١٥٥ - (٩٥) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَثَنَا ليْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ - وَاللَّفْظُ مُتَقَارِبٌ - أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَاب، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ ابْنِ عَدِىِّ بْنِ الخيَارِ، عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أرَأيْتَ إنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ فَقَاتَلَنِى، فَضَرَبَ إحْدَى يَدَىَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لاذَ مِنِّى بِشَجَرَةٍ، فَقَالَ: أسْلَمْتُ لِلهِ، أفَأقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: " لا تَقْتُلْهُ ". قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ قَدْ قَطَعَ يَدِى، ثُمَّ قَالَ ذلِكَ بَعْدَ أَنْ قَطَعَهَا، أفَأقْتُلُهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: " لا تَقْتُلهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِى قَالَ ".
ــ
وقوله فى حديث المقداد: أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار فضرب إحدى يدى فقطعها (١)، ثم قال: أسلمت، أفأقتله؟ وقول النبى ﷺ: " لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التى قال "، قال القاضى: زاد فى كتاب البخارى عن ابن عباس قال النبى ﷺ للمقداد: " إذا كان مؤمن يخفى إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته، فكذلك كنت تخفى إيمانك بمكة قبل "، [فحمل بعضهم تأويل الحديث] (٢) على هذا، أى أنه بمنزلتك قبل أن تقتله لقوله الكلمة وثبات إيمانه وعصمته من القتل بها، وأنت بمنزلته قبل أن تقتله، أى كنت كذلك إذ كنت [بمكة] (٣) بين
_________________
(١) فى ت: فقطعهما. أخرجها البخارى تعليقًا فى ك الديات عن حبيب بن أبى عَمْرَةَ عن سعيد عن ابن عباس ٩/ ٣. قال الحافظ فى الفتح: حبيب بن أبى عَمْرَة هو القصَّابُ الكوفى، لا يعرف اسم أبيه، وهذا التعليق وصله البزار والدارقطنى فى الأفراد والطبرانى فى الكبير من رواية أبى بكر بن على بن عطاء بن مقدم والد محمد ابن أبى بكر المقدمى عن حبيب، وفى أوله: " بعث رسول الله ﷺ سَرِيَّةً فيها المقداد، فلما أتوهم وجدوهم تفرقوا وفيهم رَجُلٌ له مالٌ كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فأهوى إليه المقداد فقتله " الحديث، وفيه. " فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: يا مقداد، قتلت رجلًا قال: لا إله إلا الله؟ فكيف لك بلا إله إلا الله؟ فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية [النساء: ٩٤]، فقال النبى ﷺ للمقداد: كان رجلًا مؤمنًا يخفى إيمانه " إلخ. قال الدارقطنى. تفرد به حبيب وتفرد به أبو بكر عنه. قال الحافظ فى الفتح: " قد تابع أبا بكر سفيان الثورى لكنه أرسله، أخرجه ابن أبى شيبة عن وكيع عنه. فتح البارى ١٢/ ١٩٠.
(٢) فى ت: فتأول بعضهم حمل الحديث.
(٣) ساقطة من ت.
[ ١ / ٣٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المشركين تكتم إيمانك، فلعله هو ممن كتم إيمانه وخرج مع المشركين كرهًا، كما أخرج أهل مكة من كان معهم من المسلمين لبدر كرهًا. وقطعه يده لمدافعته عن نفسه من يقتله، فهو يتأول جواز ذلك له، كما أنت متأول جواز قتله بعد الكلمة. وقال ابن القصار (١) وغيره: معناه: أنه بمنزلتك قبل أن تقتله من تحريم الدم والعصمة من القتل لإيمانه، وأنت مثله من إباحة دمه لكفره قبل أن يقولها، وأنت بعد قوله بإباحة دمك لقتلك إياه والقصاص له، يريدُ لولا علة التأويل المسقط عنك حكم القصاص. وقيل: معناه: إنَّك مثله قبل أن يقولها فى مخالفة الحق وارتكاب الإثم وإن اختلفت أنواع المخالفة والإثم، فيسمى إثمه كفرًا وشركًا، وإثمك معصية وفسقًا (٢).
