حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ وَهِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، وَحَدَّثَنَا فُضَيْلٌ عَنْ هِشَامٍ، قَال: وَحَدَّثَنَا مَخْلدُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ؛ قَال: إِنَّ هذَا العِلمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأخُذُونَ دِينَكُمْ.
حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ عَاصِم الأَحْوَلِ،
ــ
قال مسلم: " حدثنا حسن (١) بن الربيع، ثنا حماد بن زيد عن أيوبَ وهشامٍ، عن محمد. وحدثنا فضيل عن هشام، وحدثنا (٢) مخلد بن حسين عن هشام ".
هشام أولًا مخفوض معطوف على أيوب، والقائل ثنا فضيل وثنا مخلد هو حسن (٣) ابن الربيع، وفضيل هذا هو (٤) ابن عياض الزاهد (٥)، وهشام هو الدستوائى (٦)، ومحمد
_________________
(١) فى ت: حسين، وهو وَهْم أو تصحيف.
(٢) قيد قبلها بالنسخ المطبوعة: قال.
(٣) فى ت: حسين.
(٤) تكررت فى الأصل خطأ.
(٥) هو الإمامُ القدوةُ، الثَّبْتُ، شيخُ الإسلام، أبو على، التميمى، اليربوعى، الخراسانى. ولد بسمرقند، وارتحل فى طلب العلم، فكتب بالكوفة عن الأعمش، وليث، وهشام بن حسان، ويحيى بن سعيد الأنصارى، وجعفر الصادق، وحميد الطويل، وخلق سواهم من الكوفيين، والحجازين. حدث عنه ابن المبارك، ويحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدى، وابن عيينة، والأصمعى، وعبد الرزاق، والشافعى، ومسدد، وبشر الحافى، وخلق كثير. قال فيه العجلى: كوفى ثقة، متعبد. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال الدارقطنى: ثقة. مات بمكة المكرمة أول سنة سبع وثمانين ومائة. التاريخ الكبير ٧/ ١٢٣، التاريخ الصغير ٢/ ٢٤١، الجرح والتعديل ٧/ ٧٣، سير ٨/ ٤٢٢.
(٦) هو الحافظ الحجة الإمام، الصادق، أبو بكرُ هشام بن أبى عبد الله البصرى، نسب إلى الثياب الدَّستوائية، كان يتجر فيها، ودُسْتو بُليدَة من أعمال الأهواز. حدث عن يحيى بن أبى كثير، وقتادة، وحماد الفقيه، ومطر الوراق، ومعمر بن راشد، وحدث عنه شعبة، وابن المبارك، ويحيى القطَّان ووكيع، وعبد الرحمن بن مهدى. قال فيه شعبة: كان هشام الدَّستوائى أحفظ منى عن قتادة. وقال ابن معين: كان يحيى القطان إذا سمع الحديث من هشام الدستوائى لا يبالى بسمعه من غيره. وفيه يقول أبو داود الطيالسى: كان هشام الدستوائى أمير المؤمنين فى الحديث. مات سنة اثنتين وخمسين ومائة. الطبقات الكبرى ٧/ ٢٧٩، طبقات خليفة ٢٢١، التاريخ الكبير ٨/ ١٩٨، سير ٧/ ١٤٩.
[ ١ / ١٢٤ ]
عَنِ ابْنِ سِيرِينَ؛ قَال: لمْ يَكُونُوا يَسْألونَ عَنِ الإِسْنَادِ. فَلمَّا وَقَعَتِ الفِتْنَةُ، قَالوا: سَمُّوا لنَا رِجَالكُمْ. فَيُنْظَرُ إِلى أَهْلِ السُّنَةِ فَيُؤُخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلى أَهْلِ البِدَعِ فَلا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ.
ــ
الذى حدث عنه أولًا هو ابن سيرين (١) وهو المفسَّرُ فى حديث فضيل ومخلد (٢).
وقوله: " وينظر إلى أهل البدع (٣) فلا يؤخذ حديثهم " مع ما ذكره عن السلف والأئمة من مثل هذا، يؤيد ما قلناه فى ترك حديثهم، خلاف ما حكاه الغسَّانى من الاتفاق على قبوله إذا لم يكونوا دُعاةً ولا غلاة، وظهر صدقهم، وقد ذكرنا أن أبا عبد الله بن البيع ذكرهم فى القسم الخامس.
قال القاضى: وإلى قبول روايتهم وشهادتهم مال الشافعى، وقال مالك: لا يؤخذ الحديث عن صاحب هوى يدعو إلى هواه، فانظر اشتراطه الدعاء، هل هو ترخيص فى الأخذ عنه إذا لم يدْع، أو أن البدعة سبب لتُهمته أن يدعو الناس إلى هواه، أى لا تأخذوا عن ذى بدعة فإنه ممن يدعو إلى هواه؟ أو أن هواه يحمله أن يدعو إلى هواه فاتهمه (٤) لذلك، وهذا المعروف من مذهبه، وقد تأول الباجى أن معنى يدعو يظهرها ويحقق (٥) عليه، فأما من دعا فلم يُخْتَلف فى ترك حديثه، وقد ذمَّ مسلم بعد هذا الرواية عنهم.
وأما القاضى أبو بكر الباقلانى (٦) فى طائفة من المحققين من الأصوليين والفقهاء
_________________
(١) هو الإمامُ شيخ الإسلام، مولى أنس بن مالك، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر. سمع أبا هريرة، وعمران بن حُصين، وابن عباس، وابن عمر، وخلقًا سواهم. روى عنه قتادة، وأيوب، وسعيد بن أبى عروبة، وخالد الحذَّاء، وجرير بن حازم. قال النضرُ بن شُمَيْل عن ابن عون: ثلاثة لم تر عيناى مثلهم، ابن سيرين بالعراق، والقاسم بن محمد بالحجاز، ورجاء بن حيوة بالشام، كأنَّهم التقوا فتواصوا. مات سنة عثسر ومائة. سير ٤/ ٦٠٦. والخبر أخرجه ابن سعد فى الطبقات ٧/ ١٩٤، وأبو نعيم فى الحلية ٢/ ٢٧٨.
(٢) ومِخْلد بن الحسين هو الإمام الكبير أبو محمد الأزدى، المهلبى، البصرى. حدَّث عن موسى بن عقبة، وهشام بن حسان، ويونس بن يزيد، والأوزاعى وعدَّة. حدَّث عنه الحسن بن الربيع، وحجاج بن محمد، وموسى بن أيوب، وآخرون. قال فيه العجلى: هو ثقة، رجل صالح عاقل. وقال أبو داود: كان أعقل أهل زمانه توفى سنة إحدى وتسعين ومائة وقيل: سنة ست وتسعين. الطبقات الكبرى ٧/ ٤٨٩، الجرح والتعديل ٨/ ٣٤٧، تهذيب التهذيب ١٠/ ٧٢.
(٣) البدعة: هى الطريقة المخترعة التى ليس لها سند من كتاب أو سنة، أو ما استنبط منهما. الميزان بين السنة والبدعة: ٥، راجع. رسالة البدعة لشيخنا الدكتور عزت على، والبدعة والمصالح المرسلة لشيخنا الدكتور توفيق الواعى.
(٤) فى ت: ونتهمه.
(٥) فى ت: بحقق.
(٦) هو محمد بن الطيب المعروف بالباقلانى، البصرى، المتكلم، المشهور، كان على مذهب أبى الحسن الأشعرى، ومؤيدًا اعتقاده، وناصرًا طريقته انتهت إليه الرياسة فى مذهبه توفى سنة ثلاث وأربعمائة. وفيات الأعيان ٤/ ٢٦٩.
[ ١ / ١٢٥ ]
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا عِيسى، وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ، عَنْ سُليْمَانَ بْنِ مُوسَى، قَال: لقِيتُ طَاوُسًا فَقُلْتُ: حَدَّثَنِى فُلانٌ كَيْتَ وَكَيْتَ.
قَال: إِنْ كَانَ صَاحِبُكَ مَليًا فَخُذْ عَنْهُ.
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّد الدَّمَشْقِىَّ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ سُليْمَانَ بْنِ مُوسَى؛ قَال: قُلْتُ لطَاوُسٍ: إِنَّ فُلانًا حَدَّثَنِى بِكَذَا وَكَذَا: قَال: إِنْ كَانَ صَاحِبُكَ مَليًا فَخُذْ عَنْهُ.
ــ
والمحدثين من السلف والخلف فأبوا قبول خبر المبتدعَة والفساق المتأولين، ولم يعذروهم بالتأويل، وقالوا: هو فاسق بقوله، فاسق بجهله، [فاسق] (١) ببدعته، فتضاعف فِسْقُه، وعلى هذا وقع خلاف الفقهاء فى شهادتهم. فقبلها الشافعى وابن أبى ليلى وردَّها مالك وغيره (٢).
وكذلك لا يشترط فيمن دعا إلى بدعته ما ذكره الغسانى من افتعاله الحديث وتحريفه الرواية لنصرة مذهبه، فإن هذا يثبت (٣) كذبه وطرح قوله ولو لم يكن ذا بدعة، ومن شُهِرَ بالبدعة اتهمناه أن يفعل هذا وإن لم يفعله لثبوت فِسقه ببدعته.
[و] (٤) قال مالك: لا يؤخذ الحديث عن أربعة، ويؤخذ عمن (٥) سواهم: رجل مُعلن بفسقِه- وإن كان أروى الناس- ورجل يكذبُ فى أحاديث الناس- وإن كنت لا تتهمه على حديث رسول الله ﷺ- وصاحب بدعة يدعو إلى بدعته، ورجل له فضل لا يعلم ما يحدث به.
ذكر مسلم عن طاوس: " إن كان صاحبك مليئًا فخذ عنه ": يريدُ: ثقة يعتمد على ما عنده، فهو كالملىء الذى يُعتمد مُعَامِلهُ ومودِعُهُ على ما فى أمانته وذمته؛ لأن هذا بِمَلأته (٦) فى ثقته ودينه مثله فى ماله (٧).
_________________
(١) من ت.
(٢) من ردها شريك، وإسحاقُ، وأبو عُبيد، وأبو ثور. قال شريك: أربعة لا تجوز شهادتُهم، رافضىّ يَزْعُمُ أنّ له إمامًا مفتَرضَةً طاعَته، وخارجىٌّ يزعُم أن الدنيا دارُ حرب، وقدرىٌّ يزعُمُ أن المشيئَةَ إليه، ومرجئ. ووجه قول من أجازَ شهادَتهم أنه اختلاف لم يخرجهم عن الإسلام، أشبه الاختلاف فى الفروع؛ ولأن فسقهم- ببدعتهم- لا يدل على كذبهم لكونهم ذهبوا إلى ذلك تدينًا واعتقادًا أنه الحقُّ، ولم يرتكبوه عالمين بتحريمه، بخلاف فسق الأفعال، إذ الفسوق نوعان: أحدهما: من حيث الأفعال، وهذا لا خلاف فى رد شهادته، والثانى: من جهة الاعتقاد وهو اعتقاد البدعة. راجع: المغنى ١٤/ ١٤٨.
(٣) فى ت: ثبت.
(٤) من ت.
(٥) فى ت: عن.
(٦) فى ت: ملائة.
(٧) أولُ ظهور لهذا المصطلح كان فى عصر التابعين، وذلك فى رواية هشام عن أبى أيوب عن أبى بن كعب حين قال: حدثنى الملىء عن الملىء، يريد بهما: الثقة الذى تعتمد عليه كما تعتمد على الملىء بالمال فى مداينته ومعاملته ويوثق به. إكمال المعلم.
[ ١ / ١٢٦ ]
حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلىٍّ الجَهْضَمِىُّ، حَدَّثَنَا الأَصْمَعِىُّ، عَنِ ابْنِ أَبِى الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَال: أَدْرَكْتُ بِالمَدِينَةِ مِائةً كُلهُمْ مَأمُونٌ، مَا يُؤْخَذُ عَنْهُمُ الحَدِيثُ. يُقَال: ليْسَ مِنْ أَهلِهِ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عُمَرَ المَكِّىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلادٍ البَاهِلىُّ - وَاللفْظُ لهُ - قَال: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُييْنَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ، قَال: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ يَقُول: لا يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلا الثِّقَاتُ.
وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ - مِنْ أَهْلِ مَرْو - قَال: سَمِعْتُ عَبْدَانَ بْنَ عُثْمَانَ يَقُول: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ المُبَارَكِ يَقُول: الإِسْنَادُ مِنَ الدِينِ، وَلوْلا الإِسْنَادُ لقَال مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ.
ــ
وذكر مسلم " عن أبى الزناد (١) [قال] (٢): أدركت بالمدينة مائةً كلهم مأمون ما يؤخذ عنهم الحديث يقال: ليس من أهله ".
ليس يشترط فى رواية الثقة عندنا وعند المحققين من الفقهاء والأصوليين والمحدثين كون المحَدث من أهل العلم والفقه والحفظ وكثرة الرواية، ومجالسة العلماء، بل يشترط ضبطه لما رواه، إما من حفظه أو كتابه، وإن كان قليلًا [علمه] (٣) إذ عُلِمَ من إجماع الصدر الأول قبول خبر العدل وإن كان أُميًّا (٤)، وممن جاء بعدُ قبول الرواية من صاحب الكتاب
_________________
(١) أبو الزناد هو: عبد الله بن ذكوان القرشى، روى عن الأعرج عبد الرحمن بن هرمز، والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير والشعبى، وعنه مالك وابن عيينة وموسى بن عقبة والثورى والليث. مات سنة ثلاثين ومائة. قال فيه ابن معين: ثقة، وقال العجلى: مدنى تابعى ثقة، وقال أبو حاتم: ثقة فقيه، صالح الحديث، صاحب سنة، وهو ممن تقوم به الحجة. إذا روى عن الثقات. تهذيب التهذيب ٥/ ٢٠٣، رجال مسلم ١/ ٣٦١.
(٢) ساقطة من ت.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) فمعتمد الرواية الورع والضبطُ والتقوى. الموقظة: ٨٧. قال ابن دقيق العيد: ولمعرفة كون الراوى ثقةً طرقٌ منها: - إيراد أصحاب التواريخ ألفاظ المزكّين فى الكتب التى صُنّفت على أسماء الرجال، ككتاب تاريخ البخارى وابن أبى حاتم وغيرهما. - تخريج الشيخين أو أحدهما فى الصحيح؛ إذ به تنزاح عنه الريبة ببحث عن حاله أوجب الثقة بعدالته، وذلك إذا خرجا له فى الأصول. - تخريج من خرَّج الصحيح بعد الشيخين، ومن خرَّج على كتابيهما، إذا كان المُخرّج قد سمى كتابه بالصحيح، أو ذكر لفظًا يدل على اشتراطه لذلك. - أن يتتبع رواية من روى عن شخص فزكاه فى روايته، بأن يقول: حدَّثنا فلان وكان ثقة مأمونًا. قال ابن دقيق العيد. وهذا يوجد منه ملتقطات، يستفادُ بها ما لا يُستفادُ من الطرق السابقة، ويحتاج إلى عناية وتتبع. الاقتراح ٣٢٧، مقدمة الفتح: ١/ ٣٨١.
[ ١ / ١٢٧ ]
وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنِى العَبَّاسُ بْنُ أَبِى رِزْمَةَ؛ قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ يَقُول: بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْمِ القَوَائِمُ - يَعْنِى الإِسْنَادَ.
وَقَال مُحَمَّدٌ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عِيسَى الطَّالقَانِىُّ؛ قَال: قُلْتُ لعَبْدِ اللهِ ابْنَ المُبَارَكِ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، الحَدِيثُ الذِى جَاءَ: " إِنَّ مِنَ البِرِّ بَعْدَ البِرِّ، أَنْ تُصَلىَ لأَبَوَيْكَ مَعَ صَلاتِكَ، وَتَصُومَ لهُمَا مَعَ صَوْمِكَ ". قَال: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، عَمَّنْ هَذَا؟ قَال: قُلْتُ لهُ: هَذَا مِنْ حَدِيثِ شِهَابِ بْنِ خِرَاش. فَقَالَ: ثِقَةٌ. عَمَّنْ؟ قَال: قُلْتُ: عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ. قَال: ثِقَةٌ. عَمَّنْ؟ قَال: قُلْتُ: قَال رَسُول اللهِ ﷺ. قَال:
ــ
وإن لم يحفظه والرواية عن الثقات، وإن [لم] (١) يكونوا أهل علم.
وقد ذكر أبو عبد الله الحاكم فى أقسام [الحديث] (٢) الصحيح المختلف فيه رواية الثقات المعروفين بالسماع وصحة الكتاب غير الحفاظ ولا العارفين، قال: كأكثر محدثى زماننا قال. فهذا محْتَجٌّ (٣) به عند أكثر أهل الحديث، قال: وإن لم يرَ ذلك مالك ولا أبو حنيفة.
قال القاضى: والذى أقول: إن معنى قول ابن أبى الزناد هذا- وقد روى نحوه عن مالك وغيره-: إن هؤلاء لم يكونوا أهل ضبط لما رووه لا من حفظهم ولا من كُتُبِهم، أو قصدوا إيثار أهل العلم وترجيح الرواية عن أهل الإتقان والحفظ لكثرتهم حينئذ والاستغناء بهم عن سواهم، فأما [أن] (٤) لا يقبل حديثهم فلا، وقد وجدنا هؤلاء رووا عن جماعة ممن لم يشتهر بعلم ولا إتقان (٥).
وذكر مسلم حديث: " إنّ من البر بعدَ البر أن تُصَلِى لأبويك مع صلاتِك وتصوم لهما مع صومك (٦) " وكلام ابن المبارك فيه.
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) من ت.
(٣) فى ت: يحتج.
(٤) ساقطة من ت.
(٥) هذا القول لا يقبله أتباع مالك وأبى حنيفة. قال الذهبى فى الميزان فى ترجمة مالك بن الخير: قال ابن القطان: هو ممن لم تثبت عدالته، يريدُ أنه ما نصَّ أحدٌ على أنه ثقة، قال: وفى رواة " الصحيحين " عددٌ كثير ما علمنا أن أحدًا نصَّ على توثيقهم. والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة، ولم يأت بما ينكر عليه أن حديثه صحيح. ميزان ٣/ ٤٢٦. وفيما نسبه الحاكم إلى مالك وأبى حنيفة فإنه قول غير مسلم، وسبق للقاضى أن ردَّ عليه فيما يخص المالكية فى ترتيب المدارك وجاوزه هنا، قال: وحكى بعضهم عنا أنا لا نقبل من الأخبار إلا ما صحبه عملُ أهل المدينة، قال: وهذا جهل أو كذب، لم يفرقوا بين قولنا بردّ الخبر الذى فى مُقابلته عملهم، وبين ما لا نقبل منه إلا ما وافقه عملهم. ترتيب المدارك ١/ ٥٤.
(٦) فى ت: صيامك.
[ ١ / ١٢٨ ]
يَا أَبَا إِسْحَاقَ، إِنَّ بَيْنَ الحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ وَبَيْنَ النَّبِىِّ ﷺ مَفَاوِزَ، تَنْقَطِعُ فِيهَا أَعْنَاقُ المَطِىِّ، وَلكِنْ ليْسَ فِى الصَّدَقَةِ اِخْتِلافٌ.
وَقَال مَحَمَّدٌ: سَمِعْتُ عَلىَّ بْنَ شَقِيقٍ يَقُول: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ المُبَارَكِ يَقُول عَلى رُؤُوسِ النَّاسِ: دَعُوا حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَسُبُّ السَّلفَ.
وَحَدَّثَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِى النَّضْرِ. قَال: حَدَّثَنِى أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بنُ القَاسِمِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ صَاحِبُ بُهَيَّةَ، قَال: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ القَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فَقَالَ يَحْيَى للقَاسِمِ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّهُ قَبِيحٌ عَلَى مِثْلِكَ، عَظِيمٌ أَنْ تُسْأَلَ عَنْ شَىءٍ مِنْ أَمْرِ هَذَا الدِّينِ، فَلا يُوجَدَ عِنْدَكَ مِنْهُ عِلمٌ، وَلا فَرَجٌ، أَوْ عِلمٌ وَلا مَخْرَجٌ. فَقَالَ لهُ القَاسِمُ: وَعَمَّ ذَاكَ؟ قَال: لأَنَّكَ ابْنُ إِمَامَىْ هُدًى، ابْنُ أَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ. قَال: يَقُول له القَاسِمُ: أَقْبَحُ مِنْ ذَاكَ عِنْدَ مَنْ عَقَل عَنِ اللهِ، أَنْ أَقُول بِغَيْرِ عِلمٍ، أَوْ آخُذَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ.
قَال: فَسَكَتَ فَمَا أَجَابَهُ.
