١٧٥ - (١٠٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وأبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " منْ قَتَلَ نَفْسَهُ بحَديدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِى يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِى بَطْنه فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أبَدًا، وَمَنْ تَردَّى مِنْ جبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِى نَارِ جَهَنّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أبَدًا ".
ــ
وقوله: " من قتل نفسه بحديدة، فحديدته فى يده يتوجَّأ بها (١) فى نار جهنم خالدًا مخلدًا " الحديث، وذكر فيه من شرب سُمًّا وتردى (٢) من جبل، ومن ذبح نفسه. معنى " يتوجَّأ " أى يطعن (٣)، وهو مهموز ويُسهلُ أيضًا. وقوله فيه: " خالدًا مُخلَّدًا " لمن فعَلَ ذلك مستحلًا، أو خلود طول إقامة لا خلود دوامٍ وتأبيد (٤). ويدخل فيها من التأويلات ما يدخل آية قاتِل النفس. وقد يقال في أدعية الملوك: خلَّد الله ملكك، وأبَّد أيامك أى أطالها. وشرح هذه الألفاظ ما وقع مجملًا فى الحديث الآخر: " من قتل نفسه بشىء عُذِّب به يوم القيامة ".
وفيه دليلٌ لمالك - ﵀ - ومن قال بقوله، على أن القصاص من القاتل بما قتل به محدَّدًا كان أو غيْرَ مُحدَّد، خلافًا لأبى حنيفة - ﵀ - (٥)، اقتداءً بعقاب الله لقاتل
_________________
(١) زيد بعدها فى ق: فى بطنه.
(٢) قبلها فى ق: ومن، وفى ت: أو تردى.
(٣) زيد بعدها فى ق: ويذبح.
(٤) وبهذا يكون كناية عن كون عقوبته أشد من عقوبة قتله أجنبيًا؛ لأنه واقع الذنب مع وجود الصارف كزنا الشيخ وكذب الملك، والصارف حب الإنسان نفسه بالجبلة. كما ذكره الأبى ١/ ٢١٨، قال: " ثم ينبغى تخصيصه بمن قتل نفسه لظنه أن العدو يقتله ".
(٥) وذلك لقوله ﷺ فيما أخرجه ابن ماجه والدارقطنى والبيهقى: " لا قوَدَ إلا بالسيف " ابن ماجه ك الديات، ب لا قود إلا بالسيف ٢/ ٨٨٩، سنن الدارقطنى ٣/ ٨٧، ٨٨، ١٠٦، البيهقى فى ك الجنايات، ب ما روى لا قود إلا بحديدة ٨/ ٦٢. راجع فى ذلك: المغنى ١١/ ٤٤٦، إعلاء السنن ١٨/ ٩١. حيث رد الاحتجاج به إلى أن معناه: أن القصاص لا يثبتُ إلا إذا قتله بالسيف ونحوه، وليس معناه: أنه لا يقتص من القاتل إلا بالسيف.
[ ١ / ٣٨٧ ]
() وحدّثنى زُهَيْرُ بْن حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأشعَثِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ. ح وَحَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ الْحَارِث - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّهُمْ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ. وَفِى رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ.
١٧٦ - (١١٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلامِ بْنِ أبى سَلامٍ الدَّمَشْقِىُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِير؛ أنَّ أَبَا قِلابَةَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ
ــ
نفسه فى الآخرة، وبحكم النبى ﷺ فى اليهودى الذى رضَّ رأس الجارية بين حجرين، فأمر برض رأسه بين حجرين (١) وبحكمه فى العرينيين (٢)؛ ولأن العقوبات والحدود وضعت للزجر ومقابلة الفعل بالفعل والتغليظ على أهل الاعتداء والشر (٣).
