تقديم الكتاب
بقلم
العلامة أبي الحسن علي الحسني الندوي - ﵀ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وخاتم النبيين محمد وآله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فممَّا تقرر عند المشتغلين بصناعة الحديث تدريسًا وتصنيفًا، وشرحًا وتحقيقًا، أن الأبواب والتراجم في "الجامع الصحيح" لأمير المؤمنين في الحديث محمد بن إسماعيل البخاري - ﵀ -، من أدقِّ البحوث والمطالب، ومن أعمقها غورًا، وأبعدها مدى، حتى اشتهر بين العلماء أن فقه البخاري في تراجمه، وأصبح ذلك شعارًا لهذا الكتاب، يتميز به عن أقرانه الصحاح على جلالة قدرها، وفخامة شأنها.
وأصبح مقياسًا لفطنة العلماء، وتوقد ذكائهم، وسيلان ذهنهم، وبُعد غورهم، واقتدارهم على فهم هذا الكتاب الجليل، وحلّ غوامضه، وفتح أغلاقه، والتوصل إلى مقاصد المؤلِّف؛ لا يشهد لمؤلِّفٍ أو مدرِّسٍ ببراعةٍ في العلم، وتفوق في التدريس، وسعة اطلاع على الشروح والحواشي، وأقوال الأئمة والفحول من المحدثين، وطول ممارسة لتدريس هذا الكتاب الشريف، وإضناء القوى، وإفناء العمر في ذلك، حتى يجتمع له الشيء الكثير من هذا الباب.
[ ١ / ٨٣ ]
وينفرد بتوجيهات، وتعليلات تنحل بها الألغاز، وتنفتح بها الأقفال، وتخلو عنها بطون الأسفار.
ولذلك عُني بهذا الموضوع العلماء قديمًا وحديثًا، وأجالوا فيه قداحهم، وأركضوا في هذا السباق جيادهم، واعتصروا في ذلك عقولهم الراجحة، وعلومهم الراسخة، ولا نعرف أديبًا أو لغويًا تعمَّق في فهم بيت من الأبيات، ومعرفة معنى من المعاني الشعرية والوصول إلى غايات الشعراء، مثل تعمق شراح "الجامع الصحيح" والمشتغلين بتدريسه في فهم مقاصد المؤلف، وشرح كلامه.
ولا نعرف - على طول اشتغالنا بالتاريخ العلمي - مؤلَّفًا من مؤلَّفات العلماء أو الحكماء عُني به رجال ذلك الفن، وعكفوا على حلِّ غوامضه، وفكِّ مشكلاته، حتى شقّوا فيه الشَّعْرَة، مثل ما عُني علماء الحديث بـ "الجامع الصحيح"، وما ذلك إلا لإخلاص مؤلفه لعلم الحديث الشريف، وانقطاعه إليه، وجهاده في سبيله، وتفانيه في ذلك، كما بيَّنا ذلك في تقديمنا لمقدمة "لامع الدراري".
وما ذلك كذلك إلا لشدة اعتناء الأمة الإسلامية بكل ما يتَّصل بالحديث النبوي، ويتَّصل بالشخصية النبوية، التي ضَمِنَ الله لها برفع الذكر، وتخليد الأثر، وارتفاع المنار، ولسان صدق في العالمين، حتى تخطَّت هذه البركة وسرت إلى من اتصل بها عن قريب أو بعيد، فأدركت كل من انخرط في سلك الرواة على مدى العصور والأجيال، فرفعت عنه اللثام، وأزالت عنه لوثة النكارة، أو وصمة الجهالة، فدوِّن في كتب أسماء الرجال اسمه واسم أبيه، وذُكر كثير من أخباره، وبُحث عن نسبه ونسبته، ودراسته ونشأته، وأمانته وعدالته، حتى أصبح عَلَمًا يعرف، ومعرفةً لا تنكر، وفاق في ذلك على كثير من المصلحين في أمم أخرى، وكثير من العظماء والأبطال، ومؤسِّسي الحكومات، حتى قال أحد المستشرقين الكبار وهو العالم الألماني المعروف بـ "اسبرنجر" في مقدمته بالإنجليزية على كتاب
[ ١ / ٨٤ ]
"الإصابة" المطبوع في كلكته سنة ١٨٥٣ - ١٨٦٤ م: "لم تكن فيما مضى أمة من الأمم السالفة - كما أنه لا توجد الآن أمة من الأمم المعاصرة -، أتت في علم أسماء الرجال بمثل ما جاء به المسلمون في هذا العلم العظيم الخطر، الذي يتناول أحوال خمس مائة ألف رجل وشؤونهم" (^١).
