حدثنا الربيع قال: قال الشافعي: فخالفنا بعض الناس في رفع اليدين في الصلاة، فقال: "إذا افتتح الصلاة المصلي رفع يديه حتى يحاذي أذنيه ثم لا يعود يرفعهما في شيء من الصلاة واحتج بحديث رواه يزيد بن أبي زياد،
[ ١٢٧ ]
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال: رأيت النبي ﷺ إذا افتتح الصلاة يرفع يديه، قال سفيان: ثم قدمت الكوفة فلقيت يزيد بها فسمعته يحدث بهذا وزاد فيه: ثم لا يعود، فظننت أنهم لقنوه، قال سفيان: هكذا سمعت يزيد يحدثه هكذا ويزيد فيه: ثم لا يعود، قال: وذهب سفيان إلى أن يغلط يزيد في هذا الحديث ويقول كأنه لقن هذا الحرف الآخر فلقنه ولم يكن سفيان يرى يزيد بالحافظ لذلك قال: فقلت لبعض من يقول هذا القول: أحديث الزهري عن سالم عن أبيه أثبت عند أهل العلم بالحديث أم حديث يزيد؟ قال: بل حديث الزهري وحده، قلت: فمع الزهري أحد عشر رجلًا من أصحاب رسول الله منهم أبو حميد الساعدي وحديث وائل بن حجر كلها عن النبي ﷺ بما وصفت وثلاثة عشر حديثًا أولى أن تثبت من حديث واحد ومن أصل قولنا وقولك إنه لو لم يكن معنا إلا حديث واحد ومعك حديث يكافئه في الصحة فكان في حديثك أن لا يعود لرفع اليدين وفي حديثنا يعود لرفع اليدين كان حديثنا أولى أن يؤخذ به لأن فيه زيادة حفظ ما لم يحفظ صاحب حديثك فكيف صرت إلى حديثك وتركت حديثنا والحجة لنا فيه عليك بهذا وكان إسناد حديثك ليس كإسناد حديثنا بأن أهل الحفظ يرون أن يزيد لقن ثم لا يعود، قال: فإن إبراهيم النخعي أنكر حديث وائل بن حجر وقال: أترى وائل بن حجر أعلم من علي وعبد الله، قلت: وروى إبراهيم عن علي وعبد الله أنهما رويا عن النبي خلاف ما روى وائل بن حجر، قال: لا، ولكن ذهب إلى أن ذلك لو كان روياه أو فعلاه، قلت: أفروى هذا إبراهيم عن علي وعبد الله نصًا؟ قال: لا، قلت: فخفي عن إبراهيم شيء رواه علي وعبد الله أو فعلاه، قال: ما أشك في ذلك، قلت: فتدري لعلهما قد فعلاه فخفي عنه أو روياه
[ ١٢٨ ]
فلم يسمعه قال: إن ذلك ليمكن، قلت: أفرأيت جميع ما رواه إبراهيم فأخذ به فأحل به وحرم، أرواه عن علي وعبد الله؟ قال: لا، قلت: فلم أحتججت بأنه ذكر عليًا وعبد الله وقد يأخذ هو وغيره عن غيرهما ما لم يأت عن واحد منهما ومن قولنا وقولك إن وائل بن حجر إذا كان ثقة لو روى عن النبي شيئًا، فقال عدد من أصحاب النبي لم يكن ما روى كان الذي قال كان أولى أن يؤخذ بقوله من الذي قال لم يكن وأصل قوله أن إبراهيم لو روى عن علي وعبد الله لم يقبل منه لأنه لم يلق واحدًا منهما إلا أن يسمي من بينه وبينهما فيكون ثقة للقيهما ثم أردت إبطال ما روى وائل بن حجر عن النبي بأن لم يعلم إبراهيم فيه قول علي وعبد الله، قال: فلعله علمه، قلت: ولو علمه لم يكن عندك فيه حجة بأن رواه، فإن كنت تريد أن توهم من سمعه أنه رواه بلا أن يقول هو رويته جاز لنا أن نتوهم في كل ما لم يرو أنه علم فيه ما لم يقل لنا علمنا ولو روى عنهما خلافه لم يكن عندك فيه حجة، فقال: وائل أعرابي، فقلت: أفرأيت فرثعًا الضبي وقزعة وسهم بن منجاب حين روى إبراهيم عنهم وروى عن عبيد بن نضلة، أهم أولى أن يروى عنهم أم وائل بن حجر وهو معروف عندكم بالصحابة وليس واحد من هؤلاء فيما زعمتم معروفًا عندكم بحديث ولا شيء، قال: بل وائل بن حجر، قلت: فكيف ترد حديث رجل من الصحابة وتروي عمن دونه ونحن إنما قلنا: برفع اليدين ممن عدد، لعله لم يرو عن النبي ﷺ شيئًا قط عددًا أكثر منهم غير وائل بن حجر، ووائل أهل أن يقبل عنه.
قال الشافعي: وقيل عن بعض أهل ناحيتنا إنه لمروي عن رسول الله ﷺ رفع اليدين في الافتتاح وعند رفعه من الركوع وما هو بالمعمول به ثم قال إن الناس كانوا إذا ناموا من الليل في شهر رمضان لم يأكلوا ولم يجامعوا حتى نزلت الرخصة فأكلوا وشربوا وجامعوا إلى الفجر، فأما قوله ليس بالمعمول به فقد أعيانا أن نجد عند أحد علم هؤلاء الذين إذا علموا بالحديث ثبت عنده فإذا
[ ١٢٩ ]
تركوا العمل به سقط عنده وهو يروي أن النبي فعله وأن ابن عمر فعله ولا يروي عن أحد يسميه أنه تركه فليت شعري من هؤلاء الذين لم أعلمهم خلفوا ثم يحتج بتركهم العمل وغفلتهم فأما قوله في الناس: كانوا لا يأكلون بعد النوم في شهر رمضان حتى أرخص لهم أن أشياء قد كانت، ثم نسخها الله فذلك كما قال، وقد بين الله ما نسخها وبينه رسول الله، أفيجوز أن يقال لما قال رسول الله هو منسوخ بلا خبر عن رسول الله أنه منسوخ فإن قال: لا، قيل: فأين الخبر أن رسول الله رفع اليد في الصلاة؟ فإن قال: فلعله كان ولم يحفظ، قيل: أفيجوز في كل خبر رويته عن النبي أن يقال: قد كان هذا ولعله منسوخ فيرد علينا أهل الجهالة بالسنن بلعله.
قال الشافعي: وإن كان تركك أحاديث رسول الله بمثل ما وصفت من هذا المذهب الضعيف فكيف لمنا ولاموا من ترك من الأحاديث شيئًا من أهل الكلام الذين يعتلون في تركها بأحسن وأقوى من هذا المذهب الضعيف.