عاش الإمام الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي في الحقبة التي تعد من أخطر العصور في تاريخ الهند السياسي، حيث عاصر استقلال الهند من الاحتلال الإنجليزي الغاشم وتقسيم الهند إلى دولتين: الهند وباكستان.
ولقد اشترك المسلمون والهندوس في تحرير البلاد من سيطرة الاستعمار، وأقاموا لذلك ثورة عام ١٨٥٧ م لكنها باءت بالإخفاق. ثم لما قام المؤتمر الوطني عام ١٨٨٤ م شاركوا فيه، وشاركوا في حركة عدم التعاون، أو العصيان المدني عام ١٩٢١ م، التي نادى بها غاندي مع جميع الطوائف من شعب الهند، ورأت البلاد عهدًا من الألفة والمحبة والتعاون، لم يمر مثله في تاريخها (^١).
هنا اختار الإنجليز طريقة "فرِّق تسد"، وبثوا سموم التفرقة بين الهندوس والمسلمين وسلّطوا هذا السلاح الرهيب على الشعب حتى لا تعود البلاد إلى وحدتها (^٢).
يقول الشيخ أبو الحسن الندوي: أقنع الحاكم العام الإنجليزي ورجال الحكومة أحد الزعماء الوطنيين الهنادك بضرورة الدعوة إلى الديانة
_________________
(١) انظر: "كفاح المسلمين في تحرير الهند" (ص ١٣٩).
(٢) انظر: المصدر السابق.
[ ١ / ٢٣ ]
الهندوكية، وإرجاع من دخل من أهل البلاد في الدين الإسلامي إلى ديانتهم القديمة، وتنظيم الشعب الهندوكي على أساس ديني قومي حزبي، ومن هنا ظهرت الدعوة والتبشير بالديانة البرهمية والآرية، وانتشر دعاتهم في الهند، وظهرت إزاء ذلك حركة الدعوة إلى الإسلام وتنظيم المسلمين على أساس مستقل، وبدأت المناظرات الدينية والخطب العاطفية والحماسية، وانفجرت الاضطرابات الطائفية في شبه القارة الهندية، واستمرت الاضطرابات، وعنفت حتى كان في سنة ١٩٢٧ م في بضعة شهور فقط خمسة وعشرون اضطرابًا (^١).
وهنا بدأ المسلمون يبتعدون شيئًا فشيئًا عن المؤتمر باعتباره مؤسسة هندوسية، وإن كان فيها بعض عناصر من المسلمين، إلا أنها لم تستطع إيقاف الدافع العدواني على المسلمين من الهندوس (^٢).
وأما علماء الهند المسلمون فلم يكونوا بمعزل عن الاستقلال، بل شاركوا حركة التحرير مشاركة قيادية فعالة، فمن العلماء البارزين الذين شاركوا في التحرير العلامة محمود حسن الملقب بـ "شيخ الهند"، والعلامة حسين أحمد المدني، والشيخ عزيز كل - وقد أسرتهم الحكومة الإنجليزية ونفتهم وزملاءهم وتلاميذهم إلى جزيرة مالطا -، ومولانا عبد الباري الفرنجي محلي، ومولانا محمد علي، ومولانا شوكت علي، ومولانا أبو الكلام آزاد وغيرهم (^٣).
لكن لما حان وقت الاستقلال اختلف المسلمون والهندوس في التقاسم على السلطة، وأدى هذا الاختلاف إلى اضطرابات طائفية شديدة بين المسلمين والهندوس، ووقعت المذابح التي راحت ضحيتها الآلاف
_________________
(١) "المسلمون في الهند" (ص ١٦٤).
(٢) "كفاح المسلمون في تحرير الهند" (ص ١٥١).
(٣) انظر: "المسلمون في الهند" (ص ١٦٢)، وانظر: "مسيرة الحياة" لأبي الحسن الندوي (١/ ١٦٩).
[ ١ / ٢٤ ]
من الطرفين، ولم يعد هناك مفر من التسليم بالأمر الواقع، والخضوع لفكرة التقسيم، التي أصبحت عقيدة المسلمين وحياتهم (^١).
واختلف العلماء والناس في قضية التقسيم، فبعضهم كان لا يرى تقسيم الهند مفيدًا وضروريًّا؛ بل سيكون أضرارًا وأخطارًا كبيرة على الدعوة الإسلامية، وسيُفقد المسلمين نفوذهم السياسي وتأثيرهم الديني في الهند.
ورأى البعض الآخر أن التقسيم لا بد منه؛ لأن السلطة ستكون للمسلمين فقط لا يشاركهم فيها غيرهم، ويعيش المسلمون فيه حياة العز والكرامة.
