حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: فخالفنا بعض الناس في المصراة فقال
[ ٢٠٢ ]
الحديث فيها ثابت ولكن الناس كلهم تركوه فقلت له: أفتحكي لي عن أحد من أصحاب رسول الله أنه تركه؟ قال: لا. قلت: فأنت تحكي عن ابن مسعود أنه قال فيها مثل معنى ما روي عن رسول الله ﷺ، وقلت له: أو تحكي عن أحد من التابعين أنه تركه فما علمته ذكر في مجلسه ذلك أحدًا منهم يخالفه، قال: إنما عنيت بالناس المفتين في زماننا أو قبلنا لا التابعين قلت له: أتعني بأي البلدان؟ قال: الحجاز والعراق، فقلت له: فاحك لي من تركه بالعراق، قال: أبو حنيفة لا يقول به وأصحابه إلا رجلًا واحدًا لأنهم قبلوه عن واحد، قال: فلم أعلم غيره قال به، قلت: أنت أخبرتنا عن ابن أبي ليلى أنه قال: يردها وقيمة اللبن يومئذ قال: وهكذا كان يقول ولكن لا نقول به، فقلت: أجل، ولكن ابن أبي ليلى قد زاد الحديث فتأول فيه شيئًا يحتمله ظاهره عندنا على غيره فقلنا بظاهره وابن أبي ليلى أراد اتباعه لا خلافه قال: فما كان مالك يقول فيه، قلت: أخبرني من سمعه يقول فيه بالحديث قال: فما كان الزنجي يقول فيه، قلت: سمعته يفتي فيه بمعنى الحديث.
قال الشافعي: وقلت له ما كان من يفتي بالبصرة يقول فيه قال: ما أدري. قلت: أفرأيت من غاب عنك قوله من أهل البلدان أيجوز لي أن أقول على حسن الظن بهم وافقوا حديث رسول الله قال: لا إلا أن تعلم قولهم.
قال الشافعي: فقلت: فقد زعمت أن الناس كلهم تركوا القول بحديث رسول الله في المصراة وزعمت على لسانك أنه لا يجوز لك ما قلت ولم يحصل في يديك من الناس أحد، تسميه غير صاحبك وأصحابه.
قال الشافعي: وقلت له: وهل وجدت لرسول الله حديثًا يثبته أهل الحديث يخالفه عامة الفقهاء إلا إلى حدث لرسول الله مثله قال: كنت أرى هذا قلت: فقد علمت الآن أن هذا ليس هكذا قال: وكنت أرى حديث جابر أن معاذًا كان يصلي مع النبي العتمة ثم يأتي بني سلمة فيصلي بقومه العتمة هي له نافلة ولهم فريضة فوجدنا أصحابكم المكيين عطاء وأصحابه يقولون به ووجدنا وهب بن منبه والحسن وأبا رجاء العطاردي وبعض مفتي أهل زماننا
[ ٢٠٣ ]
يقولون به قلت: وغير من سميت قال: أجل وفي هؤلاء ما دل على أن الناس لم يجمعوا على تركه قلت له: ولقد جهدت منذ لقيت وجهدنا أن نجد حديثًا واحدًا يثبته أهل الحديث خالفته العامة فما وجدنا إلا أن يخالفوه إلى حديث رسول الله فذكر حديثًا قلت: أثابت هو قال: لا فقلت ما لا يثبت مثله فليس بحجة لأحد ولا عليه قال: فكيف نرد صاعًا من تمر ولا نرد ثمن اللبن قلت: أثبت هذا عن النبي؟ قال: نعم قلت: وما يثبت عن النبي ﷺ فليس فيه إلا التسليم فقولك وقول غيرك فيه لم وكيف خطأ. قال بعض من حضره: نعم، قلت: فدع كيف إذا قررت أنها خطأ في موضع فلا تضعها الموضع الذي هي فيه خطأ، قال بعض من حضره: وكيف كانت خطأ؟ قلت: إن الله تعبد خلقه في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ بما شاء لا معقب لحكمه فعلى الناس اتباع ما أمروا به وليس لهم فيه إلا التسليم وكيف إنما تكون في قول الآدميين الذين يكون قولهم تبعًا لا متبوعًا ولو جاز في القول اللازم كيف حتى يحمل على قياس أو فطنة عقل ما لم يكن للقول غاية ينتهي إليها وإذا لم يكن له غاية ينتهي إليها بطل القياس ولكن القول قولان، قول فرض لا يقال فيه كيف، وقول تبع يقال فيه كيف يشبه بالقول الغاية.
