٢٣ - (١٧) حدّثنا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبى جَمْرَةَ؛ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنُ عَبَّاسٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ أَبِى جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا هَذَا الحَىَّ مِنْ رَبِيعَة، وَقَدْ حَالَتْ بَيْننَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَر، فَلا نَخْلُصُ إِلَيْكَ إِلا فِى شَهْرِ الْحَرَامِ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نَعْمَلُ بِهِ، وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا. قَالَ: " آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: الإِيْمَانِ بِاللهِ - ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ فَقَالَ -: شَهَادةِ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ
ــ
وقوله فى حديث عبد القيس: " آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع؛ الإيمان بالله، ثم فسَّرَها لهم فذكر الشهادتين والصلاة والزكاة وأداء الخمس "، وفى بعض طرقه: " أمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع، أمرهم بالإيمان بالله وحده، وقال: هل تدرون ما الإيمان؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وذكر الصلاة والزكاة والصوم وأداء الخُمس " (١)، وفى رواية أخرى: " اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وذكر الصلاة والزكاة والصوم وأداء الخُمس " (٢)، قال الإمام: ظن بعض الفقهاء أن فى هذا دلالة على أن الصلاة والزكاة من الإيمان، خلافًا للمتكلمين من الأشعرية القائلين بأن ذلك ليس من الإيمان (٣)، وهذا الذى ظنه غير صحيح؛ لاحتمال أن يكون الضمير فى قوله: ثم فسرها لهم (٤) عائدًا على الأربع لا على الإيمان كما ظن هذا الظان، ويحتمل فى الحديث الثانى أن يكون قوله: " وأقام الصلاة " معطوفًا على الأربع.
_________________
(١) وهو طريق أبى بكر بن أبى شيبة هنا، غير أن لفظه: " فأمرهم ".
(٢) وهو طريق يحيى بن أيوب.
(٣) وكذلك أبو حنيفة وأصحابه، مقالات ١٣٨. والأشعرية هم: أصحاب أبى الحسن على بن إسماعيل الأشعرى المنتسب إلى أبى موسى الأشعرى صاحب رسول الله ﷺ، وكان -كما يقول الذهبى- عجبًا فى الذكاء وقوة الفهم، ولما برع فى معرفة الاعتزال كرهه وتبرَّأ منه. مات ببغداد سنة أربع وعشرين وثلاثمائة. قال الذهبى: رأيت للأشعرى كلمة أعجبتنى، وهى ثابتة، رواها البيهقى، سمعت حازم العبدَوىَّ، سمعت زاهر بن أحمد السرخسى يقول: لما قربَ حضور أجل أبى الحسن الأشعرى فى دارى ببغداد دعانى فأتيته، فقال: اشهد علىَّ أَنى لا أكفّرُ أحدًا من أهل القبلة؛ لأن الكلَّ يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف عبارات. سير ١٥/ ٨٥ - ٨٨. وإنما قال الأشعريون -كغيرهم من أئمة السنة- فى الإيمان: إنه التصديق بالقلب، وإن التصديق باللسان والعمل على الأركان ففروعه، وذلك فرارًا من التكفير بالمعصية، وهو الذى أوقع المعتزلة فيما وقعوا فيه لما قالوا: إن الإيمان هو جميع الطاعات. مقالات ٢٦٦، الملل والنحل ١/ ١٠٧.
(٤) فى الأصل: له، وصححت بهامش ت، وفى المعلم على الصواب.
[ ١ / ٢٢٨ ]
مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ الدُّبَاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالنَّقِيرِ، وَالمُقَيَّرِ ". زَادَ خَلَفٌ فِى رِوَايَتَهِ: " شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ " وَعَقَد وَاحِدَةً.