لم يقتصر هذا البر والرفد على الأولياء والمحبِّين من أمته، والخادمين لدينه وعلمه، بل تعدَّى ذلك إلى الأعداء الكاشحين، والمناوئين لدينه، فعرف به العالم كثيرًا من أعدائه الألداء ممن طوتهم الجاهلية وطمستهم الأيام، فبقيت أسماؤهم، وكثير من أخبارهم بفضل السيرة النبوية والحديث النبوي، ولولاهما لذهبت أخبارهم أدراج الرياح، وطارت بأسمائهم العنقاء، فلا عجب إذا كان العصر الغابر، والتاريخ الماضي يتمثلان ببيت الشاعر العربي (^٢)، ويخاطبان هذه السحابة التي مرت بهما فأفاضت عليهما الحياة والنماء، وينشدان:
فَاذْهَبْ كما ذهبَتْ غَوادِي مُزُنَة … أَثْنى عَلَيْهَا السَّهْلُ وَالْأَوْعَارُ
ونعود إلى الحديث فنقول:
وكان مظهرًا من مظاهر هذه العناية الفائقة بهذا الكتاب الفذِّ، عناية العلماء بتراجم الأبواب في "الجامع الصحيح"، فتناوله كل من شرح هذا الكتاب، أو علَّق عليه، أو عكف على تدريسه، وأفرد بعضهم له تأليفات فات كثيرًا من المؤرخين أسماؤها شأن العلوم الأخرى.
ومن المؤلَّفات التي حُفظت أسماؤها، وجاءت الإشارة إليها، ثلاثة مؤلفات في هذا الموضوع، ذكرها الكاتب الجلبي المشهور باسم الحاج
_________________
(١) "الرسالة المحمدية" لأستاذنا العلَّامة السيد سليمان الندوي، (تعريب الأستاذ محمد ناظم الندوي) [طُبعت مرارًا].
(٢) هو مسلم بن الوليد، قاله في رثاء يزيد بن مزيد، انظر: "وفيات الأعيان" (٦/ ٣٣٩).
[ ١ / ٨٥ ]
خليفة (ت ١٠٦٧ هـ) في كتابه الشهير "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون" (^١)، وهي:
١ - كتاب للإمام ناصر الدين أحمد بن محمد بن منصور بن أبي القاسم المعروف بـ "ابن المنُيِّر" الإسكندراني، المتوفى سنة (٦٨٣ هـ) (^٢)، سمَّاه "المتواري على تراجم أبواب البخاري" (^٣).
٢ - "ترجمان التراجم" لأبي عبد الله محمد بن عمر بن رُشَيد الفهري السبتي، المتوفى سنة (٧٢١ هـ) (^٤)، قال الجلبي: وهو على أبواب الكتاب، ولم يكمله.
٣ - "فك أغراض البخاري المبهمة في الجمع بين الحديث والترجمة"، وهي مائة ترجمة، للفقيه أبي عبد الله محمد بن منصور بن حمامة المغراوي السِّجلْماسِيّ، المتوفى سنة (٣٧٠ هـ).
٤ - وأضاف إلى هذه الكتب الثلاثة مسند الهند وأستاذ الأساتذة فيها الشيخ عبد العزيز بن ولي الله الدهلوي (م ١٢٣٩ هـ) كتابًا رابعًا في كتابه المفيد "بستان المحدثين"، وهو "تعليق المصابيح على أبواب الجامع الصحيح" لأبي عبد الله بن محمد بن أبي بكر عمر القرشي المخزومي الإسكندراني الملقب ببدر الدين المعروف بالدمامينى المتوفى سنة (٨٢٨ هـ) (^٥).