ــ
اختلف العلماء فيما يجوز أن يفعله [المرء] (١) عن غيره من أعمال البر البدنية، واتفقوا فى الأفعال الماليَّة من الصدقات، والعتق وشبهه أنها جائزة ماضيةٌ، وأجرى بعضهم الحجَّ هذا المجرى لعلةِ النفقة فيه، وكرِهه مالك ابتداء وأجازه فى الوصايا به، وأجمعوا على أنه لا يُصلى أحد عن أحد إلا شيئًا روى عن ابن عباس فى امرأة نذرت صلاة فقال لابنها: " صل عنها "، وكذلك اتفقوا فى الصيام ابتداءً، واختلفوا إذا كان نذرًا أو واجبًا على الميت، فالجمهور أنه لا يُصام عنه، واحتجوا بما ورد من ذلك فِى الحديث، وحجة الأول أن الأحاديث الواردة فى ذلك مضطربة الألفاظ ولم يجتمع فيها على ذكر الصوم، وسنزيدُ ذلك بيانًا عند الكلام على الحديث فى كتاب الصوم، إن شاء الله تعالى.
وذكر أبا عقيل صاحب بُهية، وأبو عَقيل هذا بفتح العين، واسمه يحيى بن المتوكل الضرير (٢)، يُعرَف بِصاحب بُهيَّة، امرأةٍ روى عنها كانت تروى عن عائشة، وقد خرَّج عنها أبو داود وروى أَنَّ عائشة سمَّتْها بذلك، وضبط [اسمها بباء واحدة] (٣) [مضمومة] (٤) وهاءٍ مفتوحةٍ بعدها ياء التصغير. وذكر فى هذا الحديث قول يحيى للقاسم بن عبيد [الله] (٥): لأنك ابن إمَامَى هُدًى، أبى بكر وعمر، وقال بعد هذا فى الحديث الآخر: يعنى عمر
_________________
(١) ساقطة من ت.
(٢) المدنى، ويقال: الكوفى، روى عن أبيه وأمه أم يحيى، وبُهية، ويحيى بن سعيد الأنصارى، والقاسم ابن عبيد الله بن عبد الله بن عمر. عند الجميع ضعيف، وقال أحمد بن أبى يحيى: أحاديثهُ عن بُهيةَ منكرة، مات سنة سبع وستين ومائة. تهذيب ١١/ ٢٧١. وبهيّة كذلك ليست بحجة. السابق ١٢/ ٤٠.
(٣) فى الأصل: اسمها بواحدة.
(٤) ساقطة من ت.
(٥) من ت.
[ ١ / ١٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وابن عمر. والقاسم هذا هو [ابن عُبيد الله بن عبد الله] (١) عمر بن الخطاب فهو ابنهما، وأما على قوله أبى بكر وعمر، فأم القاسم هذا هى أم عبيد (٢) الله بنت القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق، وباسم جده هذا لأمّه سُمى (٣)، فأبو بكر جدُّه الأعلى لأمّه وعمر جَدُّه الأعلى لأبيه.
وذكر مسلم عن جماعة من الأئمة التصريح بتجريح جماعة من الناس وبيان جرحهم، فأما وجه جواز هذا (٤) فقد مرَّ، بل هو واجب كما ذكروه، وليس من باب الغيبة والأذى، إذ دعت إلى هذا الضرورة لحياطة الشريعة، وحماية الملة، ونصيحة الدين، كما نجيز تجريح الشهود [لمراعاة] (٥). إقامة الحقوق ودفع الشبهات (٦).
_________________
(١) فى ت: أَبو عبيد الله بن، ولعله الصواب.
(٢) فى الأصل: عبد.
(٣) فى ت: يُسمى.
(٤) فى ت: الجرح.
(٥) ساقطة من ت.
(٦) واشترطوا لتسويغ ذلك أن يقتصر الناصح فى ذكر العيوب على ما يُخلُّ بالأمر المسؤول عنه. جاء فى كتاب الفروق للقرافى: ويشترط فى هذا القسم- الغيبة التى لا تحرم أن تكون الحاجة ماسة لذلك، وأن يقتصر الناصح فى ذكر العيوب على ما يُخل بتلك المصلحة خاصَّةً، التى حصلت المشاورة فيها أو التى يعتقد الناصح أن المنصوح شرع فيها، أو هو على عزم ذلك، فينصحه وإن لم يستشره، فإنَّ حفظ مال الإنسان وعرضه ودمه عليك واجب، وإن لم يعرض لك بذلك. الفروق ٤/ ٢٠٥ وقد ذكر الغزالى فى الإحياء والنووى فى الرياض أن غيبة الرجل حيًا وميتًا تباح لغرضٍ شرعىٍ لا يمكن الوصول إليه إلا بها، وهى ستة: الأول: التظلم. الثانى: الاستعانة على تغيير المنكر وردّ العاصى إلى الصواب، فيقول لمن يرجو منه إزالة المنكر: فلان يفعل كذا فازجره. الثالث: الاستفتاء، فيقول للمفتى: ظلمنى أبى بكذا، فما سبيل الخلاص منه؟ الرابع: تحذير المؤمنين من الشر ونصيحتهم، ومن هذا الباب المشاورة فى مصاهرة إنسان أو مشاركة، أو إيداعه أو معاملته، أو غير ذلك. ومنه جرح الشهود عند القاضى، وجرح رواة الحديث، وهو جائز بالإجماع، بل واجبٌ للحاجة. قال: ومنه ما إذا رأى متفقهًا يتردد إلى مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم، وخاف أن يتضرر المتفقهُ بذلك، فنصحه ببيان حاله بشرط أن يقصد النصح، ولا يحمِله على ذلك الحسدُ والاحتقار. الخامس: أن يكون مجاهرًا بفسقه أو بدعته، فيجوز ذكره بما يجاهر به دون غيره من العيوب. السادس: التعريف، كأن يكون الرجُل معروفًا بوصف يدل على عيب، كالأعمش، والأعرج، والأصم، والأعور، والأحول، وغيرها. راجع الإحياء، ك آفات اللسان ٩/ ٦٥. وفى ضابط التعديل والتجريح للشهود يقول القرافى: " التجريح والتعديلُ فى الشهود عند الحاكم إنما يجوز عند توقع الحكم بقول المُجرّح، ولو فى مستقبل الزمان، أما عند غير الحاكم فيحرم، لعدم الحاجة لذلكَ. والتفكه بأعراض المسلمين حرام، والأصل فيها العصمة ". قال: ويشترط فى هذين القسمين، أن تكون النِّيةُ فيه خالصة لله تعالى فى نصيحة المسلمين عند حكامهم، وفى ضبط شرائعهم، أمَّا متى كان لأجل عداوةٍ، أو تفكه بالأعراض، أو جريان مع الهوى، فذلك حرام، وإن حصلت به المصالح عند الحكام والرواة، فإن المعصية قد تجرُّ للمصلحة، كمن قتل كافرًا يظنه مسلمًا، فإنه عاص بظنه، وإن حصلت المصلحة بقتل الكافر، وكذلك من يريق خمرًا ويظنه خلًا، اندفعت المفسدةُ بفعله، وهو عاص بظنه، واشترط أيضًا فى هذا القسم الاقتصارُ على القوادح المخلة بالشهادة، أو الرواية، فلا يقول: هو ابن زنا، ولا أبوه لاعَنَ أمَّه، إلى غير ذلك من المؤلمات التى لا تعلق لها بالشهادة والرواية. الفروق ٤/ ٢٠٦.
[ ١ / ١٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأما تعيين سبب الجرح فى الخبر والشهادة، فقد اختلف فيه العلماء من الفقهاء والأصوليين، فأوجبه بعضهم مطلقًا، وهو اختيار الشافعى وبعض أئمتنا، ولم يوجبه آخرون (١) وهو
_________________
(١) وهو ما يطلق عليه الجرح المفسر، وشرطه مع الشافعى أئمة الحنفيةُ وأبو الطيب الطبرى والخطيب وابن الصلاح. قال ابن الصلاح: وهذا ظاهر مقرر فى الفقه وأصوله. وذكر الخطيب أنه الصواب، وإليه ذهب الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده مثل محمد بن إسماعيل البخارى، ومسلم بن الحجاج النيسابورى وغيرهم. وقال التهانوى: وهو مذهب أئمتنا السادة الحنفية. راجع: شرح أصول البزدوى ٣/ ١٦٨. قال: أما الطعن فى أئمة الحديث فلا يقبل مجملًا، أى مبهمًا، وهو مذهب عامة الفقهاء والمحدثين: راجع: التوضيح ٢/ ١٤، نزهة النظر: ١٣٧. وسبب اشتراطهم ذلك راجع لأمرين: الأول: أن الجرح والتعديل مبناهما على الظن، فربما يجرح الجارح خطأ ووهمًا، ومثلوا له بقول النسائى فى أحمد بن صالح المصرى الطبرى- وهو أحد أئمة الحديث، الحفاظ المتقنين-: ليس بثقة، وكان سبب ذلك الحكم سماعه معاوية بن صالح وهو يقول: سألت يحيى بن معين عن أحمد بن صالح فقال: كذاب يتفلسف، رأيتُه يتبختر فى الجامع بمصر. قال الحافظ فى الفتح بعد أن نقل توثيق أهل الشأن من غير النسائى له: أكثر عنه البخارى وأبو داود واعتمده الذهلى فى كثير من أحاديث أهل الحجاز، ووثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين فيما نقله عنه البخارى، وعلى ابن المدينى وابن نمير، والعجلى، وأبو حاتم الرازى، وأما النسائى فكان سىء الرأى فيه، استند فى تضعيفه له إلى ما حكاه عن يحيى بن معين، وهو وهم منه، حمله على اعتقاد سوء رأيه فى أحمد بن صالح، ثم ذكر السبب الحامل له على سوء رأيه فيه فقال: قال أبو جعفر العقيلى: كان أحمد ابن صالح لا يحدث أحدًا حتى يسأل عنه، فلما أن قدم النسائى مصر جاء إليه، وقد صحب قومًا من أهل الحديث لا يرضاهم أحمد، فأبى أن يحدثه، فذهب النسائى، فجمع الأحاديث التى وهم فيها أحمد، وشرع يشنع عليه. أما وجه الوهم هنا فهو فيما ذكره ابن حبان من أن أحمد بن صالح الذى تكلم فيه ابن معين هو رجل آخر غير ابن الطبرى، وكان يقال له: الأشمومى أو الأشمونى، وكان مشهورًا بوضع الحديث، وأما ابن الطبرى فكان يقارب ابن معين فى الضبط والإتقان. قال الحافظ: وهو فى غاية التحرير. مقدمة: ٤٠٥. وكذا ما جاء فى أحمد بن بشير الكوفى، فقد قال فيه عثمان الدارمى: متروك، وقواه ابن معين وأبو زرعة، وأخرج له البخارى فى ك الطب. قال الحافظ: وأما كلام عثمان الدارمى فقد رده الخطيب بأنه اشتبه عليه براوٍ آخر، اتفق اسمه واسم أبيه- قال الحافظ: وهو كما قال الخطيب. المقدمة ٤٠٥. الثانى: تفاوت الناس فى أسباب الجرح، فيطلق البعض الجرح بحسب ظنه وقد يكون جرحًا غير مسلم عند غيره من أئمة الشأن، مثال ذلك فى سؤال الإمام الشافعى عن سبب الجرح فى رجل جرحوه فقال الجارح: رأيتُه يبول قائمًا، فلما قال له: وما فى ذلك يوجب الجرح؟ فقال: لأنه يقع عليه الرشيش وعلى ثوبه ثم يصلى، فلما سئل: هل رأيته يصلى؟ قال: لا. طبقات الشافعية الكبرى ٢/ ١٩. ومثله لما أتى شعبة المنهال بن عمرو ليأخذ عنه سمع صوتًا -أى صوت طنبور فى بيته- فرجع، فقال له تلميذه وهب بن جرير: فهلا سألت؟ عسى ألا يعلم هو؟ الكفاية: ١١٢. قال التاج السبكى: وحكى أن رجلًا جرح رجلًا وقال. إنه طيَّن سطحه بطينٍ استخرج من حوض السبيل. الطبقات ٢/ ١٩. وكذلك لما سئل الحكم بن عتيبة عن سبب تركه الرواية عن زاذان؟ قال: كان كثير الكلام، وقد ترك شعبة الرواية عن رجل، ولما سئل عن السبب قال: رأيته يركض على برذون. تهذيب ٣/ ٣٠٣. قال المطرزى فى " المغرب " ١/ ٣٦: البرذون التركى من الخيل، والجمع البراذين، وخلافها العِراب. قلت. ومن ذلك ترك الرواية عن أئمة الفقه من أئمة الرواية بزعم أنهم من أصحاب الرأى، قال العلامة القاسمى فى كتابه الجرح والتعديل: " وقد تجافى أربابُ الصحاح الروايةَ عن أهل الرأى، فلا تكاد =
[ ١ / ١٣١ ]
وَحَدَّثَنِى بِشْرُ بْنُ الحَكَمِ العَبْدِىُّ، قَال: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُول: أَخْبَرُونِى عَنْ أَبِى عَقِيلٍ صَاحِبَ بُهَيَّةَ أَنَّ أَبْنَاءً لِعَبْدِ اللهِ بْن عُمَرَ سَأَلوهُ عَنْ شَىْءٍ لمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِيهِ عِلمٌ.
فَقَالَ لهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: وَاللهِ إِنِّى لأُعْظِمُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُكَ، وَأَنْتَ ابْنُ إِمَامَىِ الهُدَى - يَعْنِى عُمَرَ وَابْنَ عُمَرَ - تُسْأَل عَنْ أَمْرٍ ليْسَ عِنْدَكَ فِيهِ عِلمٌ. فَقَالَ: أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَاللهِ، عِنْدَ اللهِ، وَعِنْدَ مَنْ عَقَل عَنِ اللهِ، أَنْ أَقُول بِغَيْرِ عَلمٍ. أَوْ أُخْبِرَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ. قَالَ: وَشَهِدَهُمَا أَبُو عَقِيل يَحْيَى بْنُ المُتَوكَّلِ حِينَ قَالا ذَلِكَ.
ــ
اختيار القاضى أبى (١) بكر وجماعة غيره من أئمتنا، ورأوا قبول الجرح مطلقًا دون ذكر السبب (٢)، وذهب بعضُهم إلى أن المُجَرحَ إذا كان عالمًا بصيرًا بوجوه التجريح لم نستفسره
_________________
(١) = تجد اسمًا لهم فى سند من كتب الصحاح أو المسانيد، أو السنن، كالإمام أبى يوسف، والإمام محمد بن الحسن، فقد لينهما أهل الحديث كما ترى فى ميزان الاعتدال، قال: ولعمرى لم ينصفوهما، وهما البحران الزاخران، وآثارهما تشهدُ بسعة علمهما، وتبحرهما، بل بتقدمهما على كثيرٍ من الحفَّاظ، وناهيك كتاب الخراج لأبى يوسف، وموطأ الإمام محمد. الجرح والتعديل: ٢٤.
(٢) فى الأصل: أبو.
(٣) وذلك إذا انتفت الظنون عن الجارح واندفعت التهم وكان الجارح حبرًا من أحبار الأمة، أو كان المجروح مشهورًا بالضعف، متروكًا بين النقاد. قال التاج السبكى: " إن قولهم لا يقبل الجرحُ إلا مفسّرًا، إنما هو فى جرح من ثبتت عدالتُه واستقرت، فإذا أراد رافعٌ رفعَها بالجرح قيل له: ائت ببرهان على هذا أو فيمن لم يُعرف حاله، ولكن ابتدره جارحان ومُزكيَّان، فيقال إذ ذاك للجارحين: فسّرا ما رميتماه به ". قال: أما من ثبت أنه مجروح فيقبل قول من أطلق جرحه، لجريانه على الأصل المقرر عندنا، ولا نطالبه بالتفسير، إذ لا حاجة إلى طلبه. ثم قال: إنا لا نطلب التفسير من كل أحد، بل إنما نطلبه حيث يحتمل الحال شكًا، إما لاختلاف فى الاجتهاد، أو لتهمة يسيرة فى الجارح، أو نحو ذلك مما لا يوجب سقوط قول الجارح، ولا ينتهى إلى الاعتبار به على الإطلاق، بل يكون بين بيْن، أما إذا انتفت الظنون واندفعت التهم، وكان الجارح حبرًا من أحبار الأمة، مُبَرأ عن مظانّ التهمة، أو كان المجروح مشهورًا بالضعف، متروكًا بين النقاد، فلا نتلعثم عند جرحه، ولا نحوج الجارح إلى تفسير، بل طلب التفسير منه والحالة هذه طلبٌ لغيبة لا حاجة إليها. قال: فنحن نقبل قول ابن معين فى إبراهيم بن شعيب المدنى، شيخ روى عنه ابن وهب- إنه ليس بشىء- وفى إبراهيم بن يزيد المدنى: أنه ضعيف، وفى الحسين بن الفرج الخياط: إنه كذاب يسرق الحديث. وعلى هذا، وإن لم يبن الجرح، لأنه إمام مقدَّم فى هذه الصناعة، جرح طائفةٌ غير ثابتى العدالة والثبت. ولا نقبل قوله فى الشافعى ولو فسّر وأتى بألف إيضاح، لقيام القاطع على أنه غير محق بالنسبة إليه. طبقات الشافعية ٢/ ٢٢. يعنى له التعصب المذهبى. فقد قال قبل: " الجارح لا يقبل منه الجرحُ وإن فسَّره فى حق من غلبت طاعاته على معاصيه، ومادحوه على ذامّيه، ومزكوه على جارحيه، إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأن مثلها حامل على الوقيعة فى الذى جرحه من تعصب مذهبى، أو منافسة دنيويةٌ كما يكون من النظراء، أو غير ذلك، فنقول مثلًا: لا يُلتفتُ إلى كلام ابن أبى ذئب فى مالك، وابن معين فى الشافعى، والنسائى فى أحمد بن صالح، لأن هؤلاء أئمةٌ مشهورون، صار الجارح لهم كالآتى بخبر غريب، لو صح لتوفّرت الدواعى على نقله، وكان القاطع قائمًا على كذبه. طبقات الشافعية ٢/ ٢١.
[ ١ / ١٣٢ ]
وَحَدَّثَنَا عَمْرو بْنُ عَلىٍّ، أَبُو حَفْصٍ، قَال سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ. قَال: سَأَلتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِىَّ وَشُعْبَةَ وَمَالِكًا وَابْنَ عُيَيْنَةَ، عَنِ الرَّجُلِ لا يَكُونُ ثَبْتًا فِى الحَدِيثِ، فَيَأتِينى الرَّجُل فَيَسْأَلَنِى عَنْهُ. قَالوا: أَخْبِرْ عَنْهُ أَنَّهُ ليْسَ بِثَبْتٍ.
ــ
وإلا استفسرناه، وهو فى الشهادة أضيق، والميل فيها إلى الاستفسار أصوب، إذ قد يُجَرَّحُ الشاهدُ- وإن كان مجرحه بصيرًا بوجوه التجريح [بما يعتقد جرحةً] (١) - ولعل الحاكم لا يراه لاختلاف الاجتهاد (٢)، أما الخبر إذا أطلق عارفٌ بصير فيه بالجرح فقد عدمت به الثقةَ.
_________________
(١) فى ت: بما يعتقده جرحة وهو متجه.