_________________
(١) وذلك فيما أخرجه الشيخان - واللفظ لمسلم - عن أنس بن مالك أنَّ يهوديًا قتل جاريةً على أوْضاح - حُلىٍّ من قِطَع فِضَّة - لها، فقتلها بحجر، قالَ: فجىء بها إلى النبى ﷺ وبها رمقٌ، فقال لها: " أقتلك فلانٌ؟ فأشارت برأسها أن لا، ثم قال لها فى الثانية، فأشارت برأسها أن لا، ثم سألها الثالثة. فقالت: نعم وأشارت برأسها. فقتله رسول الله ﷺ بين حجرين " مسلم ك القسامة، ب ثبوت القصاص فى القتل بالحجر وغيره من المحددات والمثقلات ٣/ ١٢٩٩، والبخارى فى ك الديات، ب إذا قتل بحجر أو بعصا ٩/ ٥. كما أخرجه أبو داود فى كتاب الديات، ب يقاد من القاتل، ب القود بغير حديد، وكذلك النسائى فى المجتبى ك القسامة، ب القود من الرجل للمرأة، ب القود بغير حديدة ٨/ ٢٠، ٣٢، كذلك أخرجه الإمام أحمد فى المسند ٣/ ١٧٠، ١٧١.
(٢) هم الذين قدموا ثمانية على رسول الله ﷺ من عُكْلٍ أو عُرِينةَ فبايعوه على الإسلام، فاستوْخموا الأرض، وسقُمَتْ أجسامُهمُ، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ، فقال: " ألا تَخْرجون مع راعينا فى إبله فتصيبون من أبوالها وألبانها؟ " فقالوا: بلى، فخرجوا، فشربوا من أبوالها وألبانها، فصَحُّوا، فقتلوا الراعَى وطردوا الإبلِ، فبلغَ ذلك رسول الله ﷺ فَبَعَثَ فى آثارهم، فأدرِكوا، فجىء بهم. فأمَرَ بهم فقُطِعَتْ أيديهمْ وأرجُلُهُمْ، وسُمِرَ أعيُنُهُمْ، ثم نُبِذوا فى الشمس حتى ماتوا. مسلم، ك القسامة، ب حكم المحاربين والمرتدين ٣/ ١٢٩٦، والبخارى ك المحاربين من أهل الكفر والردة، ب لم يحسُم النبى ﷺ المحاربين من أهل الردة حتى هلكوا، ب لم يُسْقَ المرتدون المحَاربون حتى ماتوا، ب سُمْرِ النبى ﷺ أعيُن المحاربينَ ٨/ ٢٠٢.
(٣) وذهب الطحاوى إلى أن هذا منسوخٌ بنهى النبى ﷺ عن المثلة وصبر البهائم، وأجيب بأن النهى عن المثلة والصبر إنما وقع إذا لم يكن المثلة والصبر على وجه شرعى، وأما إذا كان على وجه شرعى فلا، فقطع اليد مثلة واجبة فى حد السرقة، وقطع الأنف والأذن، وقلع السن وكسره، واجب فى القصاص، مع أن الكل مثلة. إعلاء السنن ١٨/ ٩٠.
[ ١ / ٣٨٨ ]
بَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلاَمِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَىْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِى شَىْءٍ لا يَمْلِكُهُ ".
ــ
وقوله: فيمن " حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبًا - زاد شعبة (١) - متعمدًا فهو كما قال " قيل: معناه: فهو كاذب فى يمينه، وزيادة شعبة (٢) فى هذا الحديث - متعمدًا - حسنة، فإن كان المتعمد للحلف بها قلبه مطمئن بالإيمان فهو كاذب فيما حلف عليه، كاذب فى تعظيم ما لا يعتقد تعظيمه، وإن كان قوله: " متعمدًا ": أى لتعظيمها واعتقاد اليمين بها لكونها حقًا فهو كافر، كما اعتقد فيها وقاله فى الحلف بها. وعن ابن المبارك فيما ورد فى مثل هذا مما ظاهره تكفير أصحاب الذنوب أن ذلك عن طريق التغليظ. وقد اختلف العلماءُ فى إيجاب الكفَّارة على من قال هو يهودىٌّ، أو نصرانى أو كفر بالله، أو أشرك به، أو هو برىء من إسلامه، وشبه هذا، وألا كفَّارة أصوبُ، وهو مذهب مالك، ويستحب له أن يفعل من الخير ما يُكفِّرُ سيئته (٣) بقول ذلك، ويدلُ عليه قوله ﷺ: " من حلف باللاتِ والعزَّى فليقُل: لا إله إلا الله " (٤)، فلم يجعل عليه كفارةً وأمَرَه بمقابَلةِ ذلك القول السيئ وإتباعهِ بالقول الحسن، فإن الحسنات يذهبن السيئات.
وهى حجتنا فى أَنْ لا كفارة فى اليمين الغموس؛ ولأن النبى ﷺ عظَّم الخَطأ فى هذه الأيمان وشدَّد الوعيد فيها، ولم يجعل لها كفارةً؛ ولأن الكَفَّارَة لحلّ الأيمان المنعقدة، لا لإزالة المأثم، وهذه ليست بإيمان منعقدة.
وقوله: " ليس على رجُلٍ فى شىء لا يملكه نذر "، قال الإمام: يحتج به المخالف (٥)
_________________
(١) و(٢) فى الأصل: سفيان، وكلاهما صواب.
(٢) بعد أن كتبت هكذا فى ت رجع ناسخها وقيدها بالهامش يمينه، وكتب فوقها كلمة صح. راجع المدرنة الكبرى ٤/ ١٠٦، وقد جاء فيها: لا يكون كافرًا حتى يكون قلبه مضمرًا على الكفر، وبئس ما صنع.
(٣) البخارى فى صحيحه، ك الأيمان والنذور، ب لا يُحلف باللات والعزى، عن أبى هريرة، ولفظه: " من حلف فقال فى حلفه باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله " ٨/ ١٦، والبيهقى فى السنن الكبرى ١/ ١٤٩.
(٤) وهو اختيار الشافعى - ﵁ - وقد حكاه عن على - ﵁ - فى الأم قال: إنه كان يقول لا طلاق إلا بعد نكاح، ولا عتق إلا بعد ملك. واللزوم فيه بالتخصيص هو قول ابن أبى ليلى، كان يقول: لا يقع فى ذلك عتق ولا طلاق إلا أن يوقت وقتًا، فإن وقَّت وقتًا فى سنين معلومة، أو قال: ما عاش فلانٌ أو فلانة، أَوْ وقَّت مِصْرًا من الأمصار أو مدينة أو قبيلة لا يتزوَّج ولا يشترى منها مملوكًا، فأإأن ابن أبى ليلى يوقع على هذا الطلاق، وأما أبو حنيفة فإنه يوقعه فى الوقت وغير الوقت. الأم ٧/ ١٢٦.
[ ١ / ٣٨٩ ]
() حدّثنى أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِىُّ. حَدَّثَنَا مُعَاذٌ - وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ - قَالَ: حَدَّثَنِى أبِى عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو قِلابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " لَيْسَ عَلَى رَجْلٍ نَذْرٌ فِيمَا لا يَمْلِكُ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَىْءٍ
ــ
على أَنَّ من حلف بصَدقة ما يملك أو عتق ما يملك فى المستقبل أو طلاق [من] (١) يتزوج لا يلزمه (٢)، وإن خص، وهذا عندنا محمول على أنه أراد [لا صدقة فيما هو ملك للغير الآن، ليس على أنه بعد] (٣) مصيره إليه، ونحن إنما ألزمناه فيه ما عقد (٤) على نفسه بعد أن صار ملكًا له فلم يكن (٥) فى الحقيقة طلاقه وصدقته إلا فيما ملك. وهذه المسائل يتسعُ الكلام فيها، وليس هذا موضع بسطه.
قال القاضى: أما من حلف بصدقة مال غيره، أو طلاق امرأة ليست بزوجته، أو عتق عبد غيره دون تعليق بشرط، فلا خلاف بين العلماء [أنه] (٦) لا يلزمه شىء إلا شىء حكى عن أبى (٧) ليلى فى العتق إذا كان موسرًا أعتقوا عليه، ثم رجع عنه، وإنما اختلفوا إذا علق اليمين بملكه (٨)، فلم يلزمه الشافعىُّ وأصحابهُ شيئًا مما حلف عليه (٩) وألزمه أبو حنيفة كلَّ شىء حلف عليه خصَّ أو عمَّ (١٠)، ووافقه مالك فى المشهور عنه إذا خصَّ، وخالفه إذا عمَّ وأدخلَ على نفسه الحَرجَ وله قول كقول الشافعى.