_________________
(١) "كشف الظنون" (ص ٣٦٥).
(٢) ترجمته في "شذرات الذهب" (٥/ ٣٨١)، و"الوافي بالوفيات" (١/ ١٤٩).
(٣) طبع هذا الكتاب باسم: "المتواري على تراجم أبواب البخاري" بتحقيق علي حسن علي في المكتب الإسلامي بيروت سنة ١٤١١ هـ، وبتحقيق صلاح الدين مقبول أحمد في مكتبة المعلا الكويت سنة ١٤٠٧ هـ.
(٤) ترجمته في "الإحاطة" لابن الخطيب (٣/ ١٣٥)، و"الديباج المذهب" (١/ ٣١٠).
(٥) قال الشيخ عبد الحي الحسني في ترجمة الدماميني في "نزهة الخواطر" (الجزء الثالث): وله شرح على "صحيح البخاري"، سمَّاه "مصابيح الجامع"، أوَّله: "الحمد لله الذي في خدمة السُّنَّة النبويّة أعظم سيادة"، ذكر فيه أنه ألّفه للسلطان =
[ ١ / ٨٦ ]
هذا ما أُثر عن المتقدمين والأئمة المحققين في البلاد الإسلامية العربية (^١).
ومن المعروف أن علماء الهند قد سمت همتهم في خدمة علم الحديث، وتفنَّنوا فيها كل تفنُّن، فكانت لهم في كل فنٍّ من فنونه، وغرض من أغراضه، جولة، وقد انتهت إليهم رئاسة علم الحديث، والصدارة في تدريسه ونشره في العصر الأخير، فلا بد أن تكون لهم مؤلفات لم تصل إلينا أسماؤها.
وجزى الله عنا وعنهم مؤلف كتاب: "الثقافة الإسلامية في الهند"؛ إذ حفظ لنا الشيء الكثير من مؤلفات علماء الهند في علم الحديث، واستقصاها استقصاءً كبيرًا، ولكنه لم يذكر بما ألف في موضوع الأبواب والتراجم، إلا رسالة (^٢) لشيخ مشايخ الهند، وأستاذ الأساتذة، وناشر علم الحديث في هذه الديار، الإمام ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي (^٣)، المتوفى سنة (١١٧٦ هـ)، وهي رسالة وجيزة المباني غزيرة المعاني، تكاد تكون كلها أصولًا كلية، ونكتًا حِكَمية، واللُّبُّ اللُّباب في فهم التراجم والأبواب، شأنه في كل موضوع يطرقه، وبحث يتناوله.
_________________
(١) = أحمد شاه المذكور، وعلّق على أبواب منه ومواضع يحتوي على غريب وإعراب وتنبيه، وقد دخل ابن الدماميني مدينة أحمد آباد سنة ٨٢٠ هـ، ولا بد أن يكون هذا الكتاب قد ألف بين سنتي ٨٢٠ هـ و٨٢٨ هـ. [وقد طبع هذا الكتاب من دار النوادر بدمشق سنة ٢٠١٠ م].
(٢) ويوجد تأليف العلَّامة بدر الدين بن جماعة (المتوفى ٧٣٣ هـ) باسم: "مناسبات تراجم أبواب البخاري" أيضًا، وهو مطبوع بالهند.
(٣) طبعتها باسم "رسالة شرح تراجم صحيح البخاري" دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد سنة ١٣٢٣ هـ، وهي تقع في ١٢٩ صفحة بالقطع المتوسط. [وطبعت في القاهرة وبيروت أيضًا سنة ١٤٢٠ هـ].
(٤) هو الإمام الهمام حجة الله بين الأنام، شيخ الإسلام قطب الدين ولي الله أحمد بن عبد الرحيم العمري الدهلوي، انظر ترجمته في "نزهة الخواطر" (٦/ ٣٩٨ - ٤١٥).
