وذكر شيخ الهند قُدِّس سرُّه خمسة عشر أصلًا بالبسط في اللغة الأردية في مبدأ تراجمه، يأتي بيانها في الفائدة الثالثة مفصلًا معربًا، وذكر في آخرها عدة أصول في العربية، وهذا نصه، فقال:
اعلم أن المؤلف - ﵀ - مرّة يصرِّح بالترجمة، لكن غرضه لا يكون ظاهر العبارة، بل ما يثبت بالالتزام أو بالإشارة، جليًّا كان أو خفيًّا، يظهر مقصوده بعد التأمل في أحاديث الباب، فمن لم يتأمل وقصر على الظاهر يقع في التكلف والتخبُّط.
مثلًا: قال - ﵀ -: "باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب"، وذكر فيه حديث (^١) استئجار أهل الكتابين واستئجار هذه الأمة، فأشكل التطبيق على الشرَّاح، وتكلفوا فيه.
والتحقيق: أن غرض المؤلف من هذه الترجمة بيان آخر وقت العصر، فظهر التطبيق، فافهم، ولو قال: "باب تأخير العصر إلى الغروب" كما صرح في الصفحة السابقة: "باب تأخير الظهر إلى العصر"، ما تكلف أحد هذه التكلفات البعيدة.
وهكذا قال بعد ورقة: "باب من أدرك من الفجر ركعة"، فالمقصود منه أيضًا بيان آخر وقت الفجر لا ظاهر الترجمة، والله أعلم.
وهكذا قال في محل آخر: "باب ما يقول بعد التكبير"، وأدخل فيه حديث الكسوف (^٢) أيضًا، فأشكل التوفيق فتكلَّفوا.
والوجه عندنا أن بعد التأمل في أحاديث الباب يُفهم أن غرض المؤلف في هذا الباب إثبات التوسع في دعاء الافتتاح وتركه رأسًا، وعدم تعيين الدعاء المخصوص لزومًا، وأن الدعاء ثابت بعد التكبير متصلًا ومنفصلًا، فحينئذ ينطبق جميع الأحاديث المذكورة في الباب، فافهم، والله أعلم، وليس غرضه من هذا الباب تعيين الدعاء.
_________________
(١) "صحيح البخاري" (ح: ٤٤٨).
(٢) "صحيح البخاري" (ح: ٧٤٨).
[ ١ / ١٢٠ ]
وتارة يذكر الباب (^١) بلا ترجمة، ويذكر فيه حديثًا، فالشرَّاح - ﵏ - يذكرون في مثل هذا المقال احتمالات أكثرها بعيدة عن شأن المؤلِّف والمؤلَّف كليهما، كما لا يخفى على المهرة، وأحسن أعذارهم أنه كالفصل من الباب السابق، لكن هذا العذر أيضًا لا يتمشَّى في بعض المواضع.
مثلًا قال في الأبواب المتعلقة بأحكام البول: "باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله"، وذكر فيه حديث إنسانين يعذبان في قبورهما، ثم قال بعده: "باب ما جاء في غسل البول"، وذكر في الترجمة هذا الحديث (^٢)، ثم بعد ذلك الباب قال: "باب" بلا ترجمة، وذكر فيه هذا الحديث أيضًا، فكيف يقال: إنه كالفصل من الباب السابق؟ لأن هذا يمكن إذا كان الثاني مغايرًا للأول بوجه، وههنا لا تغاير أصلًا، فافهم.
وعندنا لا بد أن يقال: إن المؤلف أحيانًا يترك الترجمة عمدًا ويذكر حديثًا، ومقصوده أني أخرجت من هذا الحديث حكمًا أو أحكامًا، فينبغي أن تخرجوا منه حكمًا غير ذلك بشرط أن يكون مناسبًا لتلك الأبواب، ويفعل هكذا تشحيذًا للأذهان، وتنبيهًا وإيقاظًا للناظرين، كما هو دأبه في أمور كثيرة.
فعندنا - والله أعلم - هذا الاحتمال أقوى وأليق. وأنفع مهما أمكن.
نعم، إذا كان مانع منه في موضع ما، فلا بدَّ أن يتوجَّهوا إلى احتمال آخر يناسب ذلك المقام.
فعلى هذا يقال ههنا مثلًا: ينبغي أن تكون الترجمة كون البول موجبًا لعذاب القبر وما يماثلها، والله أعلم بالصواب، لا يقال: إن في أبواب القبر يقول: "باب عذاب القبر من الغيبة والبول"، فتتكرر الترجمة؛ لأنا نقول: المقصود هناك بيان حكم القبر، وها هنا المقصود ذكر حكم البول، فأين التكرار؟
_________________
(١) سيأتي في الأصل الخامس والعشرين، (ز).
(٢) "صحيح البخاري" (ح: ٢١٨).
