حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَعَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ».
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ «لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّيَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا»، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ الصُّنَابِحِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «إنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا فَإِذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا فَإِذَا غَرَبَتْ فَارَقَهَا» وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ، وَرُوِيَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ»، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ نَامَ عَنْ الصُّبْحِ فَصَلَّاهَا بَعْدَ أَنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ قَالَ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ اللَّهَ - ﷿ - يَقُولُ ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾»، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ فِي سَفَرٍ فَعَرَّسَ فَقَالَ أَلَا رَجُلٌ صَالِحٌ يَكْلَؤُنَا اللَّيْلَةَ لَا نَرْقُدُ عَنْ الصَّلَاةِ فَقَالَ بِلَالٌ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قَالَ فَاسْتَنَدَ بِلَالٌ إلَى رَاحِلَتِهِ وَاسْتَقْبَلَ الْفَجْرَ قَالَ فَلَمْ يَفْزَعُوا إلَّا بِحَرِّ الشَّمْسِ فِي وُجُوهِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: يَا بِلَالُ فَقَالَ بِلَالٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِك قَالَ فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ثُمَّ اقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَهَذَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - مُتَّصِلًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - وَيَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - «مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» وَيَزِيدُ الْآخَرُ أَيَّ حِينٍ مَا كَانَتْ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَاهُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ أَمْرَ النَّاسِ شَيْئًا فَلَا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ».
أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ وَعَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ النَّبِيِّ مِثْلَهُ أَوْ مِثْلَ مَعْنَاهُ لَا يُخَالِفُهُ وَزَادَ عَطَاءٌ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَوْ يَا بَنِي هَاشِمٍ أَوْ يَا بَنِي مَنَافٍ. أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي لَبِيدٍ قَالَ سَمِعَتْ أَبَا سَلَمَةَ قَالَ «قَدِمَ مُعَاوِيَةُ الْمَدِينَةَ فَبَيْنَا هُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ إذْ قَالَ يَا كَثِيرَ بْنَ الصَّلْتِ اذْهَبْ إلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَسَلْهَا عَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ - الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ فَذَهَبْت مَعَهُ وَبَعَثَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ مَعَنَا فَقَالَ اذْهَبْ وَاسْتَمِعْ مَا تَقُولُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ فَجَاءَهَا فَسَأَلَهَا فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ لَا عِلْمَ لِي وَلَكِنْ اذْهَبْ إلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَسَلْهَا قَالَ فَذَهَبْنَا مَعَهُ إلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ذَاتَ يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَصَلَّى عِنْدِي رَكْعَتَيْنِ لَمْ أَكُنْ أَرَاهُ يُصَلِّيهِمَا فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْت صَلَاةً لَمْ أَكُنْ أَرَاك تُصَلِّيهَا فَقَالَ إنِّي كُنْت أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَأَنَّهُ قَدِمَ عَلَيَّ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ أَوْ صَدَقَةً فَشَغَلُونِي عَنْهُمَا فَهُمَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ».
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ قَيْسٍ
[ ٨ / ٦١٥ ]