[ ١ / ٨٧ ]
ومن المرجَّح أن مؤلف "الثقافة" (^١) لم يطَّلع على رسالة (^٢) العلامة الشيخ محمود حسن الديوبندي (م ١٨ ربيع الأول سنة ١٣٣٩ هـ) المعروف بشيخ الهند، فإنما طُبعت بعد وفاة مؤلف "الثقافة" (م سنة ١٣٤١ هـ).
وهذا جُلُّ ما انتهى إلينا من أخبار الكتب والرسائل في موضوع الأبواب والتراجم للبخاري في الماضي.
* وسرُّ الغموض في هذه الأبواب والتراجم: تنوُّع مقاصد المؤلف الإمام، وبُعد مراميه، وفرط ذكائه وحِدَّة ذهنه، وتعمُّقه في فهم الحديث، وحرصه على الاستفادة منه أكبر استفادة ممكنة، فهو كنحلة حريصة توَّاقة، تجتهد أن تتشرَّب من الزهرة آخر قطرة من الرحيق، ثم تحولها إلى عسل مصفًّى فيه شفاء للناس.
وشأن الإمام البخاري مع الحديث النبوي شأن العاشق الصادق، والمحب الوامق، مع الحبيب الذي أسبغ الله عليه نعمة الجمال والكمال، وكساه ثوبًا من الروعة والجلال، فهو لا يكاد يملأ عينيه منه، وهو كلَّما نظر إليه اكتشف جديدًا من آيات جماله، فازداد افتتانًا وهُيامًا، ورأى جماله يتجدَّد في كل حين، وإذا الوجه غير الوجه، والجمال غير الجمال، فلا قديم في الحب، ولا إعادة عند المحب، وصدق الشاعر:
يَزِيْدُكَ وَجْهُهُ حُسنًا … إِذَا مَا زِدْتَهُ نَظَرًا
ولذلك نرى الإمام البخاري لا يكاد يشبع من استخراج المسائل، واستنباط الفوائد، والنزول إلى أعماق الحديث، والتقاط الدرر منه، والخروج على قرائه بها، حتى يذكر حديثًا واحدًا أكثر من عشرين مرة.
_________________
(١) هو كتاب "الثقافة الإسلامية في الهند"، للمؤرخ العلَّامة عبد الحي الحسني، المتوفى سنة ١٣٤١ هـ، وطبع هذا الكتاب من المجمع العلمي بدمشق.
(٢) والكتاب يقع في (٧٢) صفحة، وهو في اللغة الأردية، وفي آخره نحو أربع صفحات بالعربية، وهو بمذكرات معلم أشبه منه بكتاب مستقل، طبع في مطبعة الأمان في نكَينه (بجنور).
[ ١ / ٨٨ ]
وقد روى حديث بريرة عن عائشة أكثر من اثنتين وعشرين مرة، واستخرج [منه] أحكامًا وفوائد جديدة.
وروى حديث جابر قال: "كنت مع النبي - ﷺ - في غزوة فأبطأ بي جملي وأعيا" الحديث، أكثر من عشرين مرة.
وروى حديث عائشة: أن النبي - ﷺ - اشترى طعامًا من يهودي إلى أجل ورهنه درعًا من حديد، في أحد عشر موضعًا، وعقد له أبوابًا وتراجم لها (^١).
وروى قصة موسى والخضر في أكثر من عشرة مواضع.
وأخرج حديث كعب بن مالك في تخلُّفه من غزوة تبوك في أكثر من عشرة مواضع، وفوائده أكثر من خمسين.
وروى حديث أسماء في كسوف الشمس وخطبته - ﷺ - في عشرة مواضع.
وروى حديث: "إن من الشجر لشجرة لا يسقط ورقها" الحديث، واستخرج منه فوائد جديدة (^٢).