٢٤ - () حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى جَمْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أُترْجِمُ بَيْنَ يَدَىِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبَيْنَ
ــ
قال القاضى: أشكل معنى هذا الحديث على بعض الناس حتى تكلف له ما لا يحتاج إليه لما ذكر أربعًا (١)، ثم جاء فى بعض الروايات الأخر بأربع غير الشهادتين قال (٢): وفَّىَ لهم بما وعدهم ثم زادهم، وهذا ليس بسديد، بل الأربع التى أخبرهم بها لا يُعَدُّ فيها الإيمان ولا عبادة الله، وترك الإشراك المذكور فى الحديث؛ إذ كان هذا قد تقرر عندهم وأتوه، وإنما سألوه عن غيره بما لم يعلموا من قواعد الشريعة، ويدل عليه قوله: " آمركم بالإيمان، أتدرون ما الإيمان بالله؟ " ثمَّ فسَّره لهم بالشهادتين، ثم ذكر الأربع بعد ذلك، وأما على الرواية الأولى فهى أربع بالشهادة وقد قال فى آخر الحديث: وذكر الشهادة قال: وعقد واحدة، وإسقاط الصوم منه وهمٌ والله أعلم، لاتفاق الروايات الأخر عليه. وأما الحج لم يكن فرض بعد؛ لأن وفادة عبد قيس كانتُ عام الفتح قبل خروج النبى ﷺ إلى مكة، وفريضة الحج بعدها سنة تسع على الأشهر، والله أعلم. وقد يحتمل أن يكون الأربع التى أمرهم بها الشهادتين والصلاة والزكاة والصيام التى سألوا عنها، وهى قواعد الإسلام وأصول العبادات، وفروض الأعيان، ثم أخبرهم أنه يلزمهم إخراج خمس ما غنموه وأداؤه للمسلمين، لما أخبروه بمجاورتهم كفار مضر وعداوتهم لهم يقصد إلى ذكر مجاهدتهم بعدها من قواعد الإسلام (٣) والجهاد بعد لم يكن فُرض (٤)؛ لأن فرضه العام نزل فى سورة براءة سنة ثمان بعد الفتح، بل نبههم على أداء خمس ما يأخذونه منهم، ولا يبعد إطلاق اسم الإيمان على هذه الجملة؛ إذ بها يتم الإيمان ويكمل الإسلام، ويكون قوله: " آمركم بالإيمان بالله " عائد على كل ما أمرهم به ونهاهم عنه، أو يكون إضرابًا عن تفصيل الأعداد، وأمر بالإيمان الشامل لها ولغيرها، والله أعلم.
_________________
(١) قال الأبى: المستشكل هو ابن بطال، وجواب القاضى الأول أولى أن يكون غير سديد. إما أنه تكلف، فإن الظاهر عطف صلاة على الشهادتين، وإعرابه بغير هذا تكلف، وإما أنه غير سديد معنى فلأن جعل الأربع مابعد الشهادتين يوجب أن يكون أداء الخمس ركنًا، وهو نص أن الجهاد حينئذ لم يكن فرض. قال: وجوابه الثانى هو جواب ابن بطال الذى زيف وغايته أنه قرره.
(٢) فى الأصل: وقال.
(٣) فى ق: الإيمان.
(٤) قلت: بل الجهاد مفروض من قبل هذا، فقد فرض عقب الهجرة.
[ ١ / ٢٢٩ ]
النَّاسِ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ تَسْأَلُهُ عَنْ نَبِيذِ الْجَر. فَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " مَنِ الْوَفْدُ؟ أَوْ مَنِ الْقَوْمُ؟ ". قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَال: " مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ، أَوْ بِالْوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلا النَّدَامَى ". قَالَ: فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَأتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَىَّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَإِنَّا لا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأتِيكَ إِلا فِى شَهْرِ الْحَرَامِ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ. قَالَ: فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ. قَال: أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ. وَقَالَ: " هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللهِ؟ ". قَالُوا: اللهُ
ــ
وقوله: " مرحبًا بالقوم أو الوفد غير خزايا ولا ندامًا " ويروى: " ولا النّدامى " (١).
وقوله: " ولا ندَامى ": مراده به جمع الواحد الذى هو نادم، ولكنه جاء هاهنا على غير القياس اتباعًا لخزايا. قال ابن قتيبة وغيره: قال الفراءُ وغيره: العربُ إذا ضمت حرفًا إلى حرف فربما أجروه على بنيته، ولو أفردوه لتركوه على جهته الأولى، من ذلك قولهم: إنى لآتيه بالغدايا والعشايا، فجمعوا الغداة غدايا، لما ضُمَّت إلى العشايا.
وأنشد:
هنَّاك (٢) أخبية ولاج أبْوِية
تخلط بالجدمنه البُرُّ واللينا
فجمع الباب أبويةً؛ إذ كان مُتَّبعًا لأخبية، ولو أفرده لم يجُز.
قال الفرَّاء: وأرى قوله فى الحديث: " ارجعن (٣) مأزورات غير مأجورات " (٤) من هذا، ولو أفردوا لقالوا: موزورات.