(٢) قلت: وكذلك الحال فى الرواية فينبغى الوقوف فى الجرح فيها على اختلاف المذاهب والعقائد والمشارب عند أئمة التحقيق من المتأخرين. قال ابن دقيق العيد: يجب أن نتفقد مذاهب الجارحين والمزكين مع مذاهب من تكلموا فيه، فإن رأيتها مختلفة فتوقف عن قبول الجرح غاية التوقف، حتى يتبين وجههُ بيانًا لا شبهةَ فيه، وما كان مُطلقًا أو غير مفسَّر، فلا يُجْرَحُ به، فإن كان المجروحُ موثقًا من جهة أخرى فلا تحفِلنَّ بالجرح المُبهمِ ممن خالفَه. وإن كان غير موثّقٍ فَلا تَحْكُمنَّ بجرحه ولا بتعديله. كذلك الاختلاف الواقعُ بين المتصوفة وأصحاب العلوم الظاهرة قال: فقد وقع بينهم تنافُر أوجب كلام بعضهم فى بعض. وهذه غمرة، لا يخلص منها إلا العالمُ الوافى بشواهد الشريعة. ثم قال: ولا بُدَّ مع ذلك من معرفة القواعد الأصولية، والتمييز بين الواجب والجائز والمستحيل العقلى والمستحيل العادى، فقد يكون المتميّزُ فى الفقه جاهلًا بذلك حتى يَعُدَّ المستحيل عادةً مستحيلًا عقلًا. ولصعوبة اجتماع هذه الشرائط عظُمَ الخطرُ فى الكلام فى الرجال، لقلة اجتماع هذه الأمور فى المزكين، ولذلك قلت: أعراض المسلمين حفرَة من حُفَرِ النار، وقَفَ على شفيرها طائفتان من الناس المحدّثون والحكام. الاقتراح فى بيان الاصطلاح: ٣٣٧. وقال التاج السبكى: من شَهد على آخر، وهو مخالف له فى العقيدة أوجبت مخالفتُه له فى العقيدة ريبةً عند الحاكم المتبصّر، لا يجدها إذا كانت الشهادة صادرة من غير مخالف فى العقيدة. ثم المشهود به يختلف باختلاف الأحوال والأعراض، فربما وضح غرض الشاهد على المشهود عليه إيضاحًا لا يخفى على أحد، وذلك لقربه من نصر معتقَده، أو ما أشبه ذلك، وربما دقَّ وغمض، بحيث لا يدركه إلا الفَطِن من الحكام، ورُبَّ شاهد من أهل السنة ساذج، قد مقت المبتدع مقتًا زائدًا على ما يطلبه الله منه، وأساء الظَنَّ به إساءةً أوجبت له تصديق ما يبلغه عنه، فبلغه عنه شىء، فغلب على ظنه صدقُه، فشهد به، فسبيل الحاكم التوقف فى مثل هذا إلى أن يتبين له الحال فيه، وليعلم من هذه سبيله أنه أتى من جهل وقلة دين، قال: وهذا قولنا فى سُنِّى يجرّح مبتدعًا، فما الظنَّ بمبتدع يجرّح سُنيًّا. طبقات الشافعية الكبرى ٢/ ١٦. وعلى ذلك فإن الجارح الذى يقبل جرحه لا بد أن يجمع شروطًا أربعة:
(٣) أن يكون عالمًا بأسباب الجرح، ذى ورع وتقوى وصدق وتنزه عن التعصب إذ قد يكون الجارحُ معروفًا بالعلم ويكون قليل التقوى، فإن علمه- كما قال ابن دقيق العيد- يقتضى أن يجعل أهلًا لسمع قوله وجرحه، فيقع الخلل بسبب قلة ورَعه وأخذه بالوهم. الاقتراح: ٣٤٢.
(٤) أن يكون خبيرًا بمدلولات الألفاظ لا سيَّما الألفاظ العرفيَّة التى تختلف باختلاف عرف الناس، وتكون فى بعض الأزمنة مدحًا وفى بعضها ذمًا، قال التاج: وهذا أمرٌ شديد لا يدركه إلا قعيد بالعلم.
(٥) عليمًا بالأحكام الشرعية، حتى لا يظنَّ الحلال حرامًا فيجرّح به.
(٦) عالمًا باختلاف المذاهب. الاقتراح: ٣٤٢، طبقات الشافعية ٢/ ١٢، الرفع والتكميل فى الجرح والتعديل: ٧٩، المنهج الإسلامى فى الجرح والتعديل: ٢٦٠.
[ ١ / ١٣٣ ]
وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَال: سَمِعْتُ النَّضْرَ يَقُولُ: سُئِلَ ابْنُ عَوْنٍ عَنْ حَدِيثٍ لِشَهْرٍ وَهُوَ قَائِمٌ عَلى أَسْكُفَّةِ البَابِ. فَقَالَ: إِنّ شَهْرًا نَزَكُوهُ، إن شهرًا نَزَكُوهُ.
قَال مُسْلمٌ - ﵀ -: يَقُولُ: أَخَذَتْهُ أَلسِنَةُ النَّاسِ، تَكلمُوا فِيهِ.
وَحَدَّثَنِى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، قَال: قَال شُعْبَةُ: وَقَدْ لقِيتُ شَهْرًا فَلمْ أَعْتَدَّ بِهِ.
وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذُ، مِنْ أَهْلِ مَرْوَ، قَال أَخْبَرَنِى عَلىٌّ بْنُ حُسَيْنِ ابْنُ وَاقِدٍ، قَال: قَال عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِىِّ: إِنَّ عَبَّادَ بْنَ كَثِيرٍ مَنْ تَعْرِفُ حَالهُ، وَإِذَا حَدَّثَ جَاءَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، فَتَرَى أَنْ أَقُول لِلنَّاسِ: لا تَأخُذُوا عَنْهُ؟ قَال سُفْيَانُ: بَلى. قَال عَبْدُ اللهِ: فَكُنْتُ، إِذَا كُنْتُ فِى مَجْلِسٍ ذُكِرَ فِيهِ عَبَّادٌ، أَثْنَيْتُ عَليْهِ فِى دِينِهِ، وَأَقُول: لا تَأخُذُوا عَنْهُ.
ــ
وذكر مسلم عن ابن عون قوله: إن شهرًا نزكوه، هذه الرواية الصحيحة بالنون والزاى، وهكذا سماعنا فيه من الأسدى عن السمرقندى عن الفارسى، وكذا [أقرأناها على] (١) ابن أبى جعفر عن الطبرى عن الفارسى عن الجلودى، وسمعناها من القاضى الصدفى وغيره عن العذرى، وسائر الرواة تركوه، بالخاء والراء. وبالنون والزاى ذكر هذا الحرف الهروى وفَسَّره، وهو الأشبه بمساق الكلام، ومعناه: طعنوا فيه، [وهو] (٢) مأخوذ من النيزك وهو الرمح القصير، ومنه الحديث: " يقتل عيسى الدجال بالنزك " وقد وقع مفسَّرًا فى الحديث نفسه من رواية العقيلى فقال: أى نحوه (٣)، وذكره الترمذى أيضًا
_________________
(١) فى ت: قرأناها عن.
(٢) ساقطة من ت.
(٣) وفى النهاية: " النزَّاك الذى يعيب الناس "، والحديث بهذا اللفظ لم أجده إلا فى النهاية. وشهر بن حوشب مولى الصحابية أسماء، كان من كبار علماء التابعين، حدث عنها وعن أبى هريرة، وعائشة وابن عباس، وابن عمرو، وأم سلمة، وأبى سعيد الخدرى، وعدة، مختلف فيه على الجملة عند عامة المحدثين. ويرجع سبب طعن من طعن فيما إلى ما رواه عن أم سلمة أن النبىَّ ﷺ قرأ: " إن الله لا يغفر الذنوب جميعًا ولا يبالى ". أحمد فى المسند ٦/ ٤٥٤، والترمذى وحسنه. وأم سلمة هى أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية. قال الذهبى فيه: فهذا ما استنكر من حديث شهر فى سعة روايته، وما ذاك بالمنكر جدًا. سير ٤/ ٣٧٨. وعدم نكارتها يرجع إلى كونها قراءة تفسيرية- كما ذكر النحاس. راجع: دراسات فى أعلام الإسلام للمحقق: ١١٧. وعمله الذى تولاه ورُدَّت به روايته هو أنه كان على بيت المال. ورد الرواية كان على هذا القول بسبب أخذه مالًا من عمله بغير إذن، قال الذهبى فيها: وإسنادها منقطع، ولعلها وقعت، وتاب منها، أو أخذها متأولًا أن له فى بيت مال المسلمين حقًا. سير ٤/ ٣٧٥.
[ ١ / ١٣٤ ]
وَقَال مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: قَال أَبِى، قَال عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ: انْتَهَيْتُ إِلى شُعْبَةَ فَقَالَ: هَذَا عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ فَاحْذَرُوهُ.
وَحَدَّثَنِى الفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ قَال: سَأَلتُ مُعَلى الرَّازِىَّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ، الذِى رَوَى عَنْهُ عَبَّادٌ فَأَخْبَرَنِى عَنْ عِيسى بْنِ يُونُسَ؛ قَال: كُنْتُ عَلى بَابِهِ وَسُفْيَانُ عِنْدَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ سَأَلتُهُ عَنْهُ، فَأَخْبَرَنِى أَنَّهُ كَذَّابٌ.
وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عَتَّابٍ، قَال: حَدَّثَنِى عَفَّانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعيدٍ القَطَّانِ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: لمْ تَرَ الصَّالِحِينَ فِى شىءٍ أَكْذَبَ مِنْهُمْ فِى الحَدِيثِ.
قَال ابْنُ أَبِى عَتَّاب: فَلقِيتُ أَنَا مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ القَطَّانِ، فَسَأَلتُهُ عَنْهُ. فَقَالَ عَنْ أَبِيهِ: لمْ نَرَ أَهل الخَيْرِ فِى شَىءٍ أَكْذَبَ مِنْهُمْ فِى الحَدِيثِ.
قَال مُسْلمٌ يَقُولُ: يَجْرِى الكَذِبُ عَلى لِسَانِهِمْ وَلا يَتَعَمَّدُونَ الكَذِبَ.
ــ
هكذا من قول النضر، وكان شهر تولى بعض عمل السلطان فتُكلم فيه، لكن البخارى قال فيه: حسن الحديث، وصحح حديثه أحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد (١). وقوله فى هذا الحديث: " على أسكفة الباب " يريد: عتبته السفلى التى توطأ.
ذكر مسلم قول يحيى بن سعيد: " لم نر أهل الخير فى شىء أكذب منهم فى الحديث " (٢) يقول: " يجرى الكذب على لسانهم، ولا يتعمدون [الكذب] (٣) يعنى: أنهم يحدثون بما لم يصح، لقلة معرفتهم بالصحيح، والعلم بالحديث، وقلة حفظهم، وضبطهم لما سمعوه، وشغلهم بعبادتهم، وإضرابهم عن طريق العلم، فكذبوا من حيث لم يعلموا (٤) وإن لم يتعمدوا، وعلى هذا يأتى قولهم: " كذب " فى صالح المُرّى وشبهه فيما ذكر فى " الأم "، أى أخطأ، وقال: ما ليس هو، وإن [لم] (٥) يتعمد، وقد يقعُ فى الكذب على رسول الله ﷺ منهم (٦) من غلبت (٧) عليه العبادة، ولم يكن معه علم (٨) فيضع الحديث فى فضائل الأعمال ووجوه البر، ويتساهلون فى رواية ضعيفها ومنكرها، وموضوعها، كما قد حكى عن كثير منهم، واعترف به بعضهم وهم يحسبون لقلة علمهم
_________________
(١) فى الأصل: معين، والمثبت من ت، وهو الصواب.
(٢) وأخرج الخطيب بلفظ: ما رأيت الصالحين فى شىء أشد فتنةٌ، منهم فى الحديث. الكفاية: ٢٤٧.
(٣) ساقطة من ت.
(٤) فى ت: لا يعلمون.
(٥) ساقطة من ت.
(٦) تكررت فى الأصل خطأ.
(٧) فى الأصل: غلبته.
(٨) قال ابن الجوزى: معظم البلاء فى وضع الحديث إنما يجرى من القصاص، لأنهم يزيدون أحاديث ترقق تثقف، والصحاح يقل فيها هذا. الموضوعات ١/ ٤٤.
[ ١ / ١٣٥ ]
حَدَّثَنِى الفَضْل بْنُ سَهْلٍ، قَال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَال: أَخْبَرَنِى خَلِيفَةُ بْنُ مُوسَى، قَال: دَخَلْتُ عَلى غَالِبِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، فَجَعَلَ يُمْلِى عَلىَّ: حَدَّثَنِى مَكْحُولٌ، حَدَّثَنِى مَكْحُولٌ. فَأَخَذَهُ البَوْلُ فَقَامَ. فَنَظَرْتُ فِى الكُرَّاسَةِ فَإِذَا فِيهَا حَدَّثَنِى أَبَانٌ، عَنْ أَنَسٍ، وَأَبَانٌ عَنْ فُلانٍ، فَتَرَكْتُهُ وَقُمْتُ.
قَال: وَسَمِعْتُ الحَسَنَ بْنَ عَلِىٍّ الحُلوَانِىَّ يَقُولُ: رَأَيْتُ فُى كِتَابِ عَفَّانَ حَدِيثَ هِشَامٍ أَبِى المِقْدَامِ، حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ. قَال هِشَامٌ: حَدَّثَنِى رَجُلٌ يُقَال لهُ يَحْيَى بْنُ فُلانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنُ كَعْبٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَفَّانَ: إِنَّهُمْ يَقُولونَ: هِشَامٌ سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّدِ ابْنِ كَعْبٍ. فَقَالَ: إِنَّمَا ابْتُلِى مِنْ قِبَلِ هَذَا الحَدِيثِ، كَانَ يَقُولُ: حَدَّثَنِى يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ادَّعَى - بَعْدُ - أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّدٍ.
حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ، قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُثْمَانَ بْنَ جَبَلةَ يَقُول: قُلْتُ لعَبْدِ اللهِ بْنَ المُبَارَكَ: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الذِى رَوَيْتَ عَنْهُ حَدِيثَ عَبْدِ اللهِ بْنَ عَمْرِو: " يَوْمُ الفِطْرَ يَوْمُ الجَوَائِزِ "؟ قَال: سُليْمَانُ بْنُ الحَجَّاج. انْظُرْ مَا وَضَعْتَ فِى يَدِكَ مِنْهُ.
ــ
أنهم يُحسنون صنعًا، وربما احتجوا فى ذلك بالحديث المأثور عن أبى هريرة يرفعه إلى النبى ﷺ أنه قال: " إذا حدّثتم عنى حديثًا تعرفونه ولا تنكرونه فصدقوا به، قلته أو لم أقله، فإنى أقولُ ما يُعرَفُ ولا يُنكَرُ " (١) وهو حديث ضعفه الأصيلى وغيره من الأئمة، وتأوله الطحاوى وغيره، ومعناه: لو صحَّ ظاهره وهو أنه ما جاء عنه موافقًا لكتاب الله وما عُرِف من سنته غير مخالف لشريعته ولا يحقق أنه قاله بلفظه فيُصدَّق به- أى بمعناه- لا بلفظه، إذ قد صحَّ من أصول الشريعة أنه قاله بغير هذا اللفظ ولا يُكذَّبُ به إذ قد يحتمل أنه قاله وذكر حديث عبد الله بن عمرو: " يوم الفطر يوم الجوائز " يريد الحديث الذى يرويه (٢) [أنه] (٣) " إذا كان يوم الفطر وقفت الملائكة على أفواه الطرق (٤) ونادت: يا معشر المسلمين، أغدوا إلى ربٍ رحيمٍ، يأمر بالخير ويثيب عليه الجزيل، أمركم بالصيام فصمتم، وأطعتم ربكم، فاقبلوا جوائزكم، فإذا صلوا العيد نادى منادٍ من السماء: ارجعوا إلى منازِلكُم راشدين قد (٥) غفرت ذنوبكم كلها، ويسمى ذلك اليوم يوم الجائزة " (٦).
_________________
(١) الحديث أخرجه الخطيب فى تاريخ بغداد ١١/ ٣٩١، وابن عدى فى الكامل ١/ ٢٦.
(٢) فى ت: يروى.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) فى ت: الطريق.
(٥) فى ت: فقد.
(٦) الحديث أخرجه الطبرانى فى الكبير ١/ ١٩٦، وقال الهيثمى: رواه الطبرانى فى الكبير، وفيه جابر الجعفى، وثقه الثورى وروى عنه هو وشعبة، وضعفه الناس، وهو متروك. مجمع ٢/ ٢٠١.
[ ١ / ١٣٦ ]
قَال: ابْنُ قهزَاذَ. وَسَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ زَمْعَةَ يَذْكُرُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، قَال: قَال عَبْدُ اللهِ - يَعْنِى ابْنَ المُبَارَكِ - رَأَيْتُ رَوْحَ بْنَ غُطَيْفٍ، صَاحِبَ الدَّمِ قَدْرِ الدَّرْهَمِ، وَجَلسْتُ إِليْهِ مَجْلِسًا، فَجَعَلتُ أَسْتَحِيى مِنْ أَصْحَابِى أَنْ يَرَوْنِى جَالِسًا مَعَهُ. كُرْهَ حَدِيثِهِ.
حَدَّثَنِى ابْنُ قُهْزَاذَ. قَال: سَمِعْتُ وَهْبًا يَقُول عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ؛ قَال: بَقِيَّةُ صَدُوقُ اللسَانِ، وَلكِنَّهُ يَأخُذُ عَمَّنْ أَقْبَل وَأَدْبَرَ.
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِىِّ؛ قَال: حَدَّثَنِى الحَارِثُ الأَعْوَرُ الهَمْدَانِىُّ، وَكَانَ كَذَّابًا.
حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ - عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِىُّ - حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مُفَضَّلٍ، عَنْ مُغِيرَةَ؛ قَال: سَمِعْتُ الشَّعْبِىَّ يَقُول: حَدَّثَنِى الحَارِثُ الأَعْوَرُ، وَهُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ أَحَدُ الكَاذِبِينَ.
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ؛ قَال: قَال عَلقَمَةُ: قَرَأتُ القُرْآنَ فِى سَنَتَيْنِ. فَقَالَ الحَارِثُ: القُرآنُ هَيِّنٌ، الوَحْىُ أَشَدُّ.
ــ
وذكر مسلم عن ابن المبارك: " رأيتُ روح بن غُطَيفٍ " كذا صوابهُ بالغين المعجمة المضمومة والطاء المهملة المفتوحة، ورواية كافة شيوخنا فيه عن العذرى والطبرى والسمرقندى بضاد معجمة، [وهو خطأ] (١)، وثبتنا متقنوهم على الصواب المتقدَّم فيه، وقد ذكره البخارى فى تاريخه الكبير وقال (٢): هو منكر الحديث (٣).
وقوله فيه: " صاحب الدم قدر الدرهم "، يريد الحديث الذى رواه روح هذا عن الزهرى عن أبى سلمة عن أبى هريرة يرفعه: " تعاد الصلاة من قدر الدرهم "، وهو حديث باطل لا أصل له عند أهل الحديث.
وقد اختلف العلماء فى إزالة النجاسة هل هى واجبة أو لا؟ (٤)، وهل هى شرط فى صحة الصلاة أم لا؟ وعلى هذا اختلفوا فيمن صلى بها، فأوجب بعضهم الإعادة بكل حال وبعضهم راعى الوقت فى الإعادة، وفرَّق بعضهم بين الساهى والعامد، فيعيدُ عنده الساهى
_________________
(١) سقط من الأصل، واستدرك فى الهامش بسهم.
(٢) فى ت: فقال.
(٣) قال: روح بن غطيف الثقفى، عن عمر بن مصعب، روى عنه محمد بن ربيعة، منكر الحديث، وروى القاسم بن مالك سمع روح بن غطيف بن أبى سفيان الثقفى عن الزهرى عن أبى سلمة عن أبى هريرة رفعه: " تعاد الصلاة من قدر الدرهم ". التاريخ الكبير ٢/ ١/ ٣٠٨.
(٤) ذهب أحمد إلى أن فرض الطهارة إزالة الحدث، فلو توضأ قبل الاستنجاء لم يصح على أحد قولين فيه. المغنى ١/ ١٥٥.
[ ١ / ١٣٧ ]
وَحَدَّثَنِى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ - يَعْنِى ابْنَ يُونُسَ - حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ؛ أَنَّ الحَارِثَ قَال: تَعَلمْتُ القُرْآنَ فِى ثَلاثِ سِنِينَ، وَالوَحْىَ فِى سَنَتَيْنِ. أَوْ قَال: الوَحْىَ فِى ثَلاثِ سِنِينَ، وَالقُرْآنَ فِى سَنَتَيْنِ.
وَحَدَّثَنِى حَجَّاجٌ، قَال: حَدَّثَنِى أَحْمَدُ، وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ وَالمُغِيرَةِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ؛ أَنَّ الحَارِثَ اتُّهِمَ.
وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ، قَال: سَمِعَ مُرَّةُ الهَمْدَانِىُّ
ــ
فى الوقت والعامد أبدًا، واضطرب مذهبنا على هذه الأقوال إلا الإعادة جملة، وكذلك اختلفوا فى العفو عن يسيرها، فذهب أهل العراق إلى أن قدر الدرهم من جميع النجاسات معفوٌ عنه، قياسًا على موضع الاستجمار، وذهب الشافعى إلى أنه لا يُعفى عن شىء منها دمٍ ولا غيره ويغسل قليلها وكثيرها، وذهب مالك إلى ذلك إلا فى الدم، فرأى العفو عن يسيره للضرورة اللازمة منه [من البراغيث] (١) وحك البُثْر (٢) وشبهه، واختلف عنه فى العفو عن يسير دم الحيض. [و] (٣) فى المذهب عن (٤) يسير دم غير الإنسان ويسير القيح والصديد قولان (٥). واختلف قول من رخَّص فى يسيره، هل الدرهم قليل أو كثير، واختلف قول مالك فى ذلك فمرَّة قَلله ومرَّة كثّره ومرّة وقف فيه، وقال: لا أجيبكم إلى هذا الضلال، وحدَّد أحمد الكثير بشبر فى شبر، ونقل المخالف عن مذهبنا فى ذلك قولًا منكرًا عندنا (٦). وذكر مسلم قول الحارث الأعور: " تعلمتُ الوحى فى سنتين "، وقوله: " القرآن هَيّن والوحى أشد "، وأورده فى جملة ما أنكر من قوله وشفاعات مذهبه، وأخذ
_________________
(١) سقط من ت.