فكأنه تأخذه النشوة والطرب عند رواية الحديث، فلا يملُّ من إعادته، وينشد بلسان الحال:
أَعِدْ ذِكْرَ نَعْمَانٍ لَنَا إِنَّ ذِكْرَهُ … هُوَ الْمِسْكُ مَا كَرَّرْتَهُ يَتَضَوَّعُ
وكأنه يتمثل ببيت الشاعر:
وَحَدَّثْتنَا يا سَعْدُ عَنْهُمُ فَزِدْتَنَا … شُجُونًا فَزِدْنَا مِنْ حَدِيثِكَ يا سَعْدُ
ثم يشتعل ذكاؤه - الذي ضرب فيه بسهم وافر - ويتوقد ذهنه، وتسيل
_________________
(١) "عمدة القاري" للعلَّامة العيني (٥/ ٤١٥).
(٢) نشكر لهذه الإحصائيات فضيلة الشيخ عبد الستار الأعظمي [المعروفي]، مدرِّس الحديث الشريف في دار العلوم، ندوة العلماء.
[ ١ / ٨٩ ]
قريحته، فيفلت زمام التأليف، ويرسل النفس على سجِيَّتها، ويستخرج من حديث واحد نتائج وفوائد لا تدور بِخَلَدِ (^١) كثير من الأذكياء، وما ذلك إلا لحدَّة ذهنه، وإفراط حبِّه، ولم يزل الحب مُلْهِمًا للبدائع، مُلهبًا للقرائح، والمحبُّ يقع على ما لا يقع عليه المتأمل، المرهق لجسمه، المُتعِب لعقله.
* وسرٌّ آخر للغموض في تراجم الأبواب: أن المؤلفَ الإمام غير خاضع للأساليب التأليفية، والقوانين الوضعية، التي جرى عليها المؤلفون في فنِّ الحديث في عصره وبعد عصره، بل هو واضع طريقة خاصة في التأليف، وإمام مذهب خاص، وهو لم يقتصر على ما يتبادر إليه الذهن من الأحكام الفقهية المستخرجة من الأحاديث، شأن أقرانه ومن سبقه من المؤلفين في علم الحديث والفقه، بل يستخرج من الأحاديث فوائد علمية وعملية لا تدخل تحت باب من أبواب الفقه المعروفة.
وقد أحسن الإشارة إلى ذلك أكبر شُرَّاح كتابه، وأعرفهم بمراده، العلامة الحافظ ابن حجر العسقلاني في مقدمة كتابه الفريد "فتح الباري" حيث قال: "ثم رأى أن لا يخليه من الفوائد الفقهية والنكت الحِكَمية، فاستخرج بفهمه من المتون معاني كثيرة، فرَّقها في أبواب الكتاب بحسب تناسبها، واعتنى فيه بآيات الأحكام، فانتزع منها الدلالات البديعة، وسلك في الإشارة إلى تفسيرها السبل الوسيعة.
قال الشيخ محيي الدين - نفع الله به -: ليس مقصود البخاري ألاقتصار على الأحاديث فقط، بل مراده الاستنباط منها، والاستدلال لأبواب أرادها، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث، واقتصر فيه على قوله: "فيه فلان عن النبي - ﷺ -"، أو نحو ذلك، وقد يذكر المتن بغير إسناد، وقد يورده معلَّقًا.
وإنما يفعل هذا؛ لأنه أراد الاحتجاج للمسألة التي ترجم لها، وأشار
_________________
(١) خَلَدٌ: القلب والبال.
[ ١ / ٩٠ ]
إلى الحديث لكونه معلومًا، وقد يكون مما تقدم وربما تقدم قريبًا.
ويقع في كثير من أبوابه الأحاديث الكثيرة، وفي بعضها ما فيه حديث واحد، وفي بعضها ما فيه آية من كتاب الله، وبعضها لا شيء فيه البتة، وقد ادَّعى بعضهم أنه صنع ذلك عمدًا، وغرضه أن يبيِّن أنه لم يثبت عنده حديث بشرطه في المعنى الذي ترجم عليه، ومن ثمة وقع في بعض من نسخ الكتاب ضمُّ باب لم يذكر فيه حديث إلى حديث لم يذكر فيه باب، فأشكل فهمه على الناظر فيه" (^١).
