٢٩ - (١٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِىَّ، عَنْ أَبِى مَعْبَدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: ربَّمَا قَالَ وَكِيعٌ: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ مُعَاذًا قَالَ: بَعَثَنِى رَسُولُ اللهِ ﷺ. قَالَ: " إِنَّكَ تَأتِى قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأَنَّى رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنيَائِهِمْ فَتُردُّ فِى فُقَرَائِهِم، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالهِمْ، وَاتَقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ ".
٣٠ - () حدّثَنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِىِّ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمِيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصم، عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى
ــ
قال القاضى [﵀] (١): وبعضهم المذكور أولًا هو عبد الغنى بن سعيد الحافظ المصرى، ولم يقل شيئًا، والصواب ما ذكره الإمام مما رده عليه أبو على الجيانى بنص ما تقدم.
وأبو قَزْعة يقال: بفتح الزاءِ وسكونها.
وقوله فى حديث معاذٍ: حدَّثنى يحيى بن عبد الله بن صيفىّ، عن أبى معبد عن ابن عباس عن معاذ [وقال: بعثنى رسول الله الحديث. قال بعضُهم] (٢): وقع عند ابن ماهان عن أبى معبد الجهنى، و[ذكر] (٣) الجهنى ها هنا وهم، وإنما هو أبو معْبَدٍ مولى ابن (٤) عباس، واسمه نافذ -يعنى بالنون والفاء والذال المعجمة.
وقوله فيه: " ستأتى قومًا أهل كتاب " إلى قوله: " فإذا عرفوا الله فأخبرهم " هذا يدل [على] (٥) أنهم غيرُ عارفين بالله تعالى، وهو (٦) مذهب حذاق المتكلمين فى اليهود والنصارى، أنهُم غير عارفين بالله تعالى، وإن كانوا يعبدونه ويظهرون معرِفته، لدلالة
_________________
(١) غير مذكورة فى ت.
(٢) و(٣) من المعلم.
(٣) فى المعلم: لابن.
(٤) من المعلم.
(٥) فى المعلم: وهذا.
[ ١ / ٢٣٨ ]
ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِىٍّ، عَنْ أَبِى مَعْبَدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَن. فَقَالَ: " إِنَّكَ سَتَأَتِى قَوْمًا " بِمِثْلِ حَدِيثِ وَكِيع.
٣١ - () حدّثنا أُمَيةُ بْنُ بِسْطَامَ العَيْشِىُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرِيْع، حَدَّثَنَا رَوْحٌ - وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ - عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِىٍّ، عَنْ أَبِى مَعْبَدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: " إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ ﷿، فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ فَأَخْبرْهُمْ أَنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى يَوْمِهِمْ وَلَيلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ ".
ــ
السمع عندهم على هذا، وإن كان العقل لا يمنع أن يعرف الله تعالى من كذَّب رسوله وظَنَّه ساحرًا ومُخرفًا (١)؛ لأنهما معلومان- لا يشترط ارتباط كل واحد منها بالآخر، ودلالة السمع الواردة بالمنع عند هؤلاء [مع] (٢) ما ورد من الظواهر المخالفة لها مستقصاة فى أصول الديانات.
قال القاضى: ما عَرَف الله تعالى من شبَّهه وجسَّمه من اليهود، وأجاز عليه البِدا (٣)، وأضاف إليه الولد منهم، أو أضاف إليه الصاحبة والولد، أو أجاز الحلول عليه والانتقال والامتزاج من النصارى، أو وصفه بما لا يليق به، أو أضاف إليه الشريكَ والمعاند فى خلقه ومُلكه من المجوس والثنوية، فمعبودهم الذى عبدوه ليس بالله، وإن سموه به؛ إذ ليس موصوفًا بصفات الإله الواجبة له، فإذًا ما عرفوا الله ولا عبدوه (٤)، فتحقق هذه النكتَة واعتمد عليها، وقد رأيت معناها لمتقدمى أشياخنا، وبها قطع الكلام أبو عمران الفاسى بين عامة أهل القيروان عند (٥) تنازعهم فى هذه المسألة.
وفى قوله ﵇ لمعاذٍ دليل بَيِّنٌ ألَّا يطالب أحدًا بفروع الشريعة إلا بعد ثبات الإيمان، وحجة لمن يقول: إن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة (٦) لقوله: " فليكن
_________________
(١) فى الأصل: ومتخرقا، وفى ت: مخرفًا، والمثبت من المعلم.
(٢) من المعلم.
(٣) فى الأصل: النِدَّ، وفى ت كتبت " اليد "، وما أثبتناه هو الأليق صدورًا عن الشيخ؛ إذ المراد بالندية متحقق فى التشبيه المذكور قبل.
(٤) فى الأصل: عهدوه.
(٥) فى ت: عقد.
(٦) فى الأصل: الشرائع، وكذا فى ق أيضًا.
[ ١ / ٢٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أول ما تدعوهم (١) إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات ".
وفى الرواية الأخرى: " فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات "، وقد يحتج من يقول بالقول الآخر بأن هذا على تقديم الآكد فى التعليم، ألا تراه كيف رتب ذلك فى الفروع وبدا بعضها على بعض؟!
(وفيه بيان لا إله إلا الله محمد رسول الله).
وفيه ترتيب الفروض فى التأكيد، وتبديةُ حقوق الإيمان على حقوق الأموال (٢).
وفيه دليل على أن الإيمان لا يصح إلا بالمعرفة وانشراح الصدر، ولا يكفى فيه نطق اللسان (٣) كما تقوله الجهميَّةُ، ولا التقليد المجردُ كما يظنه الجهلة. ولم يجئ فى حديث معاذٍ فرض الصيام والحج، ولا يصح أن يُقال: إن إرسال معاذٍ كان قبل فرضهما، فإن توجيه معاذ إلى اليمن كان من آخر أمر النبى ﷺ سنة تسع، وفيها فرض الحجُّ، والصيامُ فُرض سنة ثنتين، ومات -﵇- ومعاذ باليمن، وهذه الفروض متقدمة (٤).
وقوله: " إياك وكرائم أموالهم ": نهاه عن أن ياخذ فى الصدقة فوق السن الذى يلزمه، أو كريمة ماله، ونُخْبَتَه إن كانت فى ذلك السن، وليأخذ الوسط منه كما نُبينُه فى الزكاة.
_________________
(١) فى الأصل: يدعوهم. وفى قوله: عن ابن عباس عن معاذ، وفى الآخر: أن معاذًا، احتياط من مسلم -﵁- للحديث، حيث قال جماعة: إن الرواية بأن غير الرواية بعن، فالأولى تفيد الانقطاع، لكنه مرسل صحابى، فهو فى حكم المسند، وإن كانا عند الأكثر واحدًا يفيدان الاتصال، فلهذا الاختلاف أتى مسلم بالطريقين. راجع: إكمال الإكمال ١/ ٩٨. والكتابى كما عرفه الأبى: هو من أنزل على رسول قومه كتاب، أو التزم أحكامه من غير المسلمين فيدخل من تهود أو تنصر من المشركين، ويخرج من فعل ذلك من المسلمين؛ لأن المرتد لا يُقر. قال: وكان بعثه للدعاء لله وتعليم الشرائع كما بعث إلى كسرى، وقيصر، والنجاشى، وملك البحرين، وملك اليمامة، وإلى جبلة بن الأيهم ملك غسان، وإلى المقوقس ملك الإسكندرية. إكمال الإكمال ١/ ٩٨.
(٢) قيل: إنها قدمت لتوقف القتال عيها. إكمال الإكمال ١/ ٩٨.
(٣) لأن المعرفة هى العقد عن دليل، والنطق وحده ليس عقدًا عن دليل، والمقلد أيضًا غير مستدل. قال الأبى: " ونسب القاضى القول بكفاية التقليد إلى الجهلة مع أنه مذهب الأشعرى وأكثر المتكلمين، واختاره من المتأخرين الآمدى والقشيرى والمقترح والشيخ عز الدين. قال: والعذر له أنه لم يحفظه إلا للمعتزلة، وهى طريق بعض المتكلمين، أعنى أنه لم يحكه إلا عن المعتزلة. قال: واحتجوا على كفايته بأن أكثر من أسلم فى زمنه ﷺ لم يكونوا عارفين بالمسائل الأصولية. ومع ذلك فقد حكم ﷺ بصحة إيمانهم ". السابق ١/ ١٠٣.
(٤) زيد بعدها فى ق: قال الراوى فى قوله: أطاعوا كذا فأعلمهم كذا. ولا وجه له. وفى تفسير ترك ذكر الحج والصوم ذهب ابن الصلاح إلى أنه تقصيرٌ من الرواة، ورده القرطبى بأن الحديث قد اشتهر، فلو ذكرها لنقل، وإنما تركهما لأنه إنما قصد بيان الآكد بالنسبة إليهم فى ذلك الوقت، وهى عادته ﷺ. إكمال الإكمال ١/ ٩٩.
[ ١ / ٢٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله: " واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ": أى أنها مسموعة مستجابة لا تُردُ، وقد ورد مفسَّرًا من قول عمر بن الخطاب -﵁- فى الموطأ (١)، وروى أيضًا فى حديث رفعه أبو هريرة (٢).
_________________
(١) مالك فى الموطأ، ك دعوة المظلوم، ب ما يتقى من دعوة المظلوم ٢/ ١٠٠٣، البخارى، ك الجهاد والسير، ب إذا أسلم قوم فى دار الحرب ولهم مال وأرضون فهى لهم ٦/ ٢٠٣ والحمى هنا كان بالربذة -كما ذكر ابن سعد.
(٢) لعله يقصد ما أخرجه مسلم عنه أن رسول الله ﷺ قال: " لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء "، وانظر: البيهقى فى السنن الكبرى ٦/ ٩٣. وقد دل الحديث على جواز الدعاء على الظالم؛ لأن التحذير من قبوله -كما ذكر الأبى- إقرار له، قال: وقد أجازه مالك حتى فى الصلاة، وإنما النظر أيهما أرجح: الدعاءُ، أم الترك؟ قال: والصواب الفرق، فيترجح الدعاء على من عمَّ ظلمهُ؛ لأنه من الفساد فى الأرض، ويترجح التركُ فيمن ظلمك، لأنه أوفر للأجر. إكمال الإكمال ١/ ١٠٠.
[ ١ / ٢٤١ ]