٧٥ - (٢٠٠٩) حدّثنى سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ أعْيَنَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إلَى أبِى فِى مَنْزِلِهِ، فَاشْتَرَى مِنْهُ رَحْلًا، فَقَالَ لِعَازِبٍ: ابْعَثْ مَعِىَ ابْنَكَ يَحْمِلْهُ مَعِىَ إلَى مَنْزِلىِ. فَقَالَ لِى أبِى: احْمِلْهُ. فَحَمَلْتُهُ، وَخَرَجَ أبِى مَعَهُ يَنْتَقِدُ ثَمَنَهُ. فَقَالَ لَهُ أبِى: يَا أَبَا بَكْر، حَدِّثْنِى كَيْفَ صَنَعْتُمَا لَيْلَةَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: نَعَمْ. أسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا كُلَّهَا، حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، وَخَلا الطَّرِيقُ فَلا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ، حَتَّى رُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ لَها ظِلٌ، لَمْ تَأتِ عَلَيْهِ الشَّمْسُ بَعْدُ، فَنَزَلْنَا عِنْدَهَا، فَأتَيْتُ الصَّخْرَةَ فَسَوَّيْتُ بِيَدِى مَكَانًا، يَنَامُ فِيهِ النَّبِىُّ
ــ
وقوله فى حديث الهجرة: " حتى قام قائم الظهيرة ": الظهيرة: هى الهاجرة، وهى ساعة الزوال وانتصاف النهار، ومنه سميت صلاة الظهر. قال يعقوب: الظهيرة: نصف النهار فى القيظ حتى تكون الشمس بحيال رأسك وتركد، وركودها أن تدوم حيال رأسك، كأنها لا تبرح. وهذا معنى قوله: " قام قائم الظهيرة "، كأنه وقف ولم يبرح، إما كناية عن الشمس أو الظل لوقوفه عن الزيادة حينئذ، حتى يستبين زوال الشمس.
وقوله: " فرفعت لنا صخرة طويلة ": أى ظهرت وارتفعت لأبصارنا.
وقوله: " لها ظل لم تأت عليه الشمس بعد ": يريد ظل أول النهار، أى لم يف عليه. والظل: ما كان من غدوة إلى الزوال ما لم يصبه شمس، وهو أبرد وأطيب. والفىء: ما كان بعد الزوال ورجوعه من المشرق إلى الغرب، مما كانت عليه الشمس وأصابت أرضه.
وقوله: " فبسطت عليه فروة، ثم قلت: نم " قيل: أراد بالفروة هنا حشيشة من النبات، لكنه ورد فى صحيح البخارى: " فروة معى " (١)، وهذا يبعد هذا التأويل - والله أعلم. وفى حديث الخضر: أنه جلس على فروة بيضاء وحصير تحته خضرًا. وقال عبد الرزاق: أراد بالفروة الأرض اليابسة. وقال الهروى: قال غيره: يعنى الهشيم اليابس، شبه بالفروة. وقال الخطابى (٢): هى الأرض البيضاء.
_________________
(١) البخارى، ك مناقب الأنصار، ب هجرة النبى ﷺ وأصحابه إلى المدينة ٥/ ٨٢.
(٢) انظر: غريب الحديث ١/ ٢٢٢.
[ ٨ / ٥٧٤ ]
ﷺ فِى ظِلِّهَا، ثُمَّ بَسَطْتُ عَلَيْهِ فَرْوَةً. ثُمَّ قُلْتُ: نَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، وَأنَا أنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ. فَنَامَ، وخَرَجْتُ أنْفُضُ مَا حَوْلَهُ، فَإذَا أنَا بِرَاعِى غَنَمٍ مُقْبِلٍ بِغنمِهِ إلى الصَّخْرَةِ، يُرِيدُ مِنْهَا الَّذى أرَدْنَا. فَلَقِيتُهُ فَقُلْتُ: لِمَنْ أنْتَ يَا غُلامُ؟ فَقَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ أهْلِ المَدِينَةِ. قُلْتُ: أفِى غَنَمِكَ لَبَنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أفَتَحْلُبُ لِى؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأخَذَ شَاةً فَقُلْتُ لَهُ: انْفُضِ الضَّرَعَ مِنَ الشَّعَرِ وَالتُّرَابِ والقَذَى - قَالَ: فَرَأيْتُ البَرَاءَ يَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَى الأخْرَى يَنفُضُ - فَحَلَبَ لِى، فِى قَعْبٍ مَعَهُ، كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ. قَالَ: وَمَعِى إدَاوَةٌ أرْتَوى فِيهَا لِلنَّبِىِّ ﷺ، لِيَشْرَبَ مِنْهَا وَيَتَوَضَّأ. قَالَ: فأتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ، وَكَرِهْتُ أنْ أوْقِظَهُ مِنْ نَوْمِهِ، فوَافَقْتُهُ اسْتَيْقَظَ. فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ مِنَ المَاء حَتَّى بَرَدَ أسْفَلُهُ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اشْرَبْ مِنْ هَذَا اللَّبَن. قَالَ: فَشَرِبَ حَتى رضِيتُ. ثمَّ قَالَ: " ألَمْ يأنِ لِلرَحِيلِ؟ " قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: فاَرْتَحَلْنَا بَعْدَ مَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَاتّبَعَنا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ. قَالَ: وَنَحْنُ فِى
ــ
وقوله: " وأنا أنفض لك ما حولك ": أى أفتش وأبحث لئلا يفجأك من يغتالك. والنفيضة: الجماعة تتقدم العسكر فتنفض ما أمامه، قال ابن دريد: كالطليعة.