وقد زاد على ذلك حكيم الإسلام الشيخ ولي الله الدهلوي، فأحسن وأجاد، وأوضح التفاوت الواقع بين أفهام العلماء ومقاصد المؤلف الإمام، وكأنه يقول بلسان الشاعر:
نَزَلُوا بِمَكَّةَ فِيْ قَبَائِلَ هَاشِمٍ … وَنَزَلَتْ بِالْبَيْدَاءِ أَبْعَدَ مَنْزِلِ
قال - ﵀ -: وكثيرًا ما يستخرج الآداب المفهومة بالعقل، من الكتاب والسُّنَّة، والعادات الكائنة في زمانه - ﷺ -، ومثل هذا لا يدرك حُسنه إلا من مارسَ كتب الآداب، وأجال عقله في ميدان آداب قومه، ثم طلب لها أصلًا من السُّنَّة (^٢).
ومن أكثَرَ قراءةَ "الجامع الصحيح" درسًا وتدريسًا، وأنعمَ النظر فيه، شهد بصدق شيخ الإسلام فيما قاله، وإصابته الصميم، ووجد شيئًا كثيرًا مما يتأدَّب به، ويتخلَّق بأخلاق الرسول - ﷺ -، وعادات الصحابة، منثورًا في ثنايا هذا الكتاب العظيم، حتى يستطيع أن يستخرج منه كتابًا آخر، ويسميه: "الأدب المفرد" أو بما شاء، وقد يستهين المختص بالفقه والحديث بقيمة هذه الثروة العظيمة، وقد يلتوي عليه فهمها وحكمة وضعها في هذا الكتاب الذي أفرد لجمع الأحاديث الصحيحة على شروط الإمام البخاري، ولكن
_________________
(١) مقدمة "فتح الباري" (ص ٨).
(٢) "شرح تراجم أبواب صحيح البخاري" (ص ٥)، طبع في حيدر آباد ١٣٢٣ هـ.
[ ١ / ٩١ ]
نظر المحب يختلف عن نظر غيره، وقد أراد الإمام البخاري أن يكون هذا الكتاب نبراسًا للساري، وصورة لما كان عليه الصحابة والمسلمون في عصر النبوة.
والسبب الثاني لتعقُّد بعض ما أورده في هذا الكتاب من الأبواب والتراجم، والتوائها على فَهم كثير من الشرَّاح والمدرِّسين - حتى قال الكرماني (^١): "إن هذا قسمٌ عجز الفحول البوازل (^٢) في الأعصار، والعلماء الأفاضل من الأمصار، فتركوها [واعتذروا عنها] بأعذار" - هو عدم اطلاع أكثرهم على ما كان يسود في عصره من آراء وأقوال يشتدُّ حولها الخصام، ويكثر فيها القيل والقال، وما ذهب إليه بعض معاصريه، ومن تقدمه بقليل من مذاهب، فإنه يعقد بابًا ويأتي بترجمة، وما قصده من ذلك إلا نقض ما انتشر في الناس، وجرى عليه العامة، أو نقل عن عالم، وهو عنده مخالف للحديث وما ثبت من السُّنَّة، فهو يُوَرِّي بذلك، أو ينظر إليه من طرف خفي، ولا يستملح (^٣) ذلك، ولا يفهم سر إيراده له، إلا من اتَّسع علمه، وأحاط بأكثر ما كان يوجد في عصره من الأخلاق والعادات، والأقوال والآراء، وكذلك اطلع على كتب معاصريه، أو من سبقه بقليل، كـ "مصنف عبد الرزاق" و"مصنف ابن أبي شيبة" وغيرهما.
وقد أشار إلى هذه النكتة الشيخ ولي الله الدهلوي في بعض مباحثه في كتابه المتقدم ذكره، إذ قال: "وأكثر ذلك تعقبات وتبكيتات على عبد الرزاق، وابن أبي شيبة في تراجم مصنفيهما، إذ شواهد الآثار تروى عن الصحابة والتابعين في مصنَّفَيهما، ومثل هذا لا ينتفع به إلا من مارس الكتابين، واطلع على ما فيهما" (^٤).