قال غيره: وإنما يجمع على ندامى النَّدمان الذى هو النديم، وقال القَّزاز فى جامعه: يقال فى النادم (٥): ندمان، فعلى هذا يكون الجمع جارٍ (٦) على الأصل، لا على جهة الاتباع.
_________________
(١) جاء فى المعلم عقبها: قال الشيخ -وفقه الله-: معنى خزايا أذلاء ومهانين، ومنه قول الله تعالى: ﴿مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى﴾ يقال: خزى الرجل يخزى خزيًا إذا هلك وهان، وخزى خَزَايه إذا استحى، وخزايا جمع خزيان مثل حيارى جمْع حَيْرَان. وفى ق زيد بعدها: خزايا جمع خزية، وقيل: خيازى جمع خيزان.
(٢) فى ت: هنَّاد.
(٣) فى الإكمال: يرجعن، والمثبت من المعلم.
(٤) جزء حديث أخرجه ابن ماجه فى ك الجنائز، ب ما جاء فى اتباع النساء الجنائز ١/ ٥٠٣، البيهقى فى السنن الكبرى ٤/ ٧٧ عن على -﵁- وفى إسناده دينار بن عمر، ذكره ابن حبان فى الثقات، وقال الخليلى فى الإرشاد: كذاب، وبقية رجاله ثقات. قال البيهقى عقب سياقته للحديث: وفى حديث الروذبارى: " موزورات ".
(٥) فى المعلم: للنادم.
(٦) فى المعلم: جاريا.
[ ١ / ٢٣٠ ]
وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسًا مِنَ الْمَغْنَمِ ". وَنَهَاهُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ. قَالَ شُعْبَةُ: وَرُبَّمَا قَالَ: النَّقِير. قَالَ شُعْبَةُ: وَرُبَّمَا قَالَ: الْمُقَيَّرِ. وَقَالَ: " احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوا بِهِ مِنْ وَرَائِكُمْ ". وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِى رِوَايَتِهِ: " مَنْ وَرَاءَكُمْ " وَلَيْسَ فِى رِوَايَتِهِ الْمُقَيَّرِ.
ــ
قال القاضى: قال الهروى فى الحديث المأثور: " غير خزايا ولا نادمين ": أى غير مستحيين، مأخوذ من الخزاية وهى الاستحياء، فجاءت رواية الهروى هذه على جمع نادم، والمعنى: إنكم بادرتم بإسلامكم دون حرب تفضحكم وتخزيكم، أو توجب الاستحياء من تأخر إسلامكم، أو من عنادكم وحربكم لنا، والندم على ما فاتكم من المبادرة. وقوله: " مرحبًا " نُصِب على الصدر، استعملته العرب فى البر وحسن اللقاء، ومعناه: صادف رُحبًا وسعةً وبرًا.
وفيه جواز قول مثل هذا، وقد جاء فى غير حديث (١).
وقوله فيه: " وأنهاكم عن الدُّبَّاء والحنتم والنَّقير والمُقَيَّر ": هذا موضع ذكره، ووقع فى المُعلم مُقدَّمًا فى غير موضعه (٢)، قال الإمام: الدُّبَّاء ممدود، قال الهروى: الدُّبا القرعَةُ، كانت يُنتبَذُ فيها وتُخَمَّر (٣). قال أبو عبيد: الحنتم (٤) جرار خُضرٌ كانت تحمل فيها إلى المدينة الخمر، وذكر ابن حبيب أن الحنْتَم الجَر، وكل ما كان من فخارٍ أبيض أو أخضر (٥). قال بعض أهل العلم: ليس كما قال ابن حبيب، وإنما الحنتم ما طلى من الفخار بالحنتم المعمول من الزجاج وغيره، وهو يعجل الشدة فى الشراب، وأما الفخار الذى لم يُطْلَ فليس كذلك، وحكمه حكم الجرّ. قال أبو عبيد: النقير أصله النخلة يُنْقَر جوفها ثم يُشْدَخُ فيه الرطبُ والبُسْرُ فيدعونه (٦) حتى يَهْدُر ثم يموتَ، وفى كتاب مسلم أن
_________________
(١) قالها ﷺ لفاطمة ابنته -﵂-: مرحبا بابنتى "، وقد أخرجه البخارى فى ك المناقب، ب علامات النبوة ٤/ ٢٤٨ عن عائشة، كذلك مسلم فى فضائل الصحابة، أحمد فى المسند ٦/ ٢٨٢. وقالها ﷺ للسائب بن أبى السائب يوم الفتح: " مرحبًا بأخى وشريكى، كان لا يدارى ولا يمارى "، المسند ٣/ ٤٢٥، وقالها ﷺ لابنة خالد بن سنان العبسى، وذلك فيما أخرجه ابن أبى شيبة: " مرحبًا بابنة أخى " ١٢/ ٢٠٠، وقالها ﷺ للأنصار: " مرحبًا بالأنصار " مجمع الزوائد ١٠/ ٤٠.
(٢) ذكرها عقب كلامه عن رواية عمر فى تقديمه الصيام على الحج.
(٣) فى المعلم: وتصرى، وهى غير واضحة فى ت، وجاءت فى أ: ونُضَّرا، ولعله يقصد ما فى المعلم.
(٤) فى المعلم: والحنتم.
(٥) فى المعلم: وأخضر.
(٦) فى الأصل: يدعونه، وفى المعلم: ثم يدعونه.
[ ١ / ٢٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النقير جذع يُنْقَرُ [فيه] (١) فيقذفون فيه من القُطيعاء. قال ابن ولاد (٢) [وغيرُه] (٣): القُطيعاء [بالمد] (٤) نوع من التمر يقال له: السهريزُ (٥).
قال غيرُه: والمقَيَّرُ: ما طُلى بالقار وهو الزفتُ.
قال الإمام: أما الحنتَم فروى ابن حبيب (٦) عن مالك أنه أرخصَ فى الحنتم. وروى القاضى أبو محمد المنع منه على التحريم، وأما المنقور فروى عن مالك الكراهية والرخصةُ فيه، وأما الدُّبَّاء والمزفتُ فكره مالك نبيذهما، قال ابن حبيب: والتحليل أحبُّ إلى (٧).
قال القاضى: حكى أبو إسحاق الحربى عن أنس بن مالك: الحناتم قلالٌ يجاء بها من مُضرَ مقيّراتُ الأجواف، وذكر نحوه عن ابن أبى ليلى (٨)، وزاد جُمْرًا، قال: وليست بالخضر الطويلة؛ إذْ أنها ضيّقَة أفواهها يُساق فيها الخمرُ، وفى رواية أخرى عنه: يؤتى بها من الشام، وعن عائشة هى جرار حُمر أعناقها فى جنوبها، يُجلبُ فيها الخمر من مُضَر. وعن أبى هريرة وابن مُغَفّلٍ، هو كل جرٍّ أخضر وأبيض، وعن ابن أبى ليلى أيضًا: أفواهها فى جنوبها، يجلب فيها الخمرُ من الطائف، وكان ناسٌ ينتبذون فيها يَضاهون به الخمر. وعن إبراهيم: هى جرٌّ مُقَيَّرَةٌ يؤتى بها من الشام. وعن ابن المسيب مُزفَّتَة يؤتى بها من الشام، فحدثت هذه الخضرُ، فشرب فيها [ناس] (٩) وكرهه آخرون.
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) هو محمد بن ولاد التميمى، أبو الحسين، نحوى، أخذ بمصر عن أبى على الدينورى، ثم رحل إلى العراق، وأخذ عن المبرد، وثعلب. توفى عام ٢٩٨ هـ. معجم الأدباء ١٩/ ١٠٥.
(٣) غير مذكورة فى المعلم، وهو الأصوب لمجيئها مرة ثانية.
(٤) من المعلم.
(٥) فى المعلم بالشين، وكلاهما صحيح، جاء فى اللسان: السّهريزُ والشَّهريزُ ضربُ من التمر، معرب، ويقال فيه: سِهْريز وشهريز.
(٦) هو الإمام العلامة، فقيه الأندلس، أبو مروان، عبد الملك بن حبيب بن سُليمان بن هارون بن جاهمة، ابن الصحابى عباس بن مرداس السُّلمىّ، العباسى، الأندلسى، القرطبى المالكى. ولد فى حياة الإمام مالك بعد السبعين ومائة. أخذ وحمل العلم عن ابن الماجشون، والليث ومُطرّف بن عبد الله اليسارى، وعِدَّةٍ من أصحاب مالك. وكان موصوفًا بالحِذْق فى الفقه، كثير التصانيف، قال الذهبى: إلا أنه فى الرواية ليس بمتقن، بل يحمل الحديث تهورًا كيف اتفق، وينقله وجادَةً، وإجازة، ولا يتعانى أصحاب الحديث. مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين. ترتيب المدارك ٣/ ٣٠، إنباه الرواة ٢/ ٢٠٦، سير ١٢/ ١٠٢.