وقوله فى الراعى: " رجل من أهل المدينة ": قيل: هو وهم، وصوابه: من أهل مكة. وكذا وقع فى البخارى (١) من رواية إسرائيل: " لرجل من قريش " وفى رواية غيره: " لرجل من المدينة أو مكة " (٢).
وقوله: " أفى غنمك لبن ": ضبطناه كذا بفتح اللام والباء، و" لُبْن " بضم اللام وسكون الباء على وصف جماعة الشياه، أى ذوات ألبان، ويقال: شاة لبنة، وشاة لبن، وقد تسكن مثل هذا. والقعب: إناء من خشب مقعر معروف.
" وكثبة من لبن " بضم الكاف، وهى قدر الحلبة، قاله يعقوب. وقيل: القليل منه، قاله ابن الأعرابى. وفيه جواز الشرب من الغنم التى عند الرعاة إذا كانت بالبوادى، وحيث يعرف أنّ أربابها لا يطلبون لبنها، وأنه مباح للرعاة أو حيث العادة أنّ ذلك لا يمنع ويباح لشاربه. وقد سئل مالك عن المسألة على الجملة فقال: لا يعجبنى، وقد تقدم الكلام على هذا.
_________________
(١) البخارى، ك اللقطة ٣/ ١٦٦.
(٢) البخارى، ك المناقب، ب علامات النبوة ٤/ ٢٤١.
[ ٨ / ٥٧٥ ]
جَلَدٍ مِنَ الأرْضِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُتِينَا. فَقَالَ: " لا تَحْزَنْ إنَّ اللهَ مَعَنَا "، فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ. فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ إلى بَطْنِها. أُرَى فَقَالَ: إنِّى قَدْ عَلِمْتُ أنَّكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَى، فَادْعُوا لِى، فَاللهُ لَكُمَا أنْ أرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ. فَدَعَا اللهَ، فَنَجَى، فَرَجَعَ لا يَلقَى أحَدًا إلا قَالَ: قَدْ كَفَيْتُكُمْ مَا هَهُنا. فَلا يَلْقَى أحدًا إلا رَدَّهُ. قَالَ: وَوَفَى لَنَا.
() وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ. ح وَحَدَّثَنَاه إسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، كِلاهُمَا عَنْ إسْرَائيلَ، عَنْ أبِى إسحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ. قَالَ: اشْتَرى أَبُو بَكْرٍ مِنْ أبِى رَحْلًا بِثلاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا. وَسَاقَ الحَدِيثَ، بِمَعْنى حَدِيثِ زُهَيْرٍ عَنْ أبِى إسْحَاقَ. وَقَالَ فِى حَدِيثِهِ، مِنْ رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ: فَلَمَّا دَنَا دَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَسَاخَ فَرَسُهُ فِى الأَرْضِ إلَى بَطْنِهِ، وَوَثَبَ عَنْهُ. وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قَدْ عَلِمْتُ أنَّ هَذَا عَمَلُكَ، فَادْعُ اللهَ أنْ يُخَلَّصَنِى مِمَّا أنَا فِيهِ، وَلَكَ عَلَىَّ لأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرَائِى. وَهَذِهِ كِنَانَتِى، فَخُذَ سَهْمًا مِنْهَا فَإنَّكَ سَتَمُرُّ عَلَى إبِلِى وَغِلْمَانِى بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَخُذْ مِنْهَا حَاجَتَكَ. قَالَ: " لا حَاجَةَ لِى فِى إبِلِكَ ". فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ لَيْلًا، فَتَنَازَعُوا أيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: " أنْزِلُ عَلَى بَنِى النَّجَّارِ، أخْوَالِ عَبْدِ المُطَّلِبِ،
ــ
" وجدد الأرض " بفتح الجيم: الخشن منها، قاله لنا ابن سراج. وفى الجمهرة والغريبين: هو المستوى، كذا رواه العذرى. ولغيره: " جلد " باللام بمعنى الأول، أى صلب خشن غليظ. واحتاج لذكر " جدد الأرض " هاهنا ارتطام فرس سراقة فيها، وتسوخها (١) لتبين المعجزة وتظهر الآية، إذ لو كانت الأرض سبخة ورخوًا دهنية لم يستغرب مثل ذلك فيها.
وقوله: " لأعمين على من ورائى ": أى أخفى أمركم وألبسه عليهم، حتى لا يتبعوكم.
وقوله: " ارتطمت فرسه إلى بطنها "، قال الإمام: أى ذهبت وساخت.
قال القاضى: وقوله - ﵇ -: " أنزل على بنى النجار، أخوال عبد المطلب، أكرمهم [بذلك] (٢): فيه صلة القرابة وبرهم وإيثارهم.
_________________
(١) فى ح: وسؤوخها.
(٢) من ح.
[ ٨ / ٥٧٦ ]
أكْرِمُهُم بِذَلِكَ " فَصَعَدَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَوْقَ البُيُوتِ، وَتَفَرَّقَ الغِلْمَانُ وَالخَدَمُ فِى الطُّرُقِ. يُنَادُونَ: يَا مُحَمَّدُ، يَا رَسُولَ اللهِ، يَا مُحَمَّدُ، يَا رَسُولَ اللهِ.
_________________
(١) وقوله: " فصعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتنرق الخدم والغلمان فى الطريق ينادون يا محمد، يا رسول الله ": فيه ما كان أتى الله نبيه - ﵇ - من المحبة فى القلوب ما خص الله به هذا الحى من الأنصار؛ لما أراده الله بهم من الخير، وما قضاه من إظهار دينه على أيديهم.
[ ٨ / ٥٧٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم