١٧١ - (١٠٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ " قَالَ: فَقَرَأهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلاثَ مِرَارٍ.
ــ
وقوله: " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم " الحديث: هذا مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ الآية (١). معنى: " لا يكلمهم الله ": أى بكلام أهل الخير وإظهار الرضا والبر، بل بكلام أهل السخط والغضب، وقيل: لا يسمعهم كلامه بغير سفير، وقيل: معنى ذلك الإعراض والغضب، وهو معنى لا ينظر إليهم، ونظر الله لعباده رحمته لهم وعطفه عليهم (٢).
وقوله: " ولا يزكيهم ": قال الزجاج: لا يثنى عليهم، ومن لم يثن عليه خيرًا عذبه، وقيل: لا يُطهرهم من خبيث (٣) أعمالهم لعظم جرمهم؛ لأن ذنوبهم جمعت ذنوبًا كبيرة (٤).
_________________
(١) آل عمران: ٧٧. والمعنى كما ذكر الحافظ ابن كثير: " إن الذين يعتاضون عما عهدهم الله عليه من اتباع محمد ﷺ، وذكْر صفته للناس وبيان أمره، وعن أيمانهم الكاذبة الفاجرة الآثمة بالأثمان القَليَلة الزهيدة فـ ﴿أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾، أى لا نصب لهم فيها، ولا حظ لهم منها ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أى برحمة منه لهم. بمعنى لا يكلمهم كلام لطف بهم، ولا ينظر إليهم بعين الرحمة ﴿ولا يُزَكِّيهِم﴾ أى من الذنوب والأدناس ". تفسير القرآن العظيم ٢/ ٥١.
(٢) قال لأبى: " لا يكلمهم ولا يزكيهم لا يتعين فيهما التأويل لصحة النفى فيهما، ويتعين فى لا ينظر إليهم لأنه تعالى يرى كل موجود ". الإكمال ١/ ٢١٤.
(٣) فى ت: خبث.
(٤) فى ت: كثيرة.
[ ١ / ٣٨٠ ]
قَالَ أَبُو ذرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ ".
() وحدّثنى أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلادِ الْبَاهِلىُّ. حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ الْقَطَّانُ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْمَنَّانُ الَّذِى لا يُعْطِى شَيئًا إلا مَنَّهُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْفَاجِرِ، وَالْمُسْبِلُ إزَارَهُ ".
وَحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ، بهذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: " ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ ولاَ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ ".
ــ
وقوله: " المسبل إزاره ": أى المرخى له، الجارُّ طرفه خُيَلاء كما جاء مفسرًا فى الحديث الآخر: " لا يُنظر الله إلى من يُجرُّ ثوبه بطرًا " (١) وفى آخر (٢): " إزاره خُيلاء " والخيلاء: الكبر، وقد تقدم قول من قال: إنه لا يكون إلا مع جرّ الإزار، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٣).
وتخصيص جرّه على وجه الخُيلاء يدلُ أن من جرَّه لغير ذلك فليس بداخل تحت الوعيد، وقد رخص فى ذلك النبى ﷺ لأبى بكر الصديق - ﵁ - وقال: " لسْتَ منهم " (٤)؛ إذ كان جَرُّه إيَّاه لغير الخيلاء، بل لأنه كان لا يثبتُ على عاتقه.
_________________
(١) قريب من لفظ أحمد، فقد أخرجه فى المسند ٢/ ٦٩ عن ابن عمر بلفظ: " لا ينظر الله إلى الذى يجرُّ إزاره خيلاء "، وعن أبى هريرة ١/ ٤٦٧ بلفظ: " لا يُنظر الله ﷿ إلى الذى يجر إزاره بطرًا ". والإزار: ما يتحزم به، وكانت العرب لا تعرف السراويلات. ذكر ابن عبد ربه أن أعرابيًا وجد سراويل، فأخرج يديه من ساقيه وجعل يلتمس من أين يخرج رأسه فلم يجد، فرمى به وقال: إنه لقميص شيطان. إكمال ١/ ٢١٤.
(٢) فى ت: أخرى.
(٣) الحديد: ٢٣.