(٧) عبارة ابن حبيب كما نقلها الباجى: والتخليل أحبُّ إلى فيها، وبه أقول. المنتقى ٣/ ٤.
(٨) هو عبد الرحمن بن أبى ليلى، الإمام، العلامة، الحافظ، أبو عيسى، الأنصارى، الكوفى، من أبناء الأنصار، ولد فى خلافة الصديق، أو قبل ذلك، حدَّث عن عمر، وعلى، وأبى ذر، وابن مسعود، وبلال، وأبى كعب، وصهيب. حدث عنه الحكم بن عتيبة، والأعمش، وعبد الملك بن عمير. قتل سنة اثنتين وثمانين. الطبقات الكبرى ٦/ ١٠٩، تاريخ البخارى ٥/ ٣٦٨، سير ٤/ ٢٦٢.
(٩) ساقطة من ت.
[ ١ / ٢٣٢ ]
٢٥ - () وحدّثنى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ الْجَهْضَمِىُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبِى، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ أَبِى جَمْرَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ، نَحْو حَدِيثِ شُعْبَةَ، وَقَالَ: " أَنْهَاكُمْ عَمَّا يُنْبَذُ فِى الدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ "، وَزَادَ ابْنُ مُعَاَذٍ فِى حَدِيثِهِ عَنْ أَبِيهِ قَال: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ للأَشَجِّ، أَشَجِّ عَبْدِ القَيْسِ: " إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ ".
ــ
وقال أبو سلمة: الحنتم الجر كله، وعن ابن عمر وسعيد بن جبير نحوه. وعن عطاء: كانت تعمل من طين يعجن بالدمِ والشعر.
فلنهيه ﷺ عنها ثلاثة أوجه (١):
إما لكونها مُزَفَّتة فَتُعينُ على شِدَّة ما يُلقى فيها ويُنبَّذ، لأجل الزفت (٢)، أو لأن الخمرَ كان يُحمَلُ فيها (فَنهى عن ذلِكَ؛ مخافة أن تنبذ فيها قبل حسن غسلها وذهاب طعم الخمر منها، ومخافة ضراوتها بالخمر، قيل: أو لنجاستها وقذارتها لعملها بالدم والشعر، وليُمتنعَ من عملها بذلك إذا نُهى عن استعمالها.
وقوله: " لأشج عبد القيس ": واسمه المنذر بن عائذ، بذال معجمة، وقيل: عائذ ابن المنذر، وقيل: المنذر بن الحارث، وقيل: عبد الله بن عوف: " إِنَّ فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة " الحلم: العقلُ، والأناة: التثبتُ وترك العجلة، ويقال: تأنى يتأنَّى تأنيًا، ومنه قول الشاعر:
أناةً وحِلمًا وانتظارًا بهم غدا [فما أنا بالوانى ولا الضَّرِع الغُمْرِ] (٣)
وإنما قال له النبى ﷺ هذا؛ لأنه ورد فى هذا الخبر فى غير الأم أن وفد (٤) عبد القيس لما وصلوا المدينة بادروا إلى النبى ﷺ، وأقام الأشجّ فجمع رحالهم وعقَل ناقَتَه، ولبس ثيابًا جُددًا، ثمَّ أقبل إلى النبى ﷺ فقربه النبى ﷺ وأجلسه لجانبه، ثم إن النبى ﷺ قال لهم: " تبايعون على أنفسكم وقومكم؟ " فقال القوم: نعم، فقال الأشجُّ: يا رسول الله، إنك لم تزاول الرجل عن شىء أشدَّ عليه من دينه، نبايعك على أنفسنا وترسِل معنا من يدعوهُم، فمن أتبعنا كان معنا ومن أبى قاتلناه، قال: " صدقت، إن
فيك لخصلتين " الحديث.
_________________
(١) فى ت، ق: وجوه.
(٢) قال ابن حبيب: قال أهل العلم: إنما نهى عنه لئلا يعجل تغيير ما ينبذ فيها. المنتقى ٣/ ١٤٨.
(٣) سقط من ق.
(٤) قيل فى الوفد: إنه الجمع المختار للقدوم على العظماء من بُعدٍ، فإن لم يقدموا من بُعدٍ فليس بوفد. إكمال الإكمال ١/ ٨٨.