[ ١ / ١٢١ ]
ونظائره كثيرة عند المؤلف لا تخفى على الناظرين، مثلًا: قال في أبواب الإيمان: "أداء الخمس من الإيمان"، ثم قال في أبواب الخمس: "أداء الخمس من الدِّين"، وهكذا قال المؤلف - ﵀ - في آخر أبواب التيمم: "باب" بلا ترجمة، ثم ذكر حديث عمران بن حصين - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا معتزلًا لم يصل في القوم، فقال: "يا فلان ما منعك أن تصلي في القوم؟ "، فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء، قال: "عليك بالصعيد، فإنه يكفيك" (^١).
فعلى ما ذكرنا سابقًا يفهم من التراجم المذكورة في هذه الأبواب، أن الترجمة ههنا ينبغي أن تكون: "إذا لم يجد الجنب ماء يتيمم"، ولا حاجة إلى سهو الناسخين، أو عدم توفيق المؤلف - ﵀ -.
وتارة يذكر بابًا (^٢) مع الترجمة، لكن لا يذكر حديثًا عكس الصورة الأولى، وفيه وجهان، مرة يذكر تحت الترجمة آية، أو حديثًا، أو قولًا من الصحابة والتابعين دالًّا على الترجمة، وهو كثير، ومرة لا يذكر شيئًا منها أيضًا، كما لا يذكر حديثًا مسندًا بل يذكر الترجمة فقط، فيحمله الشرَّاح على سهو الناسخين، أو سهو المؤلف، أو عدم تيسر إرادته بوجه من الوجوه، ولا يخفى استبعاده.
والتحقيق عندنا في هذه المواضع التفصيل:
أما الصورة الأولى: فظاهر أن الترجمة مدلَّلة بالآية أو الحديث أو غيرهما المذكور في ذيل الترجمة، فالترجمة تثبت ما تركها غير ثابتة، واكتفى المؤلف بهذا القدر بوجه ما، إما لأن حديثًا على شرط المؤلف ليس عنده، وإما لقصد التمرين.
وأما الصورة الثانية: فلا يختارها المؤلف إلا في موضع يكون دليل الترجمة مذكورًا قبلها في الباب السابق أو بعدها، مع أن هذه الصورة قليلة
_________________
(١) "صحيح البخاري" (ح: ٣٤٨).
(٢) يأتي في الأصل السابع والعشرين، (ز).
[ ١ / ١٢٢ ]
جدًا، فلا تكون الترجمة غير ثابتة، بل ثابتة بالدليل المذكور في الكتاب، وإن لم يذكر مع الترجمة لقصد التمرين والتنبيه وغيرها من الأسباب.
نعم، وجدنا في جملة الكتاب بابًا أو بابين، جعل - ﵀ - الآية فيه ترجمة، واكتفى بها، ولم يذكر معها حديثًا ولا قولًا، فالأَولى أن يقال: لما جعل الترجمة آية القرآن وهو دليل فوق جميع الأدلة، فهذه الترجمة دعوى دليلها معها، لا يحتاج إلى دليل آخر، فاكتفى بها، فلا يقال: الدعوى بقيت بلا دليل، ولا يحتاج إلى أن يجعل حديثًا أو قولًا المذكور في الأبواب السابقة أو اللاحقة دليلًا لها، فالله أعلم.
هذا ما عندنا من التفصيل، فعليك بالتأمل الصادق والإنصاف اللائق، فإن كان حقًا فمن العزيز الرحيم، وإلا فمني ومن الشيطان الرجيم، انتهى.
وأشار الكرماني في مواضع من "شرحه" (^١): أن الإمام البخاري يقتفي مشايخه في تراجم "صحيحه".
وتعقبه الحافظ في "الفتح" (^٢) ورد عليه في "باب طرح الإمام المسألة" إذ قال: وأما دعوى الكرماني أنه لمراعاة صنيع مشايخه في تراجم مصنفاتهم فإنها غير مقبولة، ولم نجد عن أحد ممن عرف حال البخاري وسعة علمه، وجودة تصرفه، حكى أنه كان يقلِّد في التراجم، ولو كان كذلك لم يكن له مزية على غيره، وقد توارد النقل عن كثير من الأئمة أن من جملة ما امتاز به كتاب البخاري دقة نظره في تصرفه في تراجم أبوابه، والذي ادَّعاه الكرماني يقتضي أنه لا مزية له في ذلك؛ لأنه مقلد فيه لمشايخه، وأعاد الكرماني هذا الكلام في "شرحه" مرارًا، ولم أجد له سلفًا في ذلك، والله المستعان، انتهى مختصرًا.
* * *
_________________
(١) انظر: "صحيح البخاري بشرح الكرماني" (٢/ ١٣).
(٢) "فتح الباري" (١/ ١٤٨).
[ ١ / ١٢٣ ]