قال الربيع: والقول الغاية الكتاب والسنة.
قال الشافعي: قلت له هل تعلم في قضاء رسول الله ﷺ الخراج بالضمان معنى إلا اثنين؟ قال: ما هما؟ قلت: إن الخراج حادث بعمل العبد ولم يكن في ملك البائع ولم يكن له فيه حصة من الثمن فلا يجوز لما كان هكذا في ملك المشتري أن يكون إلا للمشتري وأنه ﷺ قضى به للمالك ملكًا صحيحًا.
قال: لا. قلت: فإنك لما فرعت خالفت بعض معناهما معًا قال: وأين خالفت؟ قلت: زعمت أنه خراج العبد والأمة وخدمتهما وما ملكا بهبة أو وصية أو كنز وجداه أو غيره من وجوه الملك يكون ليسده الذي اشتراه ودلس له فيه بالعيب وله رده والخدمة وما ملك العبد بلا خراج غير الخراج. فإذا قيل لك:
[ ٢٠٤ ]
لم تجعل ذلك له وهو غير الخراج والخراج يكون بعمله وما وهب له يكون بغير عمله ولا يشغله عن خدمته فقلت: لأنه حادث في ملكه ليس مما انعقدت عليه صفة البيع، وزعمت أن ألبان الماشية وإنتاجها وصوفها وثمر النخل لا يكون مثل الخراج لأن هذا شيء منها والخراج ليس من العبد وتعب العبد بالخراج أكثر من تعب الماشية باللبن والصوف، والشعر يؤخذ منها وكلاهما حادث في ملك المشتري وزعمت أن المشتري إذا كان جارية فأصابها لم يكن له ردها فقيل أو تنقصه الإصابة؟ قال: لا. فقيل: الإصابة أكثر أو يجد ألف دينار ركازًا فيأخذها السيد وكلاهما حادث في ملكه، فقلت: فلم فرقت بينهما؟ قال: لأنه وطئ أمته، فقلت: أو ليست أمته حين يردها. قال: بلى، قلت: ولولا أنها أمته لم يأخذ كنزًا وجدته؟ قال: نعم، قلت: فما معنى وطء أمته وهي عندنا وعندك أمته حين يردها. قال: فروينا هذا عن علي، قلت: أثبت عن علي؟ فقال بعض من حضره من أهل الحديث: لا، قال: فروينا عن عمر يردها وذكر عشرًا أو نحوًا من ذلك قلت: أثبت عن عمر. قال بعض من حضره: لا قلت: فكيف يحتج بما لم يثبت وأنت تخالف عمر لو كان قاله، قال: أفليس يقبح أن يرد جارية قد وطئها بالملك؟ قلت: أيقبح لو باعها قال: لا، قلت: فإذا جعل له رسول الله ﷺ رد العبد بالعيب والأمة عندنا وعندك مثل العبد وأنت ترد الأمة ما لم يطأها، فكيف قلت في الوطء خاصة وهو لا ينقصها لا يردها إذا وطئها من شراء مرة أو مرتين؟ قال: ما انتفع به منها وهو ينتفع منها بما وصفت ويردها معه، قال: فمن أصحابنا من وافقك على أن يرد الجارية إذا وطئت إذا كانت ثيبًا وخالفك في نتاج الماشية فقلت: الحجة عليك الحجة عليك.