[ ١ / ٢٣٣ ]
٢٦ - (١٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْ لَقِىَ الْوَفْدَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ عَبْد الْقَيْسِ. قَالَ سَعِيدٌ: وَذَكَرَ قَتَادَةُ أَبَا نَضْرَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ فِى حَدِيثِهِ هَذَا؛ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا نَبِىَّ اللهِ، إِنَّا حَىٌّ مِنْ رَبِيعَةَ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، وَلا نَقْدرُ عَلَيْكَ إِلا فِى أَشْهُرِ الْحُرُمِ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نَأمُرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ، إِذَا نَحْنُ أَخَذْنَا بِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: اعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، وآتُوا الزَّكَاةَ، وَصُومُوا رَمَضَانَ، وَأَعْطُوا الْخُمُسَ مِن الغَنَائِمِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الدُّبَاءِ، والحَنْتَمِ، وَالمُزَفِّتِ، وَالنَّقِيرِ ". قَالُوا: يَا نَبِىَّ اللهِ، مَا عِلْمُكَ بِالنَّقِيرِ؟ قَالَ: " بَلَى، جِذعٌ تَنْقُرُونَهُ، فَتَقْذِفُونَ فِيهِ مِنْ الْقُطَيْعَاءِ " - قَالَ سَعِيدٌ: أَوْ قَالَ: " مِنْ التَّمْرِ - ثُمَّ تَصُبُّونَ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ، حَتَّى إِذَا سَكَنَ غَلَيَانُهُ شَرِبْتُمُوهُ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَكُمْ - أَوْ إِنَّ أَحَدَهُمْ - ليَضْرِبُ ابْنَ عَمِّهِ بِالسَّيْفِ ". قَالَ وَفِى الْقَوْمِ رَجُلٌ أَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ كَذَلِكَ. قَالَ: وَكُنْتُ أَخْبَؤَهَا حَيَاءً مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَقُلْتُ: فَفِيمَ نَشْرَبُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " فِى أَسْقِيَةُ الأَدَمِ، الَّتِى يُلاثُ عَلَى أَفْوَاهِهَا ".
ــ
فالأولى: تربصه حتى نظَر فى مصالِحه ولم يعجل، وهى الأناة.
والثانية: الحلم، وهى هذه الآخرة الدالَة على صحة عقله وجودة نظره للعواقب.
وقوله: " اشربوا فى آنية الأدم التى يُلاث على أفواهها "، قال الإمام: الأدمُ جمع أديم، وهو (١) الجلد الذى [قد] (٢) تم دباغة وتناهى. قال السيرافى: لم يجمع فعيل على فَعَلٍ إلا أديم وأدَمٌ وأفيق وأفَقٌ وقضَيمٌ وقضَمٌ - القضيمُ: الصحيفة، والأفيق: الجلد الذى لم يتم دباغة.
قال القاضى: وقوله: " يلاث على أفواهها " أى: يربط ويلف بعضها على بعض، قال العتبى: أصل اللوث الطى، ولثتُ العمامةَ: أى لففتُها، وهذا بمعنى اللفظ الوارد فى الرواية الأخرى: " عليكم بالمُوكى " مقصورٌ، أى: بالأسقية التى توكأ، أى تُربَط أفواهها بالوكاء، وهو الخيط الذى يربط به. والقضيمُ: الصحيفة كما قال، لكنَّها البيضاء التى لم يكتب فيها بعدُ. وإنَّما حضَّهم ﷺ على الشراب فى آنية الأدم -وهى الأسقية- والموكى المذكور فى الأحاديث الأخر (٣) وفى كتاب الأشربة، لأنها لرقة جلودها لا يمكن أن يتم فيها فسادُ الأشربة وتخميرها حتى تنشق ويظهر فيها، بخلاف غيرها من الأوانى، فكانت آمَنَ من هذا، وقد بينَّاه فى كتاب الأشربة.
_________________
(١) فى ت: وهى.
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) فى ت: الثلاث.
[ ١ / ٢٣٤ ]
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَرْضَنَا كَثِيرَةُ الْجِرْذَانِ، وَلا تَبْقَى بِهَا أَسْقِيَةُ الأَدَمِ. فَقَالَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ: " وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ " قَالَ: وَقَالَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ لأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: " إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ؛ الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ ".
٢٧ - حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِى عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادةَ؛ قَالَ: حَدَّثَنِى غَيْرُ وَاحِدٍ لَقِىَ ذاكَ الْوَفْدَ. وَذَكَرَ أَبَا نَضْرَةَ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ؛ أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، غَيْرَ أَنَّ فِيهِ: " وَتَذِيفُونَ فِيهِ مِنَ الْقُطَيْعَاءِ أَوِ التَّمْرِ وَالمَاءِ ". وَلَمْ يَقُلْ: قَالَ سَعِيدٌ، أَوْ قَالَ: مِنَ التَّمْرِ.