(٤) الحديث بهذا اللفظ جزء حديث، أخرجه أحمد والطبرانى فى الأوسط بإسنادين أحدهما رجاله رجال الصحيح، وتمامه عن ابن عمر أن النبى ﷺ رآه وعليه إزار يتقعقع - يعنى جديدًا - فقال: " من هذا؟ " فقلت: أنا عبد الله، فقال: " إن كنت عبد الله فارفع إزارك " قال: فرفعته، قال: " زد " قال: فرفعته حتى بلغ نصف الساق، قال: ثم التفت إلى أبى بكر فقال: " من جَرَّ ثوبه من الخيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ". فقال أبو بكر: إنه يترخى إزارى أحيانًا، فقال النبى ﷺ: " لست منهم " أحمد =
[ ١ / ٣٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال الطبرى وغيره: وخصَّ الإزارَ لأنه كان عامة اللباس، وحكمُ غيره من القُمص وغيرها حكمه.
قال القاضى: وأما على ما جاء فى الحديث الآخر: " ثوبه " فهو عام، وقد ورد مُفَسَّرًا فى كتاب أبى داود فى حديث: " فذكر فيه الإزار والقميص والعمامة " (١).
وقوله: " والمنَّان " وفسَّره فى الحديث: " أنه الذى لا يُعطى شيئًا إلا منّة "، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ (٢).
وقد ورد فى حديث آخر: " البخيلُ المنانُ " (٣)، فقد جمع البخل المذموم لاسيما إن كان بالواجبات ثم المنَّ بالقليل الذى يُسمَحُ به، وأذى من وصَلَه به، واستكثاره، واستطالته عليه، وفى نفس المنّ البخل لأنه لا يمنّ إلا بما عَظُمَ فى نفسه إخراجه عن يده، وشحّهُ عليه عِظَمُه عنده، والجوادُ لا يعظمُ عنده شىء مما يمنحه ولا يذكره ولا يَمُنُّ به، وقيل: إن المنَّ هنا بمعنى القطع والنقص، فيوافق معنى البخيل الذى لا يعطى الحقوق من ماله وينقصها ويقطع رحمه - وهو أحد التأويلين فى قول الله ﷿: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (٤): أى غير منقوص ولا مقطوع. والأظهر الأول لقوله: " لا يعطى شيئًا إلا
_________________
(١) = فى المسند ٢/ ١٤٧، والمجمع ٥/ ١٢٣. وقد أخرجه البخارى والطبرانى من حديثه بلفظ: " لستَ ممن يضعه خُيلاء " البخارى فى صحيحه، ك اللباس، ب من جَرَّ ثوبه من غير خيلاء ٧/ ١٨٢، والطبرانى فى المعجم الكبير ١٢/ ٣٠٠، وكذا أخرجه أبو داود فى السنن ك اللباس، ب ما جاء فى إسبال الإزار ٢/ ٣٧٨، وزاد فيه: " إن أحد جانِبى إزارى يسترخى، إنى لأتعاهَدُ ذلك منه ".
(٢) وذلك من حديث سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبى ﷺ قال: " الإسبال فى الإزار، والقميص، والعِمامة، من جَرَّ منها شيئًا خُيلاء لم يُنظرِ الله إليه يوم القيامة " ١/ ٣٨١.
(٣) البقرة: ٢٦٤.
(٤) أخرجه أحمد فى المسند فى حديث طويل عن أبى ذر بلفظ: " ثلاثةٌ يشنؤهم الله: التاجر الحلاف - أو قال: البائع الحلاف - والبخيل المنان، والفقير المختال " ٥/ ١٥١. وقد أخرجه الترمذى عن أبى بكر الصديق بلفظ: " لا يدخُلُ الجنَّة خِبٌّ، ولا منانٌ، ولا بخيل " ك البر والصلة، ب ما جاء فى البخيل ٤/ ٣٤٣، وقال فيه الترمذى: هذا حديث حسن غريب. والمنَّانُ: صيغة مبالغة من المن؛ ولذا فسَّره فى حديث الأعمش أنه لا يعطى شيئًا إلا منّة. وعلى ذلك فلا يتناول الوعيدُ المذكور إلا من كثُر منه ذلك، بخلاف إبطاله الصدقة، والمن: تقرير النعمة على من أسديت إليه. ورواية أحمد التى استدل بها القاضى ليس فيها تخصيصٌ لروايات الباب هنا حتى يقال: لا يتناول الوعيد إلا من أضاف إلى كثرة المن البخل، وذلك لأن المنَّ يستلزم البخل؛ لأنه لا يمنّ إلا بما عظم فى نفسه وشحَّ بإخراجه، والجواد لا يستعظم فلا يَمنَّ كما ذكر القاضى.