وقوله: " لعنُ المؤمن كقتله ": كذا هو فى الحديث عند مسلم (١١)، قال الإمام:
_________________
(١) من ت، والمعلم.
(٢) فى الإكمال: لا يلزم.
(٣) فى الإكمال: لا صدقة فيما هو ملك للغير لا لأن ليس على أنه تَعمَّد مصيره إليه، وفى النسخة الأصلية: الآن ليس على، وكلاهما غير واضح المراد، والمثبت من المعلم.
(٤) فى الإكمال: ما يحقه.
(٥) فى ق والإكمال: يقع.
(٦) ساقطة من الأصل.
(٧) فى الأصل: ابن.
(٨) أى فى المستقبل.
(٩) لأنه عنده من يمين اللغو.
(١٠) لأنه لا لغو عنده فى المستقبل. وقد اختلف فى تفسير يمين اللغو. فذهب الحنفية إلى أنها: اليمين الكاذبة خطأ أو غلطًا فى الماضى أو فى الحال. وعرَّفها الشافعى بأنها: اليمين التى لا يقصدها الحالف، وهو ما يجرى على ألسن الناس فى كلامهم من غير قصد اليمين، من قولهم: لا والله، وبلى والله، سواء كان فى الماضى أو الحال، أو المستقبل. وعند أبى حنيفة: لا لغو فى المستقبل، واليمين على أمر فيه يمين معقودة، وفيها الكفارة إذا حنث، قصد اليمين أو لم يقصد، وإنما اللغو فى الماضى والحال فقط. بدائع الصنائع ٤/ ١٥٧٤. وقد ذهب فريق من العلماء إلى أن المراد بيمين اللغو هو اليمين على المعاصى.
(١١) نبه بهذا القاضى - ﵀ - على ما جاء فى نسخة المعلم، حيث جاءت العبارة فيه: قوله ﷺ: " من لعن مؤمنًا فكأنما قتله ".
[ ١ / ٣٩٠ ]
فِى الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إلا قِلَّةً، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين صَبْرٍ فَاجرَةٍ ".
١٧٧ - () حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، كُلُّهُمْ عَنْ عَبْد الصَّمَدِ بْن عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى قِلابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكَ الأنْصَارِىِّ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، عْنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِىِّ، عَنْ خَالِد الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِى قِلابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ: " مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الإِسْلامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَىْءٍ عَذَّبَهُ اللهُ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ ". هذَا حَدِيثُ سُفْيَانَ. وَأمَا شُعْبَةُ فَحَدِيثُهُ أَنَّ رَسُولَ اللهَ ﷺ قَالَ: " مَنْ حَلَفَ بِملِّةٍ سِوَى الإسْلامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ وَمَنْ ذَبَحَ نْفسَهُ بِشَىْءٍ ذُبِحَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
ــ
الظاهر من الحديث تشبيهه (١) فى الإثم، وهو تشبيه واقع؛ لأن اللعنة قطع عن الرحمة والموت قطع عن التصرف.
قال القاضى: وقيل: لعنته له تقتضى [قصده إخراجه عن] (٢) جماعة من المسلمين ومنعهم منافعِه، وتكثير عددهم به كما لو قتله، وقيل: لعنُهُ يقتضى قطْعَ منافِعه الأخروية عنه وبعده منها بإجابته لعنته فى الدنيا، فهو كمن قُتِلَ فى الدنيا وقُطعت عنه مَنافِعه فيها، وقيل: معناه: استواؤهما فى التحريم.
وقوله: " من ادَّعى دعوى كاذبةٍ ليتكثر بها لم يزده الله بها إلا قلة "، قال القاضى: هذا عام فى كل دعوى يتشبَّعُ بها المرءُ بما لم يُعط من مال يحتالُ فى التجمل به من غيره، أو نسب ينتمى إليه ليس من جِذْمه (٣)، أو علم يتحلَّى به ليس من حَمَلتهِ، أو دين يرائى به ليس من أهله، فقد أعلم ﷺ أنهُ غير مبارك له فى دعواه ولا زاك ما اكتسبه بها، ومثله الحديث الآخر: " اليمين الفاجرة مُنفقِةٌ للسِّلعة، مُمْحِقَةٌ للكسب " (٤).