ــ
وقوله: " وتُذيقون فيه القُطيعاء ": رويناه بالدال المهملة والذال المعجمة، وتُضمُّ التاء مع المهملة، وكلاهما صحيح بمعنى (١). وقال بعض المتعقبين: صوابه: تدُوفون إذا أهملت، أو تذيفون إذا أعجمت كله ثلاثى، وخلاف هذه الرواية هو خطأ؛ لأنه ثلاثى وغيرُه قد حكى أذافَ، فالرواية صحيحة. قال ابن دُرَيد: دُفت الدواء وغيرَه بالماء أدوفُه- بإهمال الدال، وقال غيرُه: وذُفتُه أذيفه وسُمٌ مذوف ومَذيف ومدوف ومدووف (٢)، من ذاءفتُ (٣) وهو السم المُذاف.
وقوله: " إنَّهم اعتذروا بكثرة الجرذان فى أرضهم وأنها تأكلها فلم يعذرهم بذلك "، قال الإمام: يحتمل أن يكون إنما راجعوه؛ لأنهم اعتقدوا أنه إنما يبنى كثيرًا من شرعه على المصالح، وأنَّ من المصلحة الرخصة عند الضرورات، فلم يعذرهم ﷺ؛ لأنه اعتقد أنه ليس بأمرٍ غالبٍ يشق التحرزُ منه، وأن هذا ليس مما يباح للضرورة. وواحد الجرذان جُرَذ -بضم الجيم وفتح الراء وبالذال المعجمة، على مثال نُغَرٍ وحُدَدٍ.
قال القاضى: ذكر فى هذا الحديث قول أبى جمرة: " كنت أترجم بين يدى ابن عباس " ترجم عليه البخارى: الترجمة بين يدى الحاكم (٤). قال بعضهم: كان
_________________
(١) فى ت: بمعنى صحيح.
(٢) فى الأصل: ومدوف.
(٣) فى ت: دافت.
(٤) قال الأبى: فى هذه الترجمة نظر؛ لأن ابن عباس إنما كان مفتيًا، والفتيا أخف من القضاء. إكمال الإكمال ١/ ٩٢.
[ ١ / ٢٣٥ ]
٢٨ - () حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ الْبَصْرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو قَزْعَةَ؛ أَنَّ أَبَا نَضْرَةَ أَخْبَرَهُ، وَحَسَنًا أَخْبَرَهُمَا؛ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوْا نَبِىَّ اللهِ ﷺ قَالُوا: يَا نَبِىَّ اللهِ، جَعَلَنَا اللهُ فِدَاءَكَ، مَاذَا يَصْلُحُ لَنَا مِنْ الأَشْرِبَةِ؟ فَقَالَ: " لا تَشْرَبُوا فِى النَّقِيرِ " قَالُوا: يَا نَبِىَّ اللهِ، جَعَلَنَا اللهُ فدَاءَكَ، أَوَ تَدْرِى مَا النَّقِيرُ؟ قَالَ: " نَعَمْ. الْجِذْعُ يُنْقَرُ وَسَطُهُ، وَلا فِى الدُّبَّاءِ وَلا فِى الْحَنْتَمَةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالْمُوكَى ".
ــ
أبو جمرة يتكلم بالفارسية، فكان يترجم لابن عباس عمن يتكلم بها.
وفيه جواز الترجمة وقبولها والعمل بها، وجواز المترجم الواحد؛ لأنه من باب الخبر لا من باب الشهادة، وفى هذا الأصل تنازعٌ وخلاف فى مذهبنا، والأشهر الجواز. وفيه جواز قول الرجل لأخيه: مرحبًا، وقد ترجم البخارى عليه بذلك (١). وفيه وفودُ الرعيَّةِ على إمامها وتبليغُها عنه أوامره لغيرها، كما قالوا فى الحديث: " ونُبَلّغُه مَن وراءنا " كذا روايتنا فيه بنصب مَنْ ونصب وراءنا على الظرف، وفى آخر الحديث فى الأم الخلاف فى قوله: " وأخبروا به مَن وراءَكم " أو " مِن ورائكم " مُفَسرٌ فى الأمِ، وكلاهما صحيح بمعنى، وقوله فى الحديث: " وفى القوم رجل أصابته جراحة وقيل: اسمه جهمُ بن قُثَم " ذكر ذلك ابن أبى خيثمة، وكانت الجراحة فى ساقه. وفيه علم من أعلام النبوة، لإخبار النبى ﷺ لهم بحالة مَن شرِب النبيذ، ووصف لهم صفةً قد وقعت لهم على نصّ ما أخبر ﷺ به، وظاهره أن النبى ﷺ أخبرهم بما جرى لهم، لكنه لم يواجههم بذلك أدبًا وحسن عشرة.