(٥) التين: ٦. وفيه قال ابن عباس: غير منقوض. وقال مجاهد والضحاك: غير محسوب. قال الحافظ: ابن كثير: وحاصل قولهما: أنه غير مقطوع، كما قال تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] =
[ ١ / ٣٨٢ ]
١٧٢ - (١٠٧) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " ثَلاثَةٌ لا يُكَلمُهُمُ اللهُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكيِّهِم - قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَلا يَنظُرُ إلَيْهِمْ - وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، ومَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ ".
ــ
منَّه ".
وقوله: " المنفق سلعته بالحلف الفاجر "، وفى الرواية الأخرى: " الكاذب " وهو تفسير الفاجر، وقد جمعت الاستخفاف بحق الله والكذب فيما حلف عليه، وأخذ مال الآخر بغير حقه، وغروره إيَّاه بيمينه (١).
وقوله فى الحديث الآخر فى تفسير الثلاثة: " شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر "، خص هؤلاء الثلاثة بأليم العذاب وعقوبة الإبعاد لالتزام كل واحد منهم المعصية التى ذكر على بعدها منه، وعدم ضرورته إليها، وضعف دواعيها عنده، وإن كان لا يُعذر أحدٌ بذنبٍ، ولا فى معصيته الله تعالى، لكن لما لم تدعُهم إلى هذه المعاصى ضرائر مزعجة، ولا دواعٍ معتادة، ولا حملتهم عليها أسبابٌ لازمةٌ، أشبه إقدامُهم عليها المعاندةَ، والاستخفاف بحق المعبود، محضًا، وقصد معصيته لا لغير معصيته (٢)، فإن الشيخ مع كمال عقله، وإعذار الله له فى عمره، وكثرة معرفته بطول ما مَرَّ عليه من زمنه، وضعف أسباب الجماع، والشهوة للنساء، واختلال دواعيه لذلك، وبَرد مِزاجِه، وإخلاق جديده، [وعنده] (٣) من ذلك ما يُريحه من دواعى الحلال فى هذا الباب من ذاته، ويخلى سره منه بطبيعته، فكيف بالزنا الحرام؟! إذ دواعى ذلك الكبرى الشبابُ، وحرارةُ الغريزة، وقلة المعرفة، وغلبة الشهوة بضعف العقل، وصِغَرِ السِنّ.
وكذلك الإمام لا يخشى من أحد من رعيته، ولا يحتاج إلى مداهنته ومصانعته، إذ
_________________
(١) = قال: وقال السدى: قال بعضهم: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غير منقوض، وقال بعضهم: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ عليهم. قال: وهذا القول الآخر عن بعضهم قد أنكره غير واحد؛ فإن الله - ﷿ - له المنة على أهل الجَنة فى كل حال وآن ولحظةٍ، وإنما دخولها بفضله ورحمته، لا بأعمالهم، فله عليهم المنة سرمدًا. تفسير القرآن العظيم ٨/ ٣٨٣.
(٢) فعلى القول فى الكبيرة أنه ما تُوُعِّدَ عليها، تكون تلك الثلاث كبائر، لترتيبه الوعيد عليها.
(٣) فهى معاصٍ مع وجود الصارف، قال الأبى: ويلحق بالثلاثة من شركهم فى المعنى الموجب، كسرقة الغنى، فإنها ليست كسرقة المحتاج، ولا يبعد أن يكون المدح فى أضداد هذه الأنواع أيضًا يتفاوت، فالعفة من الشاب أمدح منها من الشيخ والصدق من غير الملك أمدح منه من الملك والتواضع من الغنى أمدح منه من الفقير. فإن وجد من الشيوخ من لم تنكر حدته فلا يكون مساويًا للشاب لأن التعليل بالوصف لا يضره تخلف الحكمة. إكمال ١/ ٢١٦.
(٤) فى الأصل: عنده.
[ ١ / ٣٨٣ ]
١٧٣ - (١٠٨) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ وَهَذَا حَدِيثُ أَبِى بَكْرٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " ثَلاثٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلاةِ يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ لأخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إمَامًا لا يُبَايِعُهُ إلا لِدُنْيَا، فَإِنْ أعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ ".
