١٨٤ - (١١٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ سُلَيْمَانَ، قَالَ أَبُو بَكْر: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانَ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ حَجَّاج الصَّوَّافِ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ الطفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِىَّ أتَى النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ لَكَ فىِ حِصْنٍ حَصِينٍ وَمَنَعَةٍ - قَالَ: حِصْنٌ كَانَ لِدَوْسٍ فِى الْجَاهِلِيَّةِ - فَأبى ذلِكَ النَّبِىُّ ﷺ لِلَّذِى ذَخَرَ اللهُ لِلأنْصَارِ. فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِىُّ ﷺ إلى الْمَدِينَةِ، هَاجَرَ إلَيْهَ الطُّفيْلُ بْنُ عَمْرو، وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ. فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ. فَرَاهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرو فىِ مَنَامِهِ، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَراَهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِى بَهِجْرَتِى إلَى نَبِيِّهِ ﷺ. فَقَالَ: مَالِى أرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِى: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أفْسَدْتَ. فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " اللهُمَّ، وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ ".
ــ
وقوله: فى حديث الطفيل: " هل لك فى حصنٍ حصينٍ ومنَعةٍ " كذا رويناه بالفتح هنا، أى جماعة تمنعك من عِداك، جمع مانِع، قال الخليل: ويقال أيضًا: منْعة بالإسكان، أى حال تمنعك أو فى تمنُّع على من رامك، أو قوم عندهم منعة لك من عَدَاك.
وذكر أبو حاتم فيه الفتح قال: والعامة تسكن النون ومنهم من يكسر الميم. قال وذلك غلط.
قوله: " فكان فيه حتْفُه ": الحتف: الموت، لم يشتق منه فعل (١).
وقوله: " فى الذين اجتووا المدينة "، [قال الإمام] (٢) قال أبو عبيد: اجتويتُ البلاد إذا كرهتها، وإن كانت موافقةً لك فى بدنك، واستوبلتهَا إذا أحببتها، وإن لم توافقك فى بدنك (٣). قال الإمام: ومنه قول ابن دريد:
_________________
(١) جاءت فى الأصل مشكولة هكذا (فُعَّل).
(٢) لم ترد فى نسخ المعلم التى توفرت لى، وأغلب الظن أنها من تصرف النساخ، وذلك لمجىء ذكر الإمام بعيدها بقليل.
(٣) عبارة أبى عبيد هى: قال أبو زيد: يقال: اجتويتُ البلادَ إذا كرهتها، وإن كانت موافقة لك فى بدنك، ويقالُ: استوبَلتُها إذا لم توافقك فى بدنك وإن كنت محبًا لها. غريب الحديث ١/ ١٧٤.
[ ١ / ٤٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فى كل يوم منزلٌ مُسْتَوبَل يشتَفُ ماءَ مهجتى أو مُجْتوى
قال القاضى: [أصل الاجتواء] (١): استوبال (٢) المكان وكَرَاهة المقام به لضُرّ يلحق، وأصله من الجوى، داء يُصيبُ الجوف. قاله الخطابى.
وقوله: " فأخذ مشاقص "، قال الإمام: المشقص أصل السهم إذا كان طويلًا ليس بعريض.
وقوله: " فقطع بها براجمه "، قال أبو عبيد فى الغريب المصنَّف: الرواجبُ والبراجم جميعًا مفاصل الأصابع كلها، وقال أبو مالك الأعرابى فى كتاب خلق الإنسان: الرَّواجب رؤوس العظام فى ظهر الكف والبراجم الفاصل التى تحتها.
قال القاضى: قال الخليل: الشقص سهم فيه مصل عريض (٣)، وغيره يقول: الطويل ليس بالعريض كما تقدم. وإنما العريض المِعبَل (٤) وقطع هذا بها البراجم يشهد لعرضها، إذ لا يتأتى الذبح والقطع إلا بالعريض. وقال الداودى: هو السكين ولم يقل شيئًا.
وقوله: " فَشَخَبَتْ يداه ": أى سال دمهما. قال ابن دريد: كل شىء سال فقد شخب، والشخب - بالضم والفتح - لما خرَج من الضرع من اللبن، وكأنه الدفعة منه، وكذلك قالوا فى المثل: شخبٌ فى الأرض وشَخْبٌ فى الإناء. وكأنه سمى بذلك من صوت وقعته فى الإناء.
[و] (٥) فى هذا الحديث غفران الله تعالى لهذا قتله نفسه، [و] (٦) فيه دليل لأهل السنة على غفران الذنوب لمن شاء الله تعالى (٧)، وشرح للأحاديث قبله الموهم ظاهرُها التخليد وتأبيد الوعيد على قاتل نفسه، وردٌّ على الخوارج والمعتزلة، وفيه مؤاخذته بذنبه ومعاقبته، وهو رد على المرجئة.
_________________
(١) سقط من ق.
(٢) فى الأصل: استيبال.
(٣) ومنه حديث أحمد فى المسند عن ابن عباس أن معاوية أخبره أنه رأى رسول الله ﷺ: " قصَّرَ من شعره بمشقص " ٤/ ٩٥.
(٤) وجمعها: معابل. غريب الحديث لأبى عبيد ٢/ ٢٥٧.
(٥) ساقطة من الأصل.
(٦) ساقطة من ت.
(٧) قال الأبى: " لا يقال: كيف يحتج به لجواز المغفرة وهو قد عوقب فى يده، لأن عدم العفو عند القائل به موجب لدخول النار. وهذا لم يدخلها ١/ ٢٥.
[ ١ / ٤٠٣ ]