واختصاصُه فى هذا الحديث النهى عن هذه الأربع من الأشربة دون غيرها من المحرمات؛ لأنهم سألوا النبى ﷺ عما يصلح لهم منها فأجابهم بذلك، وهو مذكور فى الأم فى حديث محمد بن بكارٍ.
وقوله فى حديث يحيى بن أَيوبَ (٢): قال سعيد، وذكر قتادة أبا نضرة عن أبى سعيد [الخدرى معناه: أن قتادة حُدِّث بالخبر عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدرى] (٣)
_________________
(١) وفى الحديث غير هذا جواز المدح فى الوجه إذا أمن افتتانه، وقد فعله الرسول ﷺ بكثير، والأصل المنع حتى يثبت الأمن، لقوله ﷺ: " إياكم والمدح فإنه الذبح ". السابق ١/ ٩٤.
(٢) لم يرد للإمام فيه شىء.
(٣) سقط من الأصل، وقيدت بهامشه.
[ ١ / ٢٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكذا ذكره سعيد بن منصور مفسرًا عن سعيد بن أبى عروبة، قال قتادة: فذكر أبو نضرة عن أبى سعيد.
وقوله فى حديث محمد بن بكار البصرى: " ثنا أبو عاصم عن ابن جريج ثم قال فيه: أخبرنى أبو قزعَة أن أبا نضرة أخبره وحسنًا أخبرهما أن أبا سعيد الخدرى أخبره أن وفد عبد القيس " [الحديث] (١)، قال الإمام: فى هذا الضمير من قوله: " أخبرهما " إشكالُ، على من يرجع؟ فقال بعضهم: أبو نضرة هو المخبر لأبى قَزْعة وللحسن معَه، وإنما اغتر هذا بظاهر سياقة مسلم، والصواب فى الإسناد عن ابن جريج: أخبرنى أبو قزعة أن أبا نضرة وحسنًا أخبراه أن أبا سعيد أخبره، وإنما قال: أخبره، ولم يقل: أخبرهما؛ لأنه ردَّ الضمير إلى أبى نضرَة وحده، وأسقط الحسن لموضع الإرسال.
والحسن ها هنا هو الحسن البصرى (٢)، ولم يسمع من أبى سعيد، وبهذا اللفظ خرجه ابن السَّكَن فى مصنفه عن ابن جُريج أخبرنى أبو قزعة أن أبا نضرة العبدىّ وحسنًا أخبراه أن أَبَا سعيد أخبره. وأظنه من إصلاح ابن السَّكن، وكذلك خرَّجه أبو مسعود الدمشقى عن مسلم بن الحجاج عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن أبى قزعة عن أبى نضرة [وحده] (٣) عن الخدرى، ولم يذكر الحسن؛ لأنه لم يلق الخدرىَّ ولا سمع منه. وفى مسند البزار (٤) الكبير عن ابن جريج أخبرنى أبو قزعة قال: ثنا أبو نضرة وحسن عن الخدرى أن وفد عبد القيس الحديث، قال البزار: حسن هذا هو الحسن البصرى.
_________________
(١) من المعلم.
(٢) هذا قول الغسانى، وشأن المازرى -كما قال الأبى- تقليده فيما يرجع لعلم الإسناد، والحسن هنا هو ابن مسلم بن يناق، قال: لأن الثقة سلمة بن شبيب خرجه بلفظ مسلم، وعين الحسن أنه ابن مسلم، فقال: عن ابن جريج قال: أخبرنى أبو قزعة أن أبا نضرة أخبره وحسن بن مسلم أخبرهما أن أبا سعيد أخبره قال: والمعنى: أن أبا نضرة أخبر أبا قزعة والحسن بن مسلم، وكرر قوله: " أخبرهما " تأكيدًا، كما يقال: جاءنى زيد وعمرو جاءنى. السابق ١/ ٩٧.
(٣) ساقطة من ت، وهى مذكورة أيضًا فى المعلم.
(٤) فى المعلم: ابن البزار.
[ ١ / ٢٣٧ ]