(٢) فى ت: البثرَةِ.
(٣) ساقطة من ت.
(٤) فى ت: فى.
(٥) للوقوف على التفصيل فى هذا راجع: المغنى ١/ ٤٦، التمهيد ١/ ١٠٦، بدائع الصنائع ١/ ٢٢٧، المنتقى ١/ ٤٠. وقول أحمد المنقول عنه هنا هو فى القدر الذى ينقُض الوضوء. جاء فى المغنى. وظاهر مذهب أحمد أنَّ الكثير الذى يَنْقُضُ الوضوء لا حدَّ له أكثر من أن يكون فاحشًا، وقيل: يا أبا عبد الله، ما قدر الفاحش؟ قال: ما فَحُشَ فى قلبك. وقد نقل عنه أنه سُئل: كم الكثير؟ فقال: شبر فى شبر، وفى موضع قال: قدرُ الكف الفاحش. المغنى ١/ ٢٤٩.
(٦) أشار بالقول المنكر إلى ما ذكره الباجى من وجهى حكم إزالة النجاسة للصلاة بعد القول بعموم وجوبها، هل هى شرط فى صحة الصلاة أم لا؟ والوجهان ثابتان عندهما على تفاوت فى اعتبارهما. قال بعد أن ساق القول الأول ورجحه: إذا ثبت ذلك فوجه قولنا: إنها ليست بشرط فى صحة الصلاة، وهو الذى يناظر عليه أصحابنا، أن كل ما صحت الصلاة مع يسيره فإنها تصح مع كثيره كدم الاستحاضة. المنتقى ١/ ٤١.
[ ١ / ١٣٨ ]
مِنَ الحَارِثِ شَيْئًا، فَقَالَ لهُ: اقْعُدْ بِالبَابِ. قَال: فَدَخَل مُرَّةُ وَأَخَذَ سَيْفَهُ. قَال: وَأَحَسَّ الحَارِثُ بِالشَّرِّ، فَذَهَبَ.
وَحَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنِى ابْنَ مَهْدِىٍّ - حَدَّثَنَا حَمَّادُ ابْنُ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ؛ قَال: قَال لنَا إِبْرَاهِيمُ: إِيَّاكُمْ وَالمُغِيرَةَ بْنَ سَعِيدٍ، وَأَبَا عَبْدِ الرَّحِيمِ، فَإِنَّهُمَا كَذَّابَان.
حَدَّثَنَا أَبُو كَامِل الجَحْدرِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ - قَال: حَدَّثَنَا عَاصِمٍ، قَال: كُنَّا نَأْتِى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلمِىَّ وَنَحْنُ غِلمَةٌ أَيْفَاعٌ، فَكَانَ يَقُول لنَا: لا تُجَالِسُوا القُصَّاصَ غَيْرَ أَبِى الأَحْوَصِ، وَإِيَّاكُمْ وَشَقِيقًا. قَال: وَكَانَ شَقِيقٌ هَذَا يَرَى رَأىَ الخَوَارِجِ، وَليْسَ بِأَبِى وَائِلٍ.
ــ
عليه فيه من الغلو والتشيع والكذبَ ومذاهب الروافض (١) وأرجو أن [يكون] (٢) هذا من أخفّ أقواله لاحتماله الصواب، فقد فسَّره بعضهم أن المراد بالوحى هنا الكتاب والخط، وعن الخطابى مثله، قال ابن دُريد: وحَى يحى وحيًا إذا كتب، [و] (٣) قال الهروى: قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا﴾ (٤) أى: كتب لهم فى الأرض، إذ كان لا يتكلم، وقيل: أوحى: رمز، وقال بعض اللغويين: وحِىْ وأوْحى واحدُ، وقاله صاحب الأفعال، وعلى هذا فليس على الحارث دَرَكُ، وعليه الدَرَكُ فى غير ذلك، لكنَّه لما عَرِفَ من تَشَنُّع (٥) مذهبه فى غلوّ التشيع (٦)، ودعواهم من الوصية إلى على وسرّ النبى﵇- من الوحى وعلم الغيب ما لم يَطلع عليه غيره- بزعمهم- ودعوى بعضهم من غُلاتِهم الوحىَ إلى علىٍّ سيّئ الظن بالحارث فى كلامه هذا، وذهب به ذلك المذهب، وقد أنكرَ على ما ادعتهُ شيعتهُ من ذلك، وقال ابن عباس: لا وحى إلا القرآنَ، ولعله فَهمَ من الحارث معنىً منكرًا فيما أراده، والله أعلم.
وقوله: " غِلمةٌ أَيفاعٌ " أَى شبَبَةٌ بالغون (٧)، يقال: غلام يافعٌ ويَفعٌ ويفَعَةٌ إذا شبَّ وبلغ، أو كاد يبلغ، واسم الغلام ينطلق على الصبى من حين يولد على اختلاف حالاته إلى بلوغه قال (٨) الثعالبى: فإذا قارَبَ البلوغ أو بلغه يقال (٩) له حينئذٍ: يافعٌ وقد أيفع،
_________________
(١) القاضى حمل على الحارث بإفراط وغلو، وإلا فالرجل غير مدفوع عن أهل الحق والاعتدال، وغاية ما فيه أنَّ فى حديثه لينا، ودعوى غُلوّه فى التشيع لم أجد غير ابن حبان رماه بها فيما نقله الذهبى عنه فى الميزان وهو قولٌ غير ثابت لا يصلح لاعتماده دليلًا فى رد الرجل وتوهينه وإطراح روايته.
(٢) و(٣) سقطتا من ت.
(٣) مريم: ١١.
(٤) فى ت: تشنيع.
(٥) فى الأصل: الشيع.
(٦) فى ت: بالغين، والأول أصح.
(٧) فى ت: وقال.
(٨) فى ت: فيُقال.
[ ١ / ١٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهو نادر، وقال أبو عبيدٍ: أيفع الغلامُ إذا شارفَ الاحتلام ولم يحتلم، وقد جاء فى الحديث: " وابنى قد أيفع أو كَرِبَ " (١) وهذا يدُل على ما قاله الثعالبى ويصححه، وأن أيفع بمعنى بَلغَ، وإلا فلا معنى لقوله: كَرِبَ، إذًا.
ذكر مسلم قول الشعبى: " حدثنى الحارث الأعور، وهو يشهد أنه من الكاذبين " إنما حدَّثَ هؤلاء الأئمة عن مثل هؤلاء (٢)، مع اعترافهم بكذبهم وسمعوا منهم مع علمهم بجرحتهم لوجوه:
منها: أن يعلموا صُورَ حديثهم وضروبَ روايتهم، لئلا يأتى مجهولٌ أو مُدَلسٌ فيُبَدل اسم الضعيف ويجعل (٣) مكانه قويًا فيُدْخِل بروايته اللبسَ، فيعلم المحققُ لها العارفُ بها أن مخرجها من ذلك الطريق، فلا ينخدع بتلبيس ملبس بها، وبهذا احتجَّ ابن معين فى روايته صحيفة معمر (٤) عن أبان (٥).
_________________
(١) قلت: صواب العبارة: " وهو يومئذ غلام قد أيفع أو كَرَب " وهو جزء من حديث أخرجه الزمخشرى فى الفائق ٤/ ١٥٩، وابن حجر فى الإصابة ٧/ ٦٤٦ عن رقيقة بنت أبى صَيْفىّ - وكانت لدَةَ عبد المطلب ابن هاشم. وفيه: فقام عبد المطلب، فاعتضد ابن ابنه محمدًا فرفعه على عاتقه ومو يومئذ غلامٌ قد أيفع أو كَرَبَ، ثم قال: " اللهم سادّ الخُلة، وكاشِفَ الكُربَة، أنت عالمٌ غيرُ مُعَلم، مسؤول غيرُ مُبَخَّلٍ، وهذه عَبيداؤك وإماؤك بعذَرات حَرَمك، يشكون إليك سنتهم، فاسمَعنَّ اللهم، وأمطرنّ علينا غيثًا مريعًا مغدقًا، فما راموا البيت حتى انفجرت السماءُ بمائها، ونَطَّ الوادى بثجيجه " قال الحافظ- بعد إيراده شيئًا منه-: قال أبو موسى بعد إيراده: هذا حديث حسن. وقال فى المشارق: الواحد يفعه، ويافع على غير قياس، فمن قال: يافع، ثنى وجمع، ومن قال: يفعه كالاثنين والواحد والجماعات سواء. واليفاع أيضًا المشرف من الأرض، ويكون غلام يفع كذلك إذا أشرف على الاحتلام. أهـ. ٢/ ٣٠٥.
(٢) فى الأصل. هذا، والمثبت من ت.
(٣) فى ت: فيجعل.
(٤) هو معمر بن راشد، شيخ الإسلام، الإمام الحافظ، كان من أوعية العلم، وهو أول من رحل إلى اليمن. قال فيه ابن جريج: إن معمرًا شرب من العلم بأنقع. وقال أحمد: لست تضُمّ معمرًا إلى أحد وعن عثمان بن أبى شيبة: سألت يحيى القطان من أثبتُ شى الزهرى؟ قال مالك ثم ابن عيينة، ثم معمّر. وقال عبد الرزاق: لليث عن معمر عشرة ألاف حديث. مات سنة ثلاث وخمسين ومائة. الطبقات الكبرى ٥/ ٥٤٦، التاريخ الكبير ٧/ ٣٧٨، الجرح والتعديل ٨/ ٢٥٥، تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٤٣، سير ٧/ ٥.
(٥) ذكرنا ما فى هذا القول من احتمال يرد الاستدلال به على اطراح الحارث. وما استدل به القاضى: هنا من رواية ابن معين صحيفة معمر فغير مسلم، فإن أبان وهو ابن أبى عياش وإن ضعف فلم يرم بتهمة الكذب. قال ابن أبى حاتم: سئل أبو زرعة عن أبان بن أبى عياش؟ فقال: بصرى، ترك حديثه، ولم يقرأ علينا حديثه، فقيل له: هل كان يتعمد الكذب؟ قال: لا، كان يمع الحديث من أنس وشهر بن حوشب ومن الحسن فلا يميز بينهم. الجرح والتعديل ٢/ ٢٦٦. وقال بن أبى حاتم: سمعت أبى يقول: أبان بن أبى عياش متروك الحديث، وكان رجلًا صالحًا، لكن بلى بسوء الحفظ. السابق. وقال البخارى: أبان بن أبى عيَّاش، وهو أبان بن فيروز، أبو إسماعيل البرى، عن أنس، كان شعبة سيئ الرأى فيه. الضعفاء الصغير: ٢٤. =
[ ١ / ١٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثانى: أن يكون الرجلُ إنما تُرِك لأجل (١) غلطه وسوء حفظه، أو يكون ممن أكثر فأصاب وأخطأ فتروى أحاديثه، والحفاظ يعرفون وهمه وغلطه وما وافق فيه الأثبات وما خالفهم فيه، فيدعون تخليطه (٢)، ويستظهرون بصحيح حديثه لموافقته غيره، وبهذا احتجَّ الثورى حين نهى عن الكلبى (٣) فقيل له: أنت تروى عنه؟! قال: أنا أعلم صدقه من كذبه، وهم لا يروون شيئًا منها للحُجَّة بها والعمل بمقتضاها.
_________________
(١) = وقال النسائى: متروك الحديث. كتاب الضعفاء والمتروكين: ١٤٨، وبمثله قال الدارقطنى فى الضعفاء والمتروكين: ١٤٨. وإليك ما به ذهب من ذهب إلى تركه: قال أحمد: قال عفان: أول من أهلك أبان بن أبى عياش أبو عوانة، جمع حديث الحسن عامته من البصرة، فجاء به إلى أبان، فقرأه عليه. العلل ٢/ ٦٢. وحدثنى عمرو الناقد قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، قال: رأيت شعبة فى النوم قبل أن ألقاه، وكان يعجبنى لقاؤه، فلقيته، فسألته فقلت: يا أبا بسطام، مالك ولأبان بن أبى عياش فإن مهدى بن ميمون أخبرنى عن مسلم العلوى أنه رأى أبان بن أبى عياش يكتب عند أنس. قال: سليم ذاك الذى كان يرى الهلال قبل أن يراه الناس بيومين. السابق ٢/ ٢٥. ولم يزد أحمد عند قراءة ابنه للحديث عليه أن طلب إليه أن يضرب على حديث أبان. السابق ٢/ ٢٠٨. أقول: وعلى ذلك فترك من ترك رواية عياش ليست لكذبه. ولهذا لم يزد الذهبى فى الميزان فيه عن أنه قال: " قال النسائى فى " الكنى ": ليس بثقة. ١/ ١٥. وقال ابن عدى: له روايات، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه. وهو بين الأمر فى الضعف، وقد حدَّث عنه الثورى ومعمر وابن جريج، وإسرائيل، وحماد بن سلمة، وغيرهم ممن لم نذكرهم، وأرجو أنه ممن لا يتعَمّد الكذب إلا أن يُشبه عليه ويغلط، وعامة ما أتى أبان من جهة الرواة لا من جهته، لأن أبان روى عنه قوم مجهولون لما أنه فيه ضعف، وهو إلى الضعف أقرب مه إلى الصدق كما قال شعبة. الكامل ١/ ٣٨٧. وقال الحافظ: قال مالك بن دينار: أبان بن أبى عياش طاوس القراء، وقال أيوب: مازلنا نعرفه بالخير منذ دهر، وقال: روى له أبو داود حديثًا واحدًا مقرونًا بقتادة فى الصلاة: " خمس من جاء بهن "، وقال ابن المدينى: كان ضعيفًا. تهذيب ١/ ١٠١. وما نقله القاضى عن احتجاج يحيى بن معين أخرجه الخليلى فى الإرشاد عن أحمد بن حنبل، بإسناد صحيح بلفظ: قال أحمد بن حنبل ليحيى بن معين- وهما بصنعاء- ويحيى يكتب عن عبد الرزاق عن معمر عن أبان بن أبى عياش. تكتب نسخة أبان بن أبى عياش وتعلم أنه كذابٌ يضع الحديث؟ فقال: يرحمُك الله يا أبا عبد الله، أكتبه حتى لو جاء كذابٌ يرويه عن معمر عن ثابت عن أنس، أقول له: كذبت، ليس هذا من حديث ثابت، إنما هو من حديث أبان. الإرشاد ١/ ١٧٩. وانظر: الضعفاء والمجروحين ١/ ٣١، والحاكم فى المدخل ٨٦، والخطيب فى الجامع ٢/ ١٩٢. وبهذا يظهر أن السائل ليحيى هو أحمد بن حنبل، وقد سبق استقصاء أقواله قبل فيه.
(٢) فى ت: من أجل.
(٣) فى ت: تخبيطه.
(٤) العلامة الإخبارى محمد بن السائب بن بشر الكلبى، كان رأسًا فى الأنساب، إلا أنه تروك الحديث. أخرج ابن أبى حاتم عن زيد بن حباب يقول: سمعت سفيان الثورى يقول: عجبًا لمن يروى عن الكلبى قال ابن أبى حاتم: فذكرته لأبى وقلت له: إن الثورى يروى عن الكلبى، قال: كان لا يقصد الرواية عنه، ويحكى حكايةً تعجبًا فيعلقه من حضره ويجعلونه رواية عنه. الجرح ٧/ ٢٧٠.
[ ١ / ١٤١ ]
حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرَّازِىُّ، قَال: سَمِعْتُ جَرِيرًا يَقُولُ: لَقِيتُ جَابِرَ
ــ
وذكر مسلم نهى أبى عبد الرحمن السُّلمى عن مجالسة شقيق، قال: وليس بأبى وائل، وشقيق هذا الذى نهى عن مجالسته لتهمته برأى الخوارج هو شقيق الضبى (١) القاص، كوفى (٢)، ضعَّفَه النسائى، ويكنى بأبى عبد الرحيم، قال بعضهم: وهو أبو عبد الرحيم الذى حذَّر منه إبراهيم فى الكتاب قبل هذا [بشىء] (٣) وقيل: إن أبا عبد الرحيم الذى حذَّر منه إبراهيم قبل هذا هو سلمة بن عبد الرحمن النخعى، وذكر ذلك ابن أبى حاتم الرازى فى كتابه عن ابن (٤) المدينى (٥).
وقول مسلم: " وليس بأبى وائل "، يعنى ليس شقيق (٦) هذا الذى نهى عن مجالسته بشقيق (٧) بن سلمة أبى وائل الأسدى المشهور، معدود (٨) فى كبار التابعين، وقد أدرك (٩) النبى ﷺ ولم يسمع منه، قاله البخارى وغيره. قال أبو وائل: بعث النبى ﷺ وأنا ابن عشر سنين (١٠).
وذكر مسلم جابرًا الجُعفى (١١) وأنه أظهر الإيمان بالرجعة- هذه الكلمةُ بفتح الراء وقد
_________________
(١) فى الأصل: بالمهملة.
(٢) التاريخ الكبير ٤/ ٢٤٧، ميزان الاعتدال ٢/ ٢٧٩، وقال فيه: " من قدماء الخوارج، صدوق فى نفسه، وكان يقصّ بالكوفة- وكان أبو عبد الرحمن السُّلمى يذُمُّه ".
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) فى ت: إبراهيم.
(٥) لم أعثر عليه به.
(٦) فى الأصل: شفيق.
(٧) بالأصل بالفاء أيضًا.
(٨) فى ت: المعدود.
(٩) فى ت: لقى.
(١٠) فهو إذن من المخضرمين. حدث عن عمر، وعثمان، وعلى، وعمار، ومعاذ، وابن مسعود، وأبى الدرداء، وأبى موسى، وحذيفة، وعائشة، وخبَّاب، وأسامة بن زيد، والأشعث بن قيس، وأبى هريرة، وخلق سواهم. وقيل: إنه روى عن أبى بكر الصديق: وحدث عنه الأعمش، وعطاء بن السائب، وحماد الفقيه، وخلقٌ كثير، قال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث. وقال الذهبى: كان رأسًا فى العلم والعمل. مات سنة اثنين وثمانين. طبقات ابن سعد ٦/ ٩٦: ١٨٠، تاريخ البخارى ٤/ ٢٤٥، تاريخ بغداد ٩/ ٢٦٨، تهذيب التهذيب ٤/ ٣٦١، سير ٤/ ١٦١.
(١١) هو جابر بن يزيد بن الحارث الجُعفى، الكوفى، أحدُ علماء الشيعة. روى عن أبى الطفيل والشعبى وخلق وعنه شعبة، وأبو عوانة، وعدة. قال ابن مهدى عن سفيان: كان جابر الجعفى ورعًا فى الحديث، ما رأيت أورع منه فى الحديث، وقال شعبة: صدوق، كان إذا قال: أخبرنا وحدثنا وسمعتُ فهو من أوثق الناس، وقال وكيع: ما شككتم فى شىء فلا تشكوا أن جابرًا الجعفى ثقة قال سفيان: كان يؤمن بالرجعة، وقال النسائى وغيره: متروك، وقال يحيى: لا يكتبُ حديثه ولا كرامة. قال الذهبى بعد أن ساق حديث عائشة أنها وهبت الحسن والحسين دينارًا: رواته الثلاثة رافضة، ولكن لا يتهمون فى نقل فضل عائشة. ميزان ١/ ٣٢٨. وقال أبو حنيفة: ما رأيت أكذب من جابر، ما أتيته بشىء من رأى إلا أتانى فيه بأثر، وزعم أن عنده ثلاثين ألف حديث قال الصدفى: عامَّةُ ما قذفوه به أنه آمن برجعة على بن أبى طالبرضي الله عنه- إلى الدنيا. توفى سنة ثمان وعشرين ومائة، الطبقات الكبرى ٦/ ٣٤٥، طبقات خليفة ١/ ٣٧٨، تاريخ خليفة ٢/ ٥٧٢، الجرح والتعديل ٢/ ٤٩٧، تاريخ جرجان: ٥٠٧، ميزان الاعتدال ١/ ٣٧٩، تهذيب التهذيب ٢/ ٤٦، الوافى بالوفيات ١١/ ٣٢.
[ ١ / ١٤٢ ]
ابْنَ يَزِيدَ الجُعْفِىَّ، فَلمْ أَكْتُبْ عَنْهُ. كَانَ يُؤْمِنُ بِالرَّجْعَةِ.
حَدَّثَنَا الحَسَنُ الحُلوَانِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، قَال: حَدَّثَنَا جَابِر بْنُ يَزِيدَ، قَبْل أَنْ يُحَدِثَ مَا أَحْدَثَ.