_________________
(١) فى المعلم: التشبيه.
(٢) فى الأصل: قصيده إما خراجه من.
(٣) أى من فرعه، فالجِذْمة: هى القطعة من الشىء. لسان.
(٤) الحديث بهذا اللفظ أورده المنذرى فى الترغيب والترهيب، وعزاه للجماعة سوى ابن ماجه عن حكيم بن حزام ٣/ ٢٩، وليس كذلك، فإن الذى فى الصحيح: " الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة "، وسيرد إن شاء الله فى البيوع، وانظر: أبا داود، ك البيوع، ب فى كراهية اليمين فى البيع ٢/ ٢١٩، والنسائى كذلك، ب المتفق سلعته بالحلف الكاذب ٧/ ٢٤٦، ولفظه لهما: " الحَلِفُ منفقة للسلعة، =
[ ١ / ٣٩١ ]
١٧٨ - (١١١) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حُنَيْنًا، فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يُدْعَى بِالإسْلامِ: " هذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ "، فَلَمَّا حَضَرْنَا الْقِتَالَ قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا فَأصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، الرَّجُلُ الَّذِى قُلْتَ لَهُ آنِفًا: " إنَّهُ مِنْ أهْلِ النَّارِ " فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالًا
ــ
وقوله: " من حلف على يمين صبرٍ فاجرة "، قال الإمام: أصلُ الصبر: الحبسُ والإمساك، يقال: صبَر فلانٌ فلانًا إذا حبسه، وكل من حبسته لقتلٍ أو يمين فهو قتلُ صَبْرٍ ويمينُ صَبْر، وأصبَره الحاكم على اليمين (١) أكرهه على يمين صبر. قاله (٢) الهروى وغيرهُ. وقال [أبو] (٣) العباس (٤): الصبر ثلاثة أشياء: الإكراه، ومنه: أصبره الحاكم. والحبْسُ، ومنه: صبرته إذا حبسته. والجرأة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ (٥).
قال القاضى: يمينُ الصبر هى التى يَصْبرُ صاحبُها، أى يحبس ويُكره حتى يحلفها، وقد يكون من معنى الجرأة والإقدام عليها كما قال ثعلب. ومعنى فاجرة: أى كاذبة.
ولم يأت فى الحديث هنا الخبر عن هذا الحالف، إلا أن تعطفه على قوله قبلُ: " ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثَّر بها لم يزده الله بها إلا قلةً " أى: وكذلك الحالف اليمين الفاجرة مثل هذا. وقد ورد معنى هذا الحديث مُبَيَّنًا تامًا فى حديث آخر: " من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مالَ امرئ مسلم هو فيها فاجر، لقى الله وهو عليه غضبان " (٦).
_________________
(١) = ممحقة للكسب ". وهو هناك عن أبى هريرة. واللفظ الذكور قريب من لفظ أحمد والبيهقى وهو لهما بلفظ: " اليمين الكاذبة " أحمد فى المسند ٢/ ٢٣٥، ٢٤٢، ٤١٣، والبيهقى فى السنن الكبرى ٥/ ٢٦٥.
(٢) فى المعلم: على الشىء.
(٣) فى الأصل: وقال، والمثبت من المعلم.
(٤) من المعلم. وانظر: غريب الحديث ١/ ٢٥٤.
(٥) أبو العباس هو العلامة المحدث، إمام النحو أحمد بن يحيى بن يزيد الشَّيبانى، الملقب بثعلب، وُلد سنة مائتين ومات سنة إحدى وتسعين ومائتين. قال فيه الخطيبُ: ثقة، حجة، ديّنٌ، صالح، مشهور بالحفط. طبقات النحويين واللغويين ١٤١. تاريخ بغداد ٥/ ٢٠٤، سير ١٤/ ٥.
(٦) البقرة: ١٧٥.
(٧) سيرد إن شاء الله فى ب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة، وقد أخرجه البخارى فى أكثر من موضع، راجع: ك التفسير ٦/ ٤٣، ك المساقاة، ب الخصومة فى البئر ٣/ ١٤٥، وأخرجه الطبرانى فى الكبير بزيادة: " عفا عنه أو عاقبه " ١٨/ ١٨٧.