_________________
(١) "صحيح البخاري بشرح الكرماني" (١/ ٤).
(٢) البازل: الرجل الكامل في تجربته.
(٣) كذا في الأصل، والظاهر: "ولا يستلمح".
(٤) "رسالة شرح التراجم" للشاه ولي الله الدهلوي (ص ٥).
[ ١ / ٩٢ ]
وسبب آخر لهذا الغموض والتعقد، وعجز العلماء والشرَّاح عن حلَّه، ومعاناتهم في ذلك الشدة والمشقة، حتى التجأ كثير منهم إلى تأويلات وتكلُّفات لا يُسيغها الذوق السليم، حتى قال الباجي: وإنما أوردت هذا ههنا لما عني به أهل بلدنا من طلب معنى يجمع بين الترجمة والحديث الذي يليها، وتكلفهم في ذلك من تعسُّف التأويل ما لا يسوغ، هو أن الكتاب لم يزل في دور التنقيح والتهذيب، والحذف والزيادة، شأن الكتب التي يُعنى بها أصحابها أشد عناية، ويَصُبُّون فيها علمهم، ويعتبرونها عمدة بضاعتهم ورأس مالهم، وزادهم في الآخرة، وشأن العلماء الذين لا يزال عقلهم في نبوغ، وعلمهم في نمو، فلا يزال عقلهم مشغولًا بهذا الكتاب، ولا يزال قلمهم يتناوله بالتحسين والتحبير، وحياة الإمام البخاري لم يكن فيها هدوء واستقرار، بل كان ينتقل من بلد إلى بلد، ومن محنة إلى محنة، ومن جفاء إلى جفاء، حتى لقي ربَّه.
ويدلُّ على ذلك ما نقله الإمام أبو الوليد الباجي المالكي في مقدمة كتابه في "أسماء رجال البخاري"، فقال: "أخبرني الحافظ أبو ذر عبد الرحيم بن أحمد الهروي، قال: حدثنا الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي، قال: انتسخت كتاب البخاري من أصله الذي كان عند صاحبه محمد بن يوسف الفربري، فرأيت فيه أشياء لم تتم، وأشياء مبيَّضة، منها تراجم لم يثبت بعدها شيئًا، ومنها أحاديث لم يترجم لها، فأضفنا بعضَ ذلك إلى بعض"، قال الباجي: "ومما يدلّ على صحة هذا القول: أن رواية أبي إسحاق المستملي، ورواية أبي محمد السَّرَخسي، ورواية أبي الهيثم الكُشميهني، ورواية أبي زيد المروزي مختلفة بالتقديم والتأخير، مع أنهم انتسخوا من أصل واحد، وإنما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم فيما كان في طُرة أو رُقعة مضافة أنه من موضع ما، فأضافه إليه، ويبين ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ليس بينها أحاديث" (^١).
_________________
(١) مقدمة "فتح الباري" (ص ٨).
[ ١ / ٩٣ ]
وأيَّده العلامة الحافظ ابن حجر صاحب "فتح الباري" فقال: "وهذه قاعدة حسنة يُفزع إليها حيث يتعسَّر وجه الجمع بين الترجمة والحديث، وهي مواضع قليلة جدًّا" (^١).
وعلى كلٍّ، فهذه بعضُ أسباب لتعقُّد الأبواب والتراجم في هذا الكتاب الذي اعتنت به الأمة أشدَّ اعتناءٍ بعد كتاب الله، وصلت إليها دراسة قاصرة لمن لم يكن صاحب اختصاص في فنِّ الحديث، وقد يكون أكثر من ذلك، ولا آخر في عالَم التأمل والبحث، وفوق كل ذي علم عليم.