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ جَدِّهِ قَيْسٍ قَالَ «رَآنِي النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَنَا أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الصُّبْحِ فَقَالَ مَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ يَا قَيْسُ؟ فَقُلْت إنِّي لَمْ أَكُنْ صَلَّيْت رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَسَكَتَ عَنِّي النَّبِيُّ - ﷺ -» (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَلَيْسَ بَعْدَ هَذَا اخْتِلَافٌ فِي الْحَدِيثِ بَلْ بَعْضُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ يَدُلُّ عَلَى بَعْضٍ فَجِمَاعُ نَهْيِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ مَا تَبْدُوَ حَتَّى تَبْزُغَ وَعَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ مَغِيبِ بَعْضِهَا حَتَّى يَغِيبَ كُلُّهَا وَعَنْ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ عَلَى كُلِّ صَلَاةٍ لَزِمَتْ الْمُصَلِّي بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ أَوْ تَكُونُ الصَّلَاةُ مُؤَكَّدَةً فَأَمَرَ بِهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَرْضًا أَوْ صَلَاةً كَانَ الرَّجُلُ يُصَلِّيهَا فَأَغْفَلَهَا فَإِذَا كَانَتْ وَاحِدَةً مِنْ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ صُلِّيَتْ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ بِالدَّلَالَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ إجْمَاعِ النَّاسِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): - ﵀ - فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَأَيْنَ الدَّلَالَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ؟ قِيلَ فِي قَوْلِهِ «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾» وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يُمْنَعَ أَحَدٌ طَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ وَصَلَّى الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَنَائِزِهِمْ بَعْدَ الْعَصْرِ وَالصُّبْحِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَفِيمَا رَوَتْ «أُمُّ سَلَمَةَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى فِي بَيْتِهَا رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ كَانَ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الظُّهْرِ فَشُغِلَ عَنْهُمَا بِالْوَفْدِ فَصَلَّاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ» لِأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الظُّهْرِ فَشُغِلَ عَنْهُمَا قَالَ، وَرَوَى «قَيْسٌ جَدُّ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّ النَّبِيَّ رَآهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الصُّبْحِ فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهُمَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ فَأَقَرَّهُ» لِأَنَّ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ مُؤَكَّدَتَانِ مَأْمُورٌ بِهِمَا فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَهْيُهُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي السَّاعَاتِ الَّتِي نَهَى عَنْهَا عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ لَا تَلْزَمُ فَأَمَّا كُلُّ صَلَاةٍ كَانَ يُصَلِّيهَا صَاحِبُهَا فَأَغْفَلَهَا أَوْ شُغِلَ عَنْهَا وَكُلُّ صَلَاةٍ أُكِّدَتْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَرْضًا كَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالْكُسُوفِ فَيَكُونُ نَهْيُ النَّبِيِّ فِيمَا سِوَى هَذَا ثَابِتًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -): وَالنَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ وَنِصْفَ النَّهَارِ وَمِثْلِهِ إذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ وَبَرَزَ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ لِأَنَّهُ نَهْيٌ وَاحِدٌ قَالَ وَهَذَا مِثْلُ نَهْيِ النَّبِيِّ - ﷺ - عَنْ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَأَنَّ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ التَّجْهِيزَ لِلْجُمُعَةِ وَالصَّلَاةِ إلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ وَهَذَا مِثْلُ الْحَدِيثِ فِي نَهْيِ النَّبِيِّ - ﷺ - عَنْ صِيَامِ الْيَوْمِ قَبْلَ رَمَضَانَ إلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْمَ رَجُلٍ كَانَ يَصُومُهُ.
بَابُ الْخِلَافِ فِي هَذَا الْبَابِ
حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَخَالَفَنَا بَعْضُ أَهْلِ نَاحِيَتِنَا وَغَيْرُهُمْ فَقَالَ يُصَلَّى عَلَى الْجَنَائِزِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ مَا لَمْ تُقَارِبْ الشَّمْسُ أَنْ تَطْلُعَ وَمَا لَمْ تَتَغَيَّرْ الشَّمْسُ وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ رَوَاهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ يُشْبِهُ بَعْضَ مَا قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَابْنُ عُمَرَ إنَّمَا سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ النَّهْيَ أَنْ يَتَحَرَّى أَحَدٌ فَيُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا وَلَمْ أَعْلَمْهُ رُوِيَ عَنْهُ النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَلَا بَعْدَ الصُّبْحِ فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ إلَى أَنَّ النَّهْيَ مُطْلَقٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَنَهَى عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَصَلَّى عَلَيْهَا بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ لِأَنَّا لَمْ نَعْلَمْهُ رُوِيَ النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَمَنْ نَهَى عَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ كَمَا نَهَى عَنْهَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا لَزِمَهُ أَنْ يَعْلَمَ مَا قُلْت مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَنْهَا فِيمَا لَا يَلْزَمُ وَمَنْ رَوَى فَعَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ كَانَ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الظُّهْرِ فَشُغِلَ عَنْهُمَا وَأَقَرَّ قَيْسًا عَلَى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الصُّبْحِ لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ نَهَى عَنْهَا فِيمَا لَا يَلْزَمُ وَلَمْ يَنْهَ الرَّجُلَ عَنْهَا فِيمَا اعْتَادَ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ وَفِيمَا يُؤَكَّدُ مِنْهَا وَمَنْ ذَهَبَ هَذَا عَلَيْهِ وَعَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ
[ ٨ / ٦١٦ ]
حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ إلَّا بِمَا قُلْنَا بِهِ أَوْ يَنْهَى عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ بِكُلِّ حَالٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَذَهَبَ أَيْضًا إلَى أَنْ لَا يُصَلِّيَ أَحَدٌ لِلطَّوَافِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ طَافَ بَعْدَ الصُّبْحِ ثُمَّ نَظَرَ فَلَمْ يَرَ الشَّمْسَ طَلَعَتْ فَرَكِبَ حَتَّى أَنَاخَ بِذِي طُوًى فَصَلَّى.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ): - ﵀ -: فَإِنْ كَانَ عُمَرُ كَرِهَ الصَّلَاةَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَهُوَ مِثْلُ مَذْهَبِ ابْنِ عُمَرَ وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ فَرَأَى نَهْيَهُ مُطْلَقًا فَتَرَكَ الصَّلَاةَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ وَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ هَذَا أَنْ يَقُولَ لَا صَلَاةَ فِي جَمِيعِ السَّاعَاتِ الَّتِي نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا لِطَوَافٍ وَلَا عَلَى جِنَازَةٍ وَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ فِيهَا صَلَاةً فَائِتَةً وَذَلِكَ مِنْ حِينَ يُصَلِّي الصُّبْحَ إلَى أَنْ تَبْرُزَ الشَّمْسُ وَحِينَ يُصَلِّي الْعَصْرَ إلَى أَنْ يَتِمَّ مَغِيبُهَا وَنِصْفَ النَّهَارِ إلَى أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَفِي هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ سَمِعَ «النَّبِيَّ يَنْهَى أَنْ تُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةُ أَوْ بَيْتُ الْمَقْدِسِ بِحَاجَةٍ الْإِنْسَانِ» قَالَ أَبُو أَيُّوبَ فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ صُنِعَتْ فَنَنْحَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَعَجِبَ ابْنُ عُمَرَ مِمَّنْ يَقُولُ لَا تُسْتَقْبَلُ الْقِبْلَةُ وَلَا بَيْتُ الْمَقْدِسِ بِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَقَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ».
(قَالَ الشَّافِعِيُّ): - ﵀ -: عَلِمَ أَبُو أَيُّوبَ النَّهْيَ فَرَآهُ مُطْلَقًا وَعَلِمَ ابْنُ عُمَرَ اسْتِقْبَالَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِحَاجَتِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ النَّهْيَ فَرَدَّ النَّهْيَ وَمَنْ عَلِمَهُمَا مَعًا قَالَ النَّهْيُ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي الصَّحْرَاءِ الَّتِي لَا ضَرُورَةَ عَلَى ذَاهِبٍ فِيهَا وَلَا سِتْرَ فِيهَا لِذَاهِبٍ لِأَنَّ الصَّحْرَاءَ سَاحَةٌ يَسْتَقْبِلُهُ الْمُصَلِّي أَوْ يَسْتَدْبِرُهُ فَتُرَى عَوْرَتُهُ إنْ كَانَ مُقْبِلًا أَوْ مُدْبِرًا وَقَالَ لَا بَأْسَ بِذَاكَ فِي الْبُيُوتِ لِضِيقِهَا وَحَاجَةِ النَّاسِ إلَى الْمِرْفَقِ فِيهَا وَسَتْرِهَا وَأَنَّ أَحَدًا لَا يَرَى مَنْ كَانَ فِيهَا إلَّا أَنْ يَدْخُلَ أَوْ يُشْرِفَ عَلَيْهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَفِي هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ صَلَّيَا مَرِيضَيْنِ قَاعِدَيْنِ بِقَوْمٍ أَصِحَّاءَ فَأَمَرَاهُمْ بِالْقُعُودِ مَعَهُمَا وَذَلِكَ أَنَّهُمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلِمَا أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - صَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا فَأَمَرَهُمْ بِالْجُلُوسِ» فَأَخَذَا بِهِ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْهِمَا وَلَا شَكَّ أَنْ قَدْ عَزَبَ عَلَيْهِمَا أَنَّ «النَّبِيَّ صَلَّى فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَالِسًا وَأَبُو بَكْرٍ إلَى جَنْبِهِ قَائِمًا وَالنَّاسُ مِنْ وَرَائِهِ قِيَامًا» فَنَسَخَ هَذَا أَمْرُ النَّبِيِّ بِالْجُلُوسِ وَرَاءَهُ إذْ صَلَّى شَاكِيًا جَالِسًا وَوَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ عَلِمَ الْأَمْرَيْنِ مَعًا أَنْ يَصِيرَ إلَى أَمْرِ النَّبِيِّ الْآخِرِ إذْ كَانَ نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ أَوْ إلَى أَمْرِ النَّبِيِّ الدَّالِّ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ. .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَفِي مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ النَّاسَ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ مَحْصُورٌ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ «النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ إمْسَاكِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ» وَكَانَ يَقُولُ بِهِ لِأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدٍ قَدْ رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - وَغَيْرُهُمَا فَلَمَّا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنْهُ عِنْدَ الدَّافَّةِ ثُمَّ قَالَ «كُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا»، وَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ نَهَى عَنْ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ ثُمَّ قَالَ: كُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَتَصَدَّقُوا» كَانَ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ عَلِمَ الْأَمْرَيْنِ مَعًا أَنْ يَقُولَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْهُ لِمَعْنًى فَإِذَا كَانَ مِثْلَهُ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُ لَمْ يَكُنْ مَنْهِيًّا عَنْهُ أَوْ يَقُولُ نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْهُ فِي وَقْتٍ ثُمَّ أَرْخَصَ فِيهِ بَعْدَهُ وَالْآخِرُ مِنْ أَمْرِهِ نَاسِخٌ لِلْأَوَّلِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَكُلٌّ قَالَ بِمَا سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَكَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ عَلَى مَعْنًى دُونَ مَعْنًى أَوْ نَسَخَهُ فَعَلِمَ الْأَوَّلَ وَلَمْ يَعْلَمْ غَيْرَهُ فَلَوْ عَلِمَ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِيهِ صَارَ إلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -): وَلِهَذَا أَشْبَاهٌ كَثِيرَةٌ فِي الْأَحَادِيثِ وَإِنَّمَا وَضَعْت هَذِهِ الْجُمْلَةَ لِتَدُلَّ عَلَى أُمُورٍ غَلِطَ فِيهَا بَعْضُ مَنْ نَظَرَ فِي الْعِلْمِ لِيَعْلَمَ مِنْ عِلْمِهِ أَنَّ مِنْ مُتَقَدِّمِي الصُّحْبَةِ وَأَهْلِ الْفَضْلِ وَالدِّينِ وَالْأَمَانَةِ مَنْ يَعْزُبُ عَنْهُ مِنْ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الشَّيْءَ يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ لَعَلَّهُ لَا يُقَارِبُهُ فِي تَقَدُّمِ صُحْبَتِهِ وَعِلْمِهِ وَيَعْلَمُ أَنَّ عِلْمَ خَاصِّ السُّنَنِ إنَّمَا هُوَ عِلْمٌ خَاصٌّ بِمَنْ فَتَحَ اللَّهُ لَهُ عِلْمَهُ لَا أَنَّهُ عَامٌّ مَشْهُورٌ كَشُهْرَةِ الصَّلَاةِ وَجُمَلِ الْفَرَائِضِ الَّتِي كُلِّفَتْهَا الْعَامَّةُ وَلَوْ كَانَ مَشْهُورًا شُهْرَةَ جُمَلِ الْفَرَائِضِ مَا كَانَ الْأَمْرُ فِيمَا وَصَفْت مِنْ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ كَمَا
[ ٨ / ٦١٧ ]
وَصَفْت وَيُعْلَمُ أَنَّ الْحَدِيثَ إذَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَذَلِكَ ثُبُوتُهُ وَأَنْ لَا نُعَوِّلَ عَلَى حَدِيثٍ لِيَثْبُتَ إنْ وَافَقَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَلَا يُرَدُّ لِأَنَّ عَمَلَ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ عَمَلًا يُخَالِفُهُ لِأَنَّ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَالْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ حَاجَةً إلَى أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَعَلَيْهِمْ اتِّبَاعُهُ لَا أَنَّ شَيْئًا مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ تَبِعَ مَا رُوِيَ عَنْهُ وَوَافَقَهُ يَزِيدُ قَوْلَهُ شِدَّةً وَلَا شَيْئًا خَالَفَهُ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ يُوهِنُ مَا رَوَى عَنْهُ الثِّقَةُ لِأَنَّ قَوْلَهُ الْمَفْرُوضَ اتِّبَاعَهُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى النَّاسِ وَلَيْسَ هَكَذَا قَوْلُ بَشَرٍ غَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - (قَالَ الشَّافِعِيُّ): - ﵀ -: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ أَتَّهِمُ الْحَدِيثَ الْمَرْوِيَّ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - إذَا خَالَفَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَّهِمَ الْحَدِيثَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ لِخِلَافِهِ لِأَنَّ كُلًّا رَوَى خَاصَّةً مَعًا وَأَنْ يُتَّهَمَا فَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَوْلَى أَنْ يُصَارَ إلَيْهِ، وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ قَوْلًا لَمْ يَرْوِهِ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ إنَّمَا قَالَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لِمَا وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ يَعْزُبُ عَنْ بَعْضِهِمْ بَعْضُ قَوْلِهِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ نَذْكُرَهُ عَنْهُ إلَّا رَأْيًا لَهُ مَا لَمْ يَقُلْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَإِذَا كَانَ هَكَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ نُعَارِضَ بِقَوْلِ أَحَدٍ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ خِلَافٌ مِنْ وَضْعِهِ هَذَا الْمَوْضِعَ وَلَيْسَ مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إلَّا وَقَدْ أُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ وَتُرِكَ لِقَوْلِ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَلَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يُرَدَّ لِقَوْلِ أَحَدٍ غَيْرِهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَاذْكُرْ لِي فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْت فِيهِ؟ قِيلَ لَهُ مَا وَصَفْت فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ مُفَرَّقًا وَجُمْلَةً وَمِنْهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إمَامُ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُقَدَّمُ فِي الْمَنْزِلَةِ وَالْفَضْلِ وَقَدَمُ الصُّحْبَةِ وَالْوَرَعِ وَالْفِقْهِ وَالثَّبْتِ وَالْمُبْتَدِئُ بِالْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُ وَالْكَاشِفُ عَنْهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ حُكْمٌ يَلْزَمُ كَانَ يَقْضِي بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَنَّ الدِّيَةَ لِلْعَاقِلَةِ وَلَا تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا شَيْئًا حَتَّى أَخْبَرَهُ أَوْ كَتَبَ إلَيْهِ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَتَبَ إلَيْهِ أَنْ يُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَتِهِ فَرَجَعَ إلَيْهِ عُمَرُ وَتَرَكَ قَوْلَهُ وَكَانَ عُمَرُ يَقْضِي أَنَّ فِي الْإِبْهَامِ خَمْسَ عَشَرَةَ وَالْوُسْطَى وَالْمُسَبِّحَةِ عَشْرًا عَشْرًا وَفِي الَّتِي تَلِي الْخِنْصَرَ تِسْعًا وَفِي الْخِنْصَرِ سِتًّا حَتَّى وُجِدَ كِتَابٌ عِنْدَ آلِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الَّذِي كَتَبَهُ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - «وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ» فَتَرَكَ النَّاسُ قَوْلَ عُمَرَ وَصَارُوا إلَى كِتَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَفَعَلُوا فِي تَرْكِ أَمْرِ عُمَرُ لِأَمْرِ النَّبِيِّ فَعَلَ عُمَرَ فِي فِعْلِ نَفْسِهِ فِي أَنَّهُ تَرَكَ فِعْلَ نَفْسِهِ لِأَمْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَذَلِكَ الَّذِي أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ وَعَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -): وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ حَاكِمَهُمْ كَانَ يَحْكُمُ بِرَأْيِهِ فِيمَا لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِيهِ سُنَّةٌ لَمْ يَعْلَمْهَا وَلَمْ يَعْلَمْهَا أَكْثَرُهُمْ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِلْمَ خَاصِّ الْأَحْكَامِ خَاصٌّ عَلَى مَا وَصَفْت لَا عَامٌّ كَعَامِّ جُمَلِ الْفَرَائِضِ. .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -): وَقَسَّمَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ فَسَوَّى بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَلَمْ يُفَضِّلْ بَيْنَ أَحَدٍ بِسَابِقَةٍ وَلَا نَسَبٍ ثُمَّ قَسَّمَ عُمَرُ فَأَلْغَى الْعَبِيدَ وَفَضَّلَ بِالنَّسَبِ وَالسَّابِقَةِ ثُمَّ قَسَّمَ عَلِيٌّ فَأَلْغَى الْعَبِيدَ وَسَوَّى بَيْنَ النَّاسِ وَهَذَا أَعْظَمُ مَا يَلِي الْخُلَفَاءَ وَأَعَمَّهُ وَأَوْلَاهُ أَنْ لَا يَخْتَلِفُوا فِيهِ وَإِنَّمَا لِلَّهِ - جَلَّ وَعَزَّ - فِي الْمَالِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمُ الْفَيْءِ، وَقِسْمُ الْغَنِيمَةِ، وَقِسْمُ الصَّدَقَةِ فَاخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِيهَا وَلَمْ يَمْتَنِعْ أَحَدٌ مِنْ أَخْذِ مَا أَعْطَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ وَلَا عَلِيٌّ وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ يُسْلِمُونَ لِحَاكِمِهِمْ وَإِنْ كَانَ رَأْيُهُمْ خِلَافَ رَأْيِهِ وَإِنْ كَانَ حَاكِمُهُمْ قَدْ يَحْكُمُ بِخِلَافِ آرَائِهِمْ لَا أَنَّ جَمِيعَ أَحْكَامِهِمْ مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَاعِ مِنْهُمْ وَفِيهِ مَا يَرُدُّ عَلَى مَا ادَّعَى أَنَّ حُكْمَ حَاكِمِهِمْ إذَا كَانَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَلَمْ يَرُدُّوهُ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ إلَّا وَقَدْ رَأَوْا رَأْيَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُمْ لَوْ رَأَوْا رَأْيَهُ فِيهِ لَمْ يُخَالِفُوهُ بَعْدَهُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ رَأَوْهُ فِي حَيَاتِهِ ثُمَّ رَأَوْا خِلَافَهُ بَعْدَهُ قِيلَ لَهُ فَيَدْخُلُ عَلَيْك فِي هَذَا إنْ كَانَ كَمَا قُلْت أَنَّ إجْمَاعَهُمْ لَا يَكُونُ حُجَّةً عِنْدَهُمْ إذَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى قِسْمِ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ يُجْمِعُوا عَلَى قِسْمِ عُمَرُ ثُمَّ يُجْمِعُوا عَلَى قِسْمِ عَلِيٌّ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُخَالِفُ صَاحِبَهُ فَإِجْمَاعُهُمْ إذًا لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَهُمْ أَوَّلًا وَلَا آخِرًا وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ حُجَّةٌ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ حُجَّةً. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ تَقُولُ؟ قُلْت: لَا يُقَالُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا إجْمَاعٌ وَلَكِنْ يُنْسَبُ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ إلَى فَاعِلِهِ فَيُنْسَبُ إلَى أَبِي بَكْرٍ فِعْلُهُ وَإِلَى عُمَرَ
[ ٨ / ٦١٨ ]
فِعْلُهُ وَإِلَى عَلِيٍّ فِعْلُهُ وَلَا يُقَالُ لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَخَذَ مِنْهُمْ مُوَافِقٌ لَهُمْ وَلَا يُخَالِفُ وَلَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلُ قَائِلٍ وَلَا عَمَلُ عَامِلٍ إنَّمَا يُنْسَبُ إلَى كُلٍّ قَوْلُهُ وَعَمَلُهُ، وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ادِّعَاءَ الْإِجْمَاعِ فِي كَثِيرٍ مِنْ خَاصِّ الْأَحْكَامِ لَيْسَ كَمَا يَقُولُ مَنْ يَدَّعِيهِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَفَتَجِدُ مِثْلَ هَذَا؟ قُلْنَا إنَّمَا بَدَأْنَا بِهِ لِأَنَّهُ أَشْهَرُ مَا صَنَعَ الْأَئِمَّةُ وَأَوْلَى أَنْ لَا يَخْتَلِفُوا فِيهِ، وَأَنْ لَا يَجْهَلَهُ الْعَامَّةُ وَنَحْنُ نَجِدُ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَعَلَ الْجَدَّ أَبًا ثُمَّ طَرَحَ الْإِخْوَةَ مَعَهُ ثُمَّ خَالَفَهُ فِيهِ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَأَى عَلَى بَعْضِ أَهْلِ الرِّدَّةِ فِدَاءً وَسَبْيًا وَحَبَسَهُمْ بِذَلِكَ فَأَطْلَقَهُمْ عُمَرُ وَقَالَ: لَا سَبْيَ وَلَا فِدَاءَ مَعَ غَيْرِ هَذَا مِمَّا سَكَتْنَا عَنْهُ وَنَكْتَفِي بِهَذَا مِنْهُ.
حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ يَحْيَى بْنَ حَاطِبٍ حَدَّثَهُ قَالَ تُوُفِّيَ حَاطِبٌ فَأُعْتِقَ مَنْ صَلَّى مِنْ رَقِيقِهِ وَصَامَ وَكَانَتْ لَهُ أَمَةٌ نُوبِيَّةٌ قَدْ صَلَّتْ وَصَامَتْ وَهِيَ أَعْجَمِيَّةٌ لَمْ تَفْقَهْ فَلَمْ تَرْعَهُ إلَّا بِحَمْلِهَا وَكَانَتْ ثَيِّبًا فَذَهَبَ إلَى عُمَرَ فَحَدَّثَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَأَنْتَ الرَّجُلُ الَّذِي لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ فَأَفْزَعَهُ ذَلِكَ فَأَرْسَلَ إلَيْهَا عُمَرُ فَقَالَ: أَحَبِلْت؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ مِنْ مرعوس بِدِرْهَمَيْنِ فَإِذَا هِيَ تَسْتَهِلُّ بِذَلِكَ وَلَا تَكْتُمُهُ قَالَ وَصَادَفَ عَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَقَالَ أَشِيرُوا عَلَيَّ قَالَ، وَكَانَ عُثْمَانُ جَالِسًا فَاضْطَجَعَ، فَقَالَ عَلِيٌّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ قَدْ وَقَعَ عَلَيْهَا الْحَدُّ، فَقَالَ أَشِرْ عَلَيَّ يَا عُثْمَانُ فَقَالَ: قَدْ أَشَارَ عَلَيْك أَخَوَاك فَقَالَ: أَشِرْ عَلَيَّ أَنْتَ قَالَ أَرَاهَا تَسْتَهِلُّ بِهِ كَأَنَّهَا لَا تَعْلَمُهُ وَلَيْسَ الْحَدُّ إلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ فَقَالَ عُمَرُ صَدَقْت صَدَقْت وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا الْحَدُّ إلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ فَجَلَدَهَا عُمَرُ مِائَةً وَغَرَّبَهَا عَامًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَخَالَفَ عَلِيًّا وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ فَلَمْ يَحُدَّهَا حَدَّهَا عِنْدَهُمَا، وَهُوَ الرَّجْمُ وَخَالَفَ عُثْمَانُ أَنْ لَا يَحُدَّهَا بِحَالٍ وَجَلَدَهَا مِائَةً وَغَرَّبَهَا عَامًا فَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ مِنْ خِلَافِهِ بَعْدَ حَدِّهِ إيَّاهَا حَرْفٌ، وَلَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُمْ لَهُ إلَّا بِقَوْلِهِمْ الْمُتَقَدِّمِ قَبْلَ فِعْلِهِ قَالَ وَقَالَ بَعْضُ مَنْ يَقُولُ مَا لَا يَنْبَغِي لَهُ إذَا قِيلَ حَدَّ عُمَرُ مَوْلَاةُ حَاطِبٍ كَذَا لَمْ يَكُنْ لِيَجْلِدَهَا إلَّا بِإِجْمَاعِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - جَهَالَةً بِالْعِلْمِ وَجُرْأَةً عَلَى قَوْلِ مَا لَا يَعْلَمُ وَمَنْ اجْتَرَأَ عَلَى أَنْ يَقُولَ إنَّ قَوْلَ رَجُلٍ أَوْ عَمَلَهُ فِي خَاصٍّ مِنْ الْأَحْكَامِ مَا لَمْ يُحْكَ عَنْهُ وَعَنْهُمْ قَالَ عِنْدَنَا مَا لَمْ يَعْلَمْ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَقَضَى عُمَرُ أَنْ لَا تُبَاعَ أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ وَخَالَفَهُ عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ وَقَضَى عُمَرُ فِي الضِّرْسِ بِجَمَلٍ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فَجَعَلَ الضِّرْسَ سِنًّا فِيهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ وَقَالَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَغَيْرُهُمْ لِلرَّجُلِ عَلَى امْرَأَتِهِ الرَّجْعَةُ حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ وَخَالَفَهُمْ غَيْرُهُمْ فَقَالَ إذَا طَعَنَتْ فِي الدَّمِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدْ انْقَطَعَتْ رَجْعَتُهُ عَنْهَا مَعَ أَشْيَاءَ أَكْثَرَ مِمَّا وَصَفْت فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَائِلَ السَّلَفِ يَقُولُ بِرَأْيِهِ وَيُخَالِفُهُ غَيْرُهُ، وَيَقُولُ بِرَأْيِهِ إلَيَّ وَلَا يَرْوِي عَنْ غَيْرِهِ فِيمَا قَالَ بِهِ شَيْءٌ فَلَا يُنْسَبُ الَّذِي لَمْ يُرْوَ عَنْهُ شَيْءٌ خِلَافُهُ وَلَا مُوَافَقَتُهُ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُقَلْ لَمْ يُعْلَمْ وَلَوْ جَازَ أَنْ يُنْسَبَ إلَى مُوَافَقَةٍ جَازَ أَنْ يُنْسَبَ إلَى خِلَافِهِ وَلَكِنْ كُلًّا كَذَبَ إذَا لَمْ يُعْلَمْ قَوْلُهُ، وَلَا الصِّدْقُ فِيهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ مَا يُعْرَفُ إذْ لَمْ يَقُلْ قَوْلًا، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ لَا يَرَى قَوْلَ بَعْضٍ حُجَّةً تَلْزَمُهُ إذَا رَأَى خِلَافَهَا وَأَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ اللَّازِمَ إلَّا الْكِتَابَ أَوْ السُّنَّةَ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَذْهَبُوا قَطُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ إلَى أَنْ يَكُونَ خَاصُّ الْأَحْكَامِ كُلِّهَا إجْمَاعًا كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَجُمَلِ الْفَرَائِضِ وَأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا وَجَدُوا كِتَابًا أَوْ سُنَّةً اتَّبَعُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِذَا تَأَوَّلُوا مَا يُحْتَمَلُ فَقَدْ يَخْتَلِفُونَ وَكَذَلِكَ إذَا قَالُوا فِيمَا لَمْ يَعْلَمُوا فِيهِ سُنَّةً اخْتَلَفُوا. .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ): - ﵁ -: وَكَفَى حُجَّةً عَلَى أَنَّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فِي كُلِّ الْأَحْكَامِ لَيْسَ كَمَا ادَّعَى مَنْ ادَّعَى مَا وَصَفْت مِنْ هَذَا وَنَظَائِرُ لَهُ أَكْثَرُ مِنْهُ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ الْإِجْمَاعَ فِيمَا سِوَى جُمَلِ الْفَرَائِضِ الَّتِي كُلِّفَتْهَا الْعَامَّةُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَلَا التَّابِعِينَ وَلَا الْقَرْنِ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَلَا الْقَرْنِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ وَلَا عَالِمٌ عَلِمْته عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ وَلَا أَحَدٌ نَسَبَتْهُ الْعَامَّةُ إلَى عِلْمٍ إلَّا حِينًا مِنْ الزَّمَانِ فَإِنَّ قَائِلًا قَالَ فِيهِ بِمَعْنًى لَمْ
[ ٨ / ٦١٩ ]
أَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَرَفَهُ وَقَدْ حَفِظْت عَنْ عَدَدٍ مِنْهُمْ إبْطَالَهُ، وَمَتَى كَانَتْ عَامَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي دَهْرٍ بِالْبُلْدَانِ عَلَى شَيْءٍ وَعَامَّةٌ قَبْلَهُمْ قِيلَ يَحْفَظُ عَنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ كَذَا، وَلَمْ نَعْلَمْ لَهُمْ مُخَالِفًا وَنَأْخُذُ بِهِ، وَلَا نَزْعُمُ أَنَّهُ قَوْلُ النَّاسِ كُلِّهِمْ لِأَنَّا لَا نَعْرِفُ مَنْ قَالَ مِنْ النَّاسِ إلَّا مَنْ سَمِعْنَاهُ مِنْهُ أَوْ عَنْهُ قَالَ: وَمَا وَصَفْت مِنْ هَذَا قَوْلَ مَنْ حَفِظْت عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ نَصًّا وَاسْتِدْلَالًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ): - ﵁ -: وَالْعِلْمُ مِنْ وَجْهَيْنِ اتِّبَاعٌ وَاسْتِنْبَاطٌ وَالِاتِّبَاعُ اتِّبَاعُ كِتَابٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَسُنَّةٌ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَقَوْلُ عَامَّةٍ مِنْ سَلَفِنَا لَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيَاسٌ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ - ﷿ - فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيَاسٌ عَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيَاسٌ عَلَى قَوْلِ عَامَّةِ سَلَفِنَا لَا مُخَالِفَ لَهُ وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ إلَّا بِالْقِيَاسِ وَإِذَا قَاسَ مَنْ لَهُ الْقِيَاسُ فَاخْتَلَفُوا وَسِعَ كُلًّا أَنْ يَقُولَ بِمَبْلَغِ اجْتِهَادِهِ وَلَمْ يَسَعْهُ اتِّبَاعُ غَيْرِهِ فِيمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ بِخِلَافِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.