[ ١ / ٣٩٢ ]
شَدِيدًا. وَقَدْ مَاتَ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ: " إلى النَّارِ " فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَابَ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذلِكَ إذْ قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وَلكِنَّ بِهِ جِرَاحًا شَدِيدًا! فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَأُخْبِرَ النَّبِىُّ ﷺ بِذَلِكَ فَقَالَ: " اللهُ أَكْبَرُ أشْهَدُ أنِّى عَبْدُ اللهِ وَرَسُوِلُهُ " ثُمَّ أمَرَ بِلالًا فَنَادَىَ فِى النَّاسِ: " إنَّهُ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلا نَفْسٌ مُسْلِمَة وَإنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ ".
١٧٩ - (١١٢) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِىُّ، حَىٌّ مِنَ الْعَرَبِ - عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِىِّ؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى عسْكَرِهِ وَمَالَ الآخَرُونَ إلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً إلا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا
ــ
ويُستدل من هذا الحديث: أن الأيمان كلها التى تُقتَطعُ بها الحقوق لا ينفعُ فيها المعاريض والنيات، وإنما هى على نيَّةِ صاحب الحق المحلوف له لا على نية الحالف.
قال شيخنا [القاضى] (١) أبو الوليد: وهذا مما لا يختلف فيه أنه آثم فاجر فى يمينه متى اقتطع بها حق مسلم، واختلف إذا حلف لغيره تبرعًا متطوعًا أو مُستحلَفًا أو مُكْرَهًا، فقيل: ذلك كله (٢) على نية المحلوف له، وقيل: على نيَّة الحالف، وقيل: للمتطوع نيته بخلاف المستحلف وقيل بعكسه، وكل هذه الأقوال فى مذهبنا ولأئمتنا (٣).
وقوله فى حديث أبى هريرة: " شهدنا مع رسول الله ﷺ حنينًا " كذا وقعت الرواية فيها عن عبد الرزاق فى الأم، هـ قد رواه الذهلى " خيبر " وهو الصواب.
وقوله: " لا يدع شاذَّةً ولا فَاذَّة إلا اتبعها [يضربها بسيفه] (٤): الشاذ الخارج عن
_________________
(١) ساقطة من ق. وهو الإمام العلامة الحافظ القاضى أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد، التجيبى، الأندلسى، القرطبى، صاحب التصانيف، تفقه به أئمة، واشتهر اسمُه، مات بالمريَّة سنة أربع وسبعين وأربعمائة. وفيات الأعيان ٢/ ٤٠٨، العبر ٣/ ٢٨١، نفح الطيب ٢/ ٦٧، سير ١٨/ ٥٣٥.
(٢) فى الأصل: كلية.
(٣) راجع: المنتقى للباجى ٣/ ٣٥١. قال: وأما أن يستحلف، فقد قال ابن القاسم فى الموازية: سواء استحلفه الطالب أو ضيق عليه حتى يحلف أو خاف ألا يتخلص منه إلا باليمين فإنه لا تنفعه نيته، وروى ابن حبيب عن مطرف عن مالك: وتنفعه نيته فى محاشاة الزوجة لاختلاف الناس فى هذا اليمين وأما فى غير ذلك فلا تنفعه المحاشاة، ولا النية، واليمين على نية المستحلف، وقاله ابن الماجشون.
(٤) سقط من الأصل، ق. والذى أتت به روايات مسلم التى توفرت لنا ليس فيها: " ولا فاذَّة "، وكون =
[ ١ / ٣٩٣ ]
بِسَيْفِهِ. فَقَالُوا: مَا أجْزَأ مِنَّا الْيَوْمَ أحَدٌ كَمَا أجْزَأ فُلانٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " أمَا إنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ أبَدًا. قَالَ فَخَرَجَ مَعَهُ، كُلَّمَا وَقَفَ وقف مَعَهُ، وَإِذَا أسْرعَ أسْرعَ مَعَه، قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَخَرَجَ الرَّجُلُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ. قَالَ: " وَمَا ذَاكَ؟ " قَالَ:
ــ
الجماعة، والشاذ المتفرق - أيضًا -، والفاذ الفرد، معناه: لا يخلُص منه من خرَج وفرّ (١). وَأنَّثَ (٢) الكلمة على معنى النسمة، أو تشبيه الخارج بشاذة الغنم وفاذَّتها، وهو بمعنى أنه مُتقصٍ للقتل حتى لا يدع أحدًا، على طريق المبالغة. قال ابن الأعرابى: يقال: فلان لا يدع شاذةً ولا فاذَّةً، إذا كان شجاعًا لا يلقاه أحد إلا قتله. وفيه دليل على جواز الإبلاغ والغُلوُّ فى الكلام، وأن يُعَبَّر بالعُموم عن الكثرة والغالب، كقوله ﷺ: " لا يضع عصاه عن عاتقه ".
وقوله: " ما أجزأ منا اليوم أحدٌ ما أجزأ فلان "، قال الإمام: قال الهروى فى قوله: لا تجزى عن أحد بعدك: [أى] (٣) لا تقضى، يقال: جزى عنى، بغير همز، ومعنى قولهم [جزاه الله عنى] (٤) خيرًا: أى قضاه الله ما أسلف، فإذا كان بمعنى الكفاية قلت: جزأ عنى - مهموزًا - وأجزأ. قال أبو عبيد: ويقال: جزأت [بـ] (٥) الشىء واجتزأت [وتجزأت وتجزات] (٦): أى اكتفيت [به] (٧) وأنشد:
فإنَّ اللَّوم (٨) فى الأقوام عارٌ وإن المرأ يُجْزأ بالكُرَاع
قال القاضى: كذا روينا هذا الحرف هنا بالهمز، وهو بمعنى الكفاية والغناء، وعن أبى زيد: هذا الشىء يجزى عن هذا، أى يقوم مقامه، وقد يهمز.
قال الخليل: جزيت عن كذا أغنيتُ عنه، وجزيتُه كافيته، وأجزانى (٩) كفانى، يقال: جزأت الإبل بالرطب إذا استغنت به عن الماء تجزأ جزيًا (١٠).
_________________
(١) = القاضى يكرر لفظها هنا يؤكد لدينا أنها هكذا فى نسخته التى يرمز إليها بالأم، وهى لفظ البخارى أيضًا عن سهل بن سعد الساعدى ك المغازى، ب غزوة خيبر ٥/ ١٦٨، وعن أبى هريرة ك الجهاد والسير، ب لا يقول فلان شهيد ٤/ ٤٤.
(٢) فى ت: وقد.
(٣) فى ت: أتت.
(٤) : (٧) من المعلم.
(٥) جاءت فى إكمال الإكمال: الغدر.
(٦) فى ت: وجزانى.
(٧) فى ت: اجزاءً، وقد نقلها الأبى هكذا: الخليل والعرب تقول: جزأت الإبل بالرطب عن الماء أى اكتفت به عنه، وهو بدون همز بمعنى القضاء جزى عنى، أى قضى. قلت: ومن غير المهموز بمعنى القضاء: ﴿لَّا تَجْزي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨].
[ ١ / ٣٩٤ ]
الرَّجُلُ الَّذِى ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأعْظَمَ النَّاسُ ذلِكَ، فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ، فَخَرَجْتُ فِى طَلَبَهِ حَتَّى جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، عِنْدَ ذلِكَ: " إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيَما يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِن أَهْلِ الْجَنَّةِ ".
ــ
وقول الآخر: " أنا صاحبه أبدًا ": أى لا أفارقه، وأتبع أمره حتى أعرف ماله، إذ أخبر النبى ﷺ بما دل على سوء عقباه، وخاتمته، وسوء سريرته بكونه من أهل النار، وخبره صادق لا شك فيه، وكان ظاهره غير ذلك من نصر الدين وحسن البصيرة فيه، فأراد معرفة السبب الموجب لكونه من أهل النار ليزداد يقينًا وبصيرة كما فَعَل وذكر فى نفس الحديث (١)، وتجديد شهادته بالنبوة (٢).
