حدثنا الربيع قال: قال الشافعي ﵁: فخالفنا بعض الناس في هذه الأحاديث فجرد خلاف حديث اليمين مع الشاهد وخالف بعض معنى البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه وقد كتبت عليه فيها حججًا اختصرت في هذا الكتاب بعضها فكان مما رد به اليمين مع الشاهد أن قال: قال الله تبارك
[ ٢١٠ ]
وتعالى: "شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان" فقلت له: لست أعلم في هذه الآية تحريم أن يجوز أقل من شاهدين بحال قال: فإن قلت فيه دلالة على أن لا يجوز أقل من شاهدين قلت: فقله، قال: فقد قلته، قلت: فمن الشاهدان اللذان أمر الله جل ثناؤه بهما قال: عدلان حران مسلمان قلت: فلم أجزت شهادة أهل الذمة؟ وقلت: لم أجزت شهادة القابلة وحدها؟ قال: لأن عليًا أجازها، قلت: فخلاف هي للقرآن قال: لا قلت: فقد زعمت أن من حكم بأقل من شاهدين خالف القرآن، وقلت له: يجوز في شيء من الحديث أن يخالف القرآن قال: فإن قلته فيقال لك: قال الله تعالى: "وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن" إلى "فنصف ما فرضتم" وقال: "طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها" فزعمت أن الرجل إذا خلا بالمرأة وأغلق بابًا وأرخى سترًا أو خلا بها في صحراء وهما يتصادقان بأن لم يمسها كان لها المهر وعليها العدة فخالفت القرآن قال: لا، قال عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت ما قلت وإذا قالا: لم نجعله للقرآن خلافًا قلت: فما روي عن رسول الله ﷺ المبين عن الله تعالى ألم تقولوا هذا فيه وهو أبعد من أن يكون خلافًا لظاهر القرآن من هاتين الآيتين وذكرت له غيرهما وقلت: إن الله ﷿ قال: "شاهدين "، "وشاهدًا وامرأتين" ففيه دليل على ما تتم به الشهادة حتى لا يكون على من أقام الشاهدين يمين لا أنه حرم أن يحكم بأقل منه ومن جاء بشاهد لم يحكم له بشيء حتى يحلف معه فهو حكم غير الحكم بالشاهدين كما يكون أن يدعي الرجل على الرجل الحق فينكل المدعى عليه عن اليمين فيلزمه عندك ما نكل عنه وعندنا إذا حلف المدعي فهو حكم غير شاهد ويمين وشاهدين قال: فإنا ندخل عليكم فيها وفي القسامة أن رسول الله ﷺ قال: البينة على المدعي قلت: فهذا القول
[ ٢١١ ]
خاص أو عام. قال: بل عام، قلت: فأنت إذًا أشد الناس له خلافًا قال: وأين قلت أنت تزعم لو أن قتيلًا وجد في محلة أحلفت أهلها خمسين يمينًا وغرمتهم الدية وأعطيت ولي الدم بغير بينة وقد زعمت أن قول النبي ﷺ: البينة على المدعي عام، فلا يعطي أحد إلا ببينة وأحلفت أهل المحلة ولم تبرئهم وقد زعمت أن في قول رسول الله ﷺ: واليمين على المدعى عليه، إن المدعى عليه إذا حلف برئ مما ادعى عليه، فإن قلت: هذا بأن عمر قضى به قلت: فمن احتج بقضاء رسول الله ﷺ الثابت عنه أولى بالحجة ممن احتج بقضاء غيره، فإن قال: بل من احتج بقضاء رسول الله ﷺ قلت: فقد احتججت بقضاء رسول الله ﷺ فزعمت أن قوله: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه عام، قال: ما هو بعام، قلنا: فلم امتنعت من أن تقول بما إذا كشفت عنه أعطيت ما يدل على أن عليك أن تقول به وقلت بما إذا كشفت عنه ووجد عليك خلافه.