وقوله فى الحديث: المقداد بن الأسود، ومرَّة المقداد بن عمرو بن الأسود الكندى حليف بنى زهرة فيه تَجَوُّز، أما قوله: " ابن الأسود " فإن الأسود بن عبد يغوث الزهرى كان تبناه فى الجاهلية، فلما نهى الله عن التبنى انتسب (٣) لأبيه عمرو لما جاء فى الرواية الأخرى، ثم قال ابن الأسود على التعريف والقطع والبدَل من المقداد والبيان له لا على النعت والصفة لعمرو ورد النسب إليه، كأنه قال: الذى يقال له ابن الأسود أو المعروف بابن الأسود، فقال ابن الأسود بدلًا من نسبه الأول لشهرته به، ويجب على هذا كتابة (٤) ابن الأسود بالألف (٥) ويتبع فى إعرابه المقداد لا عمرًا، وقد شهرت معرفته بذلك ونسبه إلى الأسود أكثر من نسبته إلى عمرو.
وأما قوله: الكندى حليف بنى زهرة فحقيقة نسبه بهرَانى من قضاعة، لا خلاف بين أهل النسب فى ذلك، ولكنهم يطلقون عليه النسب بكندىّ مرَّة وبهرانى أخرى، وقد جاء ذلك فى الصحيح (٦) نسبه كندى (٧)، وفى تاريخ البخارى والطبرى (٨) فيه الكندى
_________________
(١) غاية ما وقفت عليه أنه أبو الحسن بن القصار. المفهم ١/ ٢٧٢.
(٢) وفى الحديث السؤال عما لم يقع والجواب عنه، قال الأبى: " وكرهه بعض السلف، ورأى أن اشتغال المجتهد بذلك غلو " إكمال الإكمال ١/ ٢٠٤.
(٣) فى الأصل: انتسبت.
(٤) فى الأصل: كتاب.
(٥) لأن ابن هنا ليس واقعًا بين علمين متناسلين. نووى ١/ ٢٩٣. قال: وقدم نبه إلى عمرو على نسبته إلى الأسود لكون عمرو هو الأصل.
(٦) فى ق: الصحيحين.
(٧) فى صحيح البخارى فى أول كتاب الديات، وفى باب من شهد بدرًا من الملائكة، روى عنه فيهما عبيد الله بن عدىّ. وقال فيه الكلاباذى: كان فى حجر الأسود بن عبد يغوث الزهرى فنسب إليه. رجال صحيح البخارى ٢/ ٧٢٥. وهنا فى صحيح مسلم فى غير هذا الموضع سيرد إن شاء الله تعالى فى الوضوء، وروى عنه فيه على ابن أبى طالب، وفى الأطعمة، وروى عنه فيه عبد الرحمن بن أبى ليلى. قال ابن منجويه: ويقال: كان عبدًا حبشيًا لأسود بن عبد يغوث، فاستلأطه، يعنى قرَّبه وألزقه، قال: وكان عمرو أبا المقداد حالف كندة، فلذلك قل: الكندى يُعدُّ فى أهل الحجاز، يكنى أبا الأسود. كان المقداد فارس رسول الله ﷺ يوم بدر. رجال صحيح مسلم ٢/ ٢٦٨.
(٨) التاريخ الكبير ٤/ ٢/ ٥٤، وانظر تاريخ الطبرى ٢/ ٤٢٧.
[ ١ / ٣٦٨ ]
١٥٦ - () حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْراهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأنْصَارِىُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بُنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الأوْزَاعِىِّ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِىِّ، بهذَا الإِسْنَادِ. أمَّا الأَوْزَاعِىُّ وابْنُ جُرَيْجٍ فَفىِ حَدِيثِهِمَا قَالَ: أسْلَمْتُ لِلهِ. كَمَا قَالَ اللَّيْثُ فىِ حَدِيِثِه. وأمَّا مَعْمَرٌ فَفِى حَدِيثِه: فَلَمَّا أهوَيْتُ لأقْتُلَهُ قَالَ: لا إلهَ إلا اللهُ.
ــ
البهرانى.
وكندة وبهرا لا ترجع إحداهما إلى الأخرى، وإنما تجتمع فى حمير لمن جعل قضاعة منها، أو فيما فوق ذلك لمن نسب قضاعة من مَعَد.
وذكر ثابتٌ عن موسى بن هارون: كان المقداد كنديًا حليفًا لبنى زُهرَة، وهذا وهم صريح، إذ جعل أصل نسبه (١) من كندة، ولعله مع كونه بهرانيًا صليبةً كنديًا بالحلف أو بالجوار.
وأما قول موسى بن هارون فيه حليفًا لبنى زهرة، فقد ذكرنا سبب نَسبَه لزهرة أنه بتبنى (٢) الأسود بن عبد يغوث.
لكن ذكر ابن إسحاق وأبو عمر بن عبد البر أنه حالفه - أيضًا - وإنما الكندى حقيقة من الصحابة المقدام - بالميم - بن معدى كرب، وهو أبو كريمة.
وقوله: " فلما أهويتُ لأقتله ": قال الخليل: أهوى إليه بيده. وقال أبو بكر بن القوطية (٣): هوى إليه بالسيف والشىء هُويًا، وأهويتُه أى أملته، وقال أبو زيد (٤): الإهواء التناول باليد والضرب.
وقوله فى سنده: ثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد قالا: ثنا عبد الرزاق أنا معمر وثنا إسحاق بن موسى الأنصارى أنبأ الوليد عن الأوزاعى، وحدثنا محمد (٥) بن رافع، ثنا عبد الرزاق، ثنا (٦) ابن جريج جميعًا عن الزهرى - لم يقع هذا السند عن ابن ماهان. قال أبو مسعود الدمشقى: هذا ليس بمعروف عن الوليد بهذا الإسناد عن عطاء بن
_________________
(١) فى الأصل: نسيبه.
(٢) فى الأصل: تبناه.
(٣) هو علامة الأدب محمد بن عمر الأندلسى القرطبى. سبق قريبًا.
(٤) لعله سعيد بن الربيع البصرى، وهو من قدماء مشيخة البخارى، وروى مسلم عن رجل عنه، توفى سنة إحدى عشرة ومائتين. سير ٩/ ٤٩٦.
(٥) فى ت: عبد.
(٦) فى ت: أنا.
[ ١ / ٣٦٩ ]
١٥٧ - () وحدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِى عَطَاء بْنُ يَزِيدَ اللَّيثِىُّ، ثُمَّ الْجُنْدَعِىُّ؛ أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَدِىِّ ابْنِ الْخِيَارِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنُ عَمْرِو بْنَ الأَسْوَدِ الْكِنْدِىَّ - وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِى زُهْرَةَ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأيْتَ إنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ؟ ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثَ اللَّيْثِ.
١٥٨ - (٩٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِى مُعَاوِيَة، كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أبِى ظِبَيْانَ، عَنْ أسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. وَهذَا حَدِيثُ ابْنِ أَبِى شَيْبَةَ، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى سَرِيَّةٍ. فَصَبَّحْنَا الْحُرُقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ فَأدْرَكْتُ رَجُلًا، فَقَالَ: لا إلهَ إلا اللهُ، فَطَعَنْتُهُ فَوَقَعَ فِى نَفْسِى مِنْ ذلِكَ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِىِّ ﷺ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: " أقَالَ: لا إلهَ إلا اللهُ وَقَتَلْتهُ؟ ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رسُولَ اللهِ، إنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلاحِ، قَالَ: " أفَلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أقَالَهَا أمْ لا ". فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَىَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أنِّى أسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ. قَالَ: فَقَالَ سَعْدٌ: وَأنَا وَاللهِ لا أقْتُلُ مُسْلِمًا حَتَّى يَقْتُلَهُ ذُو الْبُطَيْنِ - يَعْنِى أسَامَةَ. قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: ألمْ يَقُلِ اللهُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّه﴾ (١) فَقَالَ سَعْدُ: قَدْ قَاتَلْنَا حتّى لا تَكُون فِتْنَةٌ. وأنْتَ وَأصْحَابُكَ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنةٌ.
ــ
يزيد عن عُبيد الله، وفيه خلاف على الوليد وعلى الأوزاعى، وبيَّن الدارقطنى فى كتاب العلل الخلاف فيه، وذكر أن الأوزاعى يرويه عن إبراهيم بن مُرَّة، واختلف عنه، فرواه أبو إسحاق الفزارى ومحمد بن شعيب ومحمد بن جبير (٢) والوليد بن مَرْثد عن الأوزاعى عن إبراهيم بن مُرَّة عن الزهرى عن عُبيد الله بن الخيار عن المقداد، ولم يذكروا فيه عطاء ابن يزيد، واختلف عن الوليد بن مسلم، فرواه أبو الوليد القرشى عن الوليد عن الأوزاعى، والليث بن سعد عن الزهرى عن عبيد الله بن عدى عن المقداد، لم يذكر فيه عطاء بن يزيد، وأسقط إبراهيم بن مُرَّة، وخالفه عيسى بن مشاور فرواه عن الوليد، عن الأوزاعى، عن حُميد، عن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن عدىِّ، عن المقداد، لم يذكر فيه إبراهيم بن مُرَّةٌ، وجعل مكان عطاء بن يزيد حميد بن عبد الرحمن. ورواه الفريابى عن الأوزاعى، عن إبراهيم بن مرة، عن الزهرى مرسلًا، عن المقداد.
قال أبو على الجيّانى: والصحيح فى إسناد هذا الحديث ما ذكره مسلم أولًا من رواية
_________________
(١) الأنفال: ٣٩.
(٢) فى الأصل: حميد.
[ ١ / ٣٧٠ ]
١٥٩ - () حدّثنا يَعْقُوبُ الدّوْرَقىّ. حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ. حَدَّثَنَا أَبُو ظِبَيْان، قَالَ: سَمِعْتُ أسَامَة بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ يُحَدِّثُ، قَالَ: بَعثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَة، فَصَبَحْنَا الْقَوْمَ، فَهَزَمْنَاهُمْ، ولَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لا إلَهَ إلا اللهُ. فَكَفَّ عَنْهُ الأنْصارِىُّ، وطَعنْتُهُ بِرُمْحِى حَتَّى قَتَلْتَهُ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنا، بَلَغَ ذلِكَ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ لِى: " يَا أسَامَةُ، أقتَلْتهْ بَعْدَ مَا قَالَ: لا إلَهَ إلا اللهَ؟ ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إنّمَا كَانَ مُتعَوذًا. قَالَ: فَقَالَ " أقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لا إلَهَ إلا اللهُ؟ ". قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَىَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أنِّى لَمْ أكُنْ أسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَومَ.
ــ
الليث ومعمر ويونس وابن جريج، وتابعهم صالح بن كيسان (١).
وقوله لأسامة: " أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله "، قال الإمام: لم يذكر فيه قصاصًا ولا عقلًا (٢)، فيحتمل أن يكون إنما أسقط ذلك عنه لأنه متأوّل، ويكون ذلك حجةً فى إسقاط العقل على إحدى الروايتين (٣) عندنا فى خطأ الإمام، ومن أذن له فى شىء فأتلفه غلطًا كالأجير [والخاتن] (٤).
قال القاضى [﵁] (٥): لا امتراء أن أسامة إنما قتله متأوّلًا، وظانًا أن الشهادة عند معاينة القتل لا تنفع، كما لا تنفع عند حضور الموت، ولم يعلم بعد حكم النبى ﷺ فيه، ألا تراه كيف قال: إنما قالها متعوّذًا، فحكمه حكم الخاطئ، فسقوط
_________________
(١) قال النووى بعد سياقته لقول القاضى: " وحاصل هذا الخلاف والاضطراب إنما هو فى رواية الوليد بن مسلم عن الأوزاعى، وأما رواية الليث ومعمر ويونس وابن جريج فلا شك فى صحتها، وهذه الروايات هى المستقلة بالعمل، وعليها الاعتماد، وأما رواية الأوزاعى فذكرها متابعة، وقد تقرر عندهم أن المتابعات يحتمل فيها ما فيه نوع ضعف، لكونها لا اعتماد عليها، وإنما هى لمجرد الاستئناس، فالحاصل أن هذا الاضطراب الذى فى رواية الوليد عن الأوزاعى لا يقدح فى صحة أصل هذا الحديث، فلا خلاف فى صحته " ١/ ٢٩٧.