ودلَّ بمجموع (٣) هذا أن الأعمال بخواتيمها كما أشار إليه رسول الله آخر الحديث، وهذا يرجح هذا التأويل فى قوله: " حتى ما يبقى بينه وبين الجنة إلا ذراع " وذكر فى النار مثيله على من تأوَّل أن معناه: الحيف فى الوصيَّة (٤).
وذكر الذراع هنا والشبر تمثيل للقرب وسرعة اللحاق، واستعارة لذلك.
_________________
(١) فسؤال الرجل هنا ليس سؤال استثبات، وإنما هو سؤال تعجب، إذ المعلوم الصدق لا يستثبت. إكمال الإكمال ١/ ٢٢١.
(٢) والتكبير قبلها تكبير تعجب بالنسبة إلى المخاطبين عند ظهور المطابقة، لا سيما مع قوله: " فكاد بعض المسلمين يرتاب ". ودخول أن فى خبر كاد جائز على قلة، وهى لمقاربة الفعل. وقال الواحدى: نفيها إيجاب، وإيجابها نفى، فقولهم كاد يقوم: معناه: قارب القيام ولم يقم، وما كاد يقوم: قام بعد بطء. وأمره ﷺ بلالًا أن ينادى فى الناس، إعلام بأن الإسلام دون تصديق وإن نفع فى الدنيا لن ينفع فى الآخرة إلا مع التصديق والإخلاص، وقد دل كذلك على أن الرجل كان مرائيًا منافقًا، لا سيما مع قوله ﷺ: " بالرجل الفاجر ". راجع: الأبى ١/ ٢٢١.
(٣) فى ت: من مجموع.
(٤) وذلك فيما أخرجه أحمد فى المسند عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف فى وصيته فيختم له بشر عمله، فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل فى وصيته، فيختم له بخير عمله، فيدخل الجنة " ٢/ ٢٧٨.
[ ١ / ٣٩٥ ]
١٨٠ - (١١٣) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا الزُّبَيْرِىُّ - وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ابْنِ الزُّبَيْرِ - حَدَّثَنَا شَيْبَانُ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: " إِنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خَرَجَتْ بِهِ قَرْحَةٌ، فَلَمَّا آذَتْهُ انْتَزَعَ سَهْمًا مِنَ كِنَانَتِهِ، فَنَكأهَا، فَلَمْ يَرْقَأ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ. قَالَ رَبُّكُمْ: قَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ". ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ إلَى الْمَسْجِدِ. فَقَالَ: إى وَاللهِ، لَقَدْ حَدَّثَنِى بِهذَا الْحَدِيثِ جُنْدَبٌ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فىِ هذَا الْمَسْجِدِ.
١٨١ - () وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أبِى بَكْرٍ الْمُقَدَّمِىُّ. حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أبى. قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِىُّ فِى هذَا الْمَسْجِدِ.
فَمَا نَسِينَا، وَمَا نَخْشى أَنْ يَكُونَ جُنْدَبٌ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " خَرَجَ بِرَجُلٍ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خُرَاجٌ " فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
ــ
ويعقوب بن عبد الرحمن القارى المذكور فى سنده مُشَدَّد الياء، منسوب [إلى القارة] (١)، قبيلة معروفة فى العرب (٢).
وقوله: " فنكأها " يقال: نكأتُ القَرحةَ مهموز: أى قشرتُها، وقوله عن ربه تعالى: " حَرَّمتُ عليه الجنة ": يحتمل أنه كان مستحلًا، أو يمنعُها حين يدخُلها السابقون والأبرار والناجون وأصحاب اليمين، حتى تنفذ فيه مشيئة ربه ويعاقبه بذنبه فى نار جهنم، أو يطيل حسابه، أو يُحبَسُ فى الأعراف.
_________________
(١) سقط من الأصل.
(٢) تتألف من عَضَل، والديسن، ابنا الهون بنُ خزيمة، سموا قارة لاجتماعهم، والتفافهم، لما أراد ابن الشدَّاخ أن يفرقهم فى بنى كنانة وقريش. معجم قبائل العرب ٣/ ٩٣٥.
[ ١ / ٣٩٦ ]