ــ
إنما يُداهن الإنسان ويصانع بالكذب وشبهه من يحذرُه ويخشى [معاقبته، أو أذاه ومعاتبته] (١)، أو يطلب عنده بذلك (٢) منزلةً أَو منفعةً، فهو غنى عن الكذب جملة (٣).
وكذلك العائلُ الفقيرُ، قد عدم (٤) بعدمه المال ولعاعة (٥) الدنيا سبَبَ الفخر، والخُيلاء، والاستكبار على القُرناء، إذ إنما يكون ذلك بأسباب الدنيا والظهور فيها وحاجات أهلها إليه، فإذا لم يكن عنده أسبابها فلماذا يستكبر ويستحقر غيره؟ فلم يبق إلا أنَّ فى استكبار هذا، وكذب الثانى، وزنا الثالث، ضربًا من الاستخفاف بحق الله تعالى، ومعاندة نواهيه، وأوامره، وقلة الخوف من وعيده إذ لم يبق ثَمَّ حاملٌ لهم على هذا سواه، مع سبق القدَرِ لهم بالشقاء.
وقوله فى الحديث الآخر فى تفسيرهم: " ورجل (٦) له فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل " وذكر معنى المنفق سلعته بالحلف، وذكر فيه بعد [صلاة] (٧) العصر، " ورجل بايع إمامًا لا يبايُعُه إلا لدنيا " الحديث. فأما مانع الماء من ابن السبيل فلأنه منعه حقَّه وما ليس يملك للمانع، وعرَّضه للتلف، فأشبه قاتله (٨)، ولهذا رأى مالك إقادته به إن
_________________
(١) فى ت: منه فتنه أو أذاه أو معاتبته.
(٢) فى ق: بذلك عنده.
(٣) هذا فى الملك المستقر ولم يعش الشيخ حتى يرى حاجة الرؤساء والملوك إلى أمثال هذه الأخلاق.
(٤) قيد أمامها بالهامش: وقع مقابلته بالأصل ولله الحمد والمنة.
(٥) اللَّعَاعَةُ: أول النبت، يعنى أن الدنيا كالنبات الأخضر قليل البقاء، ومنه قولهم: ما بقى فى الدنيا إلا لعاعة، أى بقية يسيرة. اللسان، مادة " لعع ".
(٦) فى ت: رجل.
(٧) من ت.
(٨) حمل العلماء هذا على أنه من نوع ما قبله، فالصارف له - أيضًا - كونه لا يملك أصله، وقد أخذ حاجته وقد استغنى عنه، ككذب الملك.
[ ١ / ٣٨٤ ]
() وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّ فىِ حَدِيثِ جَرِيرٍ: " وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ ".
١٧٤ - () وحدّثنى عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: أرَاهُ مَرْفُوعًا، قَالَ: " ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إلَيْهمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أليمٌ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بَعْدَ صَلاةِ الْعَصْرِ عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ فَاقْتَطَعَهُ " وَبَاقِى حَدِيثِهِ نَحْوُ حَدِيثِ الأَعْمَشِ.
ــ
هلك (١).
وتقدَّم عظيمُ إثم الحالف الموصوف.
وقوله: " بعد العصر ": لشدَّة الأمر فيها وحضور ملائكة الليل والنهار عندها،
_________________
(١) قلت: ليس هذا لمالك - ﵁ - إنما هو قول عبد الرحمن بن القاسم العتقى، أحد رواة مالك، ذكره سحنون فى المدونة، قال: قال ابن القاسم: ولو منعوهم - يعنى أصحاب البئر يمنعون المسافرين - الماء حتى مات المسافرون عطشًا، ولم يكن بالمسافرين قوةً على مدافعتهم، رأيت أن يكون على عاقلة أهل الماء دياتهم، والكفارة عن كل نفس منهم على كل رجل من أهل الماء، مع الأدب الموجع من الإمام لهم فى ذلك. المدونة ٦/ ١٩٠ فقول القاضى بالإقادة هنا فيه تجوز من جهتين، أولاها: أنه نسب القول لمالك وليس له، ثانيها: قوله بالقود وإنما هو عندهم الدية. قال الأبى: لم يزل الشيوخ فى القديم والحديث ينكرون حكاية هذا عن مالك. قال بعضهم: إنما جعل فيهم الدية لأنه بمنعه إياهم متأول أنه أحق بالفضل، ولو علم أنه لا يحل له منعُهم وقصد قتلهم لانبغى أن يقتل. إكمال ١/ ٢١٦. قال القرطبى: وابن السبيل هو المسافر، والسبيل الطريق، وسمى المسافر بذلك لأن الطريق تبرزه وتظهره، فكأنها ولدته. ثم قال فى حكم منع الماء هذا: وقد أجمع المسلمون على تحريم ذلك ثم نقل ما نسب إلى مالك هنا بغير عزو. المفهم ١/ ٢٨٧. وفى قوله ﷺ: " رجل بايع رجلًا سلعة " قال القرطبى: رويناه: " سلعة " بغير باء، ورويناه بالباء، فعلى الباء بايع بمعنى: ساوم وعن إسقاطها يكون معنى بايع: باع، فيتعدى بنفسه، وسلعَة مفعول. وقوله: " فحلف له بالله لقد أخذها بكذا وكذا " يعنى: أنه كذب فزاد فى الثمن الذى به اشترى، فكذب، واستخفَّ باسم الله تعالى، حين حلف به على الكذب، وأخذ مال غيره ظلمًا، فقد جمع بين كبائر، فاستحق هذا الوعيد الشديد.