وَحَدَّثَنِى سَلمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الحُمَيْدِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَال: كَانَ النَّاسُ يَحْمِلونَ عَنْ جَابِرٍ قَبَل أَنْ يُظِهِرَ مَا أَظهَرَ. فَلمَّا أَظْهَرَ مَا أَظْهَرَ اتَّهَمَهُ النَّاسُ فِى حَدِيثِهِ، وَتَرَكَهُ بَعْضُ النَّاسِ. فَقِيل لهُ: وَمَا أَظهَرَ؟ قَال: الإِيمَانَ بِالرَّجْعَةِ.
وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الحُلوَانِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الحِمَّانِىُّ، حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ وَأَخُوهُ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا الجَرَّاحَ بْنَ مَلِيحٍ يَقُول: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُول: عِنْدِى سَبْعُونَ أَلفَ حَدِيثٍ عَنْ أَبِى جَعْفَرٍ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ، كُلهَا.
وَحَدَّثَنِى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قَال: سَمِعْتُ زهُيْرًا يَقُول: قَال جَابِرٌ: أَوْ سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُول: إِنَ عِنْدِى لخَمْسِينَ أَلفَ حَدِيثٍ، مَا حَدَّثْتُ مِنْهَا بِشَىْءٍ قَال: ثُمَّ حَدَّثَ يَوْمًا بِحَدِيثٍ فَقَالَ: هَذَا مِنَ الخَمْسِينَ أَلفًا.
وَحَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ اليَشْكُرِىُّ، قَال: سَمِعْتُ أَبَا الوَلِيدِ يَقُول: سَمِعْتُ سَلَّامَ
ــ
حكى فيها الكسر كرجعة المطلقة، تلك بالكسر، [و] (١) معنى ذلك نحو ما فَسَّره عنه بعد هذا سفيان من قول الرافضة: إن (٢) عليًا فى السحاب، فلا تخرُج مع من خرَج من ولده حتى ينادى من السماء أن اخرجوا معه، ويتأولون فيه أنه أخوة يوسف: ﴿فَلَن أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ (٣)، وأما الطائفة المعروفة بالسبَّائية والأخرى المعروفة [بالناروسية] (٤) فيدَّعون أن عليًا لم يمت، وأنه سيخرج فيملأها عدلًا كما ملئت جورًا، وقال ابن سَبَاء
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) فى الأصل بفتح الهمزة، وهو خطأ، والتصويب من ت.
(٣) يوسف: ٨٠.
(٤) ساقطة من ت، وهى بغير راء، وهم أتباع رجل يقال له عجلان من ناوس، من أهل البصرة وقيل: نسبوا إلى قرية ناوسا، قالت: إن الصادق حىٌّ بعد، ولن يموت حتى يظهر، فيظهر أمره وهو القائم المهدى. قال الشهرستانى: وحكى أبو حامد الزوزنى أن الناوسية زعمت أن عليًا مات وستنشق الأرض عنه يوم القيامة، فيملأ العالم عدلًا. الملل والنحل بهامش الفصل ٢/ ٦، مقالات الإسلاميين: ٢٦. والسبائية هم أصحاب عبد الله بن سبأ. وهم أصحاب المقالة المذكورة، وذكروا عن ابن سبأ أنه قال لعلىرضي الله عنه-: " أنت أنت "، والسبائية يقولون بالرجعة، وأن الأموات يرجعون إلى الدنيا. مقالات الإسلاميين: ١٥.
[ ١ / ١٤٣ ]
ابْنَ أَبِى مُطِيعٍ يَقُول: سَمِعْتُ جَابِرًا الجُعْفِىَّ يَقُول: عِنْدِى خَمْسُونَ أَلفَ حَدِيثٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ وَحَدَّثَنِى سَلمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الحُمَيْدِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَال: سَمِعْتُ رَجُلًا سَأَل جَابِرًا عَنْ قَوْلِهِ ﷿ ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِين﴾ (١). فَقَالَ جَابِرٌ: لمْ يَجِئ تَأوِيل هَذِهِ. قَال سُفْيَانُ: وَكَذَبَ. فَقُلْنَا لِسُفْيَانَ: وَمَا أَرَادَ بِهَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ الرَّافِضَةَ تَقُول: إِنَّ عَلَيًّا فِى السَّحَابِ، فَلا نَخْرُجُ مَعَ مَنْ خَرَجَ مِنْ وَلدِهِ، حَتَّى يُنَادِىَ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ. يُرِيدُ عَليًّا أَنَّهُ يُنَادِى: اخْرُجُوا مَعَ فُلان.
يَقُول جَابِرٌ: فَذَا تَأوِيل هَذِهِ الآيَةِ. وَكَذَب. كَانَتْ فِى إِخْوَةِ يُوسُفَ ﷺ.
وَحَدَّثَنِى سَلمَةُ، حَدَّثَنَا الحُمَيْدِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَال: سَمِعْتُ جَابِرًا يُحَدِّثُ بِنَحْوٍ مِنْ ثَلاثِينَ أَلفَ حَدِيثٍ: مَا أَستَحِلَّ أنْ أَذْكُرَ مِنْهَا شَيْئًا، وَأَنَّ لِى كَذَا وَكَذَا.
قَال مُسْلِمٌ: وَسَمِعْتُ أَبَا غَسَّانَ، مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو الرَّازِىَّ. قَال: سَأَلتُ جَرِيرَ بْنَ
ــ
للذى جاءه بنعى على: لو جئتنا بدماغه فى تسعين صرة لعلمنا أنه لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه، فذكر ذلك لابن عباس فقال: لو علمنا ذلك ما زوَّجنا نساءه ولا قسَّمنا ماله.
قال الإمام أبو عبد الله: [قال مسلم] (٢): " ثنا سلمةُ بن شبيب ثنا الحميدى ثنا سفيان قال: سمعت جابرًا يُحدّثُ بنحو [من] (٣) ثلاثين حديثًا ما أستحل أن أذكر منها شيئًا ".
قال الإمام أبو عبد الله: قال بعضهم: سقط ذكر سلمة بن شُبيب بين مسلم والحميدى [عند ابن ماهان] (٤)، والصواب [رواية أبى أحمد الجلودى] (٥) بإثباته، فإن مسلمًا لم يلق الحميدى (٦) [ولا حدَّث عنه] (٧). قال القاضى: الذى رواه شيوخنا فى هذا
_________________
(١) يوسف: ٨٠.
(٢) لفظ المعلم: وخرج مسلم بعد.
(٣) من المعلم.
(٤) لفظ المعلم: فى نسخة أبى العلاء بن ماهان.
(٥) ما رواه أبو أحمد وغيره، وفى ت: أبى يحيى.
(٦) هو عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله، صاحب المسند، حدث عن الفضيل بن عياض، وسفيان ابن عيينة، فأكثر عنه وجود، ووكيع، والشافعى، وليس هو- كما قال الذهبى- بالمكثر ولكن له جلالةً فى الإسلام. حدّث عنه البخارى، والذهلى، ويعقوب الفسوى، وأبو زرعة الرازى، وأبو حاتم، ويعقوب بن شيبة، وخلقٌ سواهم. قال فيه أحمد بن حنبل: الحُميدى عندنا إمام. وقال أبو حاتم: أثبت الناس فى ابن عيينة الحميدى، وهو رئيس أصحاب ابن عيينة، وهو ثقة إمام. قال الحميدى: جالست سفيان بن عيينة تسع عشرة سنة أو نحوها. وفيه يقول البخارى: الحميدى إمامٌ فى الحديث. وقال الفسوى: حدثنا الحميدى، وما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه. مات سنة ٢١٩ هـ. الطبقات ٥/ ٥٠٢، التاريخ الكبير ٥/ ٩٦، الجرح ٥/ ٥٦، تهذيب التهذيب ٥/ ٢١٤، سير ١٠/ ٦١٦. وقد طبع مسنده بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمى.
(٧) سقط من الأصل.
[ ١ / ١٤٤ ]
عَبْد الحَمِيد. فَقُلْتُ: الحَارِثُ بْنُ حَصِيرَةَ لقِيتَهُ؟ قَال. نَعَمْ. شَيْخٌ طَوِيلُ السُّكُوتِ، يُصِرُّ عَلىَ أَمْرٍ عَظِيمٍ.
حَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِىّ، قَال: حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ. قَال: ذَكَرَ أَيُّوبُ رَجُلًا يَوْمًا. فَقَالَ: لمْ يَكُنْ بِمُسْتَقِيمِ اللسَانِ، وَذَكَرَ آخَرَ فَقَالَ: هُوَ يَزِيدُ فِى الرَّقْمِ.
حَدَّثَنِى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا سُليْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَال: قَال أَيُّوبُ: إِنَّ لى جَارًا - ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ فَضْلهِ - وَلوْ شَهِدَ عِنْدِى عَلى تَمْرَتَيْنِ مَا رَأَيْتُ شَهَادَتَهُ جَائِزَةً.
وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَال: قَال مَعْمَرٌ: مَا رَأَيْتُ أَيُّوبَ اغْتَابَ أَحَدًا قَطُّ إِلا عَبْدَ الكَرِيمِ - يَعْنِى أَبَا أُمَيَّةَ - فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ فَقَالَ: ﵀، كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ لقَدْ سَأَلنِى عَنْ حَدِيثٍ لِعِكْرِمَةَ. ثُمَّ قَال: سَمِعْتُ عَكْرِمَةَ.
ــ
الخبر عن سفيان (١) ثلاثين ألف حديث، وبعضهم الذى حكى عنه هذا الكلام، ويحكى عنه ما تعلق (٢) هو الجبائى أبو على شيخنا، وقد جاء عن جابر فى " الأم " قبل هذا عندى سبعون ألف حديث عن أبى جعفر.
قال القاضى: وقال أبو عبد الله بن الحذاء- وهو أحد رواة كتاب مسلم-: سألت عبد الغنى بن سعيد: هل روى مسلم عن الحميدى؟ فقال: لم أره إلا فى هذا الموضوع وما أبعد ذلك، أو يكون سقط قبل الحميدى رجلٌ، وعبد الغنى إنما رأى من مسلم نسخة ابن ماهان فلذلك قال ما قال، ولم يكن بعد (٣) دخلت نسخة الجلودى، وقد ذكر مسلم قبل هذا: ثنا سلمة ثنا الحميدى- فى حديث آخر- كذا هو عند جميعهم- وهو الصوابُ هنا أيضًا إن شاء الله تعالى.
وذكر مسلم عن أيوب أنه قال فى رجل: لم يكن مستقيم اللسان، وعن آخر: [إنه] (٤) يزيد فى الرقم، هذا كله تعريض بالكذب فى نفى استقامة اللسان وفى استعارة الزيادة فى الرقم كالتاجر الذى يزيد فى رقم السِّلعَة ويكذب فيها ليربح على الناس ويغرهم بذلك الرقم ليشتروا عليه.
_________________
(١) فى ت: سليمان.
(٢) فى الأصل: يعلق.
(٣) زيد بعدها فى الأصل لفظة: " ذلك "
(٤) ساقطة من ت.
[ ١ / ١٤٥ ]
حَدَّثَنِى الفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ. قَال: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَال: قَدِمَ عَليْنَا أَبُو دَاوُدَ الأَعْمَى، فَجَعَل يَقُول: حَدَّثَنَا البَرَاءُ. قَال: وَحَدَّثَنَا زَيْد بْنُ أَرْقَمَ. فَذَكَرنَا ذَلِكَ لِقَتَادَةَ. فَقَالَ: كَذَبَ. مَا سَمِعَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ سَائِلًا، يَتَكَفَّفُ النَّاسَ زَمَنَ طَاعُونِ الجَارِفِ.
وَحَدَّثَنِى حَسَنُ بْنُ عَلىٍّ الحُلوَانِىُّ، قَال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَاروُنَ، أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ، قَال: دَخَلَ أَبُو دَاوُدَ الأَعْمَى عَلى قَتَادَةَ. فَلمَّا قَامَ قَالوا: إِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّهُ لقِىَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ بَدْرِيًّا.
فَقَالَ قَتَادَةُ: هَذَا كَانَ سَائِلًا قَبْلَ الجَارِفِ، لا يَعْرِضُ فِى شَىْءٍ مِنْ هَذَا، وَلا يَتَكَلمُ فِيهِ، فَوَاللهِ مَا حَدَّثَنَا الحَسَنُ عَنْ بَدْرِىٍّ مُشَافَهَةً، وَلا حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ عَنْ بَدْرِىٍّ مُشَافَهَةً، إِلا عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ.
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ رَقَبَةَ؛ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ الهَاشِمِىَّ المَدَنِىَّ كَانَ يَضَعُ أَحَادِيثَ، كَلامَ حَقّ. وَليْسَتْ مِنْ أَحَادِيثِ النَّبِىِّ ﷺ، وَكَانَ يَرْوِيهَا عَنِ النَّبِىِّ ﷺ.
ــ
وذكر مسلم قول قتادة زمانَ طاعون الجارف. قال القاضى﵀-: كان طاعون الجارف سنة تسعة عشرة ومائة بالبصرة، وسُمى بذلك لكثرة من مات فيه من الناس، وسُمى الموتُ جارفًا لإجرافه الناس، والسيل جارفًا لإجرافه ما على وجه الأرض، والجرف: الغرف من فوق (١) الأرض واكتساح (٢) ما عليها. وذكر مسلم إنكار عوف على عمرو بن عُبيد روايته عن الحسين: " من حمل علينا السلاح فليس منا " وقوله: " كذب والله، و[لكنه] (٣) أراد أن يحوذها لقوله الخبيث " يعنى لمذهبه فى الاعتزال، بإخراج أهل المعاصى من اسم الإيمان.
قال بعض شيوخنا: العجب من مسلم كيف أدخل هذا فيما أنكر على عمرو، والحديث صحيح قد خرَّجه هو [بعد هذا] (٤) فى كتاب الإيمان.
قال القاضى: لا عيب على مسلم ولا عجب مما أتاه، فإنه لم يُدخله لوهن الحديث وضعفه، وإنما أورده لقول عوف فى عمرو وتجريحه، ولو كان التعجب من عوف كان أولى، ولعل عوفًا إنما كذَّبه فى روايته هذا الحديث عن الحسين (٥) وأنه ليس من حديثه، وكان عوف من كبار أصحاب الحسن والحافظين لحديثه، أو لم يكن عند عوف من الحديث علم، ولا بلغه، وقد خرَّجه مسلم من طرق كثيرة ليس منها عن الحسن (٦) شىء، وقد
_________________
(١) فى ت: وجه.
(٢) فى ت: وإكشاح.
(٣) من المطبوعة.
(٤) سقط من الأصل.
(٥) فى ت: الحسن.
(٦) فى ت: الحسين.
[ ١ / ١٤٦ ]
حَدَّثَنَا الحَسَنُ الحُلوَانِىُّ، قَال: حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، قَال أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ سُفْيَانَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَال: حَدَّثَنَا نعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسَىُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ؛ قَال: كَانَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ يَكْذِبُ فِى الحَدِيثِ.
حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ عَلِىّ، أَبُو حَفْصٍ، قَال: سَمِعْتُ مُعَاذَ بْنِ مُعَاذٍ يَقُول: قُلْتُ لعَوْفِ ابْنِ أَبِى جَمِيلةَ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا عَنِ الحَسَنِ؛ أَنَّ رسُولِ اللهِ ﷺ قَال. " مَنْ حَمَلَ عَليْنَا السِّلاحَ فَليْسَ مِنَّا ". قَالَ: كَذَبَ، وَاللهِ، عَمْرٌو. وَلكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَحُوزَهَا إِلى قَوْلِهِ الخَبِيثِ.
وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ القَوَارِيرِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَال: كَانَ رَجُلٌ قَدْ لزِمَ أَيُّوبَ وَسَمِعَ مِنْهُ، فَفَقَدَهُ أَيُّوبُ. فَقَالوا: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّهُ قَدْ لزِمَ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ. قَال حَمَّادٌ: فَبَيْنَا أَنَا يَوْمًا مَعَ أَيُّوبَ وَقَدْ بَكَّرْنَا إِلى السُّوقِ، فَاسْتَقْبَلهُ الرَّجُل. فَسَلمَ عَليْهِ أَيُّوبُ وَسَأَلهُ. ثُمَّ قَال لهُ أَيُّوبُ: بَلغَنِى أَنَّكَ لزِمْتَ ذَاكَ الرجُل. قَال حَمَّادُ: سَمَّاهُ، يَعْنِى عَمْرًا.
قَال: نَعَمْ، يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّهُ يَجِيئُنَا بِأَشْيَاءَ غرَائِبَ. قَال: يَقُول لهُ أَيُّوبُ: إِنَّمَا نَفِر أَوْ نَفْرَقُ مِنْ تِلْكَ الغَرَائِبِ.
وَحَدَّثَنِى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، حَدَّثَنَا سُليْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ زَيْدٍ، يَعْنِى حَمَّادًا. قَال: قِيل لأَيُّوبَ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ رَوَى عَنِ الحَسَنِ قَال: لا يُجْلدُ السَّكْرَانُ مِنَ
ــ
يكون إنما كذَّبه فى تأويله لمعناه على مذهبه، ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم وأشباهه من الأحاديث الواردة على مثل هذا: أنه ليس ممن اهتدى بهدينا، واقتدوا (١) بعلمنا.
وقال الطحاوى: وكأن الله اختار لنبيه الأمور المحمودة ونفى عنه المذمومة، فمن عمل المحمودة فهو منه، ومن عمل المذمومة فليس منه كما قال تعالى عن إبراهيم: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ الآية (٢)، وهذا راجع إلى المعنى الأول، وكما يقول (٣) الرجل لولده إذا لم يرض حاله: لست منى.
وذكر مسلم قول أيوب: " إنما نَفِرُّ أو نفرَقُ من تلك الغرائب ": أى نفزع ونتحاشى من روايتها لئلا نكون أحد الكاذبين على رسول الله ﷺ، إن كانت الغرائب من الأحاديث، وإن كانت من الآراء والمذاهب والفتوى فحذرًا من البدع، ومخالفة الجمهور، باتباعه الغريب الذى لا يعرف.
وذكر مسلم الاختلاف عن الحسن فى جَلدِ السكران من النبيذ، لم يختلف العلماء أنه
_________________
(١) فى ت: واقتدى.
(٢) إبراهيم: ٣٦.
(٣) كتب قبلها بالأصل: " قال " وهو خطأ.
[ ١ / ١٤٧ ]
النَّبِيذ. فَقَالَ: كَذَبَ. أَنَا سَمِعْتُ الحَسَنَ يَقُول: يُجْلدُ السَّكْرَانُ مِنَ النَّبِيذ.
وَحَدَّثَنِى حَجَّاج، حَدَّثَنَا سُليْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَال سَمِعْتُ سَلامَ بْنَ أَبِى مُطِيعٍ يَقُول: بَلغَ أَيُّوبَ أَنِّى آتِى عَمْرًا، فَأَقْبَل عَلىَّ يَوْمًا فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا لا تَأمَنُهُ عَلى دِينِهِ، كَيْفَ تَأمَنُهُ عَلى الحَدِيثِ؟
وَحَدَّثَنِى سَلمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الحُمَيْدِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَال: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ قَبْل أَنْ يُحْدِثَ.
ــ
إذا سكر حُدَّ، وأن كل مسكر لشدته المطربة حرام، كان خمرًا أو غيره، وأما إن شرب من الشراب المختلف فيه ولم يُسكر فمن يبيح شربَه لا يُحِدُّه (١) ومن يمنعه يُحِدُّه، وهو مالك والشافعى، وتأول بعضهم قول مالك أنه فى غير المجتهد، وأما المجتهد الذى يرى إباحته فلا يُحدُّه، لأنه قد ناظر فى المسألة جماعة من الأئمة الذين كانوا يشربونه ولم يأمر بحدّهم، وقد كانت الأمور تجري بأمره وعلى رأيه، ونص الشافعى على حدّ المجتهد وقال: أحُدُّه ولا أردُّ شهادتَه (٢).