قال: فقد جعلتم اليمين مع الشاهد تامة في شيء ناقصة في غيره وكذلك جعلتم الشاهدين تامين في كل شيء إلا الزنا وجعلتم رجلًا وامرأتين تامين في المال ناقصين في الحدود وجعلتم شهادة أهل الذمة تامة بينهم ناقصة بين غيرهم وشهادة المرأة تامة في عيوب النساء وناقصة في غيرها، وقال: احتج في القسامة بأن قال: أعطيتهم بغير بينة قلت: فكذلك أعطيت في قسامتك واحتج بأن قال: أحلفتم على ما لا يعلمون؟ قلت: فقد يعلمون بظاهر الأخبار ممن يصدقون ولا يقبل شهادتهم وإقرار القاتل عندهم بلا بينة ولا يحكم بادعائهم عليه الإقرار وغير ذلك، قال: العلم ما رأوا بأعينهم أو سمعوا بآذانهم، قلت: ولا علم ثالث؟ قال: لا، قلت: فإذا اشترى ابن خمس عشرة سنة عبدًا ولد بالمشرق منذ خمسين ومائة سنة ثم باعه فادعى الذي ابتاعه أنه كان آبقًا فكيف تحلفه؟ قال: على البتة، قال: يقول لك تظلمني فإن هذا ولد قبلي وببلد غير بلدي وتحلفني على البتة وأنت تعلم أني لا أحيط بأن لم يأبق قط علمًا قال: يسأل، قلت: يقول لك فأنت تحلفني على ما تعلم أني لا أبر فيه قال: وإذا سئلت وسعك أن تحلف؟ قلت: أفرجل قتل أبوه فغبي من ساعته فسأل
[ ٢١٢ ]
أولى أن يعلم قال: نعم، قال بعض من حضره: بل من قتل أبوه، قلت: فقد عبت يمينه على القسامة ونحن لا نأمره أن يحلف إلا بعد العلم والعلم يمكنه واليمين على القسامة سنة عن رسول الله ﷺ وقلت برأيك: يحلف على العبد الذي وصفت قال: فقد خالف حديثكم ابن المسيب وابن بجيد، قلت: أفأخذت بحديث سعيد وابن بجيد فتقول اختلفت أحاديث عن النبي ﷺ فأخذت بأحدها؟ قال: لا، قلت: فقد خالفت كل ما روي عن النبي ﷺ في القسامة، قال: لا، قلت: فلم لم تأخذ بحديث ابن المسيب؟ قال: هو متقطع والمتصل أولى أن يؤخذ به والأنصاريون أعلم بحديث صاحبهم من غيرهم قال: فكيف لم تأخذ بحديث ابن بجيد. قلت: لا يثبت ثبوت حديث سهل فبهذا صرنا إلى حديث سهل دونه، قال: فإن صاحبكم قال: لا تجب القسامة إلا بلوث من بينة أو دعوى من ميت ثم وصف اللون بغير ما وصفت قلت: قد رأيتنا تركناه على أصحابنا وصرنا إلى أن نقضي فيه بمثل المعنى الذي قضى به رسول الله ﷺ لا بشيء في غير معناه، قال: وأعطيتم بالقسامة في النفس ولم تعطوا بها في الجراح قلت: أعطينا بها حيث أعطى رسول الله ﷺ قال: الجراح مخالفة للنفس، قلت: لأن المجروح قد يتبين من جرحه ويدل على من عمل ذلك ولا يتبين الميت ذلك، قال: نعم، قلنا: فبهذا لم نعط بها في الجراح كما أعطينا بها في النفس والقضية التي خالفوا بها البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، أحلفوا أهل المحلة ولم يبرؤهم وإنما جعل رسول الله ﷺ اليمين موضع براءة وقد كتبنا الحجة في هذا مع غير ذلك مما كتبناه في غير هذا الكتاب وما رأيناهم ادعوا الحجة في شيء إلا تركوه ولا عابوا شيئًا إلا دخلوا في مثله أو أكثر منه.
قال الشافعي ﵁: ومن كتاب عمر بن حبيب عن محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي عن عبد الرحمن بن بجيد بن قبطي أحد بني حارثة قال محمد يعني ابن إبراهيم: وأيم الله ما كان سهل بأكثر علمًا منه لكنه كان أسن منه قال: والله ما هكذا كان الشأن ولكن سهلًا أوهم ما قال رسول الله ﷺ احلفوا على ما لا علم لهم به ولكنه كتب إلى
[ ٢١٣ ]
يهود خيبر حين كلمته الأنصار أنه وجد قتيل بين أبياتكم فدوه فكتبوا إليه يحلفون بالله ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلًا فوداه رسول الله ﷺ من عنده.
قال الشافعي: فقال لي قائل ما يمنعك أن تأخذ بحديث ابن بجيد؟ قلت: لا أعلم ابن بجيد سمع من النبي ﷺ وإذا لم يكن سمع من النبي ﷺ فهو مرسل ولسنا ولا إياك نثبت المرسل وقد علمت سهلًا صحب النبي ﷺ وسمع منه وساق الحديث سياقًا لا يثبته إلا الإثبات فأخذت به لما وصفت، قال: فما منعك أن تأخذ بحديث ابن شهاب؟ قلت: مرسل والقتيل أنصاري والأنصاريون أولى بالعناية بالعلم به من غيرهم إذا كان كل ثقة وكل عندنا بنعمة الله تعالى ثقة.