كان مما أكرمه الله به أن شيخه أبدى رغبته وحرصه الشديد على وضع شرحٍ لسنن أبي داود، وطلب من الشيخ محمد زكريا أن يساعده في ذلك، وأن يكون له فيه عضده الأيمن وقلمه الكاتب، وكان ذلك مبدأ سعادته وإقباله ووسيلة وصوله إلى الكمال، واختصاص لا مزيد عليه بالشيخ، فكان الشيخ خليل أحمد يرشده إلى المظان والمصادر العلمية التي يلتقط منها المواد، فيجمعها الشيخ محمد زكريا ويعرضها على شيخه، فيأخذ منها ما يشاء، ويترك ما يشاء، ثم يُملي عليه الشرح فيكتبه، وهكذا تمّ تأليف كتاب، "بذل المجهود في حَلّ سنن أبي داود".
وفتح ذلك قريحته في التأليف والشرح، ووسَّع نظره في فن الحديث، ثم اهتم بطبعه في المطابع الهندية، والعناية بتصحيحه وإخراجه بإخلاص كامل، ومجاهدة شديدة، فنال بذلك رضا شيخه وحاز ثقته، حتى انتهى ذلك إلى ما انتهى إليه من خلافة ونيابة، وإقبال القلوب والنفوس إليه، وما وُفق له من بعد من جلائل الأعمال وفضائل الأخلاق (^٢).
وقد ذكر ذلك المحدِّث خليل أحمد السهارنفوري في مقدمة "بذل المجهود" (^٣) فقال: "وأعانني عليه بعض أحبائي، منهم عزيزي وقرة عيني وقلبي، الحاج الحافظ المولوي محمد زكريا بن مولانا الحافظ المولوي محمد يحيى الكاندهلوي - ﵀ -، فإني كنت لا أقدر على الكتابة ولا على
_________________
(١) "العناقيد الغالية من الأسانيد العالية" (ص ١١٩).
(٢) مقدمة "أوجز المسالك" (ص ١٧).
(٣) (ص ٤٠).
[ ١ / ٣٥ ]
التتبع، لرعشة حدثت في يدي وضعف في دماغي وبصري، فكنت أملي عليه وهو يكتب، ويتتبع المباحث المشكلة من مظانها، فيَسهُل عليَّ إملاؤها، فشكر الله سعيه وأحسن جزاءه، وما بذل فيه من جهد، وأكرمه الله تعالى بعلومه الباطنة والظاهرة النافعة في الدنيا والآخرة، وبالأعمال المبرورة المتقبلة الزاهرة".
فكان لهذا أكبر الأثر في تكوين شخصيته العلمية، وفتح له الطريق في مستقبل حياته حتى صدرت عنه مؤلفات كثيرة وتحقيقات نادرة.