_________________
(١) القائلون بهذا هم الأحناف، وهذه مسألة تفتقر إلى بسط، حتى لا يفهم عنهم ما لم يقصدوه. جاء فى بدائع الصنائع عند بيان أسماء الأشربة المعروفة المسكرة وبيان معانيها وأحكامها وحدّ الإسكار: " أما السكر والفضيخ ونقيع الزبيب فيحرم شرب قليلها وكثيرها، لما روى عن النبى ﷺ: " الخمر من هاتين الشجرتين " وأشار﵊- إلى النخلة والكرمة. قال: وأما حكم المطبوخ منها، أما عصير العنب إذا طبخ أدنى طبخة- وهو الباذق- أو ذهب نصفه - وهو المنصف- فيحرم شرب قليله وكثيره، عند عامة العلماءرضي الله عنهم-، والدليل على أن الزائد على الثلث حرام ما روى عن سيدنا عمر أنه كتب إلى عمار بن ياسر: إنى أتيت بشراب من الشام طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقى ثلثه يبقى حلاله ويذهب حرامه وريح جنونه، فمر من قبلك فليتوسعوا من أشربتهم، قال. نص على أن الزائد على الثلث حرام، وأشار إلى أنه ما لم يذهب ثلثاه فالقوة المسكرة فيه قائمة، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ولم ينقل عنهم خلافه فكان إجماعًا منهم، ولا يحد شاربه ما لم يسكر، وإذا سكر حد، ولا يكفر مستحله. فأما إذا طبخ العنب كما هو فقد حكى أبو يوسف عن أبى حنيفة أن حكمه حكم العصير لا يحل حتى يذهب ثلثاه، وروى الحسن عن أبى حنيفة أن حكمه حكم الزبيب حتى لو طبخ أدنى طبخة يحل بمنزلة الزبيب وأما المطبوخ من نبيذ التمر ونقيع الزبيب أدنى طبخة، والمنصف منهما فيحل شربه، ولا يحرم إلا السكر منه، وهو طاهر، يجوز بيعه، ويضمن متلفه، قال: وهذا قول أبى حنيفة وأبى يوسف. وعن محمد روايتان: فى رواية لا يحل شربه، لكن لا يجب الحد إلا بالسكر، وفى رواية قال: لا أحرمه ولكن لا أشرب منه. بدائع الصنائع ٦/ ٢٩٣٤ - ٢٩٤٧.
(٢) لم أجدها فى كتب الشافعى بهذه السياقةَ، وغاية ما وقفت عليه فى الأم: قال الشافعى: أخبرنا إبراهيم ابن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه أن على بن أبى طالب قال: لا أوتى بأحد شرب خمرًا أو نبيذًا مسكرًا إلا حددته. الأم ٦/ ١٣٠. قال: قال بعض الناس: الخمر حرام، والسكر من كل الشراب، ولا يحرم المسكر حتى يسكر منه، ولا يحد من شرب نبيذًا مسكرًا حتى يسكره. السابق ٦/ ١٣١.
[ ١ / ١٤٨ ]
حَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ العَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، قَال: كَتَبْتُ إِلى شُعْبَةَ أَسْأَلهُ عَنْ أَبِى شَيْبَةَ قَاضِى وَاسِطٍ، فَكَتَبَ إِلىَّ: لا تَكْتُبْ عَنْهُ شَيْئًا، وَمَزِّقْ كَتَابِى.
وَحَدَّثَنَا الحُلوَانِىُّ، قَال: سَمِعْتُ عَفَّانَ قَال: حَدَّثْتُ حَمَّادَ بْنَ سَلمَةَ [عَنْ] (١) صَالِحٍ المُرِّىِّ بِحَدِيثٍ عَنْ ثَابِتٍ. فَقَالَ: كَذَبَ. وَحَدَّثتُ هَمَّامًا عَنْ صَالِحٍ المُرِّىِّ بِحَدِيثٍ فَقَالَ: كَذَبَ.
وَحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالْ قَال لى شُعْبَةُ: أيْتِ جَرِيرَ بْنَ
ــ
وذكر مسلم كتاب شعبة لمعاذ العنبرى: " لا تكتب عن أبى شيبة ". قال القاضى﵀-: وقوله: " ومزّق كتابى ": لعله أمره بتمزيقه حذرًا أن يعتقد عليه ذلك أبو شيبة أو من له أمر الطعن على من قدموا. وذكر مسلم هنا فى صدر كتابه حديث الصلاة على قتلى أحد وعلى أولاد الزنا.
جاءت الآثار الصحاح عن جابر؛ أن النبى ﷺ: " لم يُصل على قتلى أحُدٍ صلاته على الميت " (٢)، وعن ابن عباس وابن الزبير أنه صلى يوم [أحد] (٣) [على] (٤) قتلى أحُدٍ [ولم يغسَّلوا] (٥) ومثله عن أنس، وروى عقبة بن عامر أن النبى ﷺ خرج يومًا فصلى
_________________
(١) ساقطة من نسخة الشعب.
(٢) حديث جابر أخرجه البخارى، ك الجنائز، ب دفن الرجلين والثلاثة فى قبر واحد ٢/ ١١٥، وأبو داود، ك الجنائز، ب الشهيد يغسل ٢/ ١٧٤، وكذا الترمذى والنسائى، ك الجنائز، ب ٦١ وابن عبد البر فى التمهيد ٢٤/ ٢٤١. ولفظ حديث جابر عند البخارى: " أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد فى ثوب واحد ثم يقول: " أيهم أكثرُ أخذًا للقرآن؟ " فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه فى اللحد، وقال: " أنا شهيد على هؤلاء "، وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يُصل عليهم ولم يغسّلهم " ٢/ ١١٥. زاد أبو داود والترمذى والنسائى: " أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة "، ولفظ أنس عند أبى داود: أن شهداء أحد لم يغسلوا، ودفنوا بدمائهم ولم يُصل عليهم. ثم ساق عن أنس بمثل معنى حديث جابر. وأخرجه الترمذى وقال. " غريب لا نعرفه من حديث أنس إلا من هذا الوجه ". معالم السنن ٤/ ٢٩٧. ولفظ ابن عباس قال: أمر رسول الله ﷺ بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم. كما أخرجه ابن ماجه أيضًا. قال الخطابى: فى إسناده على بن عاصم الواسطى وقد تكلم فيه جماعة، وعطاء بن السائب، وفيه مقال. معالم السنن ٤/ ٢٩٤. وللطبرانى عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ صلى على قتلى أحد فكبر تسعًا وتسعًا، ثم سبعًا وسبعًا، ثم أربعًا وأربعًا، حتى لحق بالله. قال الهيثمى: رواه الطبرانى فى الكبير والأوسط وإسناده حسن. مجمع ٣/ ٣٥ وحديث عقبة أخرجه البخارى فى الصحيح الكتاب والباب السابقين، وهو جزء حديث له.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) زيادة يقتضيها السياق.
(٥) سقط من ت.
[ ١ / ١٤٩ ]
حَازِمٍ فَقُل لهُ: لا يَحِلُّ لكَ أَنْ تَرْوِىَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، فَإِنَّهُ يَكْذِبُ. قَال: أَبُو دَاوُدَ: قُلْتُ لشُعْبَةَ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَنِ الحَكَمِ بِأَشْيَاءٍ لمْ أَجِدْ لهَا أَصْلًا. قَال: قُلْتُ له: بِأَىِّ شَىْءٍ؟ قَال: قُلْتُ للحَكَمِ أَصَلى النَّبِىُّ ﷺ عَلَى قَتْلىَ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: لمْ يُصَل عَليْهِمْ. فَقَالَ الحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ مِقْسَم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ
ــ
على أهل أحد [صلاته على الميت] (١) وعن ابن عباس وابن الزبير أنه صلى يوم أحد على قتلى أحد. فاختلف العلماء فى غسلهم والصلاة عليهم باختلاف هذه الأحاديث، فذهب مالك والشافعى وأحمد والليث فى جماعة أنهم لا يُغَسَّلون ولا يُصلى عليهم، وذهب أبو حنيفة والأوزاعى والثورى إلى إنهم لا يغسلون ويُصلى عليهم (٢)، وذهب ابن المسيب والحسن إلى غُسْلهم والصلاة عليهم (٣)، وحجة مالك ومن وافقه الأحاديث المتقدمة وأن حديث عقبة (٤) كان بعد دفنهم بسنين، ويعنى (٥) الدعاء والترحم عليهم، ولأن الصلاة على
_________________
(١) سقط من ت، وقيد بعدها فى ت: ولم يغسلوا.
(٢) قال ابن عبد البر: وبذا قال أحمد بن حنبل، والأوزاعى وإسحاق وداود وجماعة فقهاء الأمصار، وأهل الحديث وابن علية. التمهيد ٢٤/ ٢٤٢.
(٣) وحجتهم فى ذلك أنه ﷺ لم يغسل شهداء أحد لكثرتهم، وللشغل عن ذلك، واحتج بعض المتأخرين ممن ذهب مذحب الحسن وسعيد بقوله ﷺ فى شهداء أحد: " أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة " وقال: هذا يدُل على خصوصهم، وأنهم لا يشركهم فى ذلك غيرهم. قال ابن عبد البر. ولم يقل بقول سعيد والحسن هذا أحدٌ من فقهاء الأمصار إلا عبيد الله بن الحسن العنبرى البصرى. وليس ما ذكروا من الشغل عن غسل شهداء أحد علة؛ لأن كل واحد منهم كان له ولى يشتغل به. ويقوم بأمره، والعلة- والله أعلم- فى ترك غسلهم ما جاء فى الحديث المرفوع فى دمائهم أنها تأتى يوم القيامة كريح المسك. قال: رواه الزهرى عن عبد الله بن ثعلبة. تمهيد ٢٤/ ٢٢٤. قلت: وأخرجه النسائى فيما سبق وأن ذكرت، قال- مشيرًا إلى قول سعيد والحسن والمتأخرين ممن ذهب مذهبهما-: القول بهذا خلاف على الجمهور، وهو يشبه الشذوذ، والقول بترك غسلهم أولى لثبوت ذلك عن النبى ﷺ فى قتلى أحد وغيرهم. واحتج لذلك بما أخرجه أبو داود عن أبى الزبير عن جابر قال: ورمى رجل بمهم فى صدره أو فى حلقه فمات، فأدرج فى ثيابه كما هو، قال. ونحن مع رسول الله ﷺ. قال أبو عمر: وأما الصلاة عليهم، فإن العلماء اختلفوا فى ذلك، واختلفت فيه الآثار: فذهب مالك والليث والشافعى، وأحمد وداود، إلى ألا يصلى عليهم، لحديث الليث عن الزهرى عن ابن كعب بن مالك عن جابر. وقال فقهاء الكوفة والبصرة، والشام: يصلى عليهم، قال: ورووا آثارًا كثيرة أكثرها مراسيل أن النبى ﷺ صلى على حمزة، وعلى سائر شهداء أحد. تمهيد ٢٤/ ٢٤٤. قلت: حديث عقبة بن عامر يدفع هذا القول، فهو متصل فى الصحيح. قال الحافظ فى الفتح: قال الزين بن المنير فى حديث عقبة: " إن النبى ﷺ خرج يومًا فصلى على أهل أحد صلاته على الميت " تحت باب الصلاة على الشهيد قال: أراد باب حكم الصلاة على الشهيد، ولذلك أورد فيه حديث جابر الدال على نفيها وحديث عقبة الدال على إثباتها، قال: ويحتمل أن يكون المراد باب مشروعية الصلاة على الشهيد فى قبره لا قبل دفنه، عملًا بظاهر الحديثين. فتح ٣/ ٢٤٩.
(٤) فى ت: عتبة، وهو خطأ.
(٥) فى ت: وبمعنى.
[ ١ / ١٥٠ ]
صَلى عَليْهِمْ وَدَفَنَهُمْ. قُلْتُ لِلحَكَمِ: مَا تَقُول فِى أَوْلادِ الزِّنَا؟ قَال: يُصَلى عَليْهِمْ. قُلْتُ: مِنْ حَدِيثِ مَنْ يُرْوَى؟ قَال. يُرْوَى عَنِ الحَسَنِ البَصْرِىِّ. فَقَالَ الحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ: حَدَّثَنَا الحَكَمُ عَن يَحْيَى بْنِ الجَزَّارِ عَنْ عَلِىٍّ.
وَحَدَّثَنَا الحَسَنُ الحُلوَانِى. قَال: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ، وَذَكَرَ زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ، فَقَالَ: حَلفْتُ أَلا أَرْوِىَ عَنْهُ شَيْئًا، وَلا عَنْ خَالدِ بْنِ مَحْدُوجٍ. وَقَال: لقِيتُ زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ. فَسَأَلتُهُ عَنْ حَدِيثٍ فَحَدَّثَنِى بِهِ عَنْ بَكْرِ المُزَنِىِّ. ثُمَّ عُدْتُ إِليْهِ فَحَدَّثَنِى بِهِ عَنْ مُوَرِّقٍ. ثُمَّ عُدْتُ إِليْهِ فَحَدَّثَنِى بِهِ عَنْ الحَسَنِ. وَكَانَ يَنْسُبُهُمَا إِلى الكَذِبِ.
قَال الحُلوَانِىُّ: سَمِعْتُ عَبْدَ الصَّمَدِ، وَذَكَرْتُ عِنْدَهُ زِيادَ بْنَ مَيْمُونٍ، فَنَسَبَهُ إِلى الكَذِبِ.
وَحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، قَال: قُلْتُ لأَبِى دَاوُدَ الطَّيَالِسِىِّ: قَدْ أَكْثَرتَ عَنْ عَبَّادِ بنِ مَنْصُورٍ، فَمَا لكَ لمْ تَسْمَعْ مِنْهُ حَدِيثَ العَطَّارَةِ الذِى رَوَى لنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ؟ قَال لِى:
ــ
الموتى، وقد أخبر الله تعالى أن الشهداء أحياء، ولأنهم يبعثون فى دمائهم وريحها ريح مسك والغسل (١) يذهبها، فوجب ألا تغير أحوالهم، ولم تصح عندهم الأحاديث الأخر حتى تُعارَض بها تلك الأحاديث الصحيحة، وأما ولد الزنا فليس فيه أثر يعول عليه، وعامة العلماء على الصلاة عليه كغيره من أولاد المسلمين، إلا قتادة فقال: لا يصلى عليه، وسيأتى هذا البابُ كله فى [الصلاة على الأطفال] (٢) فى كتاب الجنائز، إن شاء الله تعالى.
وذكر مسلم حديث العطارة ولم يفسّره. هو حديث رواه زياد بن ميمون أبو عمار عن أنس، أن امرأة يقال لها: الحولاء عطَّارة، كانت بالمدينة فدخلت على عائشة وذكرت خبرها مع زوجها، وأن النبى ﷺ ذكر [لها] (٣) فى فضل الزوج، وهو حديث طويل غير صحيح، ذكره ابن وضاح (٤) بكماله فى كتاب " القطعان " له، ويقال: إن هذه العطَّارة [الحولاء هى] (٥) بنت تويْتِ المذكورة فى غير هذا الحديث.
_________________
(١) فى الأصل: والغسيل، والمثبت- وهو الأصوب- من ت.
(٢) فى ت: والصلاة على أطفال المسلمين.
(٣) ساقطة من ت.
(٤) هو كمال الدين أبو الحسن على بن محمد بن محمد بن وضاح بن أبى سعيد، محمد بن وضاح نزيل بغداد، فقيه، حنبلى، نحوى، زاهد، كاتب، محدث، سمع صحيح مسلم من المروزى، وببغداد من ابن القطيعى، وابن روزية، صحيح البخارى عن أبى الوقت، ومن عمر بن كرم جامع الترمذى، ومن عبد اللطيف أبن القطيعى سنن الدارقطنى، كان صديقًا للشيخ محيى الدين الصرصرى. قال ابن رجب: كان سمح النفس، له إجازات من جماعات كثيرة منهم من دمشق الشيخ موفق الدين بن قدامة. توفى ﵀ سنة اثنتين وسبعين وستمائة، ودفن بحضرة قبر الإمام أحمد بن حنبل عند رجليه. شذرات ٥/ ٣٣٦، ذيل طبقات الحنابلة: ٣١٥، هدية العارفين ١/ ٧١٢، معجم المؤلفين ٧/ ٢٣١.
(٥) فى ت: هى الحولاء.
[ ١ / ١٥١ ]
اسْكُتْ. فَأَنَا لقِيتُ زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِىٍّ. فَسَأَلنَاهُ فَقُلْنَا لهُ: هَذِهِ الأَحَادِيثُ التِى تَرْوِيهَا عَنْ أَنَسٍ؟ فَقَالَ: أَرَأَيْتُمَا رَجُلًا يُذْنِبُ فَيَتُوبُ أَليْسَ يَتُوبُ اللَّهُ عَليْهِ؟ قَال: قُلْنَا نَعَمْ. قَال: مَا سَمِعْتُ مِنْ أَنَسٍ، مِنْ ذَا قَلِيلًا وَلا كَثِيرًا، إِنْ كَانَ لا يَعْلمُ النَّاسُ فَأَنْتُمَا لا تَعْلمَانِ أَنِّى لمْ أَلقَ أَنَسًا.
قَال أَبُو دَاوُدَ: فَبَلغَنَا، بَعْدُ أَنَّهُ يَرْوِى. فَأَتَيْنَاهُ أَنَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: أَتُوبُ. ثُمَّ كَانَ، بَعْدُ، يُحَدِّثُ. فَتَرَكْنَاهُ.
حَدَّثَنَا حَسَنٌ الحُلوَانِىُّ قَال: سَمِعْتُ شَبَابَة. قَال: كَانَ عَبْدُ القُدُّوسِ يُحَدِّثنَا فَيَقُول: سُوَيْدُ بْنُ عَقَلةَ. قَال شَبَابَةٌ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ القُدُّوسِ يَقُول: نَهَى رَسُول اللهِ ﷺ أَنْ يُتَخَذَ الرَّوْحُ عَرْضًا. قَال فَقِيل له: أَىُّ شَىْءٍ هَذَا؟ قَال: يَعْنِى تُتَّخَذُ كُوَّةٌ فِى حَائِطٍ لِيَدْخُل عَليْهِ الرَّوْحُ.
ــ
وذكر مسلم عن عبد القدوس أنه كان يقول: " سُويد بن عقَلةَ "، بالعين المهملة والقاف. و" أن تتخذَ الرَّوح عرْضًا " بفتح الراء فى الأولى والعين المهملة وسكون الراء فى الثانية، وتفسيره لذلك بما ذكره، وإنما أراد مسلم أنه صحف فى ذلك، وأخطأ فى الرواية والتفسير، وإنما صوابه سُويد بن غفَلةَ- بالغين المعجمة والفاء، والروح بضم الراء وغَرَضًا بالغين المعجمة وفتح الراء، أى يتخذ ما فيه روح غَرَضًا للرمى وشبهه (١)، وقد ذكره فى كتاب الصيد (٢) على الصواب، وهذا مثل نهيه﵇- عن قتل المصبورة والمجثَّمة، وهى ذات الروح من الطير وغيره، تُصْبَر، أى تحَبسُ ليُرمى عليها، وسيأتى هذا فى كتاب الصيد، ولم يختلف العلماء فى منع أكلها وأنها غير ذكيَّة. وفائدة الحديث: النهى عن قتل الحيوان لغير منفعة والعبث بقتله. وقال الطبرى: فيه دليل على منع قتل ما أُحِل أكله من الحيوان ما وُجد إلى تزكيته سبيل، ثمَّ فيه فسادُ المال.
وذكر أبا سعيد الوُحاظىَّ (٣)، هو بضم الواو، وحاظة بطن من بطون حمير (٤)، كذا قيدناه عن شيوخنا، وحُكى عن أبى الوليد الباجى فيه فتح الواو.
_________________
(١) قيدت فى الأصل بالإهمال.
(٢) فى الأصل: التقييد.
(٣) هو عبد القدوس بن حبيب الكلاعى الوحاظى الشامى. يروى عن عطاء، ونافع، والشعبى. قال ابن المبارك: لأن أقطع الطريق أحبُّ إلى من أن أروى عنه، وقال يحيى: ضعيف، وقال مرة: متروك الحديث، وقال إسماعيل بن عياش: أشهد عليه بالكذب، وقال البخارى: أحاديثه مقلوبة، وقال الفلاس: أجمع أهل العلم على ترك حديثه، وقال مسلم: ذاهب الحديث، وقال أبو داود: ليس بشىء، وقال ابن حبان: يضع الحديث على الثقات، لا يحل كتب حديثه، وقال النسائى: متروك الحديث، وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. الجرح ٦/ ٥٥، الضعفاء والمتروكين ٢/ ١١٣، الضعفاء الصغير ٢٠٨.
(٤) مراد مسلم هنا بيان نوع من أنواع التدليس.
[ ١ / ١٥٢ ]
قَال مُسْلمٌ: وَسَمِعْتُ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ القَوَارِيرِىَّ يَقُول: سَمِعْتُ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ يَقُول لِرَجُلٍ، بَعْدَ مَا جَلسَ مَهْدِىُّ بْنُ هِلالٍ بِأَيام: مَا هَذِهِ العَيْنُ المَالِحَةُ التِى نَبَعَتْ قِبَلكُمْ؟ قَال: نَعَمْ. يَا أَبَا إِسْمَاعِيلَ.
