من الجبان، وأستشهد على رؤية الهلال من هو من جملة العميان؟! كم بين من قيل فيه: (فلمآ آتاهم من فضلِه بَخِلوا به) وبين من قيل فيه: (ويُؤثرون على أنفسِهم ولو كان بهم خَصاصَةٌ) .؟! بيننا وبين القوم كما بين لبيقظة والنوم:
لا تَعْرِضَنَّ لذكرنا في ذكرهم ليس الصحيحُ إذا مشى كالمقعد
فيا من يطمع في علو الدرجات من غير عمل صالح هيهات هيهات! (أَمْ حَسِبَ الذين اجْتَرحوا السيئاتِ أن نجعلَهم كالذين آمنوا وعَمِلوا الصالحاتِ):
نزلوا بمكة في قبائلَ نوفلِ ونزلتُ بالبيداء أبعدَ منزل
" الثاني من الدرجات ": لين الكلام، وفي رواية: " إفشاء السلام ". وهو داخل في لين الكلام، وقد قال الله ﷿: (وقُولوا للناس حُسنًا)، وقال تعالى: (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسنُ)، وقال تعالى: (ادفع بالتي هي أحسنُ فإذا الذي بينَكَ وبَينَهُ عداوةٌ كأَنَّهُ وليٌّ حميم " وما يُلقّاها إلا الذين صبروا وما يُلقّاهآ إلا ذُو حظٍّ عظيمٍ)، وقال تعالى: (وجادلهم بالتي هي أحسنُ)، وقال تعالى: (ولا تُجادِلوآ أهلَ الكتابِ إلا بالتي هيَ أحسنُ إلا الذين ظلموا منهم)، ولما قال النبي (: " الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " قالوا له: وما الحج المبرور يا رسول الله؟ قال: " إطعام الطعام، ولين الكلام ". خرجه الإمام أحمد، وقد تقدم في ذكر
[ ٨٠ ]
إطعام الطعام أحاديث أخر في طيب الكلام، وفي حديث الصحيح عن النبي (: " والكلمة الطيبة صدقة "، وفيه أيضًا: " اتقوا النار ولو بشقّ تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة ".
وأما إفشاء السلام فمن موجبات الجنة، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي (قال: " والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم ". وخرّج أبو داود من حديث أبي أمامة عن النبي (قال: " إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام ". ويروى من حديث ابن مسعود مرفوعًا وموقوفًا: " إذا مرّ الرجل بالقوم فسلّم عليهم فردّوا عليه كان له عليهم فضل درجة لأنه ذكرهم بالسلام، وإن لم يردوا عليه ردّ عليه ملأٌ خير منهم وأطيب ".
[ ٨١ ]
وقد روي من حديث عمران بن حصين وغيره أن رجلًا دخل على النبي (فقال: السلام عليكم. فقال النبي (: " عشرٌ "، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله. فقال رسول الله (: " عشرون "، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فقال رسول الله (: " ثلاثون ". خرجه الترمذي وغيره، وخرجه أبو داود، وزاد: ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته. فقال النبي (: " أربعون " ثم قال: " هكذا تكون الفضائل ".
وقد سبق حديث: " أن تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف " وفي حديث ابن مسعود مرفوعًا: " من أشراط الساعة: السلام بالمعرفة ". خرجه الإمام أحمد.
[ ٨٢ ]
وإنما جمع بين إطعام الطعام ولين الكلام ليكمل بذلك الإحسان إلى الخلق بالقول والفعل، فلا يتم الإحسان بإطعام الطعام إلا بلين الكلام وإفشاء السلام، فإن أساء بالقول بطل الإحسان بالفعل من الإطعام وغيره كما قال تعالى: (يآ أيُّها الذين آمنوا لا تُبطِلوا صدقاتِكم بالمنِّ والأذى)، وربما كان معاملة الناس بالقول الحسن أحب إليهم من الإحسان بإعطاء المال كما قال لقمان لابنه: يا بنيّ! لتكن كلمتك طيبة، ووجهك منبسطًا، تكن أحب إلى الناس ممن يُعطيهم الذهب والفضة. وقد كان النبي (يلين القول لمن يشهد له بالشر فينتفي بذلك شرّه، وكان (لا يواجه أحدًا بما يكره في وجهه ولم يكن (فاحشًا ولا متفحشًا.
وروي عن ابن عمر أنه كان ينشد:
بنيَّ إنّ البرَّ شيءٌ هيِّنٌ :وجهٌ طليقٌ وكلامٌ ليِّنٌ
ولبعضهم:
خُذ العفو وأمر بعرف كما أُمِرتَ وأعرضْ عن الجاهلينْ
ولِنْ في الكلام لكلِّ الأنامِ فمُستحسَنُ من ذوي الجاهِ لينْ
وقد وصف الله ﷿ في كتابه أهل الجنة بمعاملة الخلق بالإحسان بالمال واحتمال الأذى، فقال تعالى: (وسارعوآ إلى مغفرةٍ من ربِّكم وجَنَّةٍ عرضُها السمواتُ والأرضُ أُعِدَّتْ للمتقين " الذين يُنفقون في السرَّآء والضرَّآء والكاظمين الغيظَ والعافين عن الناسِ والله يُحِبُّ المُحسنين) فالإنفاق في السراء والضراء يقتضي غاية الإحسان بالمال من الكثرة والقلة، وكظم الغيظ والعفو عن الناس يقتضي عدم المقابلة على السيئة من قول وفعل، وذلك يتضمن إلانة القول، واجتناب الفحش والإغلاظ في المقال ولو كان مباحًا، وهذا نهاية الإحسان، فلهذا قال تعالى: (والله يحبُّ المحسنين) .
[ ٨٣ ]
ومن هذا قول بعضهم وقد سُئل عن حسن الخلق، فقال: بذل الندى وكف الأذى. وهذا الوصف المذكور في القرآن أكمل من هذا، لأنه وصفهم ببذل الندى، واحتمال الأذى. وحسن الخلق يبلغ به العبد درجات المجتهدين في العبادة، كما قال النبي (: " إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم النهار، القائم الليل ". ورؤي بعض السلف في المنام فسئل عن بعض إخوانه الصالحين، فقال: وأين ذلك؟! رُفع في الجنة بحُسن خلقه.
ومما يُندب إلى إلانة القول فيه: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يكون برفق كما قال تعالى في حق الكفار: (وجادِلهم بالتي هيَ أحسنُ)، قال بعض السلف: ما أغضبت أحدًا فقبل منك. وكان أصحاب ابن مسعود إذا رأوا قومًا على ما يُكره يقولون لهم: مهلًا مهلًا بارك الله فيكم. ورأى بعض التابعين رجلًا واقفًا مع امرأة فقال لهما: إن الله يراكما، سترنا الله وإياكما. ودُعي الحسن إلى دعوة، فجيء بآنيةٍ فضةٍ فيها حلواء، فأخذ الحسن الحلواء فقلبها على رغيف وأكل منها، فقال بعض من حضر: هذا نهيٌ في سكون.
ورأى الفضيل رجلًا يعبث في صلاته فزبره، فقال له الرجل: يا هذا!
[ ٨٤ ]
ينبغي لمن يقوم لله أن يكون ذليلًا، فبكى الفضيل، وقال له: صدقت. قال شعيب بن حرب: ربما مر سفيان الثوري بقوم يلعبون الشطرنج، فيقول: ما يصنع هؤلاء؟ فيقال له: يا أبا عبد الله ينظرون في كتاب. فيُطأطيء رأسه ويمضي، وإنما يريد بذلك ليُعلم أنه قد أنكر. وقال سفيان: لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه خصال ثلاث: رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر، عدل بما ينهى، عالم بما يأمر، عالم بما ينهى. وقال الإمام أحمد: الناس يحتاجون إلى مداراة ورفق في الأمر بالمعروف بلا غلظة إلا رجلًا معلنًا بالفسق فإنه لا حرمة له.
وكان كثير من السلف لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا سرًا فيما بينه وبين من يأمره وينهاه. وقالت أم الدرداء: من وعظ أخاه سرًا فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه.
وكذلك مقابلة الأذى بإلانة القول كما قال تعالى: (ادفعْ بالتي هيَ أحسنُ)، وقال تعالى: (ويدرَؤُن بالحسنةِ السيئةَ أولئك لهم عُقْبى الدارِ)، قال بعض السلف: هو الرجل يسبه الرجل فيقول له: إن كنت صادقًا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبًا فغفر الله لك. قال رجل لسالم بن عبد الله وقد زحمت راحلتُه راحلتَه في سفر: ما أراك إلا رجل سوء. فقال له سالم: ما أراك أبعدت.
وقالت امرأة لمالك بن دينار: يا مُرائي!. قال: متى عرفت اسمي؟! ما عرفه أحد من أهل البصرة غيرك. ومر بعضهم على صبيان يلعبون بجوز،
[ ٨٥ ]
فوطئ على بعض الجوز بغير اختياره فكسره، فقال له الصبي: يا شيخ النار! فجلس الشيخ يبكي ويقول: ما عرفني غيره. ومر بعضهم مع أصحابه في طريق فرموا عليهم رمادًا، فقال الشيخ لأصحابه: من يستحق النار فصالحوه على الرماد؟! يعني فهو رابح.
ورأى جندب إبراهيم بن أدهم خارج البلد فسأله عن العمران، فأشار له إلى القبور، فضرب رأسه ومضى، فقيل له إنه إبراهيم بن أدهم! فرجع يعتذر إليه، فقال له إبراهيم: الرأي الذي يحتاج إلى اعتذارك تركته ببلخ. ومر به جندي آخر وهو ينظر بستانًا لقوم بأجرة، فسأله أن يناوله شيئًا فلم يفعل وقال: إن أصحابه لم يأذنوا لي في ذلك. فضرب رأسه، فجعل إبراهيم يطأطئ رأسه وهو يقول: اضرب رأسًا طالما عصا الله.
من أجلك قد جعلتُ خدِّي أرضًا للشامت والحسود حتى ترضى