسمية الله تعالى ووصفه من أوصاف الكمال والجلال والمدح بما لم يرد به شرعٌ ولا منعه، فأجازه بعضهم ومنع آخرون، إلا أن يرد به شرع من نص كتاب أو سنة متواترة أو أجمعت على إطلاقه الأمة. ثم اختلفوا إذا ورد به شرع غير مقطوع به بخبر الاحاد، فأجازه بعضهم، ورأى أن الدعاء به والثناء والذكر [به] (٦) من
_________________
(١) فى الإكمال: النقصَ.
(٢) حديث (١٣٤) بالكتاب.
(٣) هو الإمام الزاهد، القدوة، الأستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هَوَازن القُشيرى، صاحب الرسالة المسماة بالقشيرية. قال فيه ابن خلكان: كان علامةً فى الفقه والتفسير والحديث والأصول والأدب والشعر، وقال فيه الذهبى: كان عديم النظير فى السلوك، والتذكير، لطيف العبارة، طيّب الأخلاق، غواصًا على المعانى، وقال أبو بكر الخطيب: كتبنا عنه وكان ثقة، وكان حسن الوعظ. توفى سنة خمس وستين وأربعمائة. وفيات الأعيان ٣/ ٢٠٥، تاريخ بغداد ١١/ ٨٣، سير ١٨/ ٢٢٧.
(٤) نقله الإمام النووى دون أن يبين مصدره. راجع: ١/ ٣٨٣.
(٥) ذكره الترمذى وقال فيه: إنه حسنٌ، ولم يذكر فيه جميلًا.
(٦) ساقطة من ت.
[ ١ / ٣٦٠ ]
١٤٨ - () حدّثنا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِىُّ وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلاهُما عَنْ عَلِىِّ بْنِ مُسْهِرِ، قَالَ مِنْجَابٌ: أَخْبَرَنا ابْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " لا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرِياءَ ".
ــ
باب العمل الذى يستند إلى خبر الواحد (١)، ومنعه آخرون لأنه راجع إلى اعتقاد ما يحب ويجوز ويستحيل على الله، وباب هذا القطع، والصواب جوازه لاشتماله على العمل ولقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ الآية (٢).
والجمال المذكور فى هذا الحديث وغيره هو الحسن، والجميل: الحسنُ من كل شىء (٣).
وقوله: " الكبر بَطَرُ الحق وغمُط الناس ": وفى رواية أخرى: " وغمص الناس "، قال: ومعنى " بَطر الحق ": إبطاله، مأخوذ من قول العرب: ذهب دمه بَطْرًا وبَطَرًا، أى: باطلًا.
قال الهروى: قال الأصمعى: البَطرُ: الحيْرَة، ومعناه: أن يتحير عن (٤) الحق فلا يراه حقًا. وقال الزجاج: البَطرُ أن يتكبر عند (٥) الحق فلا يقبله.
وقوله: " وغمط الناس " معناه: استحقارهم واستهانتهم. يقال: غمط الناس - بطاء غير معجمة - وغمصهم - بصاد غير معجمة - ومعناهما واحد، وكذلك غَمْط النعمةِ وغمْصُها.
_________________
(١) وقالوا أيضًا: إن المنع حكم شرعى، والفرض أنه لم يرد فيه شىء وقد رُدَّ عليه بأن الجواز حكم شرعى، فالصواب الوقف. حكاه الأبى وقال: " وهو مذهب الإمام " ١/ ٢٠٠.
(٢) الأعراف: ١٨٠.
(٣) أقول: فهل يجوز على هذا أن نطلق على الله - جل علاه - الحسن؟! إن الصواب فى غير ما رجحه القاضى، فلقد أثبتت التجارب أن أعداء الإسلام يعمدون إلى التسميات المصطنعة ليستروا بها أغراضهم ويتوسلوا بها لنزع مهابة الأسماء الحسنى من قلوب المسلمين، كما يفعل الماسون من تسميتهم للحق ﵎ بـ " المهندس الأعظم " وفارق غير بين ما سمى الله به نفسه وما يجتهد فيه الناس له، ثم إن الله رب العالمين لم يأذن لنا بالاجتهاد فى ذلك، فلم يسوغ لنا الدعاء له والتقرب إليه فى غير ما أوحى لنا به على لسان رسوله ﷺ.
(٤) فى نسخ الإكمال: عند.
(٥) فى نسخ الإكمال: عن.
[ ١ / ٣٦١ ]
١٤٩ - () وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبانَ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ فُضَيْلٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِى قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْر ".
ــ
قال القاضى: لم نرو (١) هذا الحديث عن جميع شيوخنا هنا وفى البخارى إلا بالطَّاء (٢)، وبالطاء ذكره أبو داود فى مصنفه أيضًا، وذكره أبو عيسى الترمذى وغيره بالصاد.
_________________
(١) فى ت: يرو.
(٢) وذلك فى الأدب المفرد: ٥٥٦، ك البر والصلة، ب ما جاء فى الكِبْر ٤/ ٣٦١. وممن رواه بالصاد: أحمد فى المسند، والطبرانى فى الكبير والأوسط، قال الهيثمى فى طريق أحمد: رجاله ثقات. مجمع ٥/ ١٣٣، وانظر: المسند ٤/ ١٥١، كما أخرجه الطبرانى فى الكبير وأحمد فى المسند بلفظ: " الكبر من سفه الحق وازدرى الناس " معجم الطبرانى ١٠/ ٢٧٣، وأحمد فى المسند ١/ ٣٩٩. ويفرق بين الكبر والعظمة؛ أن الكبر إضافى يقتضى متكبرًا عليه، وهو ما أشار إليه الحديث بقوله: " وغمط الناس " أما العظمة فإنها لا تقتضيه؛ لأن الإنسان يتعاظم فى نفسه: أى يختال. إكمال الإكمال ١/ ٢٠١.
[ ١ / ٣٦٢ ]