وَحَدَّثَنَا الحَسَنُ الحُلوَانِىُّ، قَال: سَمِعْتُ عَفَّانَ قَال: سَمِعْتُ أَبَا عَوَانَةَ قَال: مَا بَلغَنِى عَنْ الحَسَنِ حَدِيثٌ، إلا أَتَيْتُ بِهِ أَبَانَ بْنَ أَبِى عَيَّاشٍ، فَقَرَأَهُ عَلَىَّ.
وَحَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، قَال: سَمِعْتُ أَنَا، وَحَمْزَةُ الزَّيَّاتُ مِنْ أَبَانَ بْنِ أَبِى عَيَّاشٍ نَحْوًا مِنْ أَلفِ حَدِيثٍ.
قَال عَلىٌّ: فَلقِيتُ حَمْزَةَ فَأَخْبَرَنِى أَنَّهُ رَأَى النَّبِىَّ ﷺ فِى المَنَامِ، فَعَرَضَ عَليْهِ مَا سَمِعَ مِنْ أَبَانَ، فَمَا عَرِفَ مِنْهَا إِلا شَيْئًا يَسِيرًا، خَمْسَةً أَوْ سِتَّةً.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِىَّ، قَال لِى أَبُو إِسْحَاقَ الفَزَارِىُّ: اكْتُبْ عَنْ بَقِيَّةَ مَا رَوَى عَنِ المَعْرُوفِينَ، وَلا تَكْتُبْ عَنْهُ ما روىَ عَنْ غَيْرِ المَعْرُوفِينَ، وَلا تَكْتُبْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَيَّاشٍ مَا رَوَى عَنِ المَعْرُوفِينَ، وَلا عَنْ غَيْرِهِمْ.
ــ
وذكر مسلم عن حمزة الزيات، أنه رأى النبى ﷺ فى المنام فعَرَض عليه ما سَمِع من أبان فما عرف منها (١) إلا شيئًا يسيرًا. هذا ومثله استئناس واستظهار على ما تقرر من ضعف أبان لا أنه يقطع بأمر المنام، ولا أن تبطل بمثله سُنَّة ثبتت، ولا يُثبت به سُنَّة لم تثبت بإجماع [من] (٢) العلماء. وقوله﵇-: " من رآنى [فى المنام] (٣) فقد رآنى [أو قد] (٤) رأى الحق- فإن الشيطان لا يتمثل بى " أى إن رؤياه﵇- حق ليس فيها للشيطان عمل ولا تلبيس، وأن الشيطان غير متسلط على التصور فى المنام على صورته، أو يكون ما رؤى فيه مات الرؤيا الصحيحة لا من أضغاث الأحلام، وقيل: فقد رآنى حقًا، ورأى شخصه المكرَّم حقيقةً، وسيأتى كلام الإمام أبى عبد الله على هذا الحديث وما ذيلناه به فى كتاب العبارة إن شاء الله تعالى.
وذكر مسلم عن جماعة من الأئمة رَموا جماعة بالكذب: اعلم أن الكاذبين على ضربين: ضرب عرِف (٥) بذلك فى حديث النبى ﷺ، وهم على أنواع: منهم من يضع عليه ما لم يقله أصلًا إما تراقعًا (٦) واستخفافًا، كالزنادقة وأشباههم
_________________
(١) فى ت: منه.
(٢) من ت.
(٣) سقط من الأصل.
(٤) فى الأصل: وفاقد.
(٥) فى الأصل: عرفوا، والمثبت من ت.
(٦) فى ت جاءت بالفاء.
[ ١ / ١٥٣ ]
وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِىُّ، قَال: سَمِعْتُ بَعْضَ أَصْحَابِ عَبْدِ الله قَال:
ــ
ممن لم يرج للدين وقارًا (١)، أو حِسْبَة بزعمهم (٢)، أو تديُّنًا كجهلة المتعبِّدة الذين وضعوا الأحاديث فى الفضائل والرغائب (٣)، أو إغرابًا وسُمْعَةً كفسقة المحدثين، أو تعصبًا واحتجاجًا كدُعاة المبتدعة ومتعصبى المذاهب (٤)، أو اتباعًا لهوى أهل الدنيا فيما أرادوه وطلب العذر لهم فيما أتوه (٥)، وقد تعيَّن جماعةٌ من كل طبقة من هذه الطبقات عند أهل الصنعة وعلم الرجال.
ومنهم من لا يضع من الحديث، ولكن ربما وضع للمتن الضعيف إسنادًا صحيحًا مشهورًا.
ومنهم من يقلب الأسانيد (٦)، أو يزيد فيها ويتعمَّدُ ذلك إما للإغراب على غيره أو لرفع الجهالة عن نفسه.
_________________
(١) مثال ذلك فيما أخرجه البخارى فى الأوسط والخزرجى فى الخلاصة عن عمر بن صحيح بن عمران التميمى أنه قال: " أنا وضعت خطبة النبى ﷺ ". تهذيب ٧/ ٤٦٣، كتاب الضعفاء والمتروكين ٢/ ٢٢١. قال ابن عدى: " منكر الحديث "، وقال ابن حبان: يضع الحديث على الثقات، لا يحل كتب حديثه إلا على وجه التعجب. وقال الدارقطنى: متروك. وقال الأزدى: كذاب.
(٢) مثاله فيما ذكره الذهبى وغيره عن محمد بن عيسى الطباع، قلت لميسرة بن عبد ربه: من أين جئت بهذه الأحاديث: من قرأ كذا كان له كذا؟ قال: وضعته أرغب الناس. ميزان ٤/ ٢٣٠، لسان ٦/ ١٣٨.
(٣) ومثاله فيما ذكره الحاكم فى شأن أبى عصمة نوح بن أبى مريم، قال: " إنه وضع حديث فضائل القرآن الطويل ". المغنى ٢/ ٧٠٣، ميزان ٤/ ٢٧٩، الباعث الحثيث: ٨١.
(٤) يدل عليه ما ذكره الرامهرمزى فى كتابه المحدث الفاصل من طريق عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم قال: " قال له رجل من الخوارج: إن هذا الحديث دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا أمرًا صيرناه حديثًا " ٤١٥، ٤١٦، وما رواه ابن حبان فى المجروحين قال: " سمعت عبد الله بن على الجبلى يقول: سمعت محمد بن أحمد بن الجنيد الدقاق يقول: سمعت عبد الله بن يزيد المقرى يقول: عن رجل من أهل البدع رجع عن بدعته، جعل يقول: انظروا هذا الحديث ممن تأخذون، فإنا كنا إذا رأينا رأيًا جعلنا له حديثًا " ١/ ٦٩. وللوقوف على مزيد الأمثلة له يراجع: الموضوعات لابن الجوزى.
(٥) من ذلك ما أخرجه الخطيب بسنده إلى أبى سعيد العقيلى قال: " لما قدم الرشيد المدينة أعظم أن يرقى منبر رسول الله ﷺ فى قباءَ أسود ومنطقة، فقال أبو النجدى: حدثنى جعفر بن محمد عن أبيه قال: نزل جبريل على النبى ﷺ وعليه قباء ومنطقةُ مخنجرًا فيها بخنجر. تاريخ بغداد ١٣/ ٤٥٢. وله بسنده إلى أبى عبيد الله قال: " قال لى أمير المؤمنين المهدى: لما أتانا نعى مقاتل، أشتد ذلك على، فذكرته لأمير المؤمنين أبى جعفر فقال: لا يكبر عليك، فإنه كان يقول: انظر ما تحب أن أحدثه فيك حتى أحدثه ". تاريخ بغداد ١٣/ ١٦٧ وهذا النوع بالنسبة إلى سوابقه قليل. راجع: الوضع فى الحديث للدكتور عمر بن حسن فلاتة.
(٦) قلب الإسناد يكون بتقديم أو تأخير فى اسم الراوى، ويكون بتغيير الإسناد وتبديله كله أو بعضه.
[ ١ / ١٥٤ ]
قَال ابْنُ المُبَارَكِ: نِعْمَ الرَّجُل بَقِيَّةُ، لوْلا أَنَّهُ كَان يَكْنِى الأَسَامِىَ وَيُسَمِّى الكُنَى. كَانَ دَهْرًا يُحَدِّثَنَا عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الوُحَاظِىِّ، فَنَظَرْنَا فَإِذَا هُوَ عَبْدُ القُدُّوسِ.
ــ
ومنهم من يكذب فيدَّعى سماع ما لم يسمع أو لقاء من لم يلق ويُحدّثُ بأحاديثهم الصحيحة عنهم.
ومنهم من يعمد إلى كلام الصحابة أو غيرهم وحكم العرب والحكماء فينسبها للنبى ﷺ (١).
فهؤلاء [كلهم] (٢) كذابون متروكو الحديث، وكذلك من تجاسر بالحديث بما لم يحققه ولم يضبطه أو هو شاك فيه، فلا تحدّث عن هؤلاء ولا يُقبل ما حدثوا به، ولو لم يكن منهم مما جاؤوا به من هذه الأمور إلا المرة الواحدة، كشاهد الزور إذا تعمد ذلك [مرة واحدة] (٣) سقطت شهادتُه، واختُلف هل تُقبل فى المستقبل إذا ظهرت توبته أو زادت فى الخير حالته؟
والصنف الآخر من لا يستجيز شيئًا من هذا كله فى الحديث، ولكنه يكذب فى حديث الناس، [قد] (٤) عُرِف بذلك، فهذا أيضًا لا يُقبل حديثه ولا شهادتُه، قاله مالك وغيره، وتنفعه التوبة ويرجع إلى القبول. فأما من يندُر منه القليل من الكذب ولم يُعرف به فلا يقطع بتجريحه مثلهم (٥) إذ (٦) يتأول عليه الغلط أو الوهم، وإن اعترف متعمدُ ذلك المرة الواحدة ما لم يضر بها مسلمًا فلا يلحق بمثله الجرحة، وإن كانت معصيةٌ لندورها، ولأنها لا تلحق بالكبائر الموبقات، ولأن أكثر [الناس] (٧) قل ما يسلمون من مواقعات (٨) بعض [هذه] (٩) الهنات، وبهذا قال مالك﵀- فيمن تُردّ شهادتُه: أن يكون كاذبًا فى غير شىء (١٠). وقال سحنون فى الذى يقارف بعض الذنب كالزلة: تجوز شهادته، لأنَّ
_________________
(١) من ذلك ما كان من قول على بن أبى طالبرضي الله عنه-: " الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم ". قال ملا على القارى: " إنه من كلام عمررضي الله عنه- وقيل. إنه من قول على وهو الأشهر الأظهر ". الأسرار المرفوعة: ٣٦٧. ومن أمثلة كلام الحكماء الذى ينسجونه كذبًا إلى رسول الله ﷺ، قول الحارث بن كلدة طبيب العرب: " المعدة بيت الداء، والحميةُ رأس كل دواء ". قال القارى: " هو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب، ولا يصح رفعه إلى النبى ﷺ ". الأسرار المرفوعة: ٣٢٠، المقاصد الحسنة: ٣٨٩، راجع أيضًا: رسالة الدكتور عمر بن حسن فلاتة فى الوضع فى الحديث ٢/ ٦٢.
(٢) ساقطة من ت.
(٣) سقط من الأصل.
(٤) ساقطة من ت.
(٥) فى الأصل: مثله.
(٦) فى الأصل: إذا.
(٧) ساقطة من الأصل.
(٨) فى ت: مواقعة.
(٩) ساقطة من الأصل.
(١٠) راجع: الجرح والتعديل ١/ ٣٢، والكفاية: ١١٦.
[ ١ / ١٥٥ ]
وَحَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِىُّ، قَال سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّزَّاقِ يَقُول: مَا رَأَيْتُ ابْنَ المُبَارَكِ يُفْصِحُ بِقَوْلِهِ: كَذَّابٌ إِلا لِعَبْدِ القُدُّوسِ، فَإِنِّى سَمِعْتُهُ يَقُول لهُ كَذَّابٌ.
وَحَدَّثَنِى عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، قَال: سَمِعْتُ أَبَا نُعَيْمٍ، وَذَكَرَ المُعَلى بْنَ عُرْفَان. فَقَالَ: قَال: حَدَّثَنَا أَبُو وَائِلٍ قَال: خَرَجَ عَليْنَا ابْنُ مَسْعُودٍ بِصِفِّينَ، فَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: أَتُرَاهُ بُعِثَ بَعْدَ المَوْتِ؟.
حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ عَلىٍّ وَحَسَنٌ الحُلوَانِىُّ، كِلاهُمَا عَنْ عَفَّانَ بْنِ مُسْلمٍ، قَال: كُنَّا عِنْدَ إِسْمَاعِيل بْنِ عُليَّةَ، فَحَدَّثَ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ. فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا ليْسَ بِثَبْتٍ. قَال: فَقَالَ الرَّجُل: اغْتَبْتَهُ. قَال إِسْمَاعِيل: مَا اغْتَابَهُ. وَلكِنَّهُ حَكَمَ: أَنَّهُ ليْسَ بِثَبْتٍ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الدَّارِمِىُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: سَأَلتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الذِى يَرْوِى عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيّبِ؟ فَقَالَ: ليْسَ بِثِقَةٍ. وَسَأَلتُهُ
ــ
أحدًا لا يسلم من مثل هذا، فإذا تكرَّر هذا منه سقطت به شهادته، وكذلك لا يسقطها كذبُه فيما هو من باب التعريض أو الغلو فى القول، إذ ليس بكذب على الحقيقة وإن كان فى صورة الكذب، لأنه لا يدخل تحت حدّ الكذب ولا يُريد المتكلم به الإخبارَ عن ظاهر لفظه، وقد قال ﵇: " أما أبو جهم فلا يضَعُ عصَاه عن عاتقه " (١). وقال إبراهيم ﵇: " هذه أختى " (٢) وقد أشار مالك﵀- لنحو هذا.
وذكر مسلم عن بقية بن الوليد أنه يكنى الأسامى (٣)، ويسمى الكنى. هذا نوع من التدليس، فإذا فعله صاحبه فى الضعفاء ليوهم أمرهم على الناس فهو قبيح، لأنه يُلبَّس بذلك ويخيَّل أن ذلك الراوى ليس هو ذاك الضعيف لتركه اسمه أو كنيته التى عُرِف بها واشتهر بها، ويُسميه أو يكنيه بما لا يُعرف به، فيخرجه إلى حد الجهالة من حَدّ المَعرفة بالجرحة والترك، فيرفع (٤) رتبته عن الاتفاق (٥) إلى الخلاف أو عن القطع على طرح حديثه المتروك إلى المسامحة فى رواية حديث المجهول، وأشد منه أن يكنى الضعيف أو يسميه بكنية الثقة أو اسمه لاشتراكهما فى ذلك، وشهرة الثقة بذلك الاسم أو الكنية، فهذا الباب مما يقدح فى فاعله، وسنزيد الكلام فيه بسطًا (٦) فى فصل التدليس. ولهذا كان
_________________
(١) سبق قريبًا.
(٢) يشير إلى ما سيأتى إن شاء الله فى كتاب الفضائل من قول رسول الله ﷺ: " لم يكذب إبراهيم النبى ﵇ قط إلا ثلاث كذبَات، ثنتين فى ذات الله وواحدة فى شأن سارة ".
(٣) فى ت: الأسماء.
(٤) فى ت: يرفع.
(٥) فى الأصل: الإيقاف.
(٦) فى ت: بيانا.
[ ١ / ١٥٦ ]
عَنْ صَالِحٍ مَوْلى التَوْأَمَة؟ فَقَالَ: ليْسَ بِثِقَةٍ. وَسَأَلتُهُ عَنْ أَبِى الحُوَيْرِثِ؟ فَقَالَ: ليْسَ بِثِقَةٍ. وَسَأَلتُهُ عَنْ شُعْبَةَ الذِى رَوَى عَنْهُ ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ؟ فَقَالَ: ليْسَ بِثِقَةٍ. وَسَأَلتُهُ عَنْ حَرَامِ بْنِ عُثْمَانَ؟ فَقَالَ: ليْسَ بِثِقَةٍ. وَسَألتُ مَالِكًا عَنْ هَؤُلاءِ الخَمْسَةِ؟ فَقَالَ: ليْسُوا
ــ
أبو مسهر (١) يقول: احذروا أحاديث بقيَّة (٢) فإنها غير نقية، [وكونوا من بقيتها على حذر] (٣).
ذكر مسلم صالحًا مولى التَّوْأمة (٤)، كذا صوابُه بفتح التاء المشَدَّدة وإسكان الواو بعدها همزة مفتوحة، وقد تُسَهَّل فَتُفْتح الواو وتُنْقل عليها حركة الهمزة فيقال: التَّوَمة، ومن ضم التاء وهمز الواو أخطأ، وهى رواية أكثر المشايخ والرواة، وكما قُلناه قَيَّده أصحابُ
_________________
(١) عبد الأعلى بن مُسْهِر بن عبد الأعلى بن مسهر، الإمامُ، شيخ الشام، الغسَّانى الدمشقى، الفقيه، كان من أوعية العلم. سمع مالك بن أنس، وإسماعيل بن عيَّاش، ومحمد بن مهاجر، وأخذ بمكة عن ابن عيينة وأخذ حرف نافع بن أبى نعيم عنه. روى عنه يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وأبو عبد الله البخارى، وأبو حاتم الرازى، وخلق سواهم، وقال فيه ابن معين: ما رأيتُ منذ خرجت من بلادى أحدًا أشبَه بالمشيخة الذين أدركتُهم من أبى مُسْهر. وقال: كل من ثَبَّتَ أبو مسهر من الشاميين فهو مثبَّتٌ، وقال أبو زرعة الدمشقى: قال لى أحمد بن حنبل: عندكم ثلاثة أصحاب حديث، الوليدُ، ومروان بن محمد، وأبو مُسهِر، وقال الذهبى: " حديثه فى الكتب الستة ". مات سنة ثمان عشرة ومائتين. الطبقات الكبرى ٧/ ٤٧٣، التاريخ الكبير ٦/ ٧٣، الجرح والتعديل ٦/ ٢٩، تاريخ بغداد ١١/ ٧٢، ترتيب المدارك ٢/ ٤١٦، سير ١٠/ ٢٢٨، تهذيب التهذيب ٦/ ٩٨.
(٢) هو ابن الوليد بن صائد بن كعب بن حريز، محدث حمص، الحافظ العالم، أحد مشاهير الأعلام. روى عن الأوزاعى، وشعبة، ومالك، وابن المبارك، كما روى عن تلميذه إسحاق بن راهويه. كان من أوعية العلم، لكنه- كما ذكر الذهبى- كدر ذلك بالإكثار عن الضعفاء، والعوام، والحمل عمَّن دبَّ ودرج. روى عنه شعبة، والحمادان، والأوزاعى، وابن جريج- وهم من شيوخه- وابن المبارك، والوليد ابن مسلم، ووكيع- وهم من أقرانه- وإسماعيل بن عياش- وهو أكبر منه- وإسحاق بن راهويه، ونعيم ابن حمَّاد، وأمم غير هؤلاء كثير. مات سنة سبع وتسعين ومائة. التاريخ الكبير ٢/ ١٥٠، الضعفاء للعقيلى ١/ ٥٩، الجرح والتعديل ٢/ ٤٣٤، الكامل لابن عدى ١/ ٤٣، تاريخ بغداد ٧/ ١٢٣، سير ٨/ ٥١٨، ميزان ١/ ١٥٤، تهذيب التهذيب ١/ ٤٧٣.
(٣) سقط من الأصل، وفى ت: وكونوا منها على تقية.
(٤) هو ابن نبهان، قال بشر بن عمر: سألت مالكًا عنه فقال: ليس بثقة، وروى عبد الله بن أحمد عن ابن معين: ليس بقوى. وقال أحمد: مالك أدرك صالحًا وقد اختلط وهو كبير، وما أعلم به بأسًا من سمع منه قديمًا، فقد روى عنه أكابر أهل المدينة، وقال الجوزجانى: سماع ابن أبى ذئب منه قديم، وأما الثورى فجالسه بعد التغير. وروى عباد عن ابن معين: ثقة، وقد كان خرف قبل أن يموت، فمن سمع منه قبل فهو ثبت. ميزان ٢/ ٣٠٢، وفى المغنى للذهبى: تابعى صدوق لكنه عُمّرَ واختلط. المغنى ٢/ ٣٠٥، وقال ابن الجوزى: كان شعبة لا يروى عنه وينهى عنه. وقال مالك: ليس بثقة، فلا يؤخذن عنه شيئًا. الضعفاء٢/ ٥١، وانظر: الضعفاء والمتروكين للنسائى: ١٩٥.
[ ١ / ١٥٧ ]
بِثِقَةٍ فِى حَدِيثِهِمْ. وَسَأَلتُهُ عَن رَجُلٍ آخَرَ نَسِيتُ اسْمَهُ؟ فَقَالَ: هَلْ رَأَيْتَهُ فِى كُتُبِى؟ قُلْتُ: لا. قَالَ: لوْ كَانَ ثِقَةً لرَأَيْتَهُ فِى كُتُبِى.
وَحَدَّثَنِى الفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ، وَكَانَ مُتَّهَمًا.
وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الطَّالقَانِىَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ المُبَارَكِ يَقُولُ: لوْ خُيِّرْتُ بَيْنَ أَنْ أَدْخُلَ الجَنَّةَ وَبَيْنَ أَنْ أَلقَى عَبْدَ اللهِ بْنَ مُحَرَّرٍ، لاخْتَرْتُ أَنْ أَلقَاهُ ثُمَّ أَدْخُلَ الجَنَّةَ، فَلمَّا رَأَيْتُهُ، كَانَتْ بَعْرَةٌ أَحَبَّ إِلىَّ مِنهُ.
وَحَدَّثَنِى الفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا وَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: قَالَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: قَالَ زَيْدٌ - يَعْنِى ابْنَ أَبِى أُنَيْسَةَ: لا تَأخُذُوا عَنْ أَخِى.
حَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِىُّ، قَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ السَّلامِ الوَابِصِىُّ، قَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّىُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو؛ قَالَ: كَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِى أُنَيْسَةَ كَذَّابًا.
ــ
المؤتلف [والمختلف] (١)، وكذلك أتقنَّاه على أهل المعرفة من شيوخنا، والتَّوَمةُ هذه هى بنت أمية بن خلف الجمحى، قاله البخارى وغيره، قال الواقدى: وكانت فى بطن مع أخت لها، فلذلك سُمّيت التَّوَمة، وهى مولاة أبى صالح [من فوق] (٢)، وأبو صالح هذا اسمه نبهان (٣).
وذكر مسلم عن مالك وقد سئل عن رجُل فقال: لو كان ثقةً لرأيته فى كتبى. هذا ترجيح من مالك﵀- وتعديل منه صريح لكل من أدخله فى كتبه، وقد اختلف العلماء فى رواية الثقة عن المجهول، فذهب بعضهم إلى أنه تعديل (٤)، وذهب الأكثر إلى أنه ليس بتعديل حتى يُصرِّح بعدالته بقوله أو ما يدل على ذلك، فأما من عُرف بمثل حال مالك ونُقِل عنه مثلُ قوله فروايته عنه وإدخاله فى كتبه تصريح بعدالته.
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) هكذا فى الأصل وت.
(٣) المغنى فى ضبط أسماء الرجال: ٥٠.
(٤) هذا إن عرف من حاله أنه لا يروى عن ثقة ولم يأت بحديث منكر، كمالك وشعبة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدى وأحمد بن حنبل. فتح المغيث: ١٣٤.
[ ١ / ١٥٨ ]
حَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِى سُليْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ؛ قَالَ: ذُكِرَ فَرْقَدٌ عِنْدَ أَيُّوبَ، فَقَالَ: إِنَّ فَرْقَدًا ليْسَ صَاحِبَ حَدِيثٍ.
وَحَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ العَبْدِىُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ القَطَّانَ، ذُكِرَ عِنْدَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ الليْثِىُّ، فَضَعَّفَهُ جِدًا. فَقِيلَ لِيَحْيَى: أَضْعَفُ مِنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَطَاءٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ قَالَ: مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ أَحَدًا يَرْوِى عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ.
حَدَّثَنِى بشْرُ بْنُ الحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ القَطَّانَ ضَعَّفَ حَكِيمَ بْنَ جُبَيْرٍ وَعَبْدَ الأَعْلَى، وَضَعَّفَ يَحْيَى بْنَ مُوسَى بْنِ دِينَارٍ. قَالَ: حَدِيْثُهُ رِيحٌ. وَضَعَّفَ مُوسَى بْنَ دِهْقَانَ، وَعِيسَى بْنَ أَبِى عِيسى المَدَنِىَّ. قَالَ: وَسَمِعْتُ الحَسَنَ بْنَ عِيسَى يَقُولُ: قَالَ لِى ابْنُ المُبَارَكِ: إِذَا قَدِمْتَ عَلى جَرِيرٍ فَاكْتُبْ عِلمَهُ كُلهُ إِلا حَدِيثَ ثَلاثَةٍ، لا تَكْتُبْ حَدِيثَ عُبَيْدَةَ بْنِ مُعَتِّبٍ، وَالسَّرِىِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ.
ــ
قال الإمام أبو عبد الله: قال (١) مسلم فى حديث آخر: " حدثنى (٢) بشر (٣) بن الحكم قال: سمعت يحيى القطَّان ضعَّفَ حكيم بن جُبير وعبد الأعلى، وضعف يحيى موسى بن دينار ". وكذا صواب (٤) هذا الكلام، وفى أكثر النسخ: وضعَّف يحيى بن موسى بن دينار (٥)، وهذا وهم، وموسى بن دينار هو المكى (٦)، ضعَّفَه (٧) يحيى، وقد نقل أبو جعفر العقيلى فى كتابه فى " الضعفاء " كلام يحيى هذا فى موسى بن دينار وعبد الأعلى وحكيم بن جبير (٨).
قال القاضى: رواية جميع شيوخنا فى " الأم " بغير واو على الوهم، وهذا يُصَحّحُ أنه من رُواة مسلم، والصواب عندهم ما تقدم، وكذا صحَّحه الجيانى والصدفى وغيره من شيوخنا، ويحيى هو ابن سعيد القطانُ المذكور أوَّلًا.
ذكر مسلم قول ابن عُليَّةَ: وقد تكلم رجلٌ فى رجُلٍ فقال له آخر: اغتبته، فقال: ما اغتابه (٩) ولكنه حكم أنه ليس بثَبتٍ، وقد تقدَّم الكلام أن مثل هذا ليس بغيبة، بل لو
_________________
(١) فى المعلم: وقال.
(٢) فى المعلم: وحدثنى.
(٣) لفظ المعلم: حسن.
(٤) لفظ المعلم: جواب.
(٥) وهو الذى عليه ما وصل إلينا من النسخ المطبوعة.
(٦) فى ت: المكنّى.
(٧) لفظ المعلم: وضعفه.
(٨) الضعفاء الكبير ١/ ٣١٦، ٣/ ٧٥، ٤/ ١٥٦، ١٥٧.
(٩) فى الأصل: ما اعابته.
[ ١ / ١٥٩ ]
قَالَ مُسْلمٌ: وَأَشْبَاهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ كَلامِ أَهْلِ العِلْمِ فِى مُتَّهَمِى رُوَاةِ الحَدِيثِ وَإِخْبَارِهِمْ عَنْ مَعَايِبِهِمْ كَثِيرٌ. يَطُولُ الكِتَابُ بِذِكْرِهِ، عَلى اسْتِقْصَائِهِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ، لمَنْ تَفَهَّمْ وَعَقَلَ مَذْهَبَ القَوْمِ، فِيمَا قَالوا مِنْ ذَلِكَ وَبَيَّنُوا.
وَإِنَّمَا أَلزَمُوا أَنْفُسَهُمُ الكَشْفَ عَنْ مَعَايبِ رُوَاةِ الحَدِيثِ، وَنَاقِلِى الأَخْبَارِ، وَأَفْتَوْا بِذَلِكَ حِينَ سُئِلوا، لِمَا فِيهِ مِنْ عَظِيمِ الخَطَرِ، إِذِ الأَخْبَارُ فِى أَمْرِ الدِّينِ إِنَّمَا تَأتِى بِتَحْلِيلٍ، أَوْ تَحْرِيمٍ، أَوْ أَمْرٍ، أَوْ نَهْىٍ، أَوْ تَرْغِيبٍ أَوْ تَرْهِيبٍ، فَإِذَا كَانَ الرَّاوِى لهَا ليْسَ بِمَعْدَنٍ للصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ، ثُمَّ أَقْدَمَ عَلى الرِّوَايَةِ عَنْهُ مَنْ قَدْ عَرَفَهُ وَلمْ يُبَيِّنْ مَا فِيهِ لِغَيْرِهِ، مِمَّنْ
ــ
لم يحسن مقصدهُ وقصد محض التنقصِ والعيب لا بيان الحال لأجل الحديث لكان غيبة، وكذلك لو لم يكن المتكلم من أهل هذا الشأن، ولا ممن يُلتَفَتُ إلى قوله فيه لما جاز له ذكر ذلك ولكان غيبةً، وهذا كالشاهد ليس تجريحه غيبةً [ولو عابه] (١) [قائل] (٢) بما جُرح به على طريق المشاتمة والتنقص له أُدب له وكانت غيبة، وقد قيل ليحيى بن سعيد: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركتَ حديثَهم خُصمَاك عند الله؟ فقال: لأن يكونوا خُصمائى أحبُّ إلىَّ من أن يكون خصمى رسول الله ﷺ، يقولُ: لِمَ حدثت عنى حديثًا ترى أنه كذِب؟ (٣).
ذكر مسلم تجريح قوم لجماعةٍ فيهم من يوجد تعديلهم لآخرين من الأئمة، وهذه مسألة اختلف فيها المحدّثون والفقهاء والأصوليون فى باب الخبر وباب الشهادة، وقالوا: إذا عدَّل مُعَدِّلون رجلًا وجَرَّحه آخرون فالجرح أولى، وحكوا فى ذلك إجماع العلماء مع الحجة بأن المجرح زاد ما لم يعلمه المعدّلُ، وهو بين، ولا خلاف فى هذا إذا كان عدد مع الحجة بأن المجرح زاد ما لم يعلمه المعدّلُ، وهو بين ولا خلاف فى هذا إذا كان عددُ المجرحين أكثرُ (٤)، فإن تساوَوا فكذلك عند القاضى أبى بكر
_________________
(١) سقط من الأصل.
(٢) ساقطة من ت.
(٣) المدخل إلى دلائل النبوة ١/ ٥٧، فتح المغيث ٣/ ٣٢٣. وأخرج ابن عبد البر فى التمهيد ١/ ٤٧ من طريق يحيى بن سعيد القطان يقول: سمعت عبد الرحمن ابن مهدى يقول: سألت شعبة وابن المبارك والثورى ومالك بن أنس عن الرجل يتهم بالكذب فقالوا: انشره فإنه دين. قال: وروينا عن حماد بن زيد أنه قال: كلمنا شعبةَ فى أن يكف عن أبان بن أبى عياش لسنّه وأهل بيته، فقال لى: يا أبا إسماعيل، لا يحل الكف عنه لأن الأمر دين.
(٤) الترجيح بالكثرة يكون عندما يعيّن الجارح سبب الجرح، وينفيه المعدّل بطريقٍ يقينى، فيصار إلى الترجيح بالكثرة أو شدة الورع والتحفظ، شرح مختصر ابن الحاجب ١/ ٧٠٨. وقال السخاوى: " ينبغى تقييدُ الحكم بتقديم الجرح على التعديل بما إذا فُسّرا، أما إذا تعارضا من غير تفسير فإنه يقدم التعديل. قاله المزى وغيره. شرح الألفية: ١٣١.
[ ١ / ١٦٠ ]
جَهِلَ مَعْرِفَتَهُ كَانَ آثِمًا بِفِعْلِهِ ذَلِكَ، غَاشًا لِعَوَامِّ المُسْلِمِينَ، إِذْ لا يُؤْمَنُ عَلى بَعْضِ مَنْ سَمِعَ تِلْكَ الأَخْبَارَ أَنْ يَسْتَعْمِلهَا، أَوْ يَسْتَعْمِلَ بَعْضَهَا، وَلعَلهَا أَوْ أَكْثَرَهَا أَكَاذِيبُ، لا أَصْلَ لهَا، مَعَ أَنَّ الأَخْبَارَ الصِّحَاحَ مِنْ رِوَايَةِ الثِقَاتِ. وَأَهْلِ القَنَاعَةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُضْطَرَّ إِلى نَقْلِ مَنْ ليسَ بِثِقَةٍ. وَلا مَقْنَعٍ.
ــ
والجمهور (١)، وذهب بعض المالكية إلى توقف الأمر عند التكافى، وقيل: يقضى بالأعدال. فإن كان (٢) عند المعدلين أكثر فالجمهور على تقديم الجرح للعلة المتقدمةُ. وذهبت طائفة إلى ترجيح التعديل، وقال الباجى: وهذا عندى يحتاج إلى تفصيل، فإذا قال المُعَدّل: هو عدلٌ رضى، وقال المجرّحُ: فاسِق رأيته أمس يشربُ الخمر، فلا تنافى بين الشهادتين. وقد أثبت هذا فسْقًا لم يعلمه الآخر، فأما لو قال المعدّل: ما فارقنى أمسِ الجامع ومثل هذا، فقد تعارضَت الشهادتان، ولعل توقُّف من توقَّفَ من أصحابنا لهذا الوجه.
وقال اللخمى (٣): إذا كان اختلافهما فى ذلك عن كلام قاله فى مجلس أو فعلٍ فعله قُضِىَ بالأعدال لا [به] (٤) تكاذب، وهذا نحو ما أشار إليه الباجى، وإن كان عن مجلسين متباينين غلب الجرح، وإليه يرجع قول الجمهور، وإن تباعدت شهادة العدل من شهادة المجرح قضى بآخرهما- وهذا مما لا يختلف فيه- إلا أن يُعلم أنه كان حين شُهد عليه بتقادم (٥) الجرح ظاهر العدالة إذ ذاك، حسب ما هو عليه الآن فيغلب الجرح.
قال القاضى: ثُم يُرْجَع إلى الأصل عند تعارضُ الشهادتين، فإن كان قبل محمولًا على العدالة، وجاءت بعدُ مثل هذه الشهادة مضت عدالته على ما تقدم له وعُرف من حاله إذ سقطت الشهادتان، وإن كان على غير ذلك بقى على حكمه الأول، وهل يترجح التعارض مع القول بالتوقف بالكثرة على الخلاف المتقدم.
_________________
(١) بشرط أن يكون الجارح والمعدل عارفًا بصيرًا بأسبابهما، وهذا القول منهم بناءً على انعدام السبب فى كليهما، حكاه الغزالى فى المستصفى عن القاضى الباقلانى ١/ ١٦٢، ونقله الآمدى فى الإحكام ٢/ ١٢٢.
(٢) فى الأصل: كاه، وهو خطأ.
(٣) هو: بدر بن الهيثم بن خلف، القاضى الفقيه الصدوق. حدث عنه عمرُ بن شاهين وأبو بكر بن المقرى وجماعة. قال الدارقطنى. كان ثقةً نبيلًا. توفى سنة سبع عشرة وثلاثمائة. تاريخ بغداد ٧/ ١٠٧، سير ٥٣٠/ ١٤.
(٤) ساقطة من الأصل، واستدركت فوق سابقتها على أنها فيه.
(٥) فى ت: بتقدم.
[ ١ / ١٦١ ]
وَلا أَحْسَبُ كَثِيرًا مِمَّنْ يُعَرِّجُ مِنَ النَّاسِ عَلى مَا وَصَفْنَا مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ الضِّعَافِ وَالأَسَانِيدِ المَجْهُولةِ، وَيَعْتَدُّ بِرِوَايَتِهَا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِمَا فِيهَا، مِنَ التَّوَهُّنِ وَالضَّعْفِ - إِلا أَنَّ الذِى يَحْمِلهُ عَلى رِوَايَتِهَا وَالاعْتِدَادِ بِهَا، إِرَادَةُ التَّكَثُّرِ بِذَلِكَ عِنْدَ العَوَامِّ، وَلأَنْ يُقَالَ: مَا أَكْثَرَ مَا جَمَعَ فُلانٌ مِنَ الحَدِيثِ، وَأَلفَ مِنَ العَدَدِ.
وَمَنْ ذَهَبَ فِى العِلْمِ هَذَا المَذْهَبَ، وَسَلكَ هَذَا الطَّرِيقَ فَلا نَصِيبَ لهُ فِيهِ، وَكَانَ بِأَنْ يُسَمَّى جَاهِلًا، أَوْلى مِنْ أَنْ يُنْسَبَ إِلى عِلمٍ.
وَقَدْ تَكَلمَ بَعْضُ مُنْتَحِلى الحَدِيثِ مِنْ أَهْلِ عَصْرِنَا فِى تَصْحِيحِ الأَسَانِيدِ وتَسْقِيمِهَا بِقَوْلٍ، لوْ ضَرَبْنَا عَنْ حِكَايَتِهِ وَذكرَ فَسَادِهِ صَفْحًا - لكَانَ رَأيًا مَتِينًا، وَمَذْهَبًا صَحِيحًا.
إِذِ الإِعْرَاضُ عَنِ القَوْلِ المُطَّرَحِ أَحْرَى لإِمَاتَتِهِ وَإِخْمَالِ ذِكْرِ قَائِلِهِ وَأَجْدَرُ أَلا يَكُونَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا للجُهَّالِ عَليْهِ، غَيْرَ أَنَّا لمَّا تَخَوَّفْنَا مِنْ شُرُورِ العَوَاقِبِ وَاغْتِرَارِ الجَهَلةِ بِمُحْدِثَاتِ الأَمُورِ وَإِسْرَاعِهِمْ إِلى اعْتِقَادِ خَطَأ المُخْطِئِينَ، وَالأَقْوَالِ السَّاقِطَةِ عِنْدَ العُلمَاء، رَأَيْنَا الكَشْفَ عَنْ فَسَادِ قَوْلِهِ، وَرَدَّ مَقَالتِهِ بِقَدْرِ مَا يَلِيقُ بِهَا مِنَ الرَّدِّ أَجْدَى عَلى الأَنَامِ، وَأَحْمَدَ لِلعَاقِبَةِ إِنْ شَاءَ اللهُ.
وَزَعَمَ القَائِلُ الذِى افْتَتَحْنَا الكَلامَ عَلى الحِكَايَةِ عَنْ قَوْلِهِ، وَالإِخْبَارِ عَنْ سُوءِ رَويَّتِهِ أَنَّ كُلَّ إِسْنَادٍ لِحَدِيثٍ فِيهِ فُلانٌ عَنْ فُلانٍ، وَقَدْ أَحَاطَ العِلمُ بِأَنَّهُمَا قَدْ كَانَا فِى عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الحَدِيثُ الذِى رَوَى الرَّاوِى عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ وَشافَهَهُ بِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لا نَعْلمُ لهُ مِنه سَمَاعًا وَلمْ نَجِدْ فِى شَىْءٍ مِنَ الرِّوايَاتِ أَنَّهُمَا التَقَيا قَطُّ، أَوْ تَشَافَهَا بِحَدِيثٍ - أَنَّ الحُجَّةَ لا تَقُومُ عِنْدَهُ بِكُلِّ خَبَرٍ جَاءَ هَذَا المَجِىءَ، حَتَّى يَكُونَ عِنْدَهُ العِلمُ بِأَنَّهُمَا قَدِ اجْتَمَعَا مِنْ دَهْرِهِمَا مَرَّةً فَصَاعِدًا، أَوْ تَشَافَهَا بِالحَدِيثِ بَيْنَهُمَا، أَوْ يَرِدَ خَبرٌ فِيهِ بَيَانُ اجْتِمَاعِهِمَا، وَتَلاقِيهِمَا، مَرَّةً مِنْ دَهْرِهِمَا، فَمَا فَوْقَهَا، فَإِنْ لمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلمُ ذَلِكَ،
_________________
(١) وقال مسلم فى النهى عن التحدث بالأخبار الضعيفة كلامًا، قال فى آخره: " أو يستعمل بعضَها أو أقلها أو أكثرها أكاذيب لا أصل لها " كذا رواية شيوخنا عن الدلائى،
[ ١ / ١٦٢ ]
وَلمْ تَأْتِ رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ تُخْبِرُ أَنَّ هَذَا الرَّاوِىَ عَنْ صَاحِبِهِ قَدْ لقِيَهُ مَرَّةً، وَسَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا - لمْ يَكُنْ فِى نَقْلهِ الخَبَرَ عَمَّنْ رَوَى عَنه ذَلِكَ، وَالأَمْرُ (١) كَمَا وَصَفْنَا، حُجَّةٌ. وَكَانَ الخَبَرُ عِندِهُ مَوْقُوفًا، حَتَّى يَرِدَ عَليْهِ سَمَاعُهُ مِنْهُ لشَىْءٍ مِنَ الحَدِيثِ. قَل أَوْ كَثُرَ، فِى رِوَايَة مِثْلِ مَا وَرَدَ.
ــ
وهو محتمل مصحف غير مستقل، والصواب روايتهم عن الفارسى: " ولعلها- أو أكثرها- أكاذيبُ " وأظن اللام أنفصلت مما بعدها من لعلها، فقرأه: أقلها وغرَّه ذكر أكثَرها بعدُ.
_________________
(١) ضبطت فى نسخة الشعب هكذا: والأوامر، وهو خطأ فاحش.
[ ١ / ١٦٣ ]