[ ١ / ٣٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وشهادتهم على مجاهرته ربه بيمينه واستخفافه عظيم حقه (١).
وأما مبايع الإمام الموصوف فلغشه المسلمين وإمامهم وتسبيبه الفتنَ عليهم بنكثه بيعته، ولنقضه عهود ربه المأخوذة عليه وغروره من نفسه، لاسيما إن كان ممن يُتَّبَع ويُقْتَدى به، ويُظَنَّ أنَّه بايعه ديانةً ونظرًا للمسلمين وهو بضد ذلك.
_________________
(١) رد القرطبى هذا التفسير من القاضى لأمرين: أحدهما: أن هذا الحضور من الملائكة فى صلاة العصر موجودٌ فى صلاة الفجر؛ لأن النبى ﷺ قال: " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ثم يجتمعون فى صلاة العصر وصلاة الفجر ". قال: وعلى هذا فتبطل خصوصية العصر لمساواة الفجر لها فى ذلك. وثانيهما: أن حضور الملائكة واجتماعهم إنما هو فى حال هاتين الصلاتين، لا بعدهما كما قد نص عليه فى الحديث حين قال: " يجتمعون فى صلاة الفجر وصلاة العصر "، ولقول الملائكة: " أتيناهم وهم يصلون، وتركاهم وهم يصلون "، قال: وهذا يدلُ دلالة واضحة على أن هؤلاء الملائكة لا يشاهدون من أعمال العباد إلا الصلوات فقط، وبها يشهدون. قلت: يجاب على ذلك بأن يقال: إن وقت العصر هو وقت البيع لا وقت الفجر غالبًا. فلا مانع من تلك الخصوصية لهذا الوقت. أما الوجه الثانى فالتعبير بقوله ﷺ: " ثم يجتمعون فى صلاة العصر وصلاة الفجر " أن تعاقبهم وحضورهم قبل الصلاة لا فى حالها، ولم يرد فى الحديث ما يمنع استدامة الاجتماع بعدها. وقد ذهب القرطبى إلى اختيار القاضى فيما ذهب إليه أول الكلام فقد قال: ويظهر لى أن يقال: إنما كان ذلك لأنه عقب صلاة الوسطى. قلت: قد قال القاضى: لشدة الأمر فيها، فشمل هذا التأويل من القرطبى وغيره. راجع: المفهم ١/ ٢٨٨. قال الأبى: الأحسن ألا يجعل بعد العصر قيدًا فى الوعيد المذكور؛ لأن القصد التحذير عن إنفاق السلعة باليمين الكاذبة، فترك التقييد بالزمان أزجر؛ ولذا لم يقيده بذلك فى الحديث السابق، لا يقال ذلك مطلقُ فيُردُّ إلى هذا المقيد الأخص؛ لأن هذا إنما هو أخص باعتبار اللفظ، وأما باعتبار المعنى فذلك أخص؛ لأنه كلما ثبت الوعيد على إنفاقها بالحلف الكذب مطلقًا ثبت على إنفاقها به بعد العصر، دون عكس، وإذا كان أخصَّ انبغى الردُّ إليه. إكمال ١/ ٢١٧.
[ ١ / ٣٨٦ ]