فمن العلماء الذين أيدوا فكرة التقسيم وبذلوا جهودًا كثيرة في تأسيس دولة إسلامية: شيخ الإسلام مولانا ظفر أحمد التهانوي، ومولانا شبير أحمد العثماني، والمفتي محمد حسن الأمر تسري وغيرهم (^٢).
فبدأ الناس يهاجرون من الهند إلى باكستان، ووقعت حينئذٍ الاضطرابات الطائفية الدموية التي تقشعر الجلود من سماع أحوالها في دلهي، وبنجاب الشرقية والمدن الأخرى.
واجتمع الشيخ المجاهد حسين أحمد المدني، والشيخ الرباني عبد القادر الرائي فوري، والشيخ محمد زكريا الكاندهلوي، وقرروا عدم الهجرة إلى باكستان وعزموا على البقاء في الهند والموت فيها، وكانوا يحثون الناس على الثبات والبقاء في الهند مهما كلّفهم ذلك من ثمن، وكانوا يحرِّضونهم على تحمل الشدائد والمكاره، والإيمان بالله، فقرر كثير من الذين آثروا الهجرة أن يتخلوا عن نيتها (^٣)، وأبدى هؤلاء العلماء ثباتًا لا نظير له، مع الهمة العالية والثقة الكاملة بوعد الله - ﷾ -.
_________________
(١) انظر: "باكستان في ماضيها وحاضرها" (ص ٥١).
(٢) انظر: "آب بيتي" (في الأردية) (٥/ ٢٦).
(٣) انظر: "آب بيتي" (في الأردية) (٥/ ٢٩).
[ ١ / ٢٥ ]
وقد ترك هذا التقسيم في نفوس مسلمي الهند اليأس وعدم الثقة، يقول العلامة أبو الحسن الندوي: عدنا في أواخر يناير/ كانون الثاني ١٩٣٨ م - حيث كان في الحجاز عند التقسيم -؛ فوجدنا الدنيا غير الدنيا، والأوضاع غير الأوضاع، ورأينا البقية الباقية من المسلمين في الهند - وقد كان عددهم كبيرًا جدًا - مصابين - إلا من رحم ربك - باليأس ومُركب النقص، فقد خذلهم قادتهم القوميون فأصبحوا يجهلون رسالتهم ودعوتهم ونفعهم، كأنهم يعيشون في ظلام قاتل لا يبصرون شيئًا من النور، تسودهم الدهشة والحيرة (^١).
وهبّ علماء المسلمين للدفاع عن الإسلام والمسلمين ولإيجاد الثقة فيهم، فهذا المجاهد الشيخ حسين أحمد المدني والشيخ حفظ الرحمن السيوهاروي، والمفتي كفاية الله، ومولانا أبو الكلام آزاد، وغيرهم وقفوا مع قادة الأكثرية كالند للند، وكانت هذه المواجهة البطولية مضربًا للأمثال، وكان لها دورٌ كبيرٌ وفائدةٌ لا تنكر في إيجاد الثقة والاعتماد (^٢).
ونشطت الدعوة الإسلامية بكل قوة وصرامة، فهذا الشيخ محمد يوسف - أمير جماعة التبليغ - وأتباعه خرجوا في طول الهند وعرضها، بل تجاوزوا إلى باكستان والدول الأخرى، لبثِّ الشعور الديني فيهم وإثارة عاطفة الخشوع والإنابة والتوجه إلى الله، وكان الشيخ محمد يوسف يقول: إن قلوبهم في هذا الوقت منكسرة، فإن أنابوا إلى الله وتابوا إليه توبة نصوحًا فإن هذه السحب الكثيفة التي تتراكم ستنقشع ويرفع الله العذاب عنهم (^٣).
وأما الشيخ المحدث محمد زكريا الكاندهلوي، فقد كان مشرفًا على جماعة التبليغ وموجهًا لها، حيث كان يقيم في مركزها في نظام الدين بدلهي
_________________
(١) "مسيرة الحياة" لأبي الحسن الندوي (١/ ٢٠٣).
(٢) انظر في: "مسيرة الحياة" للندوي (١/ ٢٠٥)، و"المسلمون في الهند" (ص ١٦٧).
(٣) "تذكرة الشيخ محمد يوسف" (بالأردية) (ص ٢٨٥).
[ ١ / ٢٦ ]
عدة أيام، يوجه الجماعة ويشرف على المدارس الإسلامية الأهلية التي كانت قائمة، والتي أقيمت في عصره، ويسافر إليها ليتفقد أحوالها ويوجهها بآرائه السديدة (^١)، وكذا قام بالرد على الملحدين والفرق الباطلة ردًا علميًا وفكريًا مقنعًا، فمن ذلك كتابه "إسلام المشرقي"، و"القاديانية".