ولم يزل الموضوع غضًّا طريًّا يطرقه كل باحث في علم الحديث، وكل دارس ومدرِّس لـ "الجامع الصحيح"، وكان الموضوع في حاجة - بعد ضياع كتب المتقدمين الأربعة التي تقدم ذكرها - إلى كتاب أكمل وأشمل، وأجمع وأوعى، فجاء هذا الكتاب - والحمد لله - وافيًا بالغرض، مُسعِفًا بالحاجة، يصدِّق قولَ الأولين: (كم ترك الأول للآخر).
وكان المؤلف - بارك الله في حياته - قد ذكر في كتابه "مقدمة كتاب لامع الدراري": كل ما جاء من أصول الشيخ الإمام ولي الله الدهلوي، والقواعد الكلية للتطبيق بين الأبواب والتراجم، وأبواب لا ترجمة لها، وكذلك كل ما جاء في رسالة الشيخ العلامة محمود حسن الديوبندي، وكل ما وجد من فوائد في دروس الشيخ الكبير مولانا رشيد أحمد الكَنكَوهي، وكذلك كل ما وجده من أصول وقواعد في كلام الحافظ ابن حجر، والقسطلاني، والحافظ العيني، فاستوعبها، وزاد عليها مما كان خاطره أبا عذره، ولم يسبق إليه، حتى بلغ عدد هذه الأصول والقواعد الكلية إلى سبعين أصلًا وقاعدة، فاحتوى على علم غزير، لم نجده في كتاب واحد - والغيب عند الله -، فاقترحت على المؤلف، كما اقترح كثير من تلاميذه تجريد هذا الجزء وطبعه ككتاب مستقل، فقبل هذا الاقتراح مشكورًا محسنًا
_________________
(١) مقدمة "فتح الباري" (ص ٨).
[ ١ / ٩٤ ]
إلى المشتغلين بتدريس هذا الكتاب العظيم بصفة خاصة، والخادمين لعلم الحديث بصفة عامة، مستحقًّا ثناءهم وتقديرهم ودعواتهم الصالحة، وما عند الله أوفى وأبقى، وأعظم وأجل.
وكان قد تناول كل كتاب من كتب "الجامع الصحيح"، وتكلم على أبوابها وتراجمها بابًا بابًا، وترجمة ترجمة، فجاء الكتاب سفرًا ضخمًا قد يقع في عدة أجزاء، وأصبح الكتاب موسوعة أو دائرة معارف بالتعبير الحديث في كل ما يتصل بالأبواب والتراجم في "الجامع الصحيح" للبخاري مغنيًا عن غيره، وبذلك أغنى طلبة علم الحديث، ومدرسيه عن تتبع هذا الموضوع في كل كتاب، والتقاط الدرر من كل بحر، ووفر عليهم وقتًا طويلًا وعناءً كبيرًا، ولا يعرف قيمة هذا الكتاب وما فتح الله به على مؤلفه من الرأي السديد، والقول الصواب، وما أتى به فيه من لباب النقول، وصفوة الأقوال، ومحصول العقول والألباب، إلا من مارس هذه الصناعة، واشتغل بتدريس الكتاب مدة طويلة، ولقي الجهد والعناء في حلِّ غوامضه، وفكِّ مشكلاته، وقد قال القائل:
إِنَّمَا يَعْرِفُ ذَا الْفَضْلِ … مِنَ النَّاسِ ذَوُوهُ
وندعو الله أن ينفع بهذا الكتاب طلبة العلم، وأساتذة الحديث، كما نفع بمؤلفاته الأخرى، وأن يبارك في حياته، وينفع به المسلمين، ويعزّ به العلم والدين.
وفي الأخير نعترف لزميلنا العزيز الأستاذ سعيد الأعظمي الندوي بالإخلاص وبذل الجهد في طبع هذا الكتاب، والإشراف على تصحيحه شأنه في مؤلفات الشيخ الأخرى التي سعد بنشرها وطبعها في مطبعة ندوة العلماء، وتقبَّل الله سعيه وجزاه خيرًا.
أبو الحسن علي الحسني الندوي
المسجد الجامع رأي بريلي - الهند
يوم الأربعاء، ١١ جُمادى الآخرة ١٣٩١ هـ
[ ١ / ٩٥ ]