(٢) العقلُ هى الدية تدفعها العاقلة، وهم العصبَةُ الأقرباء من قبل الأب، وإنما قيل للدية عقلٌ لأنهم كانوا يأتون بالإبل فيعقلونها بفناء ولىِّ المقتول، ثم كثر ذلك حتى قيل لكل دية عقلٌ. لسان العرب.
(٣) فى المعلم: الطرقتين.
(٤) فى الأصل والمعلم: الخاين، وهو خطأ، والمثبت من (ت) و(ق) وهو الصواب، والمراد به خاتن الصبيان، إذا أخطأ فى الختن، فشأنه كشأن الطبيب إذا أتلف نفسًا غلطًا. راجع: الجامع لأحكام القرآن: ٥/ ٣٢٤.
(٥) سقط من ق.
[ ١ / ٣٧١ ]
١٦٠ - (٩٧) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بِنْ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أبى يُحَدِّثُ؛ أَنَّ خَالِدًا الأثْبَجَ، ابْنِ أخِى صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، حَدَّثَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ؛ أَنَّهُ حَدَّثَ؛ أَنَّ جُنْدَبَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِىَّ بَعَثَ إلى عَسْعَسِ بْنِ سَلامَةَ، زَمَنَ فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: اجْمَعْ لِى نَفَرًا مِنْ إخْوَانِكَ حَتَّى أحَدِّثَهُمْ. فَبَعَثَ رَسُولًا إلَيْهمْ. فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَ جُنْدَبْ وَعَلَيْهِ بُرْنُسُ أصْفَرُ. فَقَالَ: تَحَدَّثُوا بِما كُنتُمْ تَحَدَّثُونَ بِهِ. حَتَّى دَارَ الْحَدِيثُ. فَلَمَّا دَارَ الْحَدِيثُ إلَيْهِ حَسَرَ الْبُرْنُس عَنْ رَأسِهِ فَقَالَ: إنى أتَيْتُكُمْ ولا أرِيدُ أَنْ أخْبِرَكُمْ عَنْ نَبِيكُمْ. إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ بَعَثَ بَعْثًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلى قَومِ مِنْ المُشرِكِينَ وَإِنَّهمْ الْتَقَوا فَكَانَ رَجُلٌ مِنَ المُشرِكِينَ إِذَا شَاءَ أَنْ يَقصِدَ إلَى رَجُلٍ مِنْ المُسلِمينَ قَصَدَ لَهُ فَقَتَلَهُ، وَإنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ غَفْلتَهُ. قَالَ: وَكُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهُ أسَامةُ بْنُ زَيْدٍ، فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ قَالَ: لا إلهَ إلا اللهُ، فَقَتَلَهُ. فَجَاءَ البَشِيرُ إلى النَّبِىِّ ﷺ، فَسأَلَهُ فَأخْبَرَهُ، حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُلِ كَيْفَ صَنَعَ، فَدَعَاهُ، فَسَألَهُ، فَقَالَ: " لِمَ قَتَلْتهُ؟ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أوْجَعَ فِى الْمُسْلِمِينَ وَقَتَلَ فُلانًا وَفُلانًا - وَسَمَّى لَهُ نَفَرًا - وإنِّى حَمَلتُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأى السَّيْفَ قَالَ: لَا إلَهَ إلا اللهُ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " أقَتَلْتَهُ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: " فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلا إلَهَ إلا اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اسْتَغْفِرْ لِى. قَالَ: " وَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلا إلَه إلا اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ ". قَالَ: فجَعَلَ لا يَزِيدُهُ عَلَى أَنْ يَقُولَ: " كَيفَ تَصْنَعُ بِلا إلَهَ إلا اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ ".
ــ
القصاص عنه بيّنٌ، وأما سقوط الدية فلكونه من العدو، ولعله لم يكن له ولىٌّ من المسلمين تكون له ديتُه (١) كما قال تعالى: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ
_________________
(١) أو لأنه كان له إذن فى أصل القتال، فكان عنه إتلاف نفس محترمة غَلطًا كالخاتن والطبيب، كما ذكر الإمام، أو لأن المقتول كان فى العدوّ ولم يكن له ولىٌّ من المسلمين تكون له ديته، كما دلَّت الآية قال القرطبى فى الآية: " هذه مسألة، المؤمن يقتلُ فى بلاد الكفار أو فى حروبهم على أنه من الكفار، والمعنى عند ابن عباس وقتادة والسُدّى وعكرمة ومجاهد والنخعى: فإن كان هذا المقتول رجلًا مؤمنًا قد آمن وبَقَى فى قومه وهم كفرة ﴿عَدُوٍّ لَّكُم﴾ [النساء: ٩٢] فلا دية فيه، وإنما كفارته تحرير رقبة ". قال: " وهو المشهور من قول مالك، وبه قال أبو حنيفة، وسقطت الدية لوجهين: أحدهما: أن أولياء القتيل كفار، فلا يصح أن تُدْفَع إليهم فيتقووا بها، والثانى: أن حُرمة هذا الذى آمن ولم يُهاجر قليلة، فلا دية لقوله تعالى. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢].
[ ١ / ٣٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُّؤْمِنَةٍ﴾ (١)، فلم يجعل عليه قصاصًا ولا ديةً سوى الكفارة.
وهذا مذهب ابن عباس وجماعة فى الآية: أنها فى المؤمن يقتل خطأ وقومه كفارٌ، فليس على قاتله سوى الكفارة. وذهب بعضهم إلى أنها فيمن أولياؤه معاهدون، وذكر عن مالك [والمشهور عنه] (٢) [﵀] (٣): أنها فيمن لم يهاجر من المسلمين، لقوله [تعالى] (٤): ﴿مَا لَكُم مِّن وَلايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ (٥)، فيكون هذا الحديث ومثله حجةً لهذه المقالات، أو يكون قتله هذا لم يُعْلَم إلا (٦) بقول أسامة، والعاقِلةُ لا تحمل اعترافًا، ولم يكن عند أسامة مال يكون فيه ديتُه. أو يكون قد تحقق النبى ﷺ بوحى الله أن المقتول لم يقل لا إله مخلصًا، بل قالها مُعتصمًا بها من القتل غير معتقد لها، فكان كافِرًا فى الباطن، لكن شدَّد النبى ﷺ على أسامة الأمر وعظَّمه لئلا يواقعه (٧) ثانية فى قائلها عن صحة وحقيقة، وممن يكتم إيمانه كما قال للمقداد؛ فلهذا كان أسامة بعد لا يقاتل مسلمًا وحلف على ذلك؛ ولهذا قعد عن نُصَرة على - ﵁ - ولهذا قال سعد - وهو ابن أبى وقاص - فى الحديث: " فأنا لا أقاتل حتى يقاتل ذو البطين " يعنى: أسامة، وقيل له: ذو البطين مصغرًا؛ لأنه كان له بطن.
قال ابن ماكولا: أسامة بن زيد يقال له: ذو البطين (٨).
وقوله: " أفلا شققت عن قلبه " (٩): دليلٌ على حمل الناس على الظواهر؛ لأن البواطن لا يُوصَل إليها، ولا يعلم ما فيها إلا علام السرائر.
وذكر الشق هنا تنبيه على ذلك، وكناية عن امتناع الاطلاع، إذ لا يوصل إلى ذلك وإن شق، واقتدى سعد بن أبى وقاص فى هذا بأسامة، ومذهبهما فى ذلك بسطناه مع مذاهب غيرهما فى كتاب الفتن آخر الكتاب.
_________________
(١) النساء: ٩٢.
(٢) من ق.
(٣) و(٤) من المعلم.
(٤) الأنفال: ٧٢.
(٥) فى الأصل: لا.
(٦) فى ت: يوافقه.
(٧) الإكمال ١/ ٣٣٤. وليس المعنى هنا أنه يريد: إن قاتل أسامة قاتلتُ فى الفتنة، وإنما هو من الوقف على الممتنع وقوعه. الأبى ١/ ٢٠٩
(٨) وفى قول أسامة فى الطريق الأول: " فذكرته للنبى ﷺ "، وقوله فى الطريق الثانى: " فلما قدمنا بلغ ذلك النبى ﷺ فقال لى: يا أسامة، أقتلته؟ " يجمع بينهما بأن يكون ﷺ سأله فقال له أسامة ذلك.
[ ١